أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: الجدل التاريخي الطبيعة والادراك

يعتبر انجلز قوانين الطبيعة تعمل بشكل جدلي.

كما يعتبر هيجل طبيعة العقل البيولوجية  جدلية بالفطرة الموروثة. ما يترتب عليه ان يكون كل شيء يدركه العقل محكوما بطبيعة العقل الجدلية. وليس بطبيعة جدل الواقع.

أعتقد خطأ هاتين المقولتين تحتاجان  توضيحا:

ا. الطبيعة بقوانينها العامة الثابتة تعمل باستقلالية عن رغبات الانسان والمؤثرات الخارجية التي تحاول كسر آلية انتظام عمل هذه القوانين العلمية الثابتة. وتمت تجربة مثل هذه المحاولات في كسر القوانين الطبيعية ممثلة بخوارق  معجزات لاهوت الاديان في القرون الوسطى. ولم يعد العلم يؤمن بتلك المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة واعتبرها تضليلا مقصودا تقف خلفه مصالح رجال الدين..

من المسائل العلمية الثابتة ان الطبيعة في موجوداتها وقوانينها الطبيعية العامة التي تحكمها هي معطى ازلي سواء اكانت عبر الاف السنين نتاج تطور بيولوجي - فيزيائي حدث بصدفة الانفجار العظيم. ام ان قوانين الطبيعة المعجزة لادراك العقل البشري هي نتاج تخليق قدرة الهية عظمى عليا غير محدودة ولا مدركة قادرة على خلق كل شيء في لمحة بصر كما تبشر به الاديان.

القوانين العامة التي تحكم الطبيعة من ضمنها الانسان بعضها لعبت الصدف في اكتشافها وكانت شغّالة فاعلة حتى قبل وبعد وجود الانسان على الارض وتقدم العلوم. والبعض الاخر توصل لها علماء الفيزياء والفضاء والكيمياء والرياضيات في لعب دور العالم المخترع لها وغيرها. وما يجب التنبيه له ثانية ان قوانين الطبيعة كانت موجودة ولا زالت وستبقى تحكم الطبيعة قبل وبعد اكتشاف او اختراع الانسان لما له علاقة بها.

الشيء الاخر يثبت العلم كما تثبت الفلسفة ان قوانين الطبيعة الازلية المحكمة على وفق نظام متقن معجز لا يمكن العبث الانساني به. فهي مستقلة فاعلة بعيدة عن تداخل اية مؤثرات خارجية او داخلية عليها، ولا تخضع لرغائب الانسان خارج علاقة التكيّف الانساني معها والانتفاع منها. فالطبيعة كانت قديما في بداية الخليقة على الارض ولا زالت الى حد اليوم الام مرضعة الانسان والكائنات الحيّة. ومن غير الطبيعة وما تزود به الانسان والحيوان والنبات من اسباب العيش والبقاء يكون مصيره الانقراض كما حدث مع حيوانات الديناصورات وحيوان الماموث وحيوانات اخرى انقرضت بصمت الجوع ولم يذكرها أحد ربما تكتشف الاحافير والتنقيبات الاثارية بقايا لها..

ب. لم يثبت العلم ولا اركيولوجيا التنقيبات الاثارية ولا دراسات الانثروبولوجيا ان قوانين الطبيعة العامة غير ثابتة جدلية متغيرة ولا ازلية تحكمها حركة الجدل التطورية و تعمل جدليا على صعيد سيرورة التاريخ  وعلى صعيد المادة كما اشار له انجلز.

كما من غير المتاح لنا اسباغ نوع من المنهجية الفلسفية الجدلية النظرية على تلك القوانين بغية تطويعها لخدمة اهداف سياسية ايديولوجية معينة كما جرى مع الماركسية وبعض التجارب الاشتراكية وعلوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات التي افادت من قوانين الطبيعة في منهجية جدلية تعسفية غير طبيعية في وجودها الثابت وعملها الديناميكي المتواصل في خدمة الانسان من غير وعي عقلي من الطبيعة. فعقل الطبيعة هو نظامها الثابت الذي تحكمه القوانين الطبيعية العامة لها.  ولم يسلم الفضاء الكوني من مؤثرات قوانين الطبيعة المطلقة اهمها قانون الجاذيبة وقوانين الفيزياء والرياضيات الاخرى.

هيجل وانجلز

مثالنا هنا مقولة انجلز قوانين الطبيعة العامة تعمل بشكل جدلي. ومقولة هيجل طبيعة العقل الجدلية هي التي تصنع جدل الطبيعة والتاريخ والوجود عموما. لا تحتمل مقولة انجلز قوانين الطبيعة تعمل بشكل جدلي توضيحا تعسفيا يضفي عليها مصداقية تلفيقية ليست صحيحة. وفي عدم تبيان خطئها الدوغمائي الواضح والتستر عليه خدمة للايديولوجيا السياسية.

مقولة هيجل التلفيقية قوله (الجدل الديالكتيكي الحاصل في المادة والتاريخ وبعض شؤون الحياة انما هي انعكاس لطبيعة العقل الجدلية). سبق لي ان كتبت حول هذه المقولة الخاطئة في اكثر من مقال لي منشورا على مواقع التواصل الاجتماعي سأدرج بعضا مما يحضرني منها:

ا. لا توجد لا علميا ولا فسلجيا ولا انثروبولوجيا خرافة فلسفية تحت عنوان (طبيعة العقل الجدلية). والعقل لا يعمل بمنهج جدلي فطري موروث ولا بمنهج جدلي مكتسب عن الطبيعة والواقع. ولا زالت دراسات وظائف الاعضاء وفسلجتها يكتشفون في تركيبة الدماغ العضوية مناطق وخلايا لم يكن الانسان يعرف عن عملها من قبل شيئا.

ب. العقل لا قدرة له على تخليق منهج الديالكتيك الذي يحكم حركة التطور بكل شيء في الواقع. في المادة والطبيعة والحياة والتاريخ. بل الديالكتيك هو من القوانين الوضعية العامة التي ابتدعها الانسان ولم يخلقها ان تكون لها خصائص ثابتة تجاري قوانين الطبيعة. وطبيعة الجدل الخارجي في حال ثبت حصولها بالواقع هي التي تجعل العقل الانساني يكتسب منهجية التفكير الجدلي كما هو حال العقل في اكتسابه ما لا حصر له من المعارف التي يكتشفها في المادة والطبيعة والتاريخ ولا دور له في اختراعها وايجادها..

ج. من عبارة هيجل الدوغمائية الخاطئة طبيعة العقل جدلية حين اراد فرض اسبقية التفكير الجدلي بالعقل على الجدل الحاصل بالواقع والتفسير المادي للتاريخ وهو بذلك وضع العربة امام الحصان.

ونستنتج من عبارته انه لم يكن يؤمن حصول جدل ديالكتيكي يغيّر التاريخ في حركته الاصطراعية مع ضده اطلق عليه فلسفيا وايديولوجيا صراع مصالح الطبقات المتناحرة. ولا جدل يحصل بالمادة والواقع العياني قبل حدوثه بتفكير العقل الجدلي . لذا ابتدع هيجل فكرة طبيعة العقل الجدلية المثالية تسبق كل اشكال الجدل الحاصل من حولنا في المادة والطبيعة والكون. بمعنى ميكانيكية وبرمجة العقل الطبيعة هي التي ترى الواقع والحياة والتاريخ تتطور جدليا من حولنا.

خلاصة ختامية

من خلال مقولة انجلز الدوغمائية اعتباره قوانين الطبيعة العامة تعمل بشكل جدلي ديالكتيكي ذاتي وحيد لفهم حركة تطور العالم من حولنا. معناه انه لا طريق ثان اخر تتقدم به الحياة والتاريخ ونفهم به المادة كما شرحها لنا علم الفيزياء والكيمياء والرياضيات لاحقا مفحما تماما التبسيط الجدلي السطحي كيف تتطور المادة بغير منهج الجدل الذي اصبح من تركات السرديات الكبرى حسب تعبير ما بعد الحداثة التي ارادت الاستحواذ على دور العلم .

اما مقولة هيجل الابتذالية ادعاءه ان طبيعة العقل هي جدلية بالفطرة الموروثة. عليه يبقى تفكير العقل الجدلي سابق على كل جدل يحصل في المادة والواقع والطبيعة والتاريخ ومن تخليقه. فهي عبارة خاطئة تماما ولا مجال البحث عن بعض مصداقية وصواب فيها.

من خلال هاتين المقولتين لانجلز وهيجل الدوغمائيتين تاكد لي على الاقل حقيقة ان قوانين الجدل الديالكتيكي بكل تنظيراته الفكرية والفلسفية والايديولوجية لم تتوصل الى إثبات حركة التاريخ التطورية واقعيا حادثا ومن سمات التطور ولا يتوفر لدينا اثبات واقعي يدعم تكامل النظرية الجدلية الفكرية بالتطبيق في مجال تفعيل قوانين الجدل. الا بما سمي الشروط الموضوعية والعوامل المساعدة .

الملاحظ ان قوانين الجدل الديالكتيكي الكلاسيكية الثلاث هي من قوانين الطبيعة الفيزيائية التي تحكم الطبيعة والانسان وهي ليست قوانين ثابتة بالتجربة ملحقة بقوانين الطبيعة العامة الثابتة لانها لا تجانسها المنهج الفيزيائي العلمي بل هي منفصلة عنها لانها تمثل حركة الطبيعة وتحولات المراحل التاريخية وعلاقة الانسان وكل شيء بها. لها منحى خاص يدركه الانسان ويتعامل معه بعيدا عن وضعه في خانة وقالب قوانين الجدل الديالكتيكي الذي يحكم حركة التاريخ التطورية الاحادية.

قوانين الجدل الديالكتيكي الثلاث ، قانون وحدة وصراع الاضداد، قانون تحولات الكم الى كيفيات مغايرة ، وقانون نفي النفي واستحداث الظاهرة الجديدة هي قوانين تنتسب لفيزياء الطبيعة وتطورات حركة التاريخ العفوية وكذلك لسيرورة تغيرات المادة في تقادم الزمن ولا تتقولب في المسار الجدلي المزعوم فلسفيا تنظيريا في مسارغير طبيعي ولا تاريخي ذي بعد واحد. وهذه القوانين الوضعية التي تسمى جدلية لا تعمل باستقلالية ذاتية كما هو مفترض في طبيعتها وتفسيرنا لها. بل تستمد حيويتها الشغالة من الطبيعة المتطورة باستمراروملازمتها حركة التاريخ الانثروبولوجي للانسان. . ولم يتأكد حدوث هذه القوانين الجدلية الوضعية في الواقع بالقياس الى درجة اختراعها فلسفيا. فهي من اختراع الفكر وليس نتيجة حركة التاريخ الزماني الارضي الطبيعي.

وإن إغماط فاعلية الصدف الطارئة منها والمصنّعة في دخولها المتقاطع مع المسار الخطي المزعوم للتاريخ.، وكذلك العشوائيات الداخلة عليه، والسببية، والصح والخطأ والانحراف، والقطوعات والقفزات الانتقالية النوعية، والتاريخ الساكن مراحليا، كل هذه وغيرها عوامل اساسية شغالة تدخل في صناعة حركة التاريخ خارج قوانين الجدل غير الملزمة واقعيا للتاريخ ان تكون هي من طبيعته..

 ومقولة هيجل التعسفية طبيعة العقل الجدلية هي التي تملي على الواقع حركته الجدلية هي محاولة تطويع حركة التاريخ للفكر اولا. وان التاريخ بحسب نظريته طبيعة العقل الجدلية ينسف ان يكون هناك جدل لا في التاريخ ولا في المادة لا يكون نتاجا فكريا عقليا قبليا ابتداءً.

بهذا اراد هيجل دحض المادية التاريخية ان تقوم على مبدأ جدلي طبيعي غير مصنّع وضعيا. يقوم على حركة الاقتصاد وملكية وسائل الانتاج وتضاد مصالح البروليتاريا مع الطبقات الراسمالية المالكة.

بالمقابل اراد انجلز بمقولته الدوغمائية المصادرة لحركة التاريخ العفوية اثبات ان قوانين الطبيعة العامة تعمل بمنهجية جدلية مستقلة ثابتة ملزمة بالضرورة حتمية التطور المادي الماركسي الاحادي. التي تجعل من الحتميات التاريخية والضرورات الملزمة للايديولوجيا هي الحركات الحقيقية التي تقود مسار التاريخ الخطي المتقدم الى امام دائما. وهذه بدورها تعمل بانسجام توافقي مع جدل القوانين العامة الثابتة للطبيعة. غير القابلة للدحض ولا للتخطئة ولا يطالها التقادم الزمني بالتآكل والتغيير. وكل هذه التنظيرات الفلسفية لهيجل ولانجلز محض تنظيرات فكرية فلسفية ارادت الباسها التاريخ في حدود مقولات الجدل الافتراضية واقعيا ماديا مرة، وتفكيرا عقليا يخلق هو جدل التاريخ والحياة والواقع تارة اخرى. .

***

علي محمد اليوسف

في المثقف اليوم