أقلام حرة

درصاف بندحر: بطل لا تتوقف رجلاه عن المشي

يقول الشاعر اللبناني وديع سعادة :

"لا أعرف كيف لا تتوقف أرجلنا عن المشي حين نفقد شخصًا نحبُّه. ألم نكن نمشي لا على قدمينا بل على قدميه؟

***

وائل حمدان إبراهيم الدحدوح مولود يوم 30 أبريل سنة 1970، في حي الزيتون وهو أقدم أحياء مدينة غ-ز-ة، صحفي فلسطيني درس في مسقط رأسه وقضى معظم سنين حياته فيها، اعتُقل لسبع سنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

 بدأ وائل حياته المهنية مراسلا لصحيفة القدس الفلسطينية، واشتغل مع وسائل إعلام أخرى قبل أن يلتحق بقناة الجزيرة عام 2004.

بتاريخ  25 أكتوبر 2023 أي بعد ثمانية عشر يوما من عملية طوفان الأقصى، غارة جوية للعدو، مغتصب الأرض، تصيب المنزل الذي لجأ إليه عائلة الدحدوح لتقتل زوجته وابنه محمود البالغ من العمر ستة عشر سنة وابنته شام البالغة من العمر ثماني سنوات وحفيده الصغير لينضافوا إلى ٱلاف الشهداء الذين ارتقوا خلال أقل من ثلاثة أسابيع.

وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على استشهاد أربعة من أفراد عائلته، وائل الدحدوح يطل عبر شاشة التلفزة في تغطية مباشرة للحرب الهمجية الإسرائيلية على قطاع غ-ز-ة معلنا عدم تخليه عن رسالته المهنية برغم الوجع.. لم يثنه مصابه الجلل عن  نقل مأساة وطنه إلى العالم..حرب إبادة جماعية ضد أبناء غ-ز-ة.

أي قوة وأي رباطة جأش هذه التي جعلت الدحدوح يقف على رجليه ويمشي منتصب القامة ..يقاوم الظلم والعدوان بالكاميرا والميكروفون ..يكشف الحقيقة للعالم، متحديا العدو والمتواطئين بكلمة" معلش ".

هذا الرجل.. من أين جاء بهذا الصبر الأسطوري، بهدوء النفس وثبات القلب، بسيطرته التامّة على قواه العقليّة وقدراته الحسيّة ومشاعره؟

إن درس وائل الدحدوح هذا يجب أن يتعلمه كل من يسير على رجلين على هذه الأرض..هناك دروس في الحياة لا يعلمنا إياها إلا معلم واحد، دون غيره.

درس وائل الدحدوح لا يمحى من الذاكرة ولن تمحوه لا الأيام ولا دبابات العدو.

 وائل الدحدوح يعلمنا أن كل مايمتلكه المرء قد يُسلب منه عدا أمرا واحدا هو  قدرته على إختيار مسلكه تحت أي ظرف..وتلك هي حريته الأخيرة..

وائل الدحدوح علمنا ولا يزال أن الحزن مهما عظم فهو لا يفقدنا الإصرار والعزيمة ..أن صاحب الحق لا ينحني أبدا ولا تكسر له شوكة وأن الثورة لا تولد إلا من رحم الأحزان.

***

درصاف بندحر - تونس

في المثقف اليوم