أقلام حرة

اسعد عبد الله: معوقات بناء دولة قوية

لا يمكن لاي نظام حكم ان يصمد طويلا، وتاريخ العراق السياسي خير دليل، على التغيرات وحصول الانقلابات الدموية والتي تسمى ثورات مع انها اغلبها تقوم بها عصابات تتسلق الحكم كما فعلتها عصابة عفلق، وبقية عقود طويلة تسميها ثورة، ووضعتها في المناهج الدراسية كي تحفظ الاجيال تلك الكذبة وتصبح حقيقة ملقنة، نعم لا يمكن الثبات لأي نظام، فالعواصف السياسية بانتظاره، والشكل السياسي الحالي مهما طال عمره سياتي يوم ويتغير، وهذه حالة اجتماعية لا مفر منها، خصوصا مع عدم تحقق احلام الجماهير وارجاع حقوقهم البسيطة مثل العمل والسكن والتعليم والصحة.

لذلك تتخذ عمليات التحول السياسي صبغة اجتماعية وصورة ثقافية، فمن ملازمات التغيير مؤكد يكون بثقافة مختلفة عن ما سبق.

من الملكية الى الجمهورية ثم الديمقراطية

بعد الحرب العالمية الثانية دخلت البلدان العربية في دوامة الانقلابات، ادى ذلك الى سيطرة أفراد وعوائل على الحكم في الكثير من البلدان العربية، فأعادت البلدان العربية استنساخ نفسها، بعد عقود من النظم الملكية التي ولدت بعد الحرب العالمية الأولى، فكانت مرحلة الانتقال من الملكية الى الجمهورية، والتي انتجت بالحقيقة دكتاتوريات قمعية.

وبعد ان استقرت البلدان بحكم الجمهوريات الدكتاتورية عندها سعى الحكام الى توريث الحكم، لابائهم وهو ما يتناقض تماما مع الشعارات الثورية التي قامت بها انضمتهم، وهو كما نراه تكريس لحالة ذوبان الدولة في شخص واحد، ويربط مصير البلد ومستقبله بالحاكم المطلق!

لذلك حصل الزلزال العربي ضد التوريث لتشهد ولادة الجيل الثالث لتلك الدول حيث الانتقال للشكل الجديد وهو الديمقراطية المسخ، كما حصل في العراق ومصر والسودان وليبيا وتونس، وفشل المشروع في سوريا وبقيت على وضعها، مع شراسة الهجمة الكونية عليها بغية تحويلها للديمقراطية المسخ.

منذ الستينات وبناء الدولة العربية

منذ أن قامت عصابة عفلق بانقلابها الدموي، وسيطرت على الحكم في العراق، وهي تسعى لبناء دولة عربية قوية، الدولة القومية كما فعله هتلر المثال الاميز للعفالقة، وقد غلب عليها الطابع الأمني، لاحساسهم بخطر الأصوات المعارضة لنهجهم من اليوم الأول لانقلابهم على النظام في بغداد، حيث كان الاهم عندهم اولا الخلاص من كل الأحزاب المنافسة، ليتحول البلد الى بلد الحزب الواحد، ثم القضاء على القيادات القوية ليصبح البلد بقيادة واحدة، كانت خطوات معد لها مسبقا، وقد مارست حكومة الحزب الاوحد سياسة القمع المفرط بحق الشعب وبحق المعارضين، ووضعت خطوط حمر لا يجوز تجاوزها في كل مجالات الحياة حتى الثقافة والفن والغناء،

ومنعت اي نشاط لمنظمات المجتمع المدني، وحلت اغلب الهيئات المجتمعية، والغت جمعيات حقوق الانسان، وأعلنت أنها منفتحة امام اي مشروع مدني، لكنها وضعت عراقيل وشروط صعبة امام اي جهد، مع ممارسة الجهد الامني في ملاحقة اي مشروع، والتهم حاضر مثل محاولة الانقلاب على الثورة.

وكان احد اهم اساليب حكومة الحزب الواحد انها مارست الإقصاء ازاء التشكيلات الثقافية والحزبية الاخرى التي تتعارض مع نهجها التعسفي القمعي، كل هذا يحصل في مجتمع يعاني من اشكال متنوع للتخلف، كحالة قائمة.

فشل بناء الدولة القوية

ومن هنا نبين اننا منذ اكثر من ستون عاما ولم يستطع كل من وصل للحكم من اقامة الدولة العربية القومية القوية رغم استعمالهم أبشع الاساليب القهرية ضد المعارضين والجماهير.

فالدولة الأمنية الطاغوتية هي دولة منغلقة على نفسها، ودوما هكذا نظم استبدادية تحيط نفسها بأوهام المؤامرة، فيختلقون أعداء وهميين ويصبون جام غضبهم على تلك الجيوش الوهمية والمؤامرات الخسيسة التي تعشعش في مخيلتهم فقط، ويطرب عليها جمهورهم الغارق بالجهل، وينشرون الرعب داخل الدولة ضد اي صوت يرفض افكارهم او يعتنق أفكار اخرى.

وهكذا فعل نظام صدام حيث جعل من حزب الدعوة بعبعا يهدد نظامه، بتهمة الانتماء لحزب الدعوة قام بإعدام الآلاف، وهجر الاف اخرى، وان استمرار بقاء فرضية المؤامرة يعني استمرار بقاء وجودهم العفن.

اختفاء السوط الأمني

الجيل الثالث لشكل البلدان العربية كان من دون السوط الامني، حيث ان التحول الى النظام الديمقراطي قد شهد انهيار للانظمة الامنية، منظومات امنية كاملة اختفت من العراق وليبيا والسودان وغيرها وكان اثر ذلك كبيرا على تلك المجتمعات، حيث شهدت تلك المجتمعات عقود من مصادرة الحريات، والقمع الأمني المفرط، والفزع من غضب رجال السلطة، وتجنب الحديث عن السياسة لأنه ممر سريع للتهلكة، فكان الإنسان يعيش حالة من الهلع والخوف مع تردد كبير، التشخيص الأولي يثبت أن الأمراض النفسية مستحكمة بتلك المجتمعات المضطهدة.

فكلما طال زمان الارتباك الأمني طال امد البناء، ودخلت البلاد مرحلة الفوضى، لذلك المرحلة الجديد بامس الحاجة للاستقرار الامني، الانسان يطلب الامان، فهو احد عوامل سعادة المجتمعات.

فإذا توفر الأمن امكن تحقيق كل الاصلاحات المطلوبة، ويكون الطريق لبناء دول قوية ممهدا، لذلك على الساسة الاهتمام الشديد بالمنظومة الامنية وابعادها عن الحزبية والفئوية والطائفية.

***

الكاتب: اسعد عبدالله عبدعلي

في المثقف اليوم