عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قضايا

كلما ارتفع الإنسان وعيا، كلما ارتقى عن أقرانه، فيرتقي ويرتقي فوق جبال المعرفة حتى يصير طائرا بوعيه كالنسر الثقافي الذي يرى الأشياء بمنظور أكثر شمولية ودقة، فيفهم الأشياء بشكل أوعى وأعمق وإن بدا مختلفا عن أقرانه. هذا الارتقاء ليس دربا مفروشا بالورود، بل هو مسار شاق يتطلب جرأة على التفكير وتحديا للمألوف. فكما قال الفيلسوف برتراند راسل، "الوعي يخلق حالة من الفوضى الداخلية، في حين أن الجهل يوفر لنا استقرارًا نسبيًا" . هذا التناقض يبرز الثمن الذي يدفعه المرء في سبيل اليقظة الفكرية، فبقدر ما تتسع المدارك، قد يشعر الفرد بالغربة في عالم يفضل فيه الكثيرون راحة الجهل. وقد عبر عن هذا المعنى أيضًا آرثر شوبنهاور بقوله: "الوعي يجعلنا غرباء في عالمنا، فالجهل يوفر لنا مأوى ومألوفية" .التطور. إنه يذكرنا بـ أسطورة الكهف لأفلاطون، حيث يمثل السجناء المقيدون الذين يرون الظلال على جدار الكهف غالبية البشر الذين يكتفون بالظواهر السطحية، بينما يمثل الفيلسوف الذي يتحرر ويخرج ليرى نور الشمس الحقيقة الكاملة، ذلك الإنسان الذي ارتقى بوعيه. وعندما يعود هذا المتحرر إلى الكهف ليخبر رفاقه بما رآه، فإنه يواجه الرفض والسخرية، لأنهم لا يستطيعون استيعاب حقيقة تتجاوز ظلالهم المألوفة. هذه التجربة الفلسفية القديمة تجسد الصراع الأزلي بين الوعي المتسع والجمود الفكري. المستمرة. يقول الأديب نجيب محفوظ: "التفكر العميق يعني أن تتجاوز حدود الراحة العقلية وتتحدى الأفكار المألوفة. إنه مشقة تستحقها لأنها تقود إلى النمو والتطور الشخصي" . فالعقل لا ينمو إلا بالتجارب المتراكمة، والتحديات التي تصقل الفكر وتوسع الأفق. لم يبلغ الحكماء على مر العصور  حكمتهم إلا بعد أن خاضوا غمار الحياة بتجاربها المريرة والحلوة، فكانت كل تجربة بمثابة لبنة في صرح وعيهم المتنامي. فالوعي محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجربة، ولا حكيم إلا ذو تجربة يصبح قادرًا على رؤية الروابط الخفية بين الأشياء، وفهم التعقيدات التي تبدو للآخرين مجرد فوضى. إنه يدرك أن الحقيقة ليست أحادية الجانب، بل هي نسيج معقد من المنظورات المتعددة. هذا المنظور الشمولي يمنحه القدرة على تجاوز الأحكام المسبقة والتحيزات، ليغوص في أعماق المعاني، ويكشف عن جوهر الوجود. إنه يصبح كمن يرى الخريطة بأكملها، بينما يرى الآخرون جزءًا صغيرا منها فقط. هذا هو جوهر الارتقاء بالوعي: انها رحلة مستمرة نحو فهم أعمق للذات والعالم، حتى وإن كانت هذه الرحلة تفرض على صاحبها بعض العزلة أو الاختلاف عن السائد، ففي هذا الاختلاف يكمن جوهر التميز والريادة الفكرية.

***

د محمد غاني

تُعد فكرة العدل من أقدم الفضائل الإنسانية التي تعبر عن رغبة أصيلة لدى الإنسان في إحقاق الحق ورد كل ماهو ظالم وغير معقول.

وقياساً الى الحقوق الطبيعية للبشر فإن جوهر العدالة ثابت غير متغير بإعتبارها نظرية اخلاقية مجردة توفر الحماية للحق في الحياة والحرية والكرامة والمُلكية والحقوق المكتسبة ....

إلا ان فكرة العدل وقياساً على الحقوق الوضعية تعد فكرة نسبية أكتسبت عبر التاريخ كثير من الدلالات المختلفة بإختلاف الزمان والمكان، وترتبط، كما يقول القديس توما الاكويني ارتباطاً كاملاً بأسلوب وتفكير الإنسان عبر العصور .

فالعدل في حقيقته ومعناه ليس بخاصية من خصائص القانون وليس هو ظاهرة من ظواهر المجتمع، بل هو فضيلة وسلوك للانسان في علاقاته الاجتماعية ينبغي ان تتحقق ولو لم يكن هناك قانون او دولة ...

ويذهب الإمبراطور الروماني جسستنيان في مدونته الى القول: (العــدل هو حمل النفس على إيتاء كل ذي حـق حقـه والتــزام ذلـك عـلى وجـه الـدوام والاسـتمرار).

ذلك ان الفضيلة تعني استعداداً دائماً ومستمراً للنفس البشرية لفعل الخير ورد الشر، فالفضيلة تحمل طابع الدوام والثبات، اما إذا اتخذ السلوك صفة التقطع فلا يعد فضيلة، لان التقطع يرتبط بالانتهازية والتحيز

وعلى هذا النحو فان الإنسان اما ان يكن عادلا وفاضلاً على طول الخط او لا يكون.

وهكذا ميز الفلاسفة بين اربعة فضائل أساسية ينبغي ان تحكم سلوك الإنسان هي: التبصر، العدل، ضبط السلوك الاجتماعي، والجَلد والشجاعة.

ومن بين هذه الفضائل الأربعة يرتبط التبصر والعـدل بعلم القانون، والتبصر وهو فضيلة عليا تتمثل في القدرة على إعمال العقل والتفكير السليم الموجه للتصرفات والأعمال للوصول الى الغاية المنشودة، وينبغي ان يقوم العمل التشريعي والقضائي ومعيار السلوك المطلوب من الأفراد على اساس التبصر .

ويميز الفقه الحديث بين فكرة العدل التوزيعي والتبادلي وفكرة العدالة ؛

ويقوم العدل التوزيعي على المساواة النسبية تبعاً لقدرات وفروق كل فرد ومهامه في المجتمع. اذ يفيد معنى المساواة في المراكز القانونية المتماثلة، وهي مساواة قانونية وليست فعلية، فالمفروض ان يطبق القانون بمساواة جميع الاشخاص في مركز قانوني معين فالمثل يعامل كمثله، وغير المتساويين لا يلقون معاملة متساوية، وهو الذي يبرر لنا عدم المساواة المطلقة بين الأفراد

فحقوق الوظيفة العامة مثلاً مرتبطة بمستوى التأهيل العلمي، والضريبة ترتبط بمقدار الثروة ...

وعبر جستنيان عن ذلك بالقول (مساواة غير المتساويين ظلم).

العدل التبادلي:- وهو الذي يسود في علاقة الأفراد فيما بينهم ويقوم على المساواة الحسابية التامة

، فإذا قام شخص بإحداث ضرراً للغير، التزم بإصلاح الضرر الذي أصاب المضرور اياً كانت وضعه الإجتماعي ومؤهلاته، اوتعويضه نقدياً بمايعادل الضرر،

ويتحقق ذلك من خلال قواعد قانونية عامة مجردة تطبق على الجميع بنزاهة ويقتصر دور العدل هنا على بيان أن الإجراءات كانت عادلة لان احدا لم يستثنى او يستبعد بشكل غير عادل من تطبيق القانون، لا فرق بين ام تسرق لإطعام أطفالها الجياع وبين من يسرق لإرضاء ملذاته.

لأن العدل القانوني يعتد بالوضع الغالب الظاهر لا بالوضع الداخلي الخاص بالمخاطبين بحكمه.

اما العدالـة: فتعني الإنصاف وهو شعور كامن في النفس يوحي به الضمير النقي ويكشف عنه العقل السليم وتستلهم منها مجموعة من القواعد تعرف باسم قواعد العدالة بما توحي به من حلول منصفة ومساواة واقعية تقوم على مراعاة دقائق ظروف الناس وحاجاتهم، وفي هذا الصدد يقول الامام علي (ع): "إنّ العدلَ ميزانُ الله سبحانه الذي وَضَعَه للخَلْق، ونَصَبَه لإقامةِ الحقّ، فلا تُخالِفْه في ميزانِه، ولا تُعارضْه في سلطانِه"

ان التمييز بين فكرتي العــدل والعدالــة هو الذي اوحى الى الأنظمة القانونية بالحاجة الى إصلاح صرامة القانون من خلال الدعوة الى تفسيره بروح العدالة بدلا من التركيز على حرفية النصوص وهذه الحالة نجد تعبيرها في القول المأثور (الرحمة فوق القانون) الذي يعني ان على القاضي ان يعالج الحالة الفردية بروح العدالة.

وتُعد الحقوق المكتسبة من مقتضيات العدالة الأساسية، فهي تضمن استقرار المراكز القانونية للأفراد وتحميهم من تعسف السلطة أو التغيرات التشريعية المفاجئة، وتستند إلى مبادئ العدالة نفسها التي تقتضي عدم حرمان شخص من حق استقر له في الماضي، مما يحقق الأمن القانوني ويمنع الظلم.

وتُعدّ ضمانة للحماية القانونية وتطبيقاً لمبدأ عدم رجعية القوانين.

وتظهر الحاجة إليها بقوة في القانون الإداري لحماية الأفراد من القرارات الإدارية التي قد تمس حقوق اكتسبوها بالالغاء مثل الحقوق الوظيفية والتدرج الإداري والعقوبات الانضباطية التعسفية والحقوق التقاعدية والمنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية، وغير ذلك من القرارات التي تمس حقوقاً مكتسبة، وكل ما يعد تعدياً على العدالة.

ويلاحظ ارسطو ان الناس جميعاً يتفقون على ان العدالة في التوزيع يجب ان تجري وفقاً للإستحقاق، إلا انهم يختلفون في فهم المقصود من الإستحقاق.

***

فارس حامد عبد الكريم

.........................

The goal of justice and fairness in the philosophy of law

2010

كثر الجدل في الآونة الأخيرة فيما يُعرف ب(نظرية الصفر اللغوي) - التي نشرتُها في كتابي (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية) - بين من رآها فتحًا علميًا في الدرس اللغوي، ومن رفضها دون الوقوف على مرتكزاتها العلمية، وكما هو حال الأفكار الجديدة دائما، لا يُحسم الجدل حولها إلا بالفهم العميق لطبيعتها ومقاصدها العلمية التي قد تُصلِح ما يحتاج إلى إصلاح، وتغيّر ما يحتاج الى تغيير، وتنتقل بالعلم نقلة أخرى فتقدم منافعَ في مجالات علمية متعددة، وهو ما تحاول هذه المقالة تقديمه في قراءة موجزة لجذور النظرية وآفاقها العالمية

وإني إذ أذكر باختصار بعض مفاهيم النظرية، تجدر الإشارة إلى إن نظرية الصفر اللغوي منبثقة من التراث العربي، وهي امتداد لنظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني (471هج) في كتابه دلائل الإعجاز، فقد كرر في كتابه ارتباط اللغة بالعقل، وأكد أنّ النظم يقتضي توخي معاني النحو بين الكلم، وعندما تتوصل نظرية الصفر اللغوي الى قواعد النحو الكلي (Universal Gramma) فهذا يعني أنها تقفز بالتراث اللغوي العربي وتأخذ به إلى العالمية لتقف شامخة أمام أشهر النظريات الغربية المعروفة (النظرية التوليدية التحويلية) للعالم الأمريكي نعوم تشومسكي .

ماهية نظرية الصفر اللغوي وسبب تسميتها

نظرية الصفر اللغوي تقدم كشفًا علميًا مهمًا يتعلق بنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، فهي تؤكد أن دماغ الإنسان يمتلك جهازًا مختصًا بإنتاج اللغة التي هي عبارة عن جُمل مترابطة، وهذا الجهاز يعمل وفق نظام دقيق، وتحدد النظرية مراحل إنتاج الجُملة بثلاث مراحل أساسية، تتناسب مع إدراك الإنسان للأشياء (من الكل إلى الجزء)، وفقًا لمبادئ نظرية الجشتالت في علم النفس الإدراكي، وليس من الجزء إلى الكل كما كان يُعتقد سابقًا.

هذا النهج هو ما يميّز نظرية الصفر اللغوي، حيث يكون التركيز على دراسة الجُملة في سياقها أولاً، ومن ثم تحليل كلماتها وقواعدها بما يناسب سياقها لا على أنها وحدات مستقلة بذاتها، وبذلك تُصحِح نظرية الصفر اللغوي بعضَ مخرجات النحو التقليدي ولا تلغيه.

أما سبب تسميتها بنظرية الصفر اللغوي فهو لأن مرحلة الصفر دائمًا هي مرحلة البدء، وبما أن إنتاج اللغة يبدأ من الدماغ، والنظرية تصف نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة فطابقت تسميتُها مرحلتَها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الصفر عادة يكون بين مرحلتين، فالصفر العددي يتوسط بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة ومن الصفر يبدأ العد الى ما لا نهاية سلبًا أو ايجابًا، كذلك مرحلة إنتاج اللغة في الدماغ تتوسط بين: الأفكار المراد التعبير عنها، والجُمل المعبرة عن تلك الأفكار إلى ما لا نهاية، فحق لها أن تكون مرحلة الصفر في إنتاج اللغة.

نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة

تمر الفكرة في جهاز إنتاج اللغة بثلاث مراحل

1.  تحديد نوع الفكرة:

في المرحلة الأولى، يحدد الدماغ نوع الفكرة، فيما إذا كانت مثبّتة أم منفية أم استفهامية أم غير ذلك . ويقوم الدماغ باختيار الأداة المناسبة لكل فكرة ، أما إذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة فيجعلها خالية من الأداة، وخلوها من الأداة تمييز لها عن غيرها.

2.  ربط مدلولات أجزاء الفكرة:

في المرحلة الثانية، يربط الدماغ بين مدلولات أجزاء الفكرة أي -الصور الذهنية والمفاهيم- والربط بمعاني النحو الرئيسة التي لا تزيد بمجموعها على أربعة روابط رئيسة مشتركة بين جميع اللغات، وهي: الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح. ومن هذه الروابط تتفرع كافة المعاني النحوية الأخرى.

3.  اختيار الكلمات المناسبة:

في المرحلة الثالثة، يختار الدماغ الدوال أي الكلمات المناسبة لكل مدلول من المعجم الذهني حيث يخزن الإنسان كلمات منذ طفولته ويزداد الخزين بحسب ما يكتسب الإنسان من مفردات طوال حياته.

ومن الجدير بالذكر أن كل ما يتعلق بالأبنية الصرفية للكلمات يكون في هذه المرحلة حيث يختار الدماغ الكلمة وهي تحمل تصريفها المحدد.

بهذا النظام يتمكن جهاز إنتاج اللغة من إنتاج جمل مترابطة لا نهاية لها من خلال مجموعة محدودة من القواعد، حيث يتكرر عمل هذا الجهاز بهذا النظام وهذه الآليّة كلما أراد الإنسان الإنتاج.

الطفل وجهاز إنتاج اللغة

أما الطفل فإنه يبدأ في مراحله الأولى باكتساب بعض الكلمات فيخزنها في دماغه، في معجمه الذهني، لذلك هو ينطق كلمات منفردة وقد يخطئ في نطقها، إذا إنها لم تستقر بعد بصورتها النهائية في معجمه الذهني، كما أن مدرجه الصوتي مازال غير متدرب على نطق الأصوات من مخارجها الصحيحة، وبمرور الوقت يبدأ بتدريب جهازه وتأهيله للعمل والإنتاج بالطريقة التي يسمع فيها اللغة من بيئته، فيتدرب جهازه على الربط أي ربط الكلمات وعلى اختيار الكلمات المطلوبة، وكلما ازداد مخزونه من الكلمات ازدادت قدرته على إنتاج جمل متنوعة. وبالتأكيد يحتاج هذا الأمر إلى بضع سنوات.

الصفر اللغوي وتشومسكي: تكامل وتفوّق

لقد حاول العالم الأمريكي نعوم تشومسكي في نظريته التوليدية التحويلية الوصول إلى نظام تركيب اللغة في الدماغ حين تحدث عن البنية العميقة والبنية السطحية منذ عام 1957 ، ورغم المراحل التي مرت بها نظريته، ورغم حديثه الموسع عن وجود النحو الكلّي، ورغم برنامجه الأدنوي الأخير، لم تتمكن نظريته من تحديد قواعد ثابتة للنحو الكلي يمكن تطبيقها على جميع اللغات فكان يحوم حول النظام محاولًا إيجاد القواعد المشتركة دونما وصول إلى نتيجة تحدد القواعد بمسمياتها النحوية، أما نظرية الصفر اللغوي فقد نجحت في التوصل إلى قواعد محددة للنحو الكلّي، وحددت مسمياتها بمصطلحات نحوية، وتمكنت من تطبيقها على لغات متعددة، مع مراعاة خصوصية كل لغة من حيث الاشتراك مع غيرها في القواعد العامة والاختلاف في إدارة هذه القواعد.

المشترَك والمختلِف في اللغات

إن القواعد العامة المتمثلة في نظام آليّة إنتاج اللغة المذكور سابقا إنما هي قواعد مشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، أما الاختلاف فيتعلق بالقواعد الخاصة بكل لغة، فمثلاً، في العربية تتأخر الصفة عن الموصوف، بينما في الإنجليزية تسبق الصفة الموصوف، وفي العربية تتوفر إمكانية تغيير مواقع بعض الكلمات بسبب توفر العلامة الإعرابية التي تشير إلى وظيفة الكلمة في الجملة في حين لا تتوفر مثل هذه الخصيصة في بعض اللغات فتستقر كل كلمة في موقع ثابت حرصًا على وصول الفكرة مفهومة، فالاختلاف إذن هو اختلاف في إدارة القواعد العامة من أجل وصول الفكرة واضحة ومفهومة للمتلقي.

تطبيقات نظرية الصفر اللغوي

تمكنت هذه النظرية من تطبيق نظامها على عدة لغات، كما اتضح ذلك في الكتاب، وأثبتت فعاليتها في الترجمة بين اللغات، مؤكدة أن القواعد المحددة التي ذكرتها هي قواعد النحو الكلي (Universal Grammar) وذلك ما يجعلها أداة عملية للتعامل في الترجمة بين اللغات الطبيعية.

نتائج وفوائد نظرية الصفر اللغوي

لا حياة ولا بقاء لنظرية ليس لها فوائد عملية عند التطبيق، ونظرية الصفر اللغوي تثبت أهميتها العملية والتطبيقية من خلال النتائج التالية:

1-  الإسهام في كشف الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم: تقدم النظرية إطارًا لفهم التركيب النحوي بشكل دقيق من خلال سياقات القرآن، ما يبرز الإعجاز النحوي العميق في النص القرآني.

2-  تجديد النحو العربي: اللغة ليست مجرد كلمات بل هي مرآة العقل والتفكير، وفهم نظامها وآليّة إنتاجها هو الخطوة الأولى نحو تعليم أكثر فعالية وإبداعا، فالمنهج الذي انتهجته نظرية الصفر اللغوي (من الكل إلى الجزء) أي من السياق إلى الجملة ومن الجملة إلى كلماتها يؤدي إلى تطوير قواعد النحو لتتلاءم مع طريقة إنتاج الجملة في دماغ الإنسان، مع مراعاة خصوصية اللغة العربية من حيث الإعراب. وبذلك فهي تسير في طريق الإصلاح، وقد جاهد كثير من العلماء من أجل اصلاح الدرس النحوي وعلى رأس القائمة أستاذي الدكتور مهدي المخزومي.

3-  تطبيقات الذكاء الاصطناعي: قلة القواعد الرئيسة المشتركة بين اللغات (اربعة فقط) تسمح باستخدامها في تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد اللغة وفي الترجمة، حيث يطمح الذكاء الاصطناعي إلى محاكاة نظام انتاج اللغة في الدماغ البشري، وهذا الكشف يفتح آفاقًا لتطوير برمجيات لغوية أكثر دقة وفعالية.

4-  تسهيل تعلم اللغات الأجنبية: بالنظر إلى أن النظرية تنطلق من القواعد المشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، فإنها تسهل تعلم أي لغة للناطقين بغيرها.

5-  تقدم النظرية مدخلا لمعرفة أنواع أمراض الكلام التي تحصل بسبب تعطّل مرحلة أو أكثر من مراحل جهاز أنتاج اللغة في دماغ المصاب.

بهذا، تُقدّم نظرية الصفر اللغوي كشفًا علميًا أصوله من التراث العربي وبإمكانه أن يقف شامخا أمام النظريات الغربية ويتحدى كل الباحثين لوضع نظام بديل لإنتاج اللغة في دماغ الإنسان، مع إمكانية تطبيقه على اللغات المختلفة بنجاح. والباحثون شرقا وغربا مدعوون لتقديم نموذج بديل من يستطيع منهم ذلك.

{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} صدق الله العظيم

***

د. سناء حميد البياتي

 

السِّجْنُ هُوَ العَالَم المُغلَق الذي يفرض على الإنسانِ مُواجهةَ ذاتِه بلا هَوادة. وقد كانَ لِكُلٍّ مِن الروائي الأردني أيمن العتوم (وُلِدَ 1972) والروائيِّ الروسي فيودور دوستويفسكي (1821- 1881) تَجْرِبة فريدة تتجاوز الجُدرانَ والأقفالَ لتُصبح تَحليلًا للنَّفْسِ البشرية، وَمِرْآةً للرُّوحِ، ومُخْتَبَرًا لِتَجْرِبةِ الحريةِ والمُعاناةِ والوجود. ففي مُواجهةِ السِّجْنِ، لا تتوقف العُقوبةُ عِند القُيودِ الجسدية، بَلْ تمتدُّ لتصل إلى أعماقِ الفِكْرِ، وتكشفَ عن قُوَّةِ الرُّوحِ وضَعْفِها على حَدٍّ سَواء.

عِند العتوم، يَظهر السِّجْنُ كفضاء مفتوح على الانكسارِ والتمرد، فضاء يَختبر حُدودَ الصبرِ والإرادةِ الإنسانية. السجينُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد جسدٍ محبوس، بَلْ هُوَ كائنٌ مَشحون بالأسئلةِ الوجودية، يَبحثُ عن مَعنى في عَالَم يرفضُ تقديمَ إجابات سهلة.

العتوم يُصوِّر السِّجْنَ كَمِرْآةٍ صارخة للحِرْمان مِن الحُرية، لكنَّه في الوقتِ ذَاتِه ساحة لاكتشافِ الذات، حَيث يَختبر الإنسانُ حُدودَ خَوْفِه، وألَمَ الفقد، ومَرارةَ الوَحْدة. التَّجْرِبةُ هُنا لَيْسَتْ مُجرَّد تَحَمُّل للعُقوبة، بَلْ هِيَ صِراعٌ داخلي معَ النَّفْسِ، ومُواجَهةٌ معَ الظِّل، ورِحلةٌ نَحْوَ فهم أعمق للوجود.

أمَّا عِند دوستويفسكي، فإنَّ السِّجْنَ يتحوَّل إلى مُخْتَبَر نَفْسي وفلسفي. العُقوبةُ الجسدية تُصبح وسيلةً للكشفِ عن أعماقِ النَّفْسِ البشرية، والصِّراعِ بين الخَيْرِ والشَّر، والصِّدامِ بَين الإيمانِ واليأس، والمُواجَهةِ بين الرَّغبةِ في الحياةِ والخَوْفِ مِن المَوْتِ الرمزي. التِّجْرِبةُ السِّجْنيةُ عِنده لَيست حادثةً حياتيةً فَحَسْب، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وجودية عميقة تهزُّ القِيَمَ والمُعْتَقَدَات، وتضعُ الإنسانَ أمامَ ذَاتِه الصافية، بلا أيِّ سِتارٍ أوْ مُوَارَبَة.

داخل الجُدران الحجرية، تنكشفُ الحقيقةُ المُؤلمة أنَّ الحُرية لَيست حالةً مادية فقط، بَلْ أيضًا حالة رُوحية وفِكرية، وأنَّ القيود الخارجية لا تكاد تُعادِل القيودَ الداخلية التي يَفْرضها الخَوْفُ والندمُ والألمُ النَّفْسي.

القاسمُ المُشترَكُ بين العتوم ودوستويفسكي هُوَ التأمُّل في الطبيعة الإنسانية تَحت وَطأةِ الحِرمان القَسْري مِن الحُرية. كِلاهُما يَستخدم السِّجْنَ كأداةٍ للكشفِ عَن الجَوهرِ الإنسانيِّ، لكنْ كُلٌّ بأسلوبه الخاص.

العتوم يتأمَّل بأسلوب شاعري يُحاكي الألمَ والحنينَ والاشتياقَ للوجودِ والحُرية، بَينما دوستويفسكي يَغُوص في التحليل النَّفْسي والفلسفي، مُتَتَبِّعًا شَرْخَ النَّفْسِ، ومَكامنَ الخطيئةِ والفضيلة. كما أنَّ تَجْرِبة السِّجْنِ عِندهما لَيست تَجْرِبةً فردية فَحَسْب، بَلْ لها أبعاد اجتماعية وسِياسية وإنسانية واسعة.

السِّجْنُ يَكشفُ هَشاشةَ المُجتمعاتِ، وقَسوةَ الأنظمة، والتَّوَتُّرَ بَين الإنسانِ والسُّلطة. وفي الوقتِ نَفْسِه، يَطرحُ الأسئلةَ العميقة حَول مَعنى العَدالةِ والرَّحمةِ والحَياةِ الإنسانيةِ في مُواجهةِ الظُّلْمِ والاضطهاد. التَّجْرِبةُ السِّجْنية - بهذا المعنى - تُصبح مساحة للتأمُّلِ النَّقْدي في الواقعِ والوجودِ، وتَجْرِبة مُكثَّفة للوَعْيِ والذاتِ.

يظلُّ السِّجْنُ بالنِّسبةِ لِهَذَيْن الكاتبَيْن أكثر مِنْ مُجرَّد مكان، إنَّه تَجْرِبَةُ تَحَوُّلٍ، ومَعركةٌ داخلية، وَسَفَرٌ إلى أعماقِ النَّفْسِ الإنسانية، وامتحانٌ للرُّوحِ قبل الجسد، ودَعوةٌ لإعادةِ النظر في مفاهيم الألمِ والحُرية. ومَا يَجعل تَجربة العتوم ودوستويفسكي فريدة هُوَ قُدرتهما على تَحويلِ الألمِ والقَيْدِ إلى إدراكٍ أعمق للذات، وكِتابةٍ تَخترقُ القُلوبَ والعقولَ، فتجعل القارئَ يعيشُ معَ السَّجينِ رِحلةَ الألم، والانكسار، والتَّشَظِّي، والمُقاوَمة، وُصولًا إلى الضَّوءِ الداخلي الذي يظلُّ يَلمعُ خَلْفَ أقسى الجُدران. تَجْرِبةُ السِّجْنِ، في ضِفافها المُظلمة، لَيْسَتْ مُجرَّد حَبْس الجسد، بَلْ مُحاكمة للرُّوح.

بَين صَفَحَاتِ التاريخ الأدبي، نجد أصواتًا مُتعددة تَخرج مِنْ أعماقِ الزنازين، تنقشُ الألمَ بِجُرأةِ الصَّراحة، وتغوصُ في النَّفْسِ البشرية، فتكشف عن الضَّعْفِ الإنسانيِّ أمام قُيودٍ لا تُرى.

في كُلِّ لحظةٍ مِن الحَبْس، يتشابكُ الزمنُ معَ الوَعْي، ويُصبح القَيْدُ مَرايا للذات، والظلامُ مُرْشِدًا للفِكْر، والخَوْفُ مُحَفِّزًا لتأمُّلات عميقة حَول الحُرية والعدالة والوجود.

كِلا الكاتبَيْن - رَغْمَ اختلافِ الزمانِ والمكان - يتشارك رُؤية واحدة، وهي أنَّ السِّجْنَ يُجرِّد الإنسانَ مِنْ طَبَقَاتِ النِّسْيانِ الزائف، ويَتركه عاريًا أمامَ ذَاتِه. هُنا يُولَد الصِّراعُ بَين الأملِ واليأس، وبَين الغضبِ والسَّكِينة، وبَين الانكسارِ والإبداع. تَجْرِبةُ السِّجْنِ تُصبح اختبارًا للضميرِ، وامتحانًا لِقُدرةِ الرُّوحِ على الصُّمود، ودافعًا لكتابة مَا لَمْ يَكُنْ لِيُولَد إلا تحت ضُغوط القُيود. إنَّها شَهادة على قُدرة الأدب على تَحويلِ الألمِ إلى قُوَّة، والظُّلْمِ إلى تأمُّل، والوَحْدَةِ إلى رُؤية شاملة للوُجودِ الإنسانيِّ. ولا يُقَاسُ السِّجْنُ بالأيامِ التي تَمْضي، بَلْ بِعُمق الرِّحْلةِ الداخلية التي يَخُوضها المَرْءُ فيه، رِحْلة تتجاوزُ الزِّنزانةَ لِتَسْكُنَ الوِجْدَانَ والوَعْيَ للأبد.

السِّجْنُ - في تَجْرِبة العتوم ودوستويفسكي - لَيْسَ مُجرَّد مكان مَحكوم بالحديدِ والجُدرانِ، إنَّه مَسْرَحٌ داخلي تُصْقَلُ فيه الذات بَين صِراعِ الألمِ والوَعْيِ. لَدى العتوم، تبدو التَّجْرِبة أشبه بِغُرفة انعكاسات لا تَنتهي، حَيث يَتحوَّل الزمنُ إلى مِرْآةٍ للشَّجَنِ الإنسانيِّ، يَنهش الرُّوحَ، ويُعيد تشكيلَها. أمَّا عِند دوستويفسكي، فالسِّجْنُ يُصبح مُخْتَبَرًا فلسفيًّا لِوَعْيِ الفرد، وتَبْرُز أسئلةُ الهُوِيَّةِ والإنسانيةِ، كما لَوْ كانَ الألمُ مَدرسةً للرُّوح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

أشرت في المقالة السابقة عن قيامنا بمحاولة لجمع العبارات التي جاءت في آيات القرآن الكريم والتي استعملت للتعبير عن مثل أو حكمة أو قول ماثور في لغة الناس المحكية او كتابات الكُتاب وخطابات الخُطباء أو في وسائل الاعلام والصحف أو الأدب أو البيانات المؤسساتية والعسكرية في الحروب أو غيرها سواءا في العربية الفصحى أو الدارجة وهذه المقالة الثانية وتتضمن عددا من السور من سورة آلعمران حتى سورة يوسف. في المقالة السابقة كتبت الآية كلها ووضعت العبارة المقصودة بين قوسين. في هذه المقالة أجتزأت العبارة المقصودة ووضعتها بين قوسين ولم أكتب ألآية الكريمة كلها تسهيلا على القراء وتركيزا على العبارة المقصودة تخصيصا واختصارا. وفي حالة أن العبارة المقصودة تشمل كل الآية فقد تم كتابة الآية كلها ولم أضعها بين قوسين.

سورة العمران

-وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) وتستعمل كمثل للدلالة على المكر وأنه مهما يمكر الشخص فأن الله له بالمرصاد. وتستخدم في المناظرات بين الخصوم.

-(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (103) وتستعمل كحكمة وأمر بضرورة الاعتصام بالوحدة وعدم التفرق وتستخدم في الخطب والكتابات والبيانات.

- (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ)) (119)وتستخدم في الادب عض اصابعه او انامله للدلالة على الندم من موقف معين او الغضب.

-(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) (119) يقال (موت بقهرك) أي موت من القهر بسبب الغيض من موقف او شخص وتستخدم لكيد الخصوم.

-(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (140) وتستعمل كمثل للدلالة على أن الزمن يسير وتتبدل المواقف والامور بمرور الزمن. ويضرب للشخص الذي يعاني من مشكله لتخفيف وطئتها عليه.

- (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (159) وتستعمل كحكمة بضرورة المشاورة قبل أتخاذ قرار او خطوة .

-(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ) (159) وتستعمل كحكمة للدلالة على النصيحة بأنك اذا اتخذت قرارا فتوكل ونفذ.

-وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) وتستعمل كقول مأثور حيث تستخدم للشهداء للدلالة على ما لهم من منزلة لانهم احياء عند ربهم.

-(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (185) شائعة كمثل يضرب للحث على تقبل الموت وانه مصير جميع البشر.

-(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (185) كحكمة للدلالة على أن الحياة متاع للمغترين.

سورة النساء

-(فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) (4) هنيئا مريئا تستعمل كقول مأثور وكدعاء لشخص يتناول طعاما او في عزيمة او دعوة على طعام فيقال هني مري أو هنيء مريء.

- (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28) كحكمة للدلالة على ضعف الانسان.

- (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (36) للحث على البر بالوالدين كنصيحة وحكمة.

-(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (36) كحكمة للحث على الامتناع عن التفاخر والاختيال.

-(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (58) وتستعمل كحكمة ونصيحة للحث على أداء الامانة.

(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (58) وتستعمل كشعار في مكاتب المحاكم والحكام للدلالة على ضرورة الحكم بالعدل بين الناس.

- (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (76) وتستعمل كحكمة في الاشارة الى كيد الشيطان عندما يقع أحدهم في مكيدة من خصم للأشارة لدور الشيطان في تدبير المكائد وأنه يبقى كيدا ضعيفا.

-(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (78) تستعمل كحكمة للاشارة الى أن الموت مصير كل انسان.

-(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (86) تستعمل كحكمة لأهمية السلام او التحية ووجوب الرد بما يناسب.

- (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (128) وتقال كمثل وتستعمل في حالة الاصلاح بين متخاصمين أو زوجين بينهما مشاكل.

-(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (128) للأشارة الى أن نفس الانسان مجبولة على الشح والاقتصاد او البخل.

سورة المائدة

- (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (2) وتضرب كمثل للدلالة على ضرورة التعاون في الخير وتجنب القيام كجماعة في الأثم والعدوان على الاخرين.

-وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) (45) وهو مثل شائع وعبارة مستعملة كثيرا في الكلام والكتابات والخطابات في حالة الاشارة الى الثأر في حالات الاعتداء بين الناس.

-وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ (54) وتستعمل عبارة لومة لائم في اشارات كثيرة حيث ترد كقول مأثور ويقال لاتخف في ذلك لومة لائم.

سورة الانعام

–(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (132) وتستعمل كحكمة بأن من يعمل يحصل على درجات رفيعة.

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)(151) وتستعمل كحكمة ونصيحة بضرورة بر الوالدين.

- (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (164) وتستعمل كحكمة بأن كل انسان مسؤول عن ما يعمله ويتحمل نتائج أعماله ولايتحمل الاخرين نتائج اعمال شخص آخر.

سورة الأعراف

-(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (199) وتستعمل كمثل بضرورة العفو والعمل بالعرف والاعراض عن الجاهلين.

سورة الأنفال

-(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (10) وتستعمل كقول مأثور وتستخدم في البيانات والخطب في حالات الحرب للأستبشار بالنصر.

–(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (17) وتستعمل كمثل في البيانات والخطب في حالات الحرب.

-(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً )(25) وتستعمل كمثل للدلالة على أن الفتنة تعم على الجميع في حالة أثارتها ولاتصيب المتسبب فقط.

-(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (30) وتستعمل كمثل وتستخدم كثيرا في الكلام والخطابات والبيانات للدلالة على أن الله بالمرصاد للماكرين من الخصوم.

-(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (37) وتستعمل كمثل لقدرة الله على عزل الخبيث عن الطيب وتستخدم في الكلام والكتابات.

- (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (38) تستعمل كمثل وتضرب للاشارة أن الامور تتغير مع تغير الزمان.

-(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (60) وتستعمل كثيرا كمثل في الاشارة الى ضرورة الاستعداد للحرب وتستخدم في الخطابات والبيانات.

 -(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) (61) وتستعمل كحكمة للدلالة على ضرورة التوجه الى السلم اذا كان الخصم يريد السلم وتستخدم في الكتابات والخطابات.

سورة التوبة

-(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (38) وتستعمل كمثل وتشير الى أن ما تتمتع به في الدنيا قليل بالنسبة الى ما في الاخرة وتستخدم في الخطب الدينية وخطب الجمع.

-(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (105) وتستعمل كقول مأثور في الخطب الدينية وخطب الجمعة.

سورة يونس

-(إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (36) عبارة تستعمل كحكمة لبيان ضرورة عدم الاعتماد على الظن وأنه لا يعوض عن الحق.

سورة هود

-(بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) (41) عبارة تستعمل كدعاء في السفر وهي كثيرة الاستخدام من قبل الجمهور.

-(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (117) وتستعمل كحكمة للدلالة على أهمية الاصلاح الجماعي وأن الله لا يهلك الجماعات المصلحة.

سورة يوسف

-وَجَاءُوا عَلَى (قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) قَالَ (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) يستخدم قميص يوسف كثيرا في الأدب للدلالة على الدليل الكاذب ومن أجمل العبارات التي وردت في سورة يوسف(سولت لكم أنفسكم) وتستعمل كقول مأثور على أن النفس تسول لصاحبها أمرا ما. كما أن عبارة فصبر جميل يتم أستخدامها للدلالة على أهمية الصبر ووصفه بالجميل.

-(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (28) يستعمل كثيرا كمثل وقول مأثور على كيد النساء ويستخدم في الأدب والمسرح والتمثيل وفي الكلام المتداول.

-( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (41) وتستعمل كقول مأثور للدلالة على أنتهاء أمر ما يتم الاستفسار أو تداوله.

-(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) (51) تستعمل كمثل أو قول مأثور للدلالة على ظهور الحق وجلاء الحقيقة في مسألة ما.

–(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (53) حكمة تستعمل للدلالة على أن النفس تميل الى أن تأمر صاحبها بالسوء.

-( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ) (64) قول مأثور أستعمل كدعاء للدلالة على أن الله هو افضل من يحفظ.

وتستخدم كمثل للدلالة على ما في النفس من حاجة. –(إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) (68

-( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (76) تستعمل كمثل للدلالة على أن الله هو الأعلم وأنه مهما بلغ أنسان ما من علم فأن هناك من هو أعلم منه.

-(وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (87) كحكمة للدلالة على عدم اليأس.

 -(وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (99) وتستعمل كقول مأثور وتوضع في مصر على جدران المنافذ الحدودية والمطارات.

***

د. احمد المغير

 

يعد البحث في اللغة مدخلاً مهما لفهم الخصائص الهوياتية والثقافة الإنسانية، حيث تحمل في طياتها الذاكرة الجمعية والإطار الثقافي الذي يشمل القيمَ، وأنماطَ التفكير التي ميّزت الجماعات البشرية عبر الزمن، ومن خلال تتبّع الخصائص اللغوية للهجة البرنوسية يمكن الكشف عن البنية الثقافية لهاته الجماعة، وفهم كيفية تشكّل هويتها، ويمثّل الاشتغال على المفردات المحلية أحد أهم السبل لفهم هذه الهوية، لأن اللهجة َكثيراً ما تكُون أثراً ثقافياً أكثر منها بنية لوحدات لغوية منعزلة، فأفراد قبيلة البرانس، باعتبارها أحدَ المكوّنات التاريخية في المغرب القديم، تركوا بصمتهم في المجال المحلي لتازة من خلال منظومةٍ لغوية خاصة تعكس بيئتَها، وأنماطَ عيشها، والوقوف على بعض مفردات هذه اللهجات يتيح لنا استعادةَ مستوى من ذاكرة لا نجدها دائماً في المصادر التاريخية، وإنما تظهر في الاستعمال اليومي للهجة وما تحمله من إشارات إلى الانتماء القبلي، والعادات والتقاليد...إلخ

ولا يمكن النظر إلى هذه اللهجة باعتبارها بقايا لغوية معزولة، لكنها نتاجٌ لمسار طويل من التفاعل بين الأمازيغية واللغات المجاورة خاصة العربية، فهي لهجة هجينة، وغالبا نشأت في المجتمعات متعددة الثقافات، فرضتها الحاجةُ إلى التواصل بين متحدثين ينتمون إلى لغتين أو أكثر، مختلفة، وتطورت بصورة عملية لحل مشكلات التواصل، وقد ساهم هذا الاحتكاكُ في تشكيل لهجة هجينة ذات طابع خاص، يمكن فهمه في ضوء مفاهيم اللسانيات الاجتماعية بظاهرتي البيدجين التي تنشأ من الحاجة إلى لغة مشتركة بين جماعات مختلفة لمواجهة الحواجز التواصلية، ثم قد تتطور إلى كريول لتصبح اللغةَ الأمّ لجماعة مستقرة، ترتبط بشكل كبير بالهوية الثقافية للجماعة اللغوية التي تتحدثها، وعند النظر في تاريخ هذه القبيلة، نجد أن لهجتها الهجينة تحمل آثاراً واضحة لهذا النوع من التفاعل الذي يعكس التطور الطبيعي للغة/ اللهجة ضمن سياق ثقافي محدد، أي؛ جذور أمازيغية ثابتة في مقابل تأثيرات عربية وقبائلية، وكلمات أنتجها الاحتكاك بين اللغات. 

إن تتبّع ألفاظ اللهجة يكشف لنا عن حركية لغوية تجمع بين الاحتفاظ بالسمة الصوتية الأمازيغية، واستيعاب مفردات وافدة تتشكل وفق النسق المحلي، إذ نجد على سبيل التمثيل لا الحصر: قبوب (أقبوب) كلمة أمازيغية؛ خيمة صغيرة تصنع من أغصان وأوراق الأشجار أو القصب ويستغل في الفصل الحار للحراسة، أزري كلمة أمازيغية؛ تعني ممرا ضيقا يتوسط الأراضي الفلاحية المشتركة (المشاع لجميع سكان القبيلة)،وكدم (أكَدم) بالأمازيغية؛ مكان مرتفع عن الأرض يحد بين حقلين وتحيل أيضا إلى سور يفصل البيت عن منحدر بجانبه، وكلمة مزواغ (أمزواغ) بالأمازيغية؛ تدل على مكان يؤخذ منه الصلصال ذي اللون الأزرق، يوضع فوق السطوح لمنع تسرب مياه الأمطار، الحنديرة( تاحنديرت)؛ معطف مزخرف، كَداور (أكَداور) بالأمازيغية، وتعني اللباس الفضفاض، أو اللباس بشكل عام عند قبيلة باب مروج...إلخ.

 وهكذا تتبدّى هذه المفردات ضمن اللهجة البرنوسية كنتاج لتاريخ طويل من التفاعل اللغوي والثقافي، وهو ما يجعلها نظاماً قائماً بذاته، يعكس قدرة الجماعة اللغوية على التكيّف.

كما تتجلى هذه الحركية بشكل واضح من خلال استجلاء واقع لهجي تتماهى فيه مكونات ثقافات جمعتها جغرافية المكان والتفاعل الاجتماعي، ففي التداول اليومي تظهر العديد من الكلمات العربية التي تكتسب نطقا خاصا- ربما يمتد إلى قبائل أخرى مجاورة بحسب علمنا المتواضع، لكن ما يميزها خصوصية اللاصقة المستعملة في بداية الأفعال: أدعمل (ضمير المخاطب المفرد) من فعل عمل – أيقطع (ضمير الغائب المفرد) من فعل قطع- أنقول (ضمير المتكلم المفرد) من فعل قول وقال – أنكتب (ضمير المتكلم المفرد) من فعل كتب...إلخ.

وهناك أيضا اللاصقة الألف والياء في نهاية كلمات مثل: مفخباريشاي- معنديشاي- ما يهمنيشاي...إلخ، إذ تضيف العديد من اللهجات في العديد من ربوع المغرب، السابقة (الميم) واللاحقة (الشين) إلى الجذر العربي للدلالة على نفي الشيء وإنكاره وإبطاله، لكن الخصوصية اللهجية للمنطقة تكمن في إدراج اللاصقة (اي) والتي غالبا ما تعكس نظاما صوتيا صرفيا دلالته مرتبطة بالسياق التداولي والخصائص النطقية التي اكتسبها الأفراد، مثلما نجد مثلا في قبائل الشمال عندما ينطقون: مافخباريشي، ماعنديشي، ما يهمنيشي...إلخ

تنقلنا صفوة القول إلى أن الوقوف على ما تنطوي عليه هذه اللهجة ليس فقط الاختلاف الصوتي مع باقي القبائل، لكنها تحمل أبعادا ثقافية خاصة وموروثا محليا فريدا، لكن ما ينبغي الخلوص إليه هو أن البرانس، بالرغم من تأثير القبائل العربية التي تم استقدامها إلى المغرب، وكذا التأثيرات الخارجية؛ الدينية والاجتماعية، وفقدانها للكثير من لغتها الأمازيغية تحت هذا التأثير، إلا أن بعض المفردات التي لا زالت متداولة حتى اليوم تعكس لنا جانبا من الهوية المحلية والرأسمال اللغوي الذي لم يطَله الزمن.

***

الطالبة الباحثة: غزلان زينون

عرض المجلد الأول (208) من موسوعة الموسم الهولندية، إسهامات د. إبراهيم العاتي البحثية التي تضمنت العديد من مجالات المعرفة، ومشاركاته في المؤتمرات والندوات وحصيلة إنتاجه الفكري والتأثير الثقافي ودوره في إعادة قراءة التراث بمنهجية حديثة عكست طبيعة مشاريعه البحثية وشبكة علاقاته العلمية المعرفية الأمر الذي جعله يُصنّف ضمن الأكاديميين الموسوعيين.

أَمّا المجلد الثاني، الذي أشرف على تحريره وتوثيقه الأُستاذ محمد سعيد الطريحي رئيس تحرير الموسوعة، فقد خُصِص لأبرز مؤلفات د. العاتي، مع رؤية موضوعية إلى أهمية نتاجه العلمي وتأثيراته في الحقول البحثية المختلفة للأجيال الجديدة من الباحثين، التي تُظهر التوازن بين النزعة التأملية الذاتية والرغبة في تقديم شهادة معرفية راقية تؤكد بأن التكوين الموسوعي لم يكن نتيجة تراكم معرفي عشوائي، بل نتاج رؤية منهجية واعية تسعى إلى بناء معرفة متطورة تتداخل فيها عناصر التوثيق العلمي والتحليل المنهجي والتأمل الذاتي ومدى أهمية طروحاته الفكرية في كيفية التفاعل مع التيارات الفكرية المختلفة في إطار بنية معرفية حديثة قادرة على التعامل مع الظواهر الاجتماعية والثقافية المعقدة.

اتسمت مؤلفات العاتي بأهمية تحقيق التوازن بين الوفاء للتراث الفكري والانخراط في أسئلة الحاضر، فهي لا تتعامل مع التراث بروح جامدة، بل باعتباره مخزوناً معرفياً قابلاً لإعادة القراءة، لذلك نجد في كتاباته دعوة إلى تجديد أدوات الفهم والتأويل بإطار خطاب معرفي يواكب التحولات الاجتماعية والفكرية. والتحليل النقدي لديه لا يقتصر على مراجعة الأفكار السائدة، بل يمتد إلى مراجعة آليات التفكير ذاتها، مما جعل مؤلفاته أقرب إلى مختبر فكري تتفاعل فيه المفاهيم ويتم صياغتها باسلوبه الذي امتاز بلغة تجمع بين الدقة العلمية والثراء البلاغي. والنص مشحون بالمصطلحات الدقيقة لديه دون أن يفقد سلاسته التعبيرية، بحيث تُظهر كتاباته مهارة في توظيف البلاغة لخدمة الفكرة.

تضمن المجلد الثاني ثلاثة مؤلفات مهمة للدكتور إبراهيم العاتي، أولها: (الإنسان في فلسفة الفارابي)، الذي يُعدّ قراءة فلسفية منهجية لفكر الفارابي الذي تميز بطابعه الإنساني (أهم ما يميز الفارابي عن غيره من الفلاسفة، هو الطابع الإنساني الذي طَبَعَ به فلسفته، حيث لا يخلو فيها باب واحد من اهتمامٍ بالإنسان أو تحليل لسلوكه ومعاشه وعلاقته بالأغيار)، العاتي، المقدمة ص22. الكتاب عمل موسوعي صدر عام 1998م عن دار النبوغ للطباعة والنشر في بيروت، سعى العاتي من خلاله إلى إبراز دور الفلاسفة في تعظيم قيمة الإنسان كمعجزة إلهية كبرى، مؤكداً بأن الفارابي أهم الفلاسفة المسلمين الذين انخرطوا في فهم الإنسان وموقعه في الكون والفكر الإسلامي من خلال مقاربة شاملة لرؤية الإنسان في فلسفته، من كل الأبعاد العضوية والنفسية والعقلية والأخلاقية والاجتماعية، بالإطارالإسلامي في فهم الإنسان ككائن مفكر وفاعل ضمن النظام الكلي للوجود.

بهذا يمكن القول بأن فلسفة الإنسان عند الفارابي مشروعاً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً في آن واحد، فهو يرى أن الإنسان لا يكتفي بالوجود البيولوجي فقط، بل يسعى إلى الكمال الفكري والأخلاقي، ما جعله كائناً اجتماعياً يعتمد على التناغم مع قيم الحقيقة والخير لبناء الحياة المثلى. لم يكتفِ الكتاب بعرض فلسفة الفارابي بشكل نظري فحسب، بل محاولة تحليلها ضمن سياقها الفكري، وفي كيفية إسهامها في بناء صورة متكاملة عن الإنسان تفوق المقاربات الأخرى في التراث الإسلامي، لأنها تربط بين العقل، والأخلاق، والسلوك الاجتماعي.

برع العاتي في تقديم إطار تحليلي رصين يرصد كيف تتأسس فلسفة الإنسان عند الفارابي على تصورات عامة عن المعرفة والوجود، مؤكداً بأن الإنسان عند الفارابي ليس عنصراً منفصلاً في النظام الفلسفي، بل هو نقطة التقاء بين ما هو نظري وعملي. لقد كشفت قراءة العاتي للإنسان في فلسفة الفارابي عن تصور للإنسان بوصفه كائناً عاقلاً، غائياً، مدنياً، متطلعاً إلى الكمال عبر المعرفة، أي الإنسان ليس مجرد موجود بين موجودات، بل هو الكائن الذي يعي نظام الوجود ويسعى إلى التشبه بأسمى مراتبه. ومن خلال هذا الوعي تتحقق سعادته القصوى (فالسعادة غاية، وكمال، وخير، بل هي أجدى الخيرات، وأقربها إلى النفس الإنسانية، وهي الغاية التي تؤثر لأجل ذاتها) العاتي: ص 226. فالكتاب نجح في إبراز الطابع التكاملي لفلسفة الفارابي، حتى وإن ظل المجال مفتوحاً لمزيد من النقد والمقارنة والتطوير.

لقد أجاد العاتي في إبراز علاقة الإنسان بالله عند الفارابي، موضحاً بأنها ليست علاقة وعظية أو تعبدية بالمعنى الفقهي، بل علاقة وجودية معرفية تقوم على التشبه بالعقل الفعّال من خلال تحصيل الكمال العقلي (الوجود والواجب والإمكان من المعاني التي تتصور لا بتوسط تصور آخر قبلها، بل هي معان واضحة في الذهن. وإن عرفت بقول فإنما يكون على سبيل التنبيه عليها لا على سبيل أنها تعرف بمعان أظهر منها)، الفارابي: تجريد رسالة الدعاوى القلبية، نقلاً عن العاتي ص77. 

ذكر الفارابي أن الغاية القصوى للإنسان هي السعادة، وهذه لا تتحقق إلا باتصال العقل الإنساني بالعقل الفعّال، أي بالترقي المعرفي والأخلاقي، أي الارتقاء من القوة إلى الفعل في مراتب الإدراك، وجعل الإرادة جنباً إلى جنب مع الاختيار في تحديد طبيعة العمل الخلقي: (فالخير في الحقيقة ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشرور إنما تكون بالإرادة والاختيار) الفارابي، المدينة الفاضلة، ص97، نقلاً عن العاتي: ص 230.

وأكد العاتي أن الإنسان عند الفارابي لا يُفهم إلا في إطار رؤية كونية شاملة، مؤكداً بأن العالم بنظامه التراتبي ليس مسرحاً محايداً، بل بنية ذات غاية، والإنسان جزء من هذا النظام الغائي. فالوجود عند الفارابي مشدود إلى نظام عقلي، والإنسان كائن قادر على فهم هذا النظام والانسجام معه. فتميز تحليل العاتي في ربطه بين الطبيعة الإنسانية والمدينة الفاضلة، مؤكداً بأن العالم محكوم بنظام، وكذلك الاجتماع الإنساني ينبغي أن يُبنى على نظام عقلي، وبهذا المعنى، يصبح الإنسان كائناً مدنياً بالطبع، لا يكتمل وجوده إلا في إطار جماعي منظم، غايته السعادة المتحققة عبر الفضيلة.

من أبرز معالم الكتاب منهجية تحليل العاتي لبنية النفس الإنسانية لدى الفارابي: نفس عضوية، نفس عقلية، ونفس عاقلة، من خلال عرض تقسيم الفارابي للنفس إلى قوى نباتية وحيوانية وعاقلة، مع إبراز مركزية العقل بوصفه مبدأ التميز الإنساني، مبيناً أن الإنسان ليس مجرد تركيب مادي - روحي، بل كائن يتدرج في مراتب الإدراك، من الحس إلى الخيال إلى العقل المستفاد (وللإنسان من جملة الحيوان، خواص، بأن له نفساً يظهر منها قوى بها تفعل أفعالها بالآلات الجسمانية، وله زيادة قوة بأن يفعل لا بآلة جسمانية، وتلك قوة العقل) الفارابي: عيون المسائل، نقلاً عن العاتي: ص112. لقد وظف العاتي بعض نصوص الفارابي لإظهار الإنسان بأنه يمثل ذات عقلانية تتناغم فيها الروح والعقل والمجتمع، ما يجعل فهم الإنسان لدى الفارابي شمولياً، نظرياً وأخلاقياً وسياسياً، وبذلك امتاز تحليله بالدقة في إظهار أن الكمال الإنساني عند الفارابي ليس أخلاقياً فقط، بل معرفي في جوهره.

ويرى العاتي أن نظرية المعرفة عند الفارابي تمثل محوراً جامعاً بين الإلهيات والأنثروبولوجيا، فالمعرفة ليست مجرد تمثل ذهني، بل تحقق وجودي يرقى فيه الإنسان إلى مرتبة أعلى من الكمال. وأن الإدراك يبدأ بالحس، ثم يتوسطه الخيال، لينتهي إلى التجريد العقلي، حيث يصبح العقل مستعداً للاتصال بالعقل الفعّال. وبهذا المعنى، المعرفة ليست نشاطاً منفصلاً عن الوجود، بل صورة من صور التحقق الوجودي(تنقسم المعرفة عند أبي نصر الفارابي إلى ثلاثة أقسام أو درجات هي: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، والمعرفة الذوقية أو الإشرافية. وهذا التقسيم لا يعني أن هناك انفصالاً بينها، بل هي متصلة ويكمل بعضها بعضاً) العاتي: ص 136.

يمثل كتاب العاتي جهداً أكاديمياً رصيناً في قراءة الإنسان في فلسفة الفارابي قراءة شمولية، تكشف قوة التحليل في إبراز الترابط البنيوي بين المعرفة والسعادة، وتداخل الميتافيزيقا بالأنثروبولوجيا، والمعرفة بالأخلاق، والسياسة بالوجود، وقوته الأساسية تكمن في: وحدة الرؤية المنهجية، والتحليل الدقيق للنصوص الفارابية، وإبراز مركزية الإنسان داخل النسق.

لقد أسهم مؤلف العاتي في إثراء النقاشات الفكرية عبر تقديم قراءات جديدة لموضوعات تقليدية بطرح أسئلة منهجية حول طبيعة البحث العلمي، وتعزيز الحوار بين التخصصات المختلفة. وبذلك يشكل كتاب العاتي إضافة نوعية لما يحمله من محاولة جادة لتجديد الخطاب المعرفي. ويمثل إضافة مهمة للدراسات الفارابية، لأنه قدم تحليلاً فلسفياً عميقاً لفكر الفارابي في موضوع الإنسان بعيداً عن السرد التاريخي أو التقديم السطحي. سلّط الضوء على كيفية تفاعل الفلسفة الإسلامية مع قضايا الإنسان الكبرى مثل العقل، السعادة، الاجتماع، والأخلاق. استخلص فيه القيم الإيجابية للإنسان، موضحاً رأي الفارابي كفيلسوف: بأن هناك ثلاثة أبعادٍ تحدد تصوره للإنسان هي: بُعْدٌ إلهي وكوني، وبُعْدٌ ابستمولوجي، وبُعْدٌ أخلاقي اجتماعي وسياسي، بحيث هذه الأبعاد الثلاثة يكمل بعضها بعضاً، وتبرز طبيعة التكامل بين الفلسفة والدين في تحديد موقع الإنسان في الكون والوصول إلى السعادة.

ساعد الكتاب الكثير من الباحثين في فهم الأبعاد المعرفية والوجودية للفكر الفارابي من منظور عربي– إسلامي معاصر، يمكن اعتباره جسراً معرفياً بين التراث الفارابي العميق وبين القراءات المعاصرة لقضايا الإنسان في الفكر الإسلامي، إنه قراءة فلسفية تغوص في عمق سؤال الإنسان: مَنْ هُوَ؟ وكيف يتحقق ككائن عاقل وأخلاقي في عالم الفكر والحياة ؟. بهذا، يبقى هذا الكتاب مرجعاً أكاديمياً مفيداً لمعرفة الفلسفة الإسلامية، فلسفة الإنسان، أو تاريخ الفكر الإسلامي.

تكشف قراءة كتب د. إبراهيم العاتي عن مشروع فكري يسعى إلى بناء معرفة نقدية واعية بذاتها وبسياقها التاريخي، فبين المنهجية الرفيعة واللغة البليغة، تتشكل تجربة معرفية تدعو المتلقي إلى التفكير والمراجعة، وتؤكد أن كتابات العاتي الأكاديمية ليست مجرد نقل للمعرفة، بل إعادة خلق لها في ضوء أسئلة جديدة تتسم بطابع الإثارة، أي تتحول الكتابة لديه من مجرد سرد معرفي إلى ممارسة نقدية تسعى إلى الكشف عن البنى العميقة للأفكار.

***

د. عبد الحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

كثُرت الدراسات في الآونة الأخيرة حول الذكاء الاصطناعي، حتى أنه لا يكاد يخلو مجال من المجالات المعرفية الا وتناول هذا الموضوع، بل أنه أصبح حديث الناس، وأثار دهشتهم في الوقت نفسه، نظرًا لسهولة استخدامه وسرعة استجابته وغيرها من الميزات الأخرى.

واذا عدنا الى الذكاء في الأصل نجد أنه سمة انسانية ومن تمثيلاته سرعة التعلم، استحضار المعلومات، التحليل، النقد، الاستدلال، المقارنة، وغيرها من العمليات. لكن الأمر المذهل الذي حصل ان الآلة التي نصنعها بعضها على صورتنا، وهناك من لها مسحة من الذكاء تحاكي به الذكاء البشري هذا ان لم تفقه في أغلب الأحيان، وهو ما أطلق عليه فلاسفة ما بعد الانسانية "بالتحسين المعرفي"، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الآلة كما هو معروف "أداة" تستخدم لإعانة الانسان على انجاز الأعمال، الا أن الذكاء الاصطناعي بوصفه آلة وانجازًا علميًا هيأ للإنسان فرصًا جديدة :-ففي المجال الطبي ابتكرت روبوتات لتشخيص الأمراض واجراء العمليات الدقيقة مثل (Da Vinci Xi)، وفي المجال اللغوي هناك برامج مثل برنامج ((Grammarly، الذي يساعد الباحث للتأكد من دقة البناء النحوي للنص، أو في مجال الترجمة هناك برامج تناسب التخصصات لترجمة النصوص واعطاء أكثر من خيار للوصول الى المعنى الصحيح، وفي أية لغة مثل برنامج ((Deepl، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذه البرامج تتعامل مع اللغات عالية الموارد وتُستثني الواطئة منها.أما في المجال الحقوقي، فمن لديه دعوى ويرغب بأخذ استشارة قانونية بإمكانه استشارة الذكاء الاصطناعي وتساعد امكانيات تحليل المستندات المتعددة الاستخدامات ((CoCounsel Legal المحامين على مراجعة المعلومات من جميع الأنواع، والوصول الى رؤى قابلة للتنفيذ على نحو سريع، والعثور على الثغرات القانونية بين الملايين من الصفحات. وبإمكان هذا البرنامج الاجابة على أسئلة معقدة حول الوثائق ومقارنتها ومقابلتها، وتقديم ملخصات مصممة خصيصًا، والبحث في قواعد البيانات الضخمة، وتحليل الحجج، واكتشاف التوصيفات الخاطئة.

لكن الانجازات العلمية على الرغم من الآفاق الجديدة التي تهيؤها الا أنها تطرح تحديات أخلاقية وقانونية، بدليل أنها تسببت بارتكاب أخطاء جمة في حقوق الانسان. والسبب في ذلك التسارع المهول في تطوير هذه التقنيات، مما أثار شعورًا بالقلق الوجودي تجاه نشر ها. والمراقب الذكي بإمكانه أن يحدد السنوات (2021-2022-2023)،التي لوحظ فيها ذلك الانتشار وقد مثلت هذه الفترة لحظة تحول نوعي في 1-تطوير هذه التقنيات بعيدًا عن الرقابة الأخلاقية والقانونية 2-خروجها من المختبرات التكنولوجية المغلقة الى الاستخدام الشعبي الواسع 3-الادمان التكنولوجي Technology addiction على الأجهزة الرقمية.وهو نوع من الإدمان السلوكي يتميز بالاستخدام المفرط وغير المنضبط للأجهزة الإلكترونية. فالأدوات مثل Midjourney AI، Generative AI & Chat GPT)) وغيرها عندما خرجت من المختبرات الى الاستخدام الشعبي الواسع أتاحت لمستخدمين عاديين انتاج صور ونصوص بكفاءة غير مسبوقة مما طرح تساؤلات عدة منها: التساؤل عن مكانة الانسان بوصفه مفكرًا ومبدعًا حاملًا للذوق الجمالي ومصدرًا للتجربة الانسانية المتجددة في زمن الألة، وعن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية. فهذه النماذج التي تتغذى على محتوى أبدعه بشر تُعيد انتاجه من دون اذن أو تعويض، فضلًا عن التساؤل عن تداعيات هيمنة التقنيات الذكية على ماهية الانسان، ومن هنا حذر فلاسفة التقنية مثل برنارد ستيغلر من الوقوع في خطرين يتمثل الخطر الأول ب"الاستلاب الرقمي" اذ ان هذه التكنولوجيا تؤثر على الفعل الانساني والهوية والذاكرة، وتهدد باختزالنا من كائنات منتجة الى مستهلكه، وهذا يعني اغتراب الانسان عن ذاته ومجتمعه تحت وطأة الهيمنة الرقمية، ومن ثم الوقوع بالخطر الثاني المتمثل ب"التشيؤ التقني" اذ يُخشى من هيمنة هذه التكنولوجيا على ماهية الانسان واختزالها في منظومة تقنية لا تراعي قيمته الوجودية فيتحول الى مجرد رقم في منظومة آلية تستخرج منها البيانات وتُعاد قولبتها لأغراض ربحية. هكذا يبدو الذكاء الاصطناعي ليس أداةً وحسب، بل هو قوة بنيوية تعيد تشكيل مفهوم الانسان وحقوقه.

ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل الرقابة القانونية والمحاكمة الأخلاقية، لأن مثل هذه المخاطر تُهدد أهم حق من حقوق الانسان المتمثلة (بفهم معنى أن نكون بشرًا)، فالشركات التكنولوجية تسعى الى خلق علاقة وجدانية بين الانسان والآلة تسمى (اسقاط المشاعر على الأشياء الاصطناعية)، ومن مظاهر هذه الحالة الحوار مع الآلة كما لو كانت ذاتًا واعية، وهذا المسعى ليس بريئًا اذ يًعد أخطر ما أحدثته التكنولوجيا’ اذ أدى الى تضاؤل الاحساس بالذات أمام الآلات تتظاهر بالفهم والتعاطف. وكان نتيجة ذلك اضعاف ادراكنا لخصوصية المشاعر الانسانية ذلك انها غير قابلة للبرمجة، فضلا عن أن هذه الشركات استثمرت ذلك في تقديم التكنولوجيا كمعالج نفسي، في حين أنها تبقى مجر د آلة مصممة للاستجابة على نحو مشروط لا واع. ومن الجدير بالذكر ان نفوذ الشركات الى هذا الحد أدى الى التشكيك في حدود السلطة بين الآلة والبشر، وتفعيل فكرة (سلطة الآلة على الانسان)، أو ما بات يعرف ب(تطبيع الرقابة) لتصبح حالة طبيعية وجزء من الحياة اليومية، وهو الدور الذي تؤديه شركات مثل (كوكل-ميتا، أمازون أوبن اي) في تشكيل بيئة الذكاء الاصطناعي. من خلال أنظمة التعرف على الوجوه بكاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات تتبع الحركة، والتحليل السلوكي ان كل ما تقدم يؤكد الفكرة المحورية لهذا المقال، فهذه الشركات لم تعد تجارية وحسب، بل انها قوى فوق دولية تمتلك كمًا هائلًا من البيانات، ولها القدرة على التأثير في الرأي العام، ويبدو ذلك من خلال التواطؤ بين هذه الشركات والسياسات التي تطمح الى تقويض حقوق الانسان وتعزيز السيطرة السياسية ليس على شعوبها وحسب بل على العالم بأسره. لذلك ينبغي الحذر كل الحذر من مساعي بعض التقنيين لمنح الآلة بعض الحقوق، في وقت سُلبت به حقوق الانسان ومُنحت للآلة، والهدف من كل ذلك تحجيم قدرات الانسان (المستهلك) لها.

ان كل ما تقدم، وغيره من المخاطر والأخطاء دفعت الأمم المتحدة لحقوق الانسان مؤخرًا في تقريرها الصادر في 20 من شباط 2026، من التحذير من تحول الذكاء الاصطناعي الجامح الى "وحش فرانكشتاين"، وهذا يحدث اذا افتقر مطوروه الى فهم عميق للمبادئ الاخلاقية والاجتماعية الأساسية. لأنهم سيطورون شيئا لا يمكنهم السيطرة عليه فيما بعد، اذا لم يكونوا على دراية بمخاطر هذه الثورة التكنولوجية.

***

أ. د. نوال طه ياسين - أستاذ الفلسفة المعاصرة

جامعة البصرة-كلية الآداب-قسم الفلسفة

لا يمكن قراءة البيان الاخير الصادر عن المكتب الاعلامي لرئيس مجلس الوزراء بشأن اجتماع "متابعة الجامعات الاهلية" الا بوصفه تمرينا في البلاغة الانشائية التي تحاول حجب الواقع بغربال من الكلمات الرنانة. فعلى الرغم من "هيبة" المشهد الذي حشد المستشارين والمديرين العامين، الا ان مخرجات الاجتماع جاءت خالية من اي "مونة" سياساتية، فبدلا من اعلان حالة طوارئ تعليمية لمواجهة انحدار الجودة، غرق المجتمعون في صياغة توجيهات عامة حول "اتساق القانون" و"استيفاء الشروط"، وهي بديهيات ادارية لا تستوجب اجتماعا بهذا المستوى. ان هذا "الاستعراض السطحي" لا يحل ازمة، بل يرحلها خلف "مهلة العشرة ايام" الشهيرة، متجاهلا ان العلة تكمن في جوهر الفلسفة التعليمية الحالية التي حوّلت الجامعات الى "ماكينات ربح" بلا كوابح.

حين نقرأ في الخبر عن 'استعراض منظومة العمل' و'استيفاء شروط الرصانة'، نكتشف فخاً لغوياً، فالرصانة في الأعراف الأكاديمية ليست مجرد 'حالة' تُعلن في اجتماع، بل هي نتاج نظام اعتماد صارم. ومع ذلك، يُحسب للاجتماع التفاتته الجادة والمحقة للجانب التنظيمي، من خلال حضور الجهات الإدارية والمالية، والتشديد الصارم على ضرورة تسوية القيود الضريبية والحقوق الضمانية للتدريسيين، فهذه ليست مجرد إجراءات ورقية، بل هي صمام أمان لحفظ كرامة الكوادر التعليمية وحماية المال العام من الهدر. لكن الإشكالية تبقى في الاكتفاء بهذا الجانب، حيث غابت 'لغة الأرقام' و'معايير الجودة النوعية' التي تفرق بين المؤسسة التعليمية الرصينة الملتزمة بواجباتها القانونية، وبين 'دكاكين الشهادات' التي استباحت المعايير العلمية من أجل تعظيم الأرباح.

الجودة الضائعة في زحام "التوجيهات"

الاعتماد الاكاديمي لا يتحقق بـ "ايعاز" او بـ "مقترحات تُقدم خلال عشرة ايام". هذا التوقيت الزمني الضيق يعكس استخفافا بملف معقد، فالاعتماد يحتاج لبناء نظم تقييم، وتدريب كوادر، ورقابة ميدانية مستقلة، لا لـ "ترقيعات ادارية" سريعة تُرفع للمسؤول لغرض الاستهلاك الاعلامي وتغطية الفشل في مواجهة جشع المستثمرين.

البديل الاصلاحي الحقيقي

بدلا من هذا الاستعراض السطحي، نضع امام صناع القرار "خارطة انقاذ" ترتكز على الجودة والاعتماد، بعيدا عن منطق الربح والجباية:

1. كبح "جماح القبول" وربطه بسوق العمل

يجب التوقف فورا عن سياسة "الابواب المفتوحة" التي تنتهجها الجامعات الاهلية لاشباع نهمها المالي. المقترح هو تحديد سقف المقبولين في كل برنامج تعليمي بناءً على "دراسة احتياج حقيقية" لسوق العمل، وليس بناءً على قدرة الجامعة على حشر الطلاب في القاعات. لا يمكن السماح بتحويل الشباب الى "جيوش عاطلين" لمجرد سد "اشلاء جوع" المستثمرين الذين يتاجرون بمستقبل الاجيال.

2. التحول الالزامي الى "مؤسسات غير ربحية"

ان الاوان لنقل الجامعات الاهلية من نموذج "الشركات التجارية" الى نموذج "المؤسسات غير ربحية"، كما هو الحال في ارصن جامعات العالم. هذا التحول يعني ايقاف استنزاف جيوب العوائل لصالح حسابات المستثمرين، واعادة توجيه كافة الارباح والفائض المالي لتطوير البحث العلمي، وتحديث المختبرات، ودعم الابتكار، بدلا من توزيعها كأرباح على "شركاء" لا علاقة لهم بالعلم من قريب او بعيد.

3. مأسسة الجودة ونظام "الانياب" القانونية

يجب الزام كل كلية بالحصول على اعتماد برامجي عالمي مستقل كشرط لبقائها، مع تفعيل نظام عقوبات تصاعدي يبدا بـ تعليق القبول في الاقسام المترهلة، ويصل الى سحب اجازة التأسيس للجامعات التي تصر على تغليب الربح المالي على المعيار العلمي.

4. حوكمة الجامعات ومأسسة مجالس الأمناء

يتعزز الهيكل التنظيمي لهذا الإصلاح عبر تشكيل مجالس الأمناء، بحيث يكون لكل جامعة أهلية مجلس يُختار أعضاؤه من كبار العلماء والأساتذة المتخصصين والخبراء والشخصيات العامة، على أن يضم المجلس في عضويته رئيس الجامعة وممثلاً عن الحكومة يختاره وزير التعليم العالي لضمان الرقابة الرسمية. ويتولى هذا المجلس، بشراكة تشاورية مع مجلس الجامعة، صياغة اللوائح الداخلية لإدارة شؤون الجامعة وتسيير أعمالها، بما يضمن وضع قواعد صارمة لاستخدام صافي الناتج عن نشاط الجامعة وتوجيهه نحو التطوير الأكاديمي والبحثي وفق ميزانيتها السنوية المصادق عليها.

5. الدمج الاكاديمي

تكتمل خارطة الإنقاذ بتبني "الدمج الأكاديمي" للكليات المتشابهة لتحويلها إلى جامعات كبرى رصينة، أسوةً بالتجارب الناجحة في فرنسا وألمانيا. يهدف هذا التوجه إلى رفع الجودة وتوحيد المعايير، مع تقليل التكاليف التشغيلية لخفض الأجور الدراسية، فضلاً عن مكافحة الفساد عبر تبسيط الرقابة وخلق بيئة بحثية متكاملة. وبذلك، يتجسد الإصلاح الجذري في أربعة أعمدة: ضبط القبول وفق سوق العمل، التحول للمؤسسات غير الربحية، فرض الاعتماد الدولي الصارم، والهيكلة بالدمج لصناعة كيانات جامعية تليق بالعراق.

اخيرا "التعليم امانة وليس بضاعة"

ان اصلاح التعليم الاهلي في العراق لا يمر عبر اجتماعات "الصور التذكارية" والبيانات التي "لا تسمن ولا تغني من جوع". اننا بحاجة الى ثورة في الفلسفة التعليمية، تبدا بتحويل الجامعات الاهلية الى مؤسسات علمية غير ربحية، وتنتهي بفرض معايير جودة لا تجامل احدا.

السؤال الموجه لصناع القرار: هل لديكم الجراة لتحويل هذه "الاستثمارات" الى "مؤسسات علمية حقيقية" تخضع لسوق العمل، ام سنستمر في مشاهدة ضياع التعليم في دهاليز الارباح والكلمات الرنانة؟

***

د. محمد الربيعي

 بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن

ليس رمضان شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل هو محطة سنوية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. إنه ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو إعادة ترتيب للأولويات، وضبط للإيقاع الداخلي، ومراجعة شاملة للعادات والسلوكيات والأفكار والمشاعر. في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتزداد فيه الضغوط، يأتي رمضان كمساحة هادئة يعيد فيها الإنسان اكتشاف ذاته، وصناعة نفسه وتشكيلها ويتصالح مع روحه، ويستأنف رحلته نحو الأفضل والأميز.

حين نتأمل طبيعة هذا الشهر نجد أنه يحمل في جوهره فلسفة التغيير العميق وترك عتبة الماضي وهفواته وأخطائه. فالإنسان الذي يستطيع أن يمتنع ساعات طويلة عن المباحات بدافع الإيمان والانضباط، قادر على أن يمتنع عن السلوكيات السلبية والعادات الضارة التي لا تنفعه وتتسب في بعده عن خالقه، إذا امتلك الوعي والعزيمة والإصرار على التغيير. الصيام تدريب عملي على الإرادة، وإعادة برمجة للسلوك، وتعويد للنفس على ضبط الرغبات وتأجيل الإشباع، وهذه في علم النفس من أهم ركائز بناء الشخصية المتوازنة.

إن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا يفرض من الآخرين، بل ينبع من الداخل الحي والنابض في النفوس التواقه للتجديد والتطوير وبناء الذات الإيجابية التي تتطلع للأحسن والأجود في حياتها. كثيرون يحلمون بتغيير العالم من حولهم، لكنهم يغفلون عن أبسط وأصعب مهمة: تغيير أنفسهم وصقلها بكل نافع وخير. والقرآن الكريم يضع القاعدة الحاسمة حين يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ الرعد :1، فكل تحول جماعي سبقه تحول فردي، وكل نهضة اجتماعية انطلقت من يقظة داخلية صادقة وشفافة. رمضان يمنحنا هذه اليقظة وبناء حالة من الوعي، ويوقظ فينا الشعور بالمسؤولية تجاه الذات قبل المجتمع الذي يكون مجموعنا وجماعاتنا.

في هذا الشهر تتجلى قوة الإرادة بصورة عملية يومية. الإنسان الذي كان يظن أنه لا يستطيع ترك عادة معينة يكتشف أنه قادر على ضبطها وتأجيلها لساعات طويلة دون جزع أو وجل. فالمدخن يمتنع، والغاضب يكظم غيظه، والمندفع يهدأ ولا يتهور، والمتكاسل ينهض لصلاة الفجر وقيام الليل دون تسويف أو أعذار وتأجيل. هذه ليست طقوساً شكلية عابرة، بل رسائل يومية يبعثها الإنسان إلى عقله الباطن مفادها أنه يملك القدرة على التحكم في ذاته. والسيطرة على ضعفها وهوانها بيقظة إيمانية تعبء نفسه بكل معاني القوة والمنعة لكسب الخير والأجر العظيم في هذا الشهر الفضيل ومع التكرار اليومي تتشكل قناعات جديدة، وتزرع بذور عادات مختلفة، وتتأصل سلوكيات رائعة وعظيمة، ويبدأ مسار داخلي جديد يتعمق شيئاً فشيئاً.

رمضان أيضاً مدرسة في إعادة تعريف النجاح. فالنجاح ليس في كثرة الإنجاز المادي فحسب، بل في القدرة على تهذيب النفس، وضبط اللسان، وتطهير القلب من الحسد والضغينة، وبناء علاقة أكثر صفاء وقرباً مع الله عز وجل ومن ثم مع الناس. الصائم الحقيقي لا يصوم عن الطعام فقط، بل يصوم عن الأذى والشر، عن الكلمة الجارحة المؤذية، عن تجنب النظرة المتعالية التي تتسم بالتواضع وحسن الخلق، وعن السلوك الذي يجرح إنسانية الآخرين، بل يثبت إنسانية التعامل وأخلاقية التصرف الحسن. في هذه المساحة الروحية يتعلم الإنسان أن قيمة وجوده تتجاوز مصالحه الشخصية والآنية، وأن صفاء القلب أعظم من أي مكسب عابر وسريع.

ومع كل ليلة قيام، وكل لحظة دعاء، تتعزز في النفس مشاعر الأمل وحسن الظن بالله. حين يؤمن الإنسان أن الله قريب، يسمع دعاءه، ويعلم ضعفه وهوانه، ويكافئ محاولاته وسبر الخطى إليه، فإن ذلك يمنحه طاقة نفسية هائلة للاستمرار وعدم اليأس أو القنوط. حسن الظن بالله ليس شعوراً عاطفياً مجرداً، بل هو قوة دافعة تحرك الإنسان ليحاول مرة أخرى، ويستغفر بعد الزلة وخطأ يرتبكه، ويواصل الطريق بعد العثرة والإنزلاق. وهنا يتحول التغيير من مشروع مؤقت إلى أسلوب حياة دائم ومتجدد.

غير أن أعظم ما في رمضان أنه يكشف للإنسان حقيقته وذاته. يكشف له مواطن ضعفه فيعالجها، ويظهر له جوانب قوته فينميها ويثري وجودها وحضورها. يجعله يكتشف أنه ليس أسيراً لعاداته كما كان يظن، بل قادراً على إعادة تشكيلها وبناء قوتها وعظمة حضوره ووجوده. ومع مرور الأيام تتكون صورة جديدة للذات، صورة أكثر انضباطاً، أكثر وعياً، وأكثر صفاء وجمالاً. وإذا أحسن الإنسان استثمار هذه الأيام في شهر الصيام، فإنه لا يخرج منها كما دخل، بل يخرج بنسخة أكثر نضجاً واتزاناً وتغيراً.

فالتغيير في رمضان ليس هدفه أن نكون مختلفين لمدة شهر، بل أن نؤسس لمرحلة جديدة تستمر بعده. فالقضية ليست أن نعيش أجواء إيمانية مؤقتة، بل تستمر إيمانيتنا دوماً وتشع نوراً وضياءاً، وأن نكتسب مهارات دائمة في إدارة الذات، وضبط الانفعالات، وتنظيم الوقت، وترتيب الأولويات. عندما يتحول الصيام إلى وعي، والقيام إلى طاقة روحية، والذكر إلى سكينة داخلية وصفاء الروح، فإن الإنسان يعيد صناعة نفسه على أسس أكثر رسوخاً ومتانة وقوة.

في نهاية المطاف، رمضان ليس مجرد موسم للعبادة فحسب، بل هو موسم لإعادة كتابة قصة حياتنا. هو فرصة لنراجع مسارنا، ونحدد رؤيتنا، ونسأل أنفسنا بصدق: من أريد أن أكون بعد هذا الشهر؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، وكانت النية صادقة، وكانت المحاولة مستمرة، فإن التغيير يصبح واقعاً لا حلماً.

رمضان يعيد إلينا الإيمان بأننا نستطيع. نتمكن أن نترك ما يضعفنا، وأن نتمسك بما يرفعنا ويجل خطواتنا ومسارنا، وأن نبدأ من جديد مهما تراكمت الأخطاء والزلات. إنه شهر لا يغير التقويم فقط، بل يغير الإنسان ذاته، ويمنحه فرصة حقيقية ليولد من جديد أكثر وعياً، وأكثر نقاء، وأكثر قرباً من الله عز وجل.

***

د. أكرم عثمان

1-3-2026

لم نجد في تاريخ الأخلاق قاعدة أخلاقية تفسر سلوك العرب اتجاه تخاذلهم أمام القضية الفلسطينية بشكل عام وغزة بشكل خاص، وتردي أخلاقهم في التعاطي مع القضية الفلسطينية لا على مستوى النسب العروبي ولا على القاعدة الدينية المشتركة ولا على مستوى الجغرافيا! خلف هذا الموقف الضحل والمتخاذل ردت فعل عنيفة في تحليل بنية العقل العربي الخامل عن قضاياه النشطة، وخيبة أمل كبيرة من المشتركات التي كان يعول عليها. وتراجع كبير عن كل مواثيق حقوق الإنسان التي سجلوا بها في المنظمات الدولية. وتردي في الموقف الضميري اتجاه جياع غزة وشهدائهم من النساء والأطفال والرجال ويعتلي ذلك خسة التراجع عن كل موقف مناصر، أو أمل المناصرة. بل زادوا في التردي درجة عندما طبعوا مع الكيان الصهيوني وساندوا الصهاينة وحلفائها على حساب أهل فلسطين والقضية برمتها، وزادوا في الامر ضحالة عندما دفعوا الأموال في سبيل قتل أهل غزة وإبادتهم وإجبارهم على الاستسلام، بل وفي دفع الأموال لكي يدخلوا في مجلس سلام مظلل يخدم الصهاينة أكثر مما يخدم أهل فلسطين.

هذه الأزمة الأخلاقية التي تسببت بظهورها - وإن كانت بادية من ذي قبل ولكن بدرجة أقل - حرب 7 أكتوبر ضد الصهاينة، وضعت العقل العربي في تحدي كبير في طبيعة التعامل مع قضاياه القومية والاقليمية والدينية، وأظهرت ضحالة التفكير العربي والفكر القومي العربي وسطحية العقلية العربية أمام المخططات الإستراتيجية الدولية في منطقهم وبلدانهم وسياساتهم. وعرت في الوقت نفسه من موثوقية القيم التي كان العرب ومازال يتبجح بها من نخوة وشجاعة وغيرها. صحيح يجب أن نفرق هنا بين موقف الحكام وموقف الشعوب، ولكن الشعوب العربية في الغالب امتلك مواقف الكلمة بعد أحداث الربيع العربي الذي أزال الأنظمة الشمولية التي كانت الأمان للكيان الصهيوني في نشأته على أرض فلسطين حتى تمكن من بناء قدراته فتولى عليهم وارجع شعوبهم إلى الفوضى عبر إزالة هذه الأنظمة والوصول بأنظمة مطبعة. فكانت الشعوب العربية تشبه أنظمتها إلى حد كبير وإن كانت هنالك مواقف متذبذبة بين حين وآخر من تظاهر وشجب وغيرها، الا إن المواقف العربية جميعا ما عدا اليمن لا يمكن لها أن توازي مواقف الشعوب الغربية في أمريكا وأوربا وأن كانت تتعرض للمضايقات والرفض من قبل أجهزة الأمن في تلك الدول التي اخذت مواقف متشددة اتجاه مواطنيها الذين أعلنوا عن مواقفهم لمناصرة القضية الفلسطينية.

فضحالة المواقف العربية كانت بسبب طبيعة تفكير الأنظمة في التعاطي مع القضايا القومية من جهة والدينية من جهة أخرى – بينما كان الصهاينة يصرحون بين آونة وأخرى أن حربهم ضد المسلمين في فلسطين وما جاورها هي حرب دينية- ولا هي تدخل في إطار الحنكة السياسية في حماية المصالح القومية والأمن العربي الذي خسرته الجامعة العربية سيئة الصيت في هذا الموقف تحديدا وإن كانت تعقد جلسات مسبقة المواقف ومعلنة البيانات، ومخجلة الآراء، ومرضية للكيان، ومخيبة للفلسطينيين. فالأخلاق لم تكن معياراً في كل هذه المواقف ولا يحسب لها حساب، بل طبعت سمات جديدة في الأخلاقيات العربية هددت بها كل تاريخ قيمها وأخلاقها المزعومة. وهنا يجب أن يعاد النظر فلسفيا في كل المواقف الأخلاقية التي ترتبط بالسياسية من جهة والأخلاق القائمة على المشتركات العروبية من جهة أخرى. فالأخلاق العروبية هي أخلاق مريضة، ومشوهة، ومعلقة على شرط الولاء السياسي، والمذهبي، والديني، والقبلي، والرضا من قبل الكيان والسياسية الأمريكية التي اشترطت الصداقة مع الكيان الصهيوني، والتطبيع في أي علاقة انفتاح لأي دولة من دول العرب، بل والامر من ذلك إن تدفع هذه الدول العربية الأموال لحمايتها من توسع الكيان الصهيوني ومن العدو المشترك للحفاء الأصدقاء واقصد الدولة العربية المطبعة مع الكيان الصهيوني بكون المشتركات الأمنية باتت قضية واحدة.

فلم نجد أي مبرر أخلاقي لانتكاسة العرب الأخلاقية إزاء القضية الفلسطينية، ولم نجد ما يفسر ذلك التراجع في القيمة العربية لمفهوم العروبة واخلاقها أو أخلاق الإسلام كدين يدعون الالتزام به. ولم نجد لهم اخلاقيات مسؤولية عامة أو مسؤولية إغاثة، أو مسؤولية تضامن تكفي لحمايتهم من المجازر الصهيونية، أو مساعدتهم لتجاوز محنة الغزة الإسرائيلي والحرب عليهم والنزوح أو الهجرة.

فالفكر العربي الأخلاقي الذي ينتمي إلى مدارس اشتراكية او قومية او ناصرية او مادية او وجودية او صوفية او اخوانية او أي توجه آخر، لم تصنع لنا كل تلك التوجهات موقفاً موحداً يحمل طابعا أخلاقياً عقلانياً إزاء الظروف التي مرت على أهل فلسطين وغزة تحديداً. كان ذلك بادياً من مهاترات العرب على شاشاتهم البائسة التي لم تنقل أخبار فلسطين وحوادث حرب السابع من أكتوبر ومأسي غزة الا ونقلت معها تأكيد الخزي العربي والضحالة الأخلاقية التي وقعوا بها في اللا موقف اتجه ضحايا غزة.

موقف يحيى السنوار، ومواقف الالاف الشهداء قبله وبعده كان كفيل بنزع رداء الأخلاق العربية اتجاه القضية الفلسطينية عموماً ما عدا أهل اليمن !

فالأخلاق العربية بعد أحداث السابع من أكتوبر بحاجة إلى دراسة حقيقية عسى أن تكون في دراستها جدوى تصحيح المسار الأخلاقي قبل النزوع في الضحالة إلى أعماقها.

***

د. رائد عبيس

المفتتح الإشكالي: مَن نحن حقًا؟ منذ ولادتنا تُطلَق علينا أسماء وهويات، ويُقال لنا نحن جزائريون أو عرب أو أمازيغ… تحددنا بطاقات الهوية، جوازات السفر، خرائط البلدان، وحتى اللهجات المنطوقة. نكبر ونحن نظن أننا نفهم أنفسنا من خلالها، وأن هذه التصنيفات تكفي لتحديد "من نحن".        

  لكن، هل هذا صحيح فعلاً؟ هل يمكن اختزال الإنسان في مجموعة من الأسماء والحدود، أم أن خلف هذا الظاهر تكمن فسيفساء معقدة من جذور وأصول وتجارب تمتد عبر الزمان والمكان؟ هل يكفي أن نعرف أصلنا الجغرافي لنفهم ذواتنا، أم أن الهوية أعمق من ذلك، تشمل تجارب الحياة، الاختيارات الفردية، وحتى الصراعات الداخلية؟

هذا السؤال الإشكالي يقودنا إلى الغوص في مفهوم الهوية من منظور فلسفي، اجتماعي، وثقافي، مع محاولة فهم كيف تتشكل الذات البشرية بين ما هو وراثي وثقافي وتجريبي، وكيف تتفاعل مع الزمن والمجتمع والتجارب الفردية. إن الهوية ليست ثابتة، بل حالة مستمرة من التشكل، تجمع بين الماضي والحاضر، وبين ما نرثه وما نختبره بأنفسنا. فكيف يمكن للإنسان أن يعرف نفسه حقًا إذا كانت هويته متغيرة ومركبة؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يفهم أفراده إذا كانت كل شخصية فسيفساء من الأصول والتجارب؟.

 الاسم والبطاقة: أول طبقات التعريف

قد نظن أن أسماءنا وبطاقات هويتنا تعكس من نحن حقًا، لكنها في الواقع مجرد واجهة يعرفنا من خلالها الآخرون والدولة، وسيلة لتمييزنا كي لا نظل مجهولين أو نُعامل كنكرات. فقد يحمل شخص اسمًا عربيًا مثل "محمد"، بينما تكشف جذوره العائلية عن أصول أمازيغية أو أوروبية ممتدة عبر الأجيال. وحتى عندما يُصنَّف قانونيًا على أنه "جزائري"، فإن هذا التصنيف لا يلغي تعدد خلفياته التاريخية والثقافية، التي قد تمتد إلى فضاءات حضارية مختلفة مثل الأندلس أو المشرق العربي أو أوروبا الجنوبية.

الأسماء وبطاقات الهوية هي نقطة البداية لفهم الذات، لكنها ليست كل شيء. فقد يكتشف شاب صدفة أو من خلال بحث عائلي أو اختبار جيني، أنه يحمل دماءً أوروبية وإفريقية، فيبدأ في إعادة التفكير في معنى الانتماء فعليًا. يبقى الاسم الرسمي كما هو، لكن فهم الشخص لذاته يصبح أعمق، لأنه يتكوّن من تاريخ ممتد وتجارب متعددة، لا من بطاقة أو اسم فقط.

 الأنساب والذاكرة العائلية: بين الحقيقة والوهم

الأنساب تمنحنا شعورًا بالانتماء للماضي، لكنها ليست دائمًا دقيقة. كثير من العائلات في الجزائر تروي قصص أجدادهم الذين جاءوا من الأندلس أو عاشوا هجرات متعددة، أو امتزجت دماؤهم بين العرب والأمازيغ والأوروبيين، وأحيانًا تتحول هذه القصص إلى حكايات شبه أسطورية. فمثلاً، شخص قد يفتخر بأن جدّه كان من الأندلس، رغم عدم وجود وثائق تاريخية تثبت ذلك، لكن هذا الشعور بالانتماء يجعل القصة جزءًا من هويته اليومية.

من جانب آخر، هذه الذاكرة تمنح الإنسان إحساسًا بالاستمرارية، لكنها ليست كل شيء. الهوية تتشكل أيضًا من تجارب الفرد اليومية وتفاعله مع محيطه، فحتى لو كانت القصص العائلية غير دقيقة، فهي تساعد الشخص على فهم نفسه، ومزج الماضي بالحاضر بطريقة تمنحه شعورًا متكاملاً بهويته. الإنسان إذًا ليس مجرد مجموع أجداده، بل هو نتاج تجربة حية تجمع بين التاريخ والواقع وما يختاره لنفسه في حياته اليومية.

الجسد والوراثة: التاريخ المخبأ في عروقنا

الجسد ليس مجرد وعاء بيولوجي فحسب، بل سجل حي للتاريخ، يحمل آثار الهجرات والتزاوجات التي مرت بها الأجيال السابقة. الصفات الجسدية، من لون البشرة إلى شكل الملامح، وحتى بعض الاستعدادات الصحية، تعكس تفاعل الأنساب عبر العصور والتنوعات الثقافية التي صاغت كل فرد. في الجزائر، على سبيل المثال: قد تجد شخصًا يجمع بين ملامح أمازيغية وعربية وأوروبية في نفس الوقت، أو عائلة يتنوع أبناؤها في لون الشعر والبشرة بشكل ملحوظ نتيجة امتزاج دماء مختلفة عبر الأجيال، فتصبح أجسادهم وثائق صامتة لتاريخ طويل من الاختلاط البشري.

لكن من جانب آخر، الجسد وحده لا يحدد الهوية. الإنسان قد يحمل دماء من ثقافات متعددة، لكنه يشعر بالانتماء الكامل لمجتمعه المحلي وثقافته اليومية، ويعيش عاداته وتقاليده كما تربى عليها. هذا يوضح أن الهوية ليست نتيجة مباشرة للوراثة البيولوجية، بل هي نتيجة تفاعل مستمر بين الجسد، التجربة، والانتماء الاجتماعي والثقافي.

الجسد إذًا جزء من الهوية، لكنه ليس كل شيء؛ والفهم الواعي له يضع الفرد أمام مسؤولية مستمرة في استيعاب جذوره، وفهم تأثيرها على شخصيته وسلوكه في العالم المعاصر.

اللغة: بوابة الهوية والتواصل

اللغة ليست مجرد وسيلة للتحدث أو التفاهم، بل هي أداة تكشف عن طبيعة الإنسان وتجربته في العالم. من خلالها نُعبّر عن أفكارنا، مشاعرنا، وطرقنا في التفكير، ونستطيع إعادة تشكيل إدراكنا للذات وللآخر. اللغة تمنحنا القدرة على بناء الانتماء الثقافي، لكنها في الوقت نفسه تتيح حرية التجربة والابتعاد عن قيود الأصل أو الانتماء الثابت.

في واقعنا، كثير من الأفراد يعيشون تجربة هوية متعددة من خلال لغاتهم: قد يتحدثون لغة الأجداد في البيت، ولغة وطنية في المدرسة، ولغة أجنبية في العمل أو الدراسة. هذا التنقل بين اللغات يمكّنهم من اختبار جوانب مختلفة من شخصياتهم، ويتيح لهم الانخراط في مجتمعات متعددة، وتجربة طرق مختلفة للتواصل مع العالم، مما يجعل الهوية أكثر مرونة وغنى.

لكن من جانب آخر، اللغة ليست مجرد وسيلة للاكتشاف الذاتي، بل تعمل كجسر يربط الفرد بالمجتمع ويشكّل شعور الانتماء. فهي تمنح القدرة على المشاركة في الثقافة المشتركة، وعلى التعبير عن الذات ضمن سياقات اجتماعية محددة. اللغة إذًا هي عنصر أساسي في بناء الهوية اليومية، تجمع بين الحرية والتقليد، بين تجربة الذات والتفاعل مع الآخرين، لتبقى هوية الفرد عملية مستمرة من إعادة البناء والتكيف.

 الثقافة: حيث يختلط القديم بالجديد

الثقافة ليست مجرد مجموعة تقاليد ورثناها عن أجدادنا، بل هي فضاء حي تتلاقى فيه التجارب الفردية والجماعية. هي الطريقة التي نحيا بها حياتنا اليومية، من عاداتنا وأطعمتنا إلى الموسيقى والفنون التي نختارها ونمارسها. شخص يعيش في الجزائر اليوم قد يحتفظ بعادات أسرية قديمة، مثل الاحتفال بمناسبات دينية محلية، لكنه يشارك في فعاليات ثقافية عالمية، يستمع لموسيقى غربية، ويقرأ أدبًا أجنبيًا، ويطبخ أحيانًا وصفات مستعارة من ثقافات أخرى، فتتشكل هويته الثقافية من هذا التداخل.

لكن من جانب آخر، هذه المرونة تجعل الثقافة متحركة وليست ثابتة. هويتنا الثقافية تتشكل من اختياراتنا اليومية، ومن طريقة تعاملنا مع ما ورثناه وما اكتسبناه، ومن قدرتنا على المزج بين الماضي والحاضر، بين الانتماء لجذورنا والانفتاح على الجديد. هذا يعني أن الثقافة ليست مجرد نسخة عن الماضي، بل عملية مستمرة من التجديد، حيث يختبر كل فرد ذاته ويعيد صياغة هويته باستمرار، لتصبح هويته الثقافية انعكاسًا حيًا لتجربته الشخصية في العالم.

الهجرة والاختلاط: عن تاريخ مشترك ومعاصر

الحروب، التجارة، الهجرة، والاستعمار شكلت تاريخ البشرية وجعلت الأفراد نتاجًا مستمرًا للاختلاط الثقافي والعرقي. كل إنسان يحمل في عروقه أثر تاريخ طويل من التنقلات والاندماجات، فالهجرة لم تكن مجرد حركة مكانية، بل عملية نقل ثقافي واجتماعي، وأدت إلى تشابك الهويات على مر القرون. في الجزائر، على سبيل المثال، يمكن أن يجتمع في شخص واحد دماء أمازيغية وعربية وأوروبية وشرقية نتيجة الهجرات المتعاقبة والتاريخ الاستعماري، فيعيش في مجتمع متنوع ثقافيًا ولغويًا، يتحدث العربية والأمازيغية، ويستخدم الفرنسية في التعليم والعمل، بينما يحتفظ بتقاليد أسرية قديمة. هذه التداخلات تجعل أي فكرة عن "النقاء" العرقي أو الثقافي غير واقعية، فالهوية البشرية دائمًا فسيفساء من الخبرات والجذور المختلفة.

لكن من جانب آخر، هذا الاختلاط يمكن أن يولّد شعورًا بالغربة أو الانقسام الداخلي، إذ يجد الفرد نفسه أحيانًا بعيدًا عن أي ثقافة بعينها، أو مضطرًا لإعادة التوازن بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا تصبح عملية مستمرة من التأقلم والتكيف، حيث يسعى الشخص لمواءمة جذوره وتاريخه الشخصي مع الواقع الاجتماعي والثقافي الجديد، ما يجعل رحلة البحث عن الذات تجربة دينامية ومتجددة باستمرار.

 الهوية الفردية والجماعية: وحدة أم تعدّد؟

الهوية تتشكل من شبكة معقدة من التجارب الشخصية والخلفيات الجماعية، فهي ليست ثابتة أو محددة بمجرد الانتماء إلى ثقافة أو لغة معينة. الفرد يعيش حياته اليومية في بيئات متعددة تتداخل فيها الثقافات، وتتقاطع فيها العادات، وتتفاعل معها خبراته الخاصة، فتتشكل هويته كخليط حي من الانتماءات المختلفة.

شاب جزائري من أصول أمازيغية قد يتحدث العربية في المدرسة، الفرنسية في الجامعة، ويحافظ على الأمازيغية في البيت والعائلة. خلال حياته اليومية، يشارك أصدقاءه ثقافتهم وموسيقاهم، ويتعلم من طرق تفكيرهم وأساليبهم في التعامل مع المجتمع، فيصبح هويته مزيجًا متغيرًا بين الجذور والبيئة الحديثة. طالبة جزائرية أخرى تعيش في المغرب تتنقل بين لغات وثقافات متعددة، وتكتسب منها أدوات جديدة لفهم العالم، لكنها تحتفظ بعاداتها وقيمها الأصلية، ما يجعل هويتها فسيفساء دينامية تعكس التفاعل المستمر بين الفرد والمجتمع. حتى المهاجر الجزائري في كندا، الذي يختلط بمجتمعات مختلفة ويشارك تقاليدها اليومية، يبقى مرتبطًا بعاداته الأسرية وذاكرته الثقافية، فتتشكل هويته من التوازن بين الجذور والانتماءات الجديدة.

لكن من جانب آخر، هذا التوازن قد يولد صراعًا داخليًا، إذ يشعر الفرد أحيانًا بالغربة أو الصعوبة في الجمع بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا ليست مجرد تسجيل في بطاقة أو الانتماء لمجتمع محدد، بل عملية مستمرة من التكيف وإعادة البناء، حيث يسعى الفرد لمواءمة تجاربه المتنوعة مع شعوره بذاته، ويكتشف نفسه في الحوار المستمر بين الماضي والحاضر، وبين الأصول والانفتاح على الجديد.

نقاء الأصل: أسطورة أم وهم؟

السعي وراء "نقاء الأصل" غالبًا ما يكون وهمًا ثقافيًا واجتماعيًا، إذ لا توجد هوية بشرية معزولة عن التداخلات التاريخية والاجتماعية. كل إنسان يحمل في جذوره آثار الهجرات، والاختلاطات العرقية، والتفاعل مع ثقافات متعددة عبر العصور، ما يجعل فكرة الهوية النقية أكثر رمزية منها حقيقة ملموسة(أي أنها تمثل رمزًا أو فكرة نظرية أكثر مما تمثل واقعًا فعليًا يمكن قياسه أو إثباته على الأرض).إذ غالبًا ما تُستغل تصورات النقاء لتحديد الانتماءات أو فرض معايير اجتماعية وثقافية، لكنها لا تعكس التعقيد الحقيقي للتجربة الإنسانية.

على سبيل المثال، يمكن لعائلة جزائرية أن تحمل دماء عربية، أمازيغية، وأوروبية نتيجة الهجرات والتاريخ الاستعماري، ومع ذلك يُنظر إليها ضمن تصنيف واحد بحسب المعايير الرسمية أو الاجتماعية. هذه الفكرة تظهر أن النقاء العرقي أو الثقافي مجرد إطار وهمي لا يغطي الواقع المعقد للفرد.

لكن من جانب آخر، إدراك الإنسان للهجنة وقبول تعدد أصوله الثقافية والاجتماعية يمنحه حرية تشكيل هوية غنية ومعقدة، تتجاوز الحدود الضيقة، وتتيح له الانتماء إلى أكثر من مجتمع أو ثقافة في آن واحد. الهجنة تجعل الهوية عملية مستمرة من التحول، تمنح الفرد مساحة لإعادة التفكير في ذاته، وتفتح المجال لاختيار الانتماء بوعي، بحيث تصبح الهوية انعكاسًا للتجربة، للمرونة، وللاختلاف المتنوع بدل أن تكون مجرد أصل ثابت أو معيار جامد.

الوجود كعملية: الهوية كفعل وليس ثابت

الهوية ليست شيئًا جامدًا يُسجَّل عند الولادة، بل هي رحلة مستمرة من التشكل والتجربة والتفاعل مع العالم من حولنا. كل تجربة نمر بها، كل لغة نتقنها، وكل ثقافة نختبرها، تضيف ألوانًا وأبعادًا جديدة لهويتنا، وتشكل فهمنا لذواتنا من جديد. الهوية إذًا ليست مجرد وراثة أو انتماء اجتماعي؛ إنها فعل حي وديناميكي تتغير مع مرور الزمن، وتتكيف مع كل تجربة وكل لقاء، لتصبح انعكاسًا حيًا لتفاعلنا العميق مع محيطنا ومع ذواتنا.

على سبيل المثال، يمكن لشخص ينحدر من أصول أمازيغية وعربية أن يعيش في بيئة متعددة الثقافات، حيث يتعلم لغات جديدة، ويتفاعل مع عادات وممارسات مختلفة، ويشارك في مجتمعات متنوعة. هذه التجارب المتراكمة تعيد صياغة هويته باستمرار، لكنها لا تلغي جذوره أو ذاكرته الثقافية؛ بل تجعل الهوية فسيفساء حيّة تتأقلم مع الظروف وتتنوع مع الخبرات.

لكن من جانب آخر، هذه الطبيعة المفتوحة للهويّة تضع الفرد أمام مسؤولية مستمرة: كيف يعيش هويته بوعي؟ كيف يتقبل تنوعها دون الانغماس في صراع داخلي أو التمسك بأصالة وهمية؟ إن إدراك هذه التحديات يمنح الإنسان القدرة على صياغة هويته بوعي، ويحوّل رحلة البحث عن الذات إلى تجربة مستمرة من التعلم والتكيف والنضج الشخصي، حيث تصبح الهوية فعلًا حيًا يعكس حرية الفرد وانتماءه معًا.

الخاتمة

وفي الأخير،نستنتج أن سؤالنا عن الهوية: "من نحن؟ وهل تعرف من أنت؟" لا يملك إجابة نهائية، بل يفتح أمامنا رحلة من البحث والتأمل المستمر. نحن نتشكل من أزمنة وأماكن وثقافات وتجارب متشابكة، وكل تجربة جديدة تضيف بعدًا جديدًا لذاتنا، فتتغير الهوية مع مرور الوقت كما تتغير الأنهار وتعيد تشكيل ضفافها باستمرار.

الهجنة الثقافية والاختلاط الاجتماعي يجعل من الهوية ظاهرة مرنة، ليست ملكًا ثابتًا للفرد، بل عملية تفاعل مستمرة بين الماضي والحاضر، بين الوراثة والتجربة، بين الذات والآخر. هذا يجعل من مهمة فهم الذات تحديًا دائمًا، إذ لا يمكن اختزال الإنسان في أصل واحد أو إطار ثابت.

فهل يمكن للإنسان أن يلتمس جوهر هويته بالكامل؟ وهل يمكن للمجتمع أن يدرك أفراده حقًا، في ظل هذا التنوع المعقد والتداخل المستمر بين الأصول والتجارب؟ أم أن الهوية ستظل دائمًا فسيفساء متحركة، تعكس تجارب الفرد وتفاعله مع محيطه، والصراع المستمر بين الانتماء والاختلاف؟.

***

الباحثة: بهلولي جيهان - فلسفة تطبيقية

قسم الفلسفة / جامعة باجي مختار -عنابة - الجزائر

«الخيال هو بداية الإبداع، إنك تتخيل ما ترغب فيه، وترغب فيما تتخيله، وأخيرًا تصنع ما ترغب فيه..» (جورج برنارد شو)

تقديم: تفرّد الإنسان بمزايا كثيرة ساهمت في تمكينه من تنظيم وفهم وتطوير وتشكيل حياته، وتطويع مصاعبها من أجل حياة أفضل، من أهمّ هذه المزايا، مزية التّخيّل Imagination التي تشكّل ذهنيته على أساس من القدرة والفعل، أي بين ما يسكن الذهن والفكر، وما يُصاغ واقعاً لاستساغة عيشه وتشكيله بما يناسب حياته، ويبني مستقبله أوْسَع من حدود اللحظة.

في زمن تراجعت فيه الحكايات، وانحسر بريقها وتلاشى صداها، وشحّ خيال الجدّات والأمّهات، ولم تَعُدْن حكّاءات ماهرات كما كُنَّ من قبل، يبرعْن في السفر بخيال الأطفال إلى عوالم يصعب الوصول إليها شهادةً، لا لأنّ الحكاية فقدت سحرها، بل لأن العالم غيّر وِجهته وطريقته في التّلقّي والإصغاء. فحين كان للحكاية أسْرارها، كانت الوجوه تتقابل، والأصوات تتشارك وتتقاطع، والذّاكرة تُصاغ وتُبنى. غير أنه وانسجاما مع السرعة التي تبنتها الحياة عقيدة، اختُزل العالم اليوم، في شاشة تتَّسع لراحة اليد، انمحت الدّهشة، وتحوّلت الحكاية من فعل جمالي وجماعي حي، إلى ومضات عابرة تُمرّر بلمسة من أصبع، وتُدفن في ركن مظلم من الذّاكرة، وتُنسى بسرعة، من دون أن تبني ذاكرة أو عالما يعوّل عليه، إذ حين يركب الأطفال بالخيال صهوة الحكايات، لا يوقفهم حدّ، يجوبون عوالم غريبة، فنتازية، مستحيلة، يستقون منها ما يبنون به عالمهم وواقعهم، ويؤثثون معارفهم، ويبنون غدهم.

حين تراجعت الحكايات، واختُزِل العالم في شاشة سرقت من الجدّات الحكايات، تفرَّق من حولهن السّامعون والمتعطّشون للحكي الجميل الذي يصبغ أيامهم ألوانا وإيقاعات، ممّا جعل شروط الحكي تتغيّر، ولم يعُد الحكي فعلَ قربٍ واقتراب وسكينة، بل تسلّل الصَّخب والضّوضاء الرّقمي إلى البيوت الآمنة، والسّاحات العامرة بالدّفء، والتّجمّعات والمدارس، ومضارب الحكي في الحلقات، حتى صارت الحكايات تعيش اغترابا في زمنٍ لا يعترف بالبطْء، ولا بالتّفكير النقدي أو الخيال، بل بالسرعة الفارغة من المعنى، تمشي بين النّاس فلا يصغي إليها أحد،  زمنٍ يقصي التّفاصيل التي تمنح المعنى دفئه، ويُنظر إلى الخيال بوصفه ترفا يُعرقل العبور إلى الغد المشرق، زمنٍ لم يعد يقبل السؤال مفتاحاً للتفكير النقدي، ولا الخيال بانياً لواقعٍ يؤسّس لنظرة جريئة للحال، ولا القلب مفتاحاً للدّهشة بدايةً ومُنْتهى.

وإذا كانت الحكاية هي الأصل، والصّيغة الأولى التي أسّست لواقع الإنسان، وبها استأنس وآنس غضب الطبيعة، حين كان البرق لُغزاً، والريح كائناً غاضبا حين يُزمجر، والليل مرتعا للخوف وامتحانا له، الْتَجأ الانسان إلى الحكاية والخيال فروّض المجهول، وصنع للأصوات معنى، وللظّواهر أسماء، وفتح بذلك قنوات للمغامرة والتّحدّي، فصار العالم من حوله أقل وحشة، وأكثر قابلية للعيش والفهم، وكانت وعداً خفيا بأن الغد يمكن تخيّله، ثم صناعته لعيش أفضل. فكان الخيال أداةً لتوسيع مجال هذا الاستئناس وتطويع الواقع، وحصْر الخوف من غضب الطبيعة والإنسان، فأصبحت الحكاية وما يؤجّجُ سحرها أداة بناءٍ وترتيبٍ لحياةٍ وواقعٍ يُبنى في حدودها، ويتجاوزها تخييلاً وفعلاً تمهيداً لغدٍ آمن.

وبما أن العالم قابل لصياغة جديدة، لأنه في تحوُّل مستمر، فإنّ الحكاية بهذا المعنى، تختزن التجارب والأفكار والتّصوّرات والأحداث، وتحرر الواقع من ثقل الزمان والمكان، وتبني بينهما جسورا للامتداد عبر الخيال الذي لا يعني الإثارة والإيهام والأحلام فقط، بل يدفع إلى فهم العالم بمعانيه وعلائقه ورموزه وإشاراته وإيقاعاته، إذ يلعب دورا مهما في تكوين أبنية الأفكار والاحتمالات والمسارات، وإقدار الإنسان على تجاوز اللحظة، وتوجيه السلوك، وصياغة المعنى، وتحديد الغايات.

يعدّ الخيال أحد أهمّ الجسور التي يعبرها الطفل من عالم الشهادة إلى عالم التخييل الذي يصنعه بذهنه ويملأه بالصّور والمعاني والمعلومات التي يستقبلها من الحكايات عبر تحويل وقائعها إلى رموز يفسّرها بطريقته التي تُقرّبه من العالم، فيبدأ في ممارسة التفكير النّقدي الذي سيكون أساسا لكل إبداع لاحقا.

والطفل لا يمكنه أن يستوعب المعلومات والحقائق إلاّ مستعينا بمخيلته التي تصور له كل العناصر في تركيب خاص، دون الحاجة إلى إعادة الأحداث من جديد، لأن الخيال يضعه خارج اللحظة، وخارج حواسّه فيتخيَّل ما ليس له وجود أصلا، وبهذا يصل إلى المعنى، وفهم ما يدور في محيطه وبيئته فهما صحيحا، وبالتالي يصل إلى الإبداع والتفكير النقدي الخلاق، إذ بالخيال، ومع مرور السنوات، تتحول الأشياء إلى عوالم تبني مستقبله، تُبَلْوِر أفكاره إلى معارف وسلوكات تستمر معه لتجاوز ما هو تقليدي بسيط، إذ في لحظة التّخيل، لا يخضع الطفل لقوانين الواقع، بل يندمج في قوانين الخيال، ويركب المستحيل، فتتولّد الفكرة، وتتّضح الصّورة، ويتشكّل الواقع، ويظهر الإبداع.

الطفل في حضرة الخيال..

تشكل الطفولة مرحلة أساسية في بناء الإنسان، حيث تتكون خلالها البنى الأولى للتفكير واللغة والوجدان، ويعتبر الخيال أهم مكونات هذا البناء، إذ يُتيح للطفل إعادة تشكيل الواقع، وتجاوزه، وإعطائه دلالات جديدة، إذ يتجلّى الخيال عند الأطفال في اللعب، والحكايات، والرسم والرقص، ولعب الأدوار، والتقليد والمحاكاة. يرى بياجي أن الخيال يرتبط بمرحلة التفكير ما قبل العمليات، حيث يستخدم الطفل الرموز لتعويض محدودية التفكير المنطقي، بينما يرى فيغوتسكي الخيال نشاطاً اجتماعياًـــــ ثقافياً يتطوّر عبر التفاعل مع المحيط واللغة.

في حضرة الخيال، يغدو الطفل في قلب العالم لا على هامشه، فالخيال بالنسبة للأطفال ليس ترفاً ذهنيا ولا هروباً من الواقع، بل أداة لفهمه وإعادة تركيبه، وإقامة علاقات بين ما يراه وما يشعر به، ليبني عالمه الخاص، فيصير اللعب تفكيراً، والحكاية بناء لعالمٍ تسكنه الألوان والمغامرات والإيقاعات.

في حضرة الخيال، يتعلّم الطفل الحرية قبل القواعد، ويختبر الإمكان قبل الواقع، إنه الفضاء الذي يجرب فيه فشله وخوفه، ويصوغ أسئلته الكبرى عن الخير والشر، والحب والكُره، والذات والآخر.

في حضرة الخيال، يربط الطفل بين رغباته ومشاعره وأحلامه وبين رؤيته لغده، فينسج ملامحه بدافع فطري، لا بوعي مكتمل، ولا منطق جاهز، فهو يستعدّ ويهيئُ أسلحته لتخطّي الحواجز وطرح الأسئلة.

في حضرة الخيال، يشعر الطّفل بالأمان، أمام السؤال المقلق والمدهش والغريب، أمام الخطأ الذي منه يتعلم، وأمام العالم حين يواجهه، فيرى العالم من حوله مفتوحاً على ممكناتٍ تجعل منه المنطلق والمنتهى، حين يُسكِنُ هذا العالم في لعبة، في إيقاع، في حكاية لا تنتهي عندها الحدود.

في حضرة الخيال، يواجه الطّفل قلقه، ويمنح الأشياء معنى، يُمرّن ذهنه على إعادة إبداع عالمه وهو في كامل حريته، ينصت لذاته ولصوته الدّاخلي، بعيداً عن اللغة، بعيداً عن الكلمات والقواعد الجافّة، يُشعره بالأمان، وأنّه أحقّ بالحلم الذي يولد من فراغ، بل من خيال يكبر داخله، فيتعلّم أن المستقبل ليس زمناً بعيداً، بل قريباً منه حين يعيشُ لحظة خيال.

الخيال وصناعة الإبداع..

إذا رجعنا إلى ما قاله الأولون عن الخيال بوصفه إعادة خلقٍ للعالم وتطويرٍ له، نجد أن الجاحظ، وعبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، والفرابي، وابن عربي، وغيرهم، لم ينظروا إلى الخيال باعتباره هروبا من الواقع، بل باعتباره وسيلة لإعادة تشكيله وفهمه، وقوة خالقة تصنع الصورة، وتُحدث الانفعال، وتعمّق المعرفة، وتكشف الحقيقة، إنه القدرة على أن نرى ما وراء الظواهر، وأن نعيد بناء العالم داخلنا قبل أن نعيد بناءه في الواقع. وإذا كان الإبداع هو تجاوز المألوف، فإن هؤلاء، قد أدركوا أن هذا التّجاوز يبدأ دائما من الخيال.

يقول كريستوفر فراي «إن أول قدرة يجب أن نهتم بها قبل أن تصدأ بسبب عدم الاستعمال، هو الخيال، فالخيال هو الذي يجعل العالم يبدو لنا كل يوم جديدا» فبين الخيال والإبداع علاقة قوية، فالخيال أولى مراحل الإبداع، وشرارته التي تفتح باب المغامرة، أوليس الإبداع مغامرة؟ بل هو أهم آلياته حين يتخطّى المعقول والمحسوس والمرئي، للوصول إلى الربط بين الوقائع والأحداث والإمكانيات للوصول إلى الأفضل والأصلح، وإلى رؤية بمنظور جديد.

بناء على ما سبق، كيف يمكن للطفل أن يتجاوز ما يعيشه الآن، على مستوى التفكير والممارسة والتخييل، من تكرار ما كان، ومحاكاة وتقليد ما تركته السنوات العجاف من أفكار ومشاريع مكرّرة؟ بل، كيف نُخرجه من حالة الجمود الخيالي التي تفرضها التقاليد التي تكبّل المدرسة؟ كيف نحول الدهشة والسؤال لدى الطفل، إلى بذرة تشعل الخيال وتغذيه بما هو جميل، بعيداً عن التقليد وتكديس المعلومات في عقله؟ بمعنى آخر، كيف نُبعد الطفل عن أن يعيش في جلباب من سبقوه، يعيد ما فعلوه، ويمجُّ ما تركوه من إرثٍ ذابلٍ بعيدٍ عن الخيال؟

الطفل تُدهشه الحكاية بأسرارها وأحداثها وإيقاعاتها، وتُطفئُ فتيل الملل بداخله، لذا يظل الخيال نسغ الحكي، وروح الإبداع، واستمرار الدهشة، ومُحرِّكُ الأسئلة الثاوية في عوالمه التي تعُجُّ بالأسرار، لحلّ مشكلاته، ومواجهة تحديات الحياة التي تعترضه. بهذا نبني مبدعاً، مفكّراً، لا نموذجا مُكرّرا لمن مضى، لهذا، كما يقول بيكاسو «كل طفل هو مبدع، لكن المشكلة كيف نبقيه مبدعا حين يكبر» فاحتقار عقل الطفل، والنّظر إليه على أنه قاصر محدود الخيال، يقبل كل ما يُقدم إليه، وأنه قالب يأخذ كل شيء من دون ردّ، بل نفتح له آفاقا لا يكرّر عبرها ما هو كائن، ونحبّب له ما يدفعه إلى الاجتهاد، وتفعيل ملكاته الخيالية والإبداعية، وإعمال العقل ليتحرّر من المألوف والمكرور، في محاولات لإعادة تشكيله، وعلى أنقاضه يبني عالماً يتماشى مع المتغيرات المتسارعة التي يعرفها عصره، وإبداع ما يمكن أن يكون. فالطفل لا يكتفي بأن يكون متلقيا لما هو كائن، بل يمارس فعل البناء على أنقاض الكائن والجاهز، فبالخيال يجد الطفل مساحته الآمنة ليُعيد ترتيب «الفوضى»، وليمنح المعنى لما يبدو غامضاً أو متناقضاً. لذا، يُعدّ الخيال آلية لفهم ومقاومة في آن واحد، إذ يُعيد تشكيل العالم بما يتلاءم مع قدرته على الاستيعاب، ومُختبراً سرّياً يُجرّب فيه الطفل أدوارا جديدة حين يدخل المغامرة فيكتشف إمكانات لم تتحقّق بعد.

وبعد، فالطّفل في حاجة إلى أن نمنحه أسلحةَ مواجهة التّحوّلات المتسارعة التي يعرفها عصره، لذا، يُعدّ الخيال ضرورة تربوية، لا تقلُّ أهمية عن المعرفة ذاتها، لأنه يمنح الطفل القدرة على التّكيُّف من دون أن يفقد ذاته، وعلى الابتكار من دون أن يقطع صلته بواقعه. فالطّفل الذي يتخيل، لا يعيد تشكيل العالم فحسب، بل يعيد تشكيل نفسه أيضا. إنه يبني عالما يوازي الواقع، لكنه أكثر رحابة، وأكثر إنسانية، وأكثر استعدادا للمستقبل.

***

عبد الهادي عبد المطَّلب

الدار البيضاء/المغرب

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير "عبد الجبار الرفاعي"، عددا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل ‏القطيعة الأنطولوجية، الظمأ الأنطولوجي، الاغتراب الميتافيزيقي، الإنسانية الإيمانية، وغيرها.

 إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى المفكر عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية.

 وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

 من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف علي وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة.

 فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله.

 وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا.

 ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: "ما الذي نعنيه بالمفهوم؟

 إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى . فمفهوم الإنسان" بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس.

 ولكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفاً جامعاً مانعاً بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. والمفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته .

 وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي : المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏"القطيعة الأنطولوجية"، "الظمأ الأنطولوجي"، "الاغتراب الميتافيزيقي"، "الإنسانية الإيمانية"، وغيرها.

 وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل علي شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة –علي معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلي تقدم المعرفة عند ربطه بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلي سواء السبيل عندما يسلك المرء علي أساسه .

 أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطاً غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكاً لشخص أضله لأنه لا يهدي إلي شيء ولا يدل علي شيء.

 علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة" لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديداً يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضارياً وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة... وللحديث بقية..

***

أ. د. محمود محمد علي - مفكر مصري

يشهد العالم تحوّلا عميقا في أنماط إنتاج المعنى وتداوله، نتيجة الانتقال من المجال الاتصالي التقليدي إلى الفضاء الرقمي الشبكي. هذا التحول لم يقتصر على تطوير أدوات التواصل، بل مسّ البنية الرمزية التي تتشكل ضمنها الهوية الفردية والجماعية. فالإنسان المعاصر يعيش في بيئة رقمية كثيفة، تتقاطع فيها الصور واللغات والخطابات، وتُعاد فيها صياغة الانتماءات بصورة مستمرة. من هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة فلسفية ومعرفية لطبيعة التأثير الذي يمارسه الإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، ولموقع الفاعل الثقافي داخل هذه السيرورة المتسارعة.

الهوية مفهوم ديناميكي يرتبط بالذاكرة واللغة والرموز وأنماط العيش المشتركة. كانت تتشكل تاريخيا عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية. أما اليوم فقد دخل فاعل جديد بقوة في عملية التنشئة: المنصات الرقمية.

في البيئة الشبكية، تتعرض الهوية إلى ما يمكن تسميته بـ"السيولة الرمزية". فالمحتوى العابر للحدود وسرعة التداول والاتصال الدائم، كلها عوامل تجعل الانتماء أقل استقرارا وأكثر قابلية لإعادة التكوين. لم تعد الهوية تُبنى في إطار جغرافي محدد، بل ضمن فضاء افتراضي متعدد المرجعيات.

هذا التحول أفرز نمطا من الهوية المركّبة، تتداخل فيها العناصر المحلية والعالمية، ويتجاور فيها التراثي مع الحداثي في لحظة واحدة. غير أن هذا التركيب لا يخلو من توترات، خاصة عندما تتراجع المرجعيات العميقة لصالح أنماط استهلاكية سريعة.

على مستوى التأثيرات البنيوية للإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، من الضروري الحديث عن ثلاثة اعتبارات: الأول يتعلق بتحولات اللغة والمعنى. اللغة، باعتبارها الحامل الأول للهوية، عرفت تغيرات ملموسة في الفضاء الرقمي. هيمنة الصورة، والرموز التعبيرية، والاختزال اللغوي، أدت إلى اقتصاد في التعبير. هذا الاقتصاد يحمل بعدين متناقضين: من جهة، يتيح مرونة وابتكارا في التواصل. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تراجع العمق الدلالي والتأمل النقدي. كما أن هيمنة لغات عالمية في المنصات الكبرى تؤثر في أنماط التعبير المحلي، ما يطرح سؤال التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية اللغوية.

الاعتبار الثاني، إعادة تشكيل القيم والسلوك، حيث تعمل الخوارزميات على توجيه الاهتمام من خلال ترشيح المحتوى بناءً على التفاعل والانتشار. فينتج عن ذلك إعادة ترتيب ضمنية لسلم القيم، حيث تتقدم عناصر الإثارة والسرعة والاختزال على حساب العمق والرصانة. تتشكل معايير جديدة للنجاح والاعتراف، ترتبط بالحضور الرقمي وعدد المتابعين، ما يؤثر في تمثلات الذات وتقديرها.

أما الثالث والأخير فيرتبط بتحولات الانتماء والوعي الجمعي، على أساس أن الفضاء الرقمي ينتج جماعات افتراضية عابرة للجغرافيا، تقوم على الاهتمام المشترك أكثر من الارتباط المكاني. هذا النمط يعزز الانفتاح والتعدد، غير أنه قد يضعف الروابط التقليدية إذا لم يُواكَب بوعي نقدي. كما أن سرعة انتشار الخطابات قد تخلق وعياً جمعياً آنياً، يتأثر بالموجات الإعلامية أكثر من التأمل المستدام.

ومن أبرز التحديات التي تطرحها البيئة الرقمية، تسليع الهوية وتحويل الرموز الثقافية إلى محتوى استهلاكي خاضع لمنطق السوق الرقمي. والهيمنة الخوارزمية، حيث تتحكم أنظمة تقنية في ترتيب المعرفة وإبرازها، بما يؤثر في تشكيل الرأي والذوق. بالإضافة إلى تآكل المرجعيات العميقة نتيجة هيمنة الإيقاع السريع والمحتوى اللحظي. وهذه المخاطر لا تعني حتمية الانحلال الثقافي، لكنها تستدعي يقظة فكرية ومؤسساتية.

وتُعدّ التربية الإعلامية ركيزة أساسية لتمكين الأفراد من فهم آليات المنصات، وكيفية اشتغال الخوارزميات، وطرق التحقق من المعلومات. والوعي هنا ليس مجرد معرفة تقنية، بل قدرة على القراءة النقدية للمحتوى. على أن إدماج التراث في البيئة الرقمية يحوله إلى عنصر فاعل في التداول المعاصر. توثيق المخزون الثقافي، وإتاحته بوسائط جذابة، يضمن حضوره في الفضاء العام ويمنع اختزاله أو تشويهه. كما تصير الحاجة ملحة إلى تعزيز المحتوى العلمي والثقافي باللغة الوطنية، وتشجيع البحث والإبداع الرقمي، ما يسهم في تحقيق توازن بين العالمية والخصوصية.

وفي هذا الإطار يتطلب الأمر استراتيجيات وطنية تدمج البعد التكنولوجي بالبعد الثقافي، وتربط بين التحول الرقمي والسيادة الرمزية. فالمسألة لا تتعلق بموقف دفاعي من التكنولوجيا، بل بإعادة تعريف العلاقة معها. الإعلام الرقمي مجال مفتوح لإنتاج المعنى، ويمكن أن يكون فضاءً لتعزيز التنوع الثقافي بقدر ما قد يهدده. يتوقف ذلك على مستوى الوعي الفردي، وعلى قدرة المؤسسات على مواكبة التحول. فالهوية في العصر الرقمي ليست معطى منغلقاً، بل مشروعاً مستمراً يتطلب مشاركة واعية. إنّ القدرة على الجمع بين الانفتاح العالمي والتجذر المحلي تمثل الرهان الحقيقي.

تعيش الهوية اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة تحت تأثير الإعلام الرقمي، حيث تتقاطع التكنولوجيا بالثقافة، والاقتصاد بالرمز، والفرد بالجماعة. التحدي المطروح لا يتمثل في إيقاف هذا التحول، بل في توجيهه بما يحفظ التوازن بين التطور التقني والاستمرارية الثقافية. إن بناء وعي نقدي، وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء الرقمي، يمثلان المدخل الأساس لصون الهوية في زمن الشبكات.

***

د. مصطفى غَلْمان

 

مقال في إهدار الوعي الجمعي

وكأن الزمن يمر بنا مرور الغريب، بينما نمكث نحن في تفاصيله الصغيرة، نختلف حول الصوت والهيئة والمشهد العابر، ونترك السؤال الأكبر معلقا: ما الذي نصنعه بمستقبلنا؟

لسنا متأخرين لأننا فقراء، بل لأننا نبدد أثمن ما نملك: وعينا. نقف على قارعة الزمن نختلف حول صوت ميكروفون، وحركة ساق في مقعد مترو، وبرنامج تلفزيوني موسمي، بينما تدور في مكان آخر من هذا الكوكب عقول لا تنام، تنقب في المجهول، تفكك الشيفرات، وتعيد تعريف حدود الإنسان..  ويتم صياغه خرائط المستقبل. بينما نحن نسأل: هل هذا الاختراع حلال أم حرام؟

هم يسألون: هل يخفف ألما؟

 هل ينقذ حياة؟

 هل يضيف معنى إلى الوجود؟

الإنسان هناك هو القيمة العليا، والكرامة البشرية هي المقدس الوحيد الذي تبنى حوله الفلسفات والسياسات والعلوم. أما نحن، فنستنزف طاقتنا في معارك رمزية، ننتصر فيها صوتيا وننهزم حضاريا. نقيم الدنيا لأجل تافهين السوشيال ميديا، ولا نقيمها لأن مختبرا أُغلق، أو لأن عقلا هاجر، أو لأن باحثا يائسا ترك حلمه تحت ضغط السخرية وقلة التقدير.

المشكلة في ترتيب الأولويات، حين تصبح لدينا  القشور قضايا وجود، ويغدو الهامش مركزا، ويتحول الجدل إلى بديل عن الإنجاز، ندرك أننا لم نخرج من التاريخ، بل خرج التاريخ منا.

للأسف هناك عقل يسابق المستقبل، وهنا عقل يحرس الماضي كأنه آخر حصون الهوية. نحن نصنع  من التفاصيل الصغيرة معارك كبرى، بينما المعارك الحقيقية  مع الفقر، والجهل، والمرض، والتراجع العلمي  مؤجلة دائما إلى إشعار آخر.

غرقنا في جدل لا ينتج سوى مزيدا من الدوران في الحلقة ذاتها

في مختبراتهم مثل معهد ماكس بلانك تفكك أسرار الحياة نفسها

بينما نحن ما زلنا نفكك نوايا بعضنا البعض.

عندما قال فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة: «المعرفة قوة». لم يكن يقصد قوة السيطرة فحسب، بل قوة التحرر من الخرافة، ومن الخوف، ومن العجز. وقال إيمانويل كانط في تعريفه للتنوير: «لتجرؤ على استخدام عقلك». الجرأة هنا ليست تمردا أخلاقيا، بل شجاعة حضارية؛ شجاعة أن نخضع أفكارنا للفحص، وأن نخضع عاداتنا للسؤال، وأن نخضع أولوياتنا لميزان الإنسان لا لميزان الضجيج.

أما كارل بوبر فكان يرى أن المجتمع المنفتح هو ذاك الذي يسمح بالنقد، لأن النقد هو شرط التقدم. وفي المقابل، كل مجتمع يخشى السؤال، إنما يخشى التقدم ذاته. لقد عرفت أوروبا عصورا كاملة انشغلت فيها بمحاكمات الأفكار بدل تطويرها، حتى جاء زمن قيل فيه إن لا مقدس فوق الإنسان وحقه في المعرفة.

هناك تغيّر المسار. هناك انتقلت الأولوية من حماية الرمز إلى حماية الكرامة البشرية. للأسف نستنزف وعينا في معارك رمزية، ونترك المعارك الحقيقية بلا جنود:

معركة التعليم الرديء،

معركة البحث العلمي المهمل،

معركة العقل الذي يهاجر لأنه لم يجد بيئة تحترمه.

حين يصبح الإنسان هو القيمة العليا، يتغير ترتيب الأشياء.

يصبح السؤال: كيف نخفف الألم؟

كيف نمنح الطفل تعليما أفضل؟

كيف نحفظ كرامة المرأة والرجل معا؟

كيف نصنع معرفة تنتج قوة لا تبعية؟

الحضارة ليست مباني شاهقة،

ولا شاشات مضيئة،

بل قدرة على توجيه الطاقة الجمعية نحو هدف أسمى من الجدل.. هي أن يتحول القلق إلى بحث، والإيمان إلى عمل، والحرية إلى مسؤولية

ولنعلم ان أمةً تقدس الجدل أكثر مما تقدس الإنجاز، وتحاكم السلوك الفردي أكثر مما تحاكم الفشل المؤسسي، إنما تؤجل سقوطها وهي تظن أنها تدافع عن هويتها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

أين تقوم مشكلتنا الثقافية ـ الإجتماعية كعرب، على مستوى العلاقة بين الرجل والمرأة على وجه التحديد؟

من وجهة ثقافية صرف، قد يكون البناء الفلسفي للذائقة العربية هو المسؤول الأول عن تردي نوعية وسمو، أطر وأوجه التعبير والسلوك، لهذه العلاقة الجوهرية، التي تمثل أساس البنى الإجتماعية والأخلاقية والقيمية للبناء الإجتماعي ككل، وبنائه الثقافي ـ السلوكي على وجه التخصيص.

هناك قضية أثبتها العلم وبما لا يدع مجالا للشك في حقيقتها، وهي أن كل إنسان يتكون من بناء جيني، ذكري وأنثوي، في صلب تكوينه الفسلجي، وغلبة أي من هذه الجينات على صاحبتها هو من يمنح الجنين جنسه أو تركيبته وهويته الجنسية، ذكرا أو أنثى.. بمعنى إن كانت الغلبة لقوة وحجم الجينات الذكرية فسيكون جنس الجنين ذكرا، وإن جاءت الغلبة البنيوية للتركيبة الجينية للجينات الأنثوية، فهذا يعني أن جنس المولود الجديد سيكون أنثى..، ولكن غلبة أو طغيان أي من هذه الجينات ولدرجة منحها للجنين هويته الجنسية، لا يعني بالمطلق موت أو غياب جينات تركيبته التي تمثل الجنس الآخر، وإنما عملية تغييبها تكون فعلا (ثقافيا) صرفا... في التكوين، وفيما بعد بالثقافة الإجتماعية.. بمعنى أن البنية الثقافية، بإرثها ومرجعياتها الفكرية، هي المسؤولة عن تغييبها (من ناحية التركيب والأثر والتقبل السيكلوجي)، وبحسب بنية الوعي والبنية الثقافية والذوقية للعملية الإجتماعية التي تحكم حياة أي مجتمع من المجتمعات البشرية.

وفي ما يخص البنية الثقافية العربية ومرجعياتها في هذا الجانب، وهي بنية بدوية صحراوية تقوم على فكرة القوة والغلبة؛ فهذا يعني أن البنية الثقافية العربية، ولعدم إستنادها على بنية فلسفية (بحثية وتحليلية) تكون هي المسؤولة عن إعدام التركيبة الجينية المتراجعة أو الخاسرة في معركة تحديد جنس المولود (وإستبعادها بإعتبارها عارا أخلاقيا وقيميا يحط من قيمة صاحبه)، ولإعتبارات إجتماعية صرف تقوم على فكرة الخجل من إظهاره أو الإعتراف بالدور التكويني لتلك الجينات المتراجعة الدور للمرتبة الثانية وأثرها الذي يبقى يطل برأسه في بعض المناسبات السلوكية، على مستوى الحاجات، والذي تفهمه المرأة وتختصرها بمقولة (الرجل، أي رجل في حضور المرأة ـ على مستوى الحاجات النفسية ـ هو مجرد طفل كبير).

وعلى أساس هذا الفهم تقوم فكرة التربية للعائلة العربية على إعدام (بالتجاهل والمحق الظاهري طبعا) دور الجينات المتراجعة في روع وثقافة المولود بالتنشئة والتربية الإجتماعية والأخلاقية، بدفع المولود الذكر لأن يكون شديد ومكتمل الرجولة، وأن تكون الأنثى شديدة الوعي بإنوثتها لتكون امرأة كاملة.

أما تمظهر هذا البناء الإشكالي على أرض الواقع فيكون نابعا ومحصورا ومحكوما بفهم الخوف من التراجع في أي لحظة.. بمعنى أن الرجل يعمد للمبالغة في بناء ثقافته الذكورية لبسط سيطرته وهيمنة قبضته على المرأة، وهو ما يجبر المرأة على حصر تفكيرها في هذا الجانب، كرد فعل، على التسلح بما يسمح لها بالتمتع بجزء من سطوة أو حاجة جيناتها الذكرية، ومن هنا تظهر مشكلة الصراع وجنوح أوجه تمظهر وأوجه تعبير تلك الحاجات عن نفسها في جانب العلاقة عن قرب، في وجهها الحميمي وشكل تعبيره عن نفسه في نساج العلاقة الجنسية على وجه الخصوص، وهو الصراع الأزلي الذي عادة ما يتحول إلى صراع ارادات، ينتهي بفوز أحد طرفي العلاقة وخضوع الطرف الثاني، إستنادا إلى قوة فعل الجينات المتراجعة الدور وإيمان صاحبها بحاجته لها ولدورها في تركيبته النفسية.

ونظرا لهيمنة سلطة الخوف من سوء فهم الشريك وإستخدام (لحظة الضعف تلك) في الكشف عن الحاجة لتلبية حاجة البناء الجيني المتراجع خطوة إلى الوراء، للشريك (الآخر)، في العلاقة الحميمية على وجه الخصوص، كورقة ضغط (في حالات الخصام على وجه الخصوص) نرى أن كلا الشريكين يضطر لإشباع تلك الحاجة بطريقة ملتوية أحيانا قليلة، أو بطريقة الثورة المضادة أو العكسية، في أغلب الأحيان، والتي تنتج حالات التصرف السادي من قبل الذكر، وحالة التقبل الماسوشي من قبل الأنثى... وطبعا بطريقة مبالغ فيها وتصل حد الإنتقام في الذكر، وحالة جلد الذات والتلذذ بفظاعة الألم في حالة الأنثى، وطبعا كلا الطريفين محكومين بفكرة العار أمام المجتمع، في حالة تشهير الطرف الثاني بحاجة شريكه.

طبعا من نافلة القول أن نذكر هنا أن هذه القضية الإشكالية هي من المحرمات الإجتماعية، ويعتبر الخوض فيها وعرضها وطرحها للنقاش، أمرا محرجا... بل وخادشا للحياء والكرامة... ولكبرياء الرجل، على وجه الخصوص؛ ولذا فإنها بقيت دون نظر وتنظير يضعها في دائرة الضوء ويعالجها على مستوى الإعتراف والفهم والتقبل من قبل المنظومة الإجتماعية، والثقافية فيما بعد؛ ولذا فإنها بقيت معلقة، دون أن تتنازل عن حقها في الفهم والتقبل، رغم أنها لا تطالب بأكثر من تأسيس أرضية واعية لتفهم وجودها والإعتراف بدورها المؤثر في بناء شخصية الإنسان.

إذا الذات الإنسانية، بوجودها العياني الظاهر، هي مجموعة من التصورات الثقافية ـ الإجتماعية المفروضة من الخارج، وليست مجموعة التركيبات والبنى الفطرية المكونة للذات، وخاصة في الجانب السيكلوجي للإنسان؛ وعليه نرى أن أغلب الناس ينطوون على مجموعة من الأمراض والعقد النفسية التي تبقى معلقة، والتي تقود الفرد بإتجاهات الإنحرافات الجنسية، التي تتحول بدورها إلى أمراض وحالات عقدية مكبوتة تسبب الإنحرافات والنوازع النفسية الشاذة.. وفي المحصلة فإن كل هذا هو إشكالية ثقافية على مستوى البنى والفهم وطرق التعامل والمعالجة.

***

سامي البدري

قراءة في فلسفة الفساد وهندسة الوعي المأزوم

ماهية الرخاوة وتجلياتها الإبستمولوجية؟

يمثل مفهوم "الدولة الرخوة" حجر الزاوية في فهم التحولات البنيوية العميقة التي تعصف بالمجتمعات النامية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. إن الرخاوة، كما صاغها عالم الاقتصاد الحائز على نوبل غونار ميردال، لا تعني بالضرورة ضعف الأدوات القمعية للسلطة، بل تعني غياب الانضباط الاجتماعي، وسيادة الانتقائية في تطبيق القانون، وتفشي المحسوبية التي تآكل جسد الدولة.

إن التشويه الذي يطال الحياة الاجتماعية في هذه الدول ليس مجرد خلل عارض في مسار التحديث، بل هو إشكالية وجودية تكمن في تقاطع نيران أيديولوجيات التطرف العنيف من جهة، واستراتيجيات التثبيت السلطوي التي تعمد إلى صياغة وعي جمعي مأزوم من جهة أخرى. إن تقصي الآليات التي تتحول من خلالها رخاوة الدولة إلى أداة لتدمير النسيج الاجتماعي يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل هذا التشويه هو نتاج حتمي للفوضى، أم أنه "هندسة اجتماعية سلبية" مقصودة تهدف إلى تجهيل المجتمع لضمان ديمومة السلطة المأزومة؟

سوسيولوجيا الانهيار: الفساد كبنية مشوهة للحياة الاجتماعية

في ظل الدولة الرخوة، يتوقف الفساد عن كونه "استثناءً" ليصبح هو "القاعدة" التي تنظم العلاقات الاجتماعية. هذا التحول البنيوي يؤدي إلى تشويه عميق في منظومة القيم؛ حيث تنهار الأخلاق الكلية أمام ضغوط الحاجة والتهميش. من منظور فلسفي، يمكن استحضار رؤية عبد الوهاب المسيري حول "العلمانية الشاملة"، حيث يتم "تنميط الإنسان" وتحويله إلى مادة استعمالية، فتفقد العلاقات الإنسانية قدسيتها وتتحول إلى تبادل نفعي صرف.

آليات تسرب الفساد من القمة إلى القاعدة

يبدأ الفساد من مراكز اتخاذ القرار في السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويمتد كمرض عضال ليشمل القضاء والمؤسسات الأكاديمية، وصولاً إلى أدنى مستويات التعامل اليومي. وفي هذا السياق، يبرز مستويان من الفساد يساهمان في تشويه الحياة الاجتماعية:

فساد النخب (فساد الحيتان): وهو المرتبط بالاستيلاء على المال العام والتهرب الضريبي، مما يؤدي إلى "الاغتراب الاجتماعي" حيث يشعر المواطن بأنه غريب في وطنه الذي تنهب مقدراته.

الفساد المجتمعي (الفساد الصغير): حيث يصبح الفرد مجبراً على دفع الرشاوي لقضاء أبسط حوائجه. هنا يتحول الفساد إلى "آلية بقاء"، ويحدث ما يسميه علماء الاجتماع "تطبيع الرذيلة"، إذ يكف المجتمع عن استهجان السلوك الفاسد طالما أنه يحقق غاية آنية.

تفكيك الركائز الاجتماعية: الأسرة والتعليم والإعلام

يتجلى هذا التشويه المتعمد في استهداف الحواضن الثلاث الكبرى لبناء الإنسان:

تهتك النسيج الأسري: نتيجة الضغوط المادية، يفقد الكيان الأسري قدرته على التنشئة السوية، وتتحول الأسرة من وحدة تضامن إلى وحدة صراع، مما يسهل اختراق أفرادها من قبل الجماعات المختلفة.

انهيار العملية التعليمية: تتحول الجامعات من منابر للتحرر العقلي -كما نادى باولو فريري في كتابه "تعليم المقهورين"- إلى مؤسسات متهالكة تفتقر للمعايير، حيث تنتشر "تجارة الشهادات" ويسود "الهدر المعرفي"، مما ينتج أجيالاً تمتلك المؤهلات وتفتقر للوعي النقدي.

تزييف الوعي الإعلامي: يتحول الإعلام إلى أداة للسيطرة على العقول عبر نشر السطحية وتغييب الحقائق، مما يخدم توجهات السلطة في بناء "مجتمع الفرجة" الذي ينشغل بالهوامش عن الجواهر.

أيديولوجيا التطرف كاستجابة للرخاوة المؤسسية

يطرح الواقع تساؤلاً حول ما إذا كان التطرف هو السبب في تشويه الحياة الاجتماعية أم هو نتيجة لهذا التشويه. تشير القراءات النقدية إلى أن غياب سيادة القانون يخلق "مناطق رمادية" وجيوباً اجتماعية لا تصلها سلطة الدولة، مما يجعلها ملاذاً آمناً للتنظيمات المتطرفة.

المظلومية والعدالة البديلة

عندما يفشل النظام القانوني الرسمي في حماية الحقوق، ينمو شعور حاد بـ "المظلومية الاجتماعية". هنا تقدم الجماعات المتطرفة نفسها كـ "مخلص" يوفر منظومة قانونية موازية. إن الفرد في الدولة الرخوة لا ينجذب للتطرف إيماناً بأيديولوجيته بقدر ما ينجذب إليه بحثاً عن "يقين زائف" أو "عدالة مفقودة" في ظل دولة عاجزة.

الهندسة الاجتماعية السلبية: الوعي المأزوم كاستراتيجية بقاء

تشير التحليلات العميقة إلى الانتقال من اعتبار التشويه "فشلاً تقنياً" للدولة، إلى اعتباره "استراتيجية بقاء". تبرز هنا فكرة "الهندسة الاجتماعية السلبية" التي تسعى لإعادة صياغة المجال العام لضمان عدم قدرة المجتمع على الفعل التغييري من خلال:

التجهيل كأداة للضبط السياسي: عبر إغراق المجتمع في صراعات هوية ثانوية (طائفية، فئوية) لضرب الوعي السياسي الذي يُعتبر العدو الأول للنظم المأزومة.

تفريغ الإرادة (الاستلاب): تحويل المواطن من "فاعل سياسي" إلى مجرد "زبون" يبحث عن إشباع حاجاته الاستهلاكية، مما يفقده استقلاله الذاتي وكرامته، وهو ما ينسجم مع أطروحة إتيان دي لا بويسي حول "العبودية المختارة".

الاستغراق في الواقع الافتراضي: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس كأدوات للتحرر، بل كقنوات لنشر التفاهة وتزييف الواقع، حيث يبدو القهر وكأنه خيار ذاتي أو قدر لا مفر منه.

إدارة مدركات الفساد والشرعية

تستخدم الأنظمة السلطوية "مدركات الفساد" كأداة سياسية؛ فهي قد تسمح بانتشار الحديث عن الفساد لزعزعة الثقة في البدائل السياسية، أو لتبرير إجراءات استثنائية وقمعية بدعوى "محاربة الفساد". هذا التلاعب يساهم في خلق شعور عام بالعدمية واللاجدوى، مما يُنتج مواطناً يفضل "الخلاص الفردي" على "الفعل الجماعي".

الوعي السياسي الجمعي: من التأزم إلى التحرر

إن الخروج من حالة "الوعي المأزوم" يتطلب بناء وعي جمعي فاعل قادر على الفصل بين "الدولة" ككيان وطني دائم و"النظام" كإدارة سياسية مؤقتة. هذا الوعي يتطلب ما يسميه يورغن هابرماس "الفعل التواصلي"، الذي يقوم على الحوار العقلاني والشفافية لإعادة بناء المجال العام المخطوف.

 ترميم النسيج المهترئ

إن تشويه الحياة الاجتماعية في الدولة الرخوة ليس حادثاً عرضياً، بل هو نتاج تآزر مدمر بين أيديولوجيات التطرف واستراتيجيات سلطوية تعمد إلى هندسة "وعي مأزوم". ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست قدراً محتوماً؛ فبناء الوعي السياسي، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة الفاعلة، والتمسك بسيادة القانون، هي الأدوات الوحيدة القادرة على ترميم النسيج الاجتماعي وبناء دولة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه. إن التحدي الأكبر يكمن في كسر حاجز الخوف والجهل، والانتقال من حالة "الخلاص الفردي" إلى حالة "الفعل الجماعي" الذي يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

***

غالب المسعودي

.......................

المراجع

ميردال، غونار (1968): الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم.

المسيري، عبد الوهاب (2002): العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، دار الشروق.

فريري، باولو (1970): تعليم المقهورين، ترجمة يوسف نور عوض.

دي لا بويسي، إتيان (1576): مقال في العبودية المختارة.

فوكو، ميشيل (1975): المراقبة والمعاقبة، (في سياق تحليل السلطة الحيوية).

في سياق الجهد الفكري والمعرفي الذي بذله المفكر الجزائري مالك بن نبي، على فحص وتحليل ظاهرة الاستعمار ولقد أبدع بن نبي حينما صاغ مفردة ومفهوم {القابلية على الاستعمار} وأن هذه القابلية هي التي تهيإ الأرضية والمناخ السياسي والاجتماعي للقبول الفعلي بالحركة الاستعمارية. وانه لا يمكن مواجهة الاستعمار مواجهة فعلية وحقيقية بدون إنهاء حالة القابلية للاستعمار في نفوس وعقول الناس. ولقد اعتبر هذا المفهوم مثابة المفتاح السياسي لفهم الكثير من الظواهر والممارسات التي رافقت الاستعمار في العديد من البلاد العربي ة والإسلامية. وانطلاقا من مضمون هذا المفهوم الذي صاغه بن نبي، نتمكن من فهم العديد من الظواهر التاريخية والاجتماعية والسياسية في البلدان العربية والإسلامية. ولو تأملنا في كل الظواهر السياسية التي سادت في المنطقة العربية نتمكن من فهمها بشكل دقيق من خلال العدة النظرية والمفهومية التي صاغها بن نبي حين الحديث عن القابلية على الاستعمار. بحيث أضحت هذه العدة النظرية بمثابة خريطة الطريقة لفهم العديد من الظواهر السياسية والاجتماعية في الفضاءين العربي والإسلامي. وفي سياق ابتلاء المنطقة العربية والإسلامية اليوم بظاهرة الطائفية وقدرة هذه الظاهرة الخطيرة على تمزيق كل المجتمعات والشعوب، لنتمكن من دحر خطر هذه الظاهرة أو الحد من غلوائها من دون العمل على تفكيك حالة القابلية الموجودة في النفوس والعقول للانخراط في الفعل والممارسة الطائفية. ولا يمكن على المستوى الواقعي من مواجهة الطائفية بكل صورها وأشكالها، إلا بإنهاء وتفكيك ظاهرة القابلية إليها والخضوع إلى مقتضياتها. ولو تعمقنا في ظاهرة الممارسات الطائفية، لوجدنا إن أكثر المتورطين بهذه الممارسات يحملون القابلية النفسية والثقافية للانخراط في كل الممارسات الطائفية. وان هذه الممارسات لن يتمكن احد من إنهاءها إلا بتفكيك ظاهرة القابلية النفسية والثقافية للانخراط في السلوك والممارسات الطائفية. ولكي تتضح كل أبعاد هذه القابلية، سنحاول أن نوضح هذه الأبعاد من خلال النقاط التالية:

1.  واهم من يعتقد انه يدافع عن حقوقه وذاته الاجتماعية حينما يخرط في الفعل والممارسة الطائفية. لان الخضوع للفعل الطائفي هو احد مصادر تضييع الحقوق. ومن ينخرط في الممارسة الطائفية بدعوى الدفاع عن الذات وحقوقها، هو يوفر المناخ المؤاتي لإنهاء أو تدمير كل خطوط الدفاع عن الذات وحقوقها ومصالحها. الطائفية مرض خطي در ف ك ل أح وال ه ا وظروفها، ولا يمكن أن تدافع عن مجتمع بإسقاطه فمرض الطائفية. فالأمراض لا تدافع عن الحقوق والمصالح. لذلك نهب بكل الإفراد والمجتمعات الذين يطمحون إلى الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، لعدم الوقوع في رذيلة الطائفية. لان هذه الرذيلة تدمر كل ممكنات الانعتاق من كل هذه الأمراض التي تدمر كل المناخ الصحي الذي يحفظ الحقوق والمصالح للجميع. ومن يعتقد انه حينما يخضع للمقولات الطائفية هو يدافع عن حقوق جماعته ومصالح مجتمعه هو يزيف وعي الجميع. من يريد أن يدافع عن جماعته ومجتمعه، عليه أن يطهر نفسه وعقله من كل جراثيم الطائفية.

2.  من هنا تتأكد الحاجة النفسية والمعرفية للانعتاق من كل الممارسات الطائفية سواء كانت هذه الممارسات تنتمي إلى حقل الطائفية الناعمة أو تنتمي إلى حقل الطائفية الصلبة أو الخشنة. والمجتمع الذي يخضع لكل المقولات الطائفية هو يمارس التدمير الذاتي ويساهم بشكل مباشر في تنمية كل عوامل الفرقة والتشظي في حياته الداخلية. الطائفية مرض خطير ووجود غلبة لهذا الطرف أو ذاك، أو وجود ممارسة طائفية من هذا الطرف أو ذاك، ينبغي أن لا يشجع احد على الوقوع في مهاوي الطائفية. فلنعمل بوعي وحكمة لتطهير نفوسنا وعقولنا من كل جراثيم الطائفية ومن خلال عملية التطهير نتمكن من تحصين واقعنا الاجتماعي والثقافي من الوقوع في مهاوي الطائفية. ونقولها بصراحة تامة، لا تعالج المشاكل الطائفية بصنع مشكلات مماثلة ومقابلة للطرف الذي يؤجج الأزمات الطائفية. الطائفية بكل رموزها وزخمها التمزيقي، لا تدافع عن حق أو مجتمع ومن يعتقد أنه لا يمكن وقف صعود هذه القوة أو تلك بإشغالها بالأزمات الطائفية، هو يعمل بدون وعي على توسيع دائرة الحريق في الأمة والمجتمعات العربية والإسلامية.

بعيدا عن التلاوم المتبادل وتوزيع تهم من بدأ ومارس الطائفية ومن ذهب إليها كردة فعل. نقول بعيدا عن هذا التلاوم الذي يؤكد المنطق الطائفي ولا يتحرر منه. تعالوا معا نبرأ لله سبحانه تعالى من كل الممارسات الطائفية ونقف معا على أرضية احترام التنوع الموجود في الأمة مع صيانة عزة الأمة ووحدتها الداخلية. فالطائفية قيد على الجميع، ولا يمكن أن نعتقد أن القيود تحقق انتصارات أو مكاسب. وجود ممارسات طائفية ينبغي أن لا يدفعنا إلى الخضوع إلى المنطق الطائفي بل على العكس ينبغي أن يدفعنا على

التعالي على كل الجراحات المذهبية والطائفية. بهكذا ممارسة نفكك كل عناصر القابلية النفسية والثقافية للخضوع للمنطق الطائفي. وان التساهل مع الحرائق الطائفية سيدمر كل عوامل الوحدة والتماسك في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وعليه فإن كل من يريد أن يحافظ على وحدة وطنه ومجتمعه، عليه أن يعمل نفسيا وثقافيا لتحرير مجتمعنا من كل سمات القابلية على التطرف والطائفية، فهو سبيلنا للتحرر من كل موبقات الطائفية ومتوالياتها المدمرة لكل أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي.  

***

محمد محفوظ

 

في قصة كافكا (أمام القانون)، وردت المحاورة الآتية:

(أمام القانون يجلس حارس البوّابة، يأتي إلى هذا الحارس رجلٌ من الريف يطلب منه الدخول على القانون.

لكنّ حارس البوّابة يقول إنه لايستطيع منحه حقّ الدخول في الوقت الحالي.

يفكّر الرجل في الأمر، ثم يسأله عمّا إذا كان سيسمح له بالدخول في وقتٍ لاحق.

(هذا ممكن) يقول حارس البوّابة، (ولكن ليس في الوقت الحالي). ......

.... جرّب الدخول بالرغم من ممانعتي

ولكن انتبه، أنا قويٌ للغاية، أنا حارس بوّابة متواضع فحسب.

ولكن ما بين غرفة وأخرى يوجد حًرّاس بوابة، كلٌ واحدٍ منهم أقوى من الآخر. لايمكنني تحمّل نظرة واحدة فقط من الحارس الثالث).

لم يتوقّع الرجل الريفي مثل هذه الصعوبات: من حقّ الجميع الوصول إلى القانون، ويجب أن يكون ذلك سهلاً وفورياً، كما يعتقد.(1)

اذاً حسب كافكا، الأديب ورجل القانون، هنا محل الشرح الكافي؛ فإن الريفي (المواطن البسيط الخال من الثروة والنفوذ) يريد ان يحصل على الإنصاف عبر القانون ولكن هناك (حراس متعددون) وطرق (اجراءات) وعرة يجب ان يقطعها ليمضي في طريقه للوصول الى الإنصاف.

السؤال هنا؛ هل الطريق الى الإنصاف يجب ان يكون منصفاً ايضاً اخذاً بالاعتبار (الحياد الإجرائي والكرامة الإنسانية؟) ام أن الامر لايهم مادام ان المواطن سيحصل على حقه في النهاية.

مجلس الدولة الفرنسي الذي رغم رفضه مراراً اعتبار الآداب العامة عنصراً من عناصر النظام العام (2)، حتى لا تتوسع صلاحيات الشرطة والإدارة وتحد من حريات المواطنين، ولكنه في عهد قريب، اضاف عنصراً رابعاً هو (حفظ الكرامة الإنسانية) كقاعدة عامة في الاجراءات الادارية والرقابة على الإعلام والاعمال الفنية والأدبية. (3)

لكي نستوعب الفكرة التي تتحدث عن الإنصاف في الإجراءات، هنا لابد ان نبدي بعض الملاحظات:

إذا أصدر القاضي حكماً لصالحك او ليس في صالحك في شكوى ضدك بسبب مخالفتك للقانون، أو اذا اوقفك رجل المرور وقام بتغريمك بسبب وقوفك في مكان ممنوع الوقوف فيه، واذا راجعت جهة ادارية طلباً لوثيقة معينة وقامت بمنحك اياها او امتناعها لسبب قانوني،

وإذا كنت استاذاً جامعياً وقدمت بحثاً للترقية، وقُبل بحثك أو طلب منك اعادة النظر فيه موضوعياً او شكلياً ...،

فإن ما حصل انما يدخل في نطاق العدالة الموضوعية (4)، ولو من حيث الظاهر.

ولكن ماهي العدالة الإجرائية؟

لو رجعنا الى مثال رجل المرور الذي قام بتغريمك فالعدالة الاجرائية هي فعل سابق للحكم بالغرامة، فالعدالة الإجرائية تتمثل بالإجابة على الاسئلة التالية:

هل عاملك بإحترام؟، هل كانت هناك علامة مرورية تمنع الوقوف في هذا المكان؟ هل سألك عن سبب وقوفك في مكان ممنوع (فقد يكون سبب الوقوف هو عطل السيارة)... في النهاية هل كان رجل المرور محايداً غير متحيز، بمعنى هل عاقبك بينما مرر المخالفين الآخرين دون عقوبة؟

الإجابة على هذه الأسئلة هي في الواقع تشكل بمجموعها ما يعرف بالعدالة الاجرائية التي تسبق النتيجة.

ما هي فلسفة وأهمية العدالة الإجرائية؟

تشير فكرة مفهوم العدالة الإجرائية إلى أن معاملة الناس بإنصاف وعدل خلال الإجراءات القضائية والإدارية وغيرها من المعاملات الروتينية تعزز التصورات الإيجابية لهذه الأجراءات، بغض النظر عن النتيجة.

ويؤكد هذا المفهوم على الاحترام، والمصداقية، والحياد، والإستماع بشكل كاف للآراء عند اتخاذ القرارات واتباع الإجراءات، مما يساعد في نهاية المطاف على بناء الثقة وتعزيز مفاهيم العدالة.

وبطبيعة الحال يمكن تطبيق العدالة الإجرائية في مختلف الأنظمة التي تتخذ فيها الشخصيات ذات السلطة القرارات، كما هو الحال في علاقات العمل بين أصحاب العمل والعمال والموظفين، والنزاعات في البيئات التعليمية، ونظام العدالة، ومرتكز الشرطة والمؤسسات العقابية.

وعندما يشعر الناس بأنهم قد عوملوا بإنصاف واحترام أثناء عملية صنع القرار، فإن ذلك يتمم بناء الثقة والامتثال للقانون والإجراءات

اصل مفهوم العدالة الاجرائية:

طُرح مفهوم العدالة الإجرائية لأول مرة كمفهوم نفسي في أوائل سبعينيات القرن العشرين. وكان علماء النفس جون ثيبو، ولورنس ووكر، وتوم آر. تايلر من أوائل الخبراء الذين طرحوا هذه الفكرة على الرأي العام. وقد قاموا بتحليل تجريبي للإجراءات المستخدمة في حل النزاعات الجنائية، بما في ذلك التحكيم والفصل في القضايا، وسرعان ما بدأوا في إيجاد روابط ارتباطية مثيرة للاهتمام بين التكتيكات المستخدمة أثناء التحكيم والفصل في القضايا، وردود الفعل الذاتية للأفراد المعنيين بتلك التفاعلات.

وبدأ الباحثون بدراسة هذه التفاعلات، وخلصوا في النهاية إلى أن الممارسات العادلة والنزيهة من قبل الأشخاص ذو السلطة ترتبط بردود فعل أكثر إيجابية من الأشخاص الذين يتعاملون معهم.

وبمرور الوقت وانتشار البحث في هذه المسألة، أدرك الباحثون الذين يدرسون هذه الظاهرة أن الطريقة التي تُدار بها القضايا في المحاكم من قِبل السلطات القضائية مثلاً، لها تأثير كبير على ردود فعل الأشخاص الذين يلجؤون إلى النظام القضائي.

فإذا شعر الناس أن قضاياهم تُعالج بنزاهة وحياد، ستكون ردود أفعالهم إيجابية، مما يُعزز شعورهم بشرعية النظام، ويؤمنوا بالنتائج ولو لم تكن لصالحهم.

أما إذا شعروا أن قضاياهم تُعالج بظلم وبتحيز، فستكون ردود أفعالهم سلبية تجاه النظام، مما يُفقده شرعيته، باعتبار ان الشرعية تستند على القبول الشعبي (الشعب مصدر السلطات).

في هذه الحالات، لم يتناول الباحثون مسألة فوز الفرد في القضية من عدمه، بل تناولوا فقط كيفية إدارة قضيته، وقد أطلقوا على هذه الدراسة اسم "العدالة الإجرائية"، او الإنصاف الأجرائي.

نتائج العدالة الإجرائية:

عندما يشعر الأفراد الذين يتعاملون مع نظام العدالة بأنهم يُعاملون بإنصاف وأن لهم صوتاً مسموعاً في العملية، فمن المرجح أن يقبلوا النتائج القانونية، ويمتثلوا لأوامر المحكمة، ويتبعوا القانون في المستقبل - بغض النظر عن نتيجة قضيتهم.

اذ يتناول مفهوم العدالة الإجرائية فكرة العمليات العادلة، وكيف يتأثر إدراك الناس بالعدالة بشكل كبير بجودة تجاربهم، وليس فقط بنتائجها النهائية.

وقد طُبقت نظرية العدالة الإجرائية في سياقات متنوعة، تشمل علاقات مشرفي العمل بالموظفين داخل المؤسسات الصناعية، والمؤسسات التعليمية، ونظام العدالة الجنائية، والمؤسسات العقابية.

وفي سياق العدالة الجنائية، ركزت معظم أبحاث العدالة الإجرائية على تفاعلات المواطنين مع الشرطة.

تخيّل هذا الموقف للحظة: سائقٌ أوقفه شرطي. ما الذي يُحدّد انطباع السائق عن هذه التجربة؟

أظهرت دراساتٌ واسعة النطاق أن انطباع السائق عن جودة هذا اللقاء لا يعتمد كثيرًا على نتيجته، أي ما إذا كان قد تلقّى مخالفةً أم لا، بل يعتمد أكثر على ما إذا كان قد شعر بأنه عُومل بطريقةٍ عادلةٍ إجرائيًا.

يعتقد علماء النفس ان تصورات الأفراد عن المواجهات العادلة إجرائياً تستند إلى أربعة سمات أساسية لتفاعلاتهم مع السلطات القانونية،

1- حرية التعبير: هل أُتيحت لهم فرصة التعبير عن آرائهم أم لا؟

ويُقصد بحرية التعبير الشعور بأن صوتهم مسموع. فالأفراد الذين يمرون عبر النظام القضائي يرغبون في الشعور بأن لديهم فرصة لسرد قصتهم وإسماع وجهة نظرهم.

ويؤكد أنصار العدالة الإجرائية أن أهمية حرية التعبير هي السبب وراء استمرار شعبية الإجراءات غير الرسمية في نظام الوساطة لحل النزاعات بين الافراد(5).

كما يرون أن فرص الأفراد في الدفاع عن أنفسهم أمام المحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بشعورهم بالرضا بغض النظر عن الحكم النهائي للقاضي.

2- الحياد: أي فما إذا كان صانع القرار محايداً وشفافاً؟

يُشير الحياد إلى الثقة في أن الموقف سيُعالج بطريقة عادلة ونزيهة، والإعتقاد بأن القضاة سيتخذون قرارات غير متحيزة. والمعتاد ان يطبق القضاة المحايدون حول العالم القانون بشكل متسق طوال مسيرتهم المهنية، ويتصرفون بشفافية وانفتاح. ونادراً ما يقدمون استثناءات خاصة، وتستند آراؤهم في الغالب إلى المبادئ، لا إلى الآراء الشخصية.

3- الإحترام: هل عوملوا بكرامة واحترام؟ يشير الاحترام إلى المشاعر التي يُثيرها المسؤولون في نفوس الحاضرين في المحاكم، وأهمية التحلي باللباقة والاعتراف بحقوق الافراد.

ويرى أنصار العدالة الإجرائية أن ضباط الشرطة والقضاة ورجال الادارة يمثلون الدولة في تعاملهم مع المواطنين، إذ يملكون القدرة على إظهار تقدير الدولة لهم وجدارتهم بالاحترام.

ولتحقيق ذلك، يتعين على افراد السلطات العامة معاملة المواطنين بلطف واحترام في جميع مراحل الإجراءات القانونية والإدارية، مع احترام حقوقهم القانونية والإنسانية عند لجوئهم إلى المحاكم والجهات الادارية.

وبذلك، يستطيع ضباط الشرطة وموظفو المحاكم إظهار أن الدولة ستأخذ مشاكل المواطنين على محمل الجد وستتعامل مع قضاياهم بنزاهة.

4- الثقة: أي فيما إذا كان صانع القرار قد أبدى دوافع جديرة بالثقة؟ يشير مفهوم الثقة إلى تقييم المواطنين للشخصية الحقيقية لصناع القرار.

وترتبط الثقة ارتباطًا وثيقًا بإتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي. فمن المرجح أن يثق الأفراد الذين يمرون عبر النظام القضائي في نزاهة القضاة ورجال الشرطة إذا شعروا بأن آراءهم ووجهات نظرهم مسموعة.

ولتعزيز هذه الثقة، يسعى القضاة ورجال الادارة والشرطة إلى إظهار الإخلاص والاهتمام.

وينبغي عليهم أن يكونوا صريحين بشأن أسباب قراراتهم، وأن يجيبوا المواطنين بصدق على استفساراتهم.

كما أن بناء علاقة إيجابية معهم قد يساعدهم على إقناع المواطنين بأنهم يعملون لمصلحة الجميع.

ويرى أنصار العدالة الإجرائية أن تعزيز الشعور بهذه المبادئ الأربعة أثناء مرور الأفراد عبر النظام القضائي والاداري والتعليمي والمهني يرتبط بزيادة الإيجابية تجاه هذه التجربة.

ويؤمن أنصار العدالة الإجرائية بأن ضباط الشرطة والقضاة الذين يسعون جاهدين لتحقيق معاملة عادلة للأفراد المنخرطين في النظام القضائي سيشهدون تحسناً ملحوظاً في علاقاتهم مع مجتمعاتهم. في المقابل.

خصوم العدالة الجنائية

تتمثل خصومة فكرة العدالة الإجرائية في انتقادها بأنها تركز بشكل مفرط على "كيفية" اتخاذ القرارات ونزاهة العملية (الحياد، الصوت، الاحترام) بدلاً من "عدالة النتيجة النهائية"، ويرى هولاء النقاد أن الالتزام الشكلي بالإجراءات قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة موضوعياً، حيث يفضل البعض عدالة النتيجة على سلامة الإجراء.

ويرد على انتقاد الخصوم من ناحيتين؛

أ- لاينبغي ان ينظر الى قواعد العدالة الإجرائية على انها مجرد قواعد شكلية، بل هي في الواقع تمثيل حقيقي لفكرة أن الغاية لا تبرر الوسيلة، حتى لو كانت الغاية هي تحقيق العدالة، ذلك ان العدالة لاتتجزأ لاشكلاً ولا موضوعاً، فهي سياق ثابت يحب ان تنتهجه الدولة وجميع مؤسساتها بشكل دائم ومستقر.

ب- أن العدالة الإجرائية تُشعر الأفراد بالرضا عن النظام القانوني لحيادية تعامله معهم، حتى لو كانت النتيجة ضدهم، مما قد يقلل من حافزهم للمطالبة بـ "العدالة التوزيعية" أو الموضوعية.

آثار العدالة الإجرائية:

على مدى عقود، أثبتت الأبحاث أن العدالة الإجرائية أساسية لبناء الثقة وتعزيز شرعية سلطات إنفاذ القانون داخل المجتمعات. ولذا، فإن لها آثارًا بالغة الأهمية على كلٍ من السلامة العامة وكفاءة الحهاز القضائي ورجال الإدارة والشرطة، والرضا العام عن ادائها.

تطبيقات العدالة الإجرائية

1- العدالة الإجرائية في سوح القضاء:

العدالة الإجرائية في سوح القضاء ليست مجرد تطبيق شكلي، بل هي جوهر "العدالة الطبيعية" التي تضمن حياد القاضي.

وتتمثل بشكل اساسي بتطبيق قواعد وإجراءات عادلة، محايدة، وشفافة خلال مراحل التقاضي كافة، لضمان أن جميع الأطراف قد عوملت بشكل عادل ولائق ومتساو بغض النظر عن مراكزهم السياسية والإجتماعية او انتماؤهم القومي او الطائفي.

وكان مبداً حسن استماع القاضي لأطراف الدعوى حاضراً، وانه تم التحقق من صحة الإجراءات مثل أوامر القبض أو التفتيش من ومدى شرعيتها، لتعزيز الثقة في القضاء، فضلاً عن التزام اطراف الدعوى بالشفافية والامانة الإجرائية والكشف عن الحقيقة، وعدم الكيد أو الغش الإجرائي من الخصوم أو الوكلاء. حيث يؤدي احترام الإجراءات إلى قبول الأفراد للحكم بغض النظر عن النتيجة النهائية..

2- العدالة الإجرائية في المؤسسات التعليمية ويقصد بالعدالة في هذا المقام، مدى شعور الاساتذة والطلبة بإلانصاف بالمعاملة في الإجراءات المتخذة التي تسبق القرارات الإدارية، وهل كانت مبنية على معايير ثابتة وشفافة وغير متحيزة، وفق مبدأ تكافؤ الفرص مثل قرارات الترقية والتقييم والبعثات الدراسية والإجراءات المتبعة التي تسبق الإمتحانات والشفافية في التقييم وشرح الأسس والمعايير التي تم بناءً عليها منح الدرجات أو المكافآت او الترقيات، وحق التمثيل والمشاركة في مجالس الكليات صنع السياسات التعليمية والمشاركة في المؤتمرات المحلية والدولية وهل وان الاجراءات قد طبقت بأسلوب متسق مع التركيز على "كيفية" اتخاذ القرار وليس فقط نتيجته.

ان الأجراءات العادلة تقلل من ضغوط العمل وتؤدي إلى بيئة أكثر استقراراً، وتزيد من التزام الاساتدة والارتباط الأكاديمي للطلاب.

وتعد العدالة الإجرائية مكوناً جوهرياً في العدالة التنظيمية الشاملة داخل المدارس والجامعات، حيث تضمن استمرارية العملية التعليمية وتطورها.

3- العدالة الإجرائية في بيئة العمل:

هي ضمان تطبيق سياسات وقرارات عادلة، شفافة في بيئة، والتي ينبغي ان تكون مبنية على معايير موضوعية، وان القرارات اتخذت بناءً على بيانات ومعلومات موثوقة وموضوعية، لا الآراء الشخصية مثل الإجراءات المسبقة في توزيع المهام، أو انهاء العقود، او تحديد الأجور المستحقة حسب الكفاءة والقدم.

ويركز هذا المفهوم على "كيفية" اتخاذ القرارات بدلاً من "نتائجها" فقط، مع وجود آليات للتظلم أو مراجعة القرارات في حال حدوث خطأ، مما يعزز ثقة الموظفين والعمال مما يرفع معنوياتهم، ويقلل من دوران العمل، حيث يقبل الموظفون القرارات التي تقرر لغير صالحنم إذا اعتقدوا أن العملية التي أدت إليها كانت عادلة.

تبني العدالة الإجرائية يبني الثقة بين الموظفين والإدارة ويؤدي الى تقليل النزاعات والشكاوى، ذلك ان الإجراءات الواضحة تقلل من الشعور بالظلم والاعتراضات.

وبذلك يشعر الموظفون بأنهم أعضاء قيّمون، مما يزيد ولاءهم للمؤسسة، ويشجعهم على تقديم أفضل ما لديهم.

4- العدالة الإجرائية في مراكز الشرطة والاعتقال:

وهو نهج يركز على إنصاف الإجراءات المتخذة ضد المشتبه بهم، وليس فقط النتائج.

ترتكز على معاملة الأفراد بكرامة واحترام، الحياد، إتاحة الفرصة للموقوفين للتعبير عن وجهة نظرهم، وإظهار دوافع جديرة بالثقة، مما يعزز شرعية الشرطة وثقة الجمهور.

فبينما تثير الإنتهاكات التي يرتكبها ضباط الشرطة مثلاً المواقع الأجتماعية، كما وتحظى بتغطية إعلامية واسعة، انعدام الثقة وتُقوّض الشرعية، ومع ازدياد حجم الأبحاث حول العدالة الإجرائية، بات من الواضح أنه بالتدريب، يمكن لهذا المفهوم أن يترسخ على المستويين الفردي والمؤسسي، وتعزز العدالة الإجرائية جهود المؤسسات في ترميم العلاقات المجتمعية المتوترة من خلال إرساء أسس الشرعية، ونتيجة لذلك، تُعد العدالة الإجرائية أداة فعّالة في تعزيز الأمن العام.

تتضمن العدالة الإجرائية في الاعتقال والاحتجاز عدة مبادئ أساسية:

الاحترام والكرامة: معاملة جميع الأفرادبكرامة بغض النظر عن سلوكهم.

الحياد والشفافية: اتخاذ قرارات غير متحيزة قائمة على الوقائع، مع توضيح أسباب الاحتجاز.

صوت الموقوف: منح الأفراد فرصة للمشاركة والتعبير عن مخاوفهم دون مقاطعة.

وإبلاغ الشخص بحقه في الصمت والاستعانة بمحامٍ.

مع إبلاغ المعتقل بأسباب الاعتقال فوراً، وتسجيل التوقيف، وتوفير محامٍ.

ومن ثم عرض المشتبه به على السلطة القضائية خلال مدة محددة في القانون

كما يعد استخدام القوة المفرطة انتهاكاً خطيراً لهذه الإجراءات، ويُعتبر الهدف النهائي هو حماية الحقوق الدستورية وضمان أن تكون الإجراءات عادلة ونزيهة في كافة المراحل.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

..........................

(1) درس كافكا القانون وحصل على الدكتوراه في القانون، كان يأخذ إلى جانب ذلك فصول في تاريخ الفن،

كما أنه انضم إلى نادي طلابي عُرف باسم «قاعة قراءة ومحاضرات الطلاب الألمان» عمل هذا النادي على تنظيم عدد من النشاطات الأدبية. مع نهاية العام الأول في الدراسة كان كافكا قد ألتقى بماكس برود، وهو زميله في دراسة القانون الذي أصبح بعد ذلك صديقه المقرب مدى الحياة، وهو الذي نشر اعمال كافكا رغم وصية الآخير بحرقها.

(2) كان القضاء الإداري الفرنسي يقر ثلاث عناصر للنظام العام (الأمن العام، الصحة العامة، والسكينة العامة).

(3)أقر مجلس الدولة الفرنسي بصفة صريحة عنصر "الكرامة الإنسانية" كأحد عناصر النظام العام المعنوي، مستقلاً عن الآداب العامة، في قضية "قذف الأقزام" في بإقرار قرار رئيس بلدية مورسانك - سور الشهيرة بتاريخ 27 أكتوبر 1995. هذا الحكم مكّن السلطات الإدارية من منع أنشطة، حتى لو وافق عليها الفرد، إذا كانت تحط من كرامته البشرية.

(4) العدالة الموضوعية (Substantive Justice) هي المفهوم الذي يركز على عدالة النتائج النهائية، ونزاهة المضمون (الحق، العقوبة، أو التعويض) بدلاً من مجرد الالتزام الحرفي بالإجراءات القانونية، وتهدف إلى تحقيق "روح القانون" لضمان توزيع الحقوق والمسؤوليات بشكل عادل، مراعية الظروف الفردية، وتختلف عن العدالة الإجرائية التي تركز على خطوات التقاضي.

(5) تعد الوساطة طريقة غير رسمية، تختلف عن التحكيم، لحل المنازعات بين الأشخاص بمساعدة وسيط محايد حاصل على تدريب عن مساعدة الأشخاص على مناقشة خلافاتهم. لا يحدد الوسيط من هو الشخص المخطئ أو المصيب، ولا يُصدر قرارًا.

ما هي إجراءات تسوية المنازعات البديلة المنصوص عليها في المادة 89 من قانون الإجراءات المدنية؟

تشير المادة 89 إلى خمسة أنواع من إجراءات تسوية المنازعات البديلة، تتكون من عملية واحدة؛ وهي عملية التحكيم (التحكيم) وأربع عمليات تفاوضية (غير تحكيمية) وهي: التوفيق، والوساطة، والتسوية القضائية، ومحكمة لوك أدالات. وت(انظر المادة 89 (2) (ج) من قانون الإجراءات المدنية بصيغتها المعدلة بالتفسير القضائي في حكم أفكون).

ما هي أنواع الوساطة؟ هناك نوعان من الوساطة:

أ-الوساطة المُحالة من المحكمة - تنطبق على القضايا المنظورة أمام المحكمة والتي

تُحيلها المحكمة للوساطة بموجب المادة 89 من قانون الإجراءات المدنية (الفرنسي) لعام 1908.

ب- الوساطة الخاصة - في الوساطة الخاصة، يُقدم الوسطاء المؤهلون خدماتهم على أساس خاص، مقابل رسوم، للمحكمة، ولأفراد الجمهور، ولأفراد القطاع التجاري، وكذلك للقطاع الحكومي لحل النزاعات من خلال الوساطة. يمكن استخدام الوساطة الخاصة فيما يتعلق بالنزاعات المنظورة أمام المحكمة والنزاعات قبل التقاضي.

(Procedural Justice) 2026

مفهوم "مسلم" الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم "مواطن" الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي "الخليفة" حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.

المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم "المجتمع" بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم "الأمة" في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.

 سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.

 ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.

 فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.

بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

كل الأمم والشعوب تتطلع باستمرار الى تجديد شبابها وحيويتها، حتى يتسنى لها الوصول إلى غاياتها والحفاظ على منجزاتها ومكاسبها.. وتتعدد وتتنوع وسائل وأساليب تجديد شباب الأم والمجتمعات، باختلاف الظروف والأحوال.. إلا أن جميع الأمم والشعوب، يصرف النظر عن ظروفها وأحوالها، تعتقد أن أحد الوسائل الهامة لإنجاز وتحقيق هذه الغاية النبيلة هو الاهتمام النوعي والمؤسسي بجيلها الشاب.. فهو أحد الوسائل الحيوية لمشروع تجديد شباب المجتمع، كما أنه أحد الغايات النبيلة لأي مجتمع.. حيث تعمل جميع المجتمعات (بتفاوت) من أجل بناء المؤسسات والقيام بالخطوات الضرورية للاهتمام بالجيل الشاب..

ونحن كمجتمع لا نشذ عن هذا السياق، ونعتقد إننا باستمرار بحاجة ماسة إلى الالتفات إلى المشروعات الوطنية الخاصة بهذه الفئة الهامة والحيوية من مجتمعنا.

وذلك للعمل المستديم لخلق الأطر الفعالة لاستيعاب هذا الجيل، والعمل على توفير كل أسباب وعوامل التميز والنجاح في مسيرته..

ومعايير ومقاييس تقدم المجتمعات والأمم، مرهونة إلى حد بعيد في قدرة هذه المجتمعات على توفير الأطر والقيام بالمبادرات والخطوات الضرورية للاهتمام النوعي بجيلنا الشاب.. وثمة ضرورة راهنة ومستقبلية في وطننا ومجتمعنا، للاهتمام بهذا الجيل، والإنصات إلى حاجاته ومتطلباته، والعمل الرسمي والأهلي لتلبية هذه الحاجات والمتطلبات.

ولا يكفي اليوم أن نفتخر أن أكثر من نصف مجتمعنا من الشباب، وإنما الفخر الحقيقي هو حينما نبني المؤسسات ونطور من عمليات الاستيعاب والاهتمام، بهذه الشريحة الهامة من مجتمعنا.. فشباب الوطن اليوم، هم مستقبله القادم. وإذا أردنا القبض على مستقبلنا، فطريق ذلك هو الاهتمام بشبابنا وتلبية حاجاتهم والإنصات إلى مطالبهم ومتطلباتهم، والعمل الجاد من مختلف المواقع والمسؤوليات لتذليل كل العقبات التي تحول دون مشاركة شباب الوطن في مشروعات البناء والعمران والتنمية والتطوير..

وفي إطار ضرورة الإنصات إلى الشباب، والاهتمام بقضاياهم المختلفة، نود التأكيد على النقاط التالية: 

الاهتمام بالتربية: 

فحينما ندعو إلى ضرورة الإنصات إلى الشباب، فإننا ندعو إلى ضرورة قيام المبادرات الاجتماعية والتربوية، التي تعتني بالشباب عقلا وسلوكا.. 

فإن بذل الجهود المستمرة للاهتمام بتربية الشباب وصقل مواهبهم، وتفجير طاقاتهم، وتهذيب بعض التصرفات التي لا تعكس وجه مجتمعنا المضيء، كلها أعمال تستحق الاهتمام وبذل الجهود من أجل إنجازها.. لأن المجتمعات الإنسانية لا يمكنها أن تتقدم وتنجز تطلعاتها العامة والحضارية بدون الاهتمام بالبعد التربوي في حياة الإنسان.. وذلك لأن هذه التربية  هي الجسر الصلب الذي ينقل الإنسان من حالة الهامشية إلى تحمل المسؤولية..

لهذا فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى مبادرات اجتماعية وثقافية تقوم بدور التهذيب الاجتماعي وتطوير نوازع الخير في نفوس الأجيال الطالعة.. 

تنمية حس العطاء: 

لا أحسب أني بحاجة إلى جهد جهيد لإثبات أهمية العطاء بكل صوره ومستوياته لتقدم الأمم والشعوب... حيث أن البذل والعطاء المادي والعقلي والاجتماعي والمعنوي هو جسر العبور لتطور المجتمعات.. 

ومفهوم العطاء في الرؤية الإسلامية يستوعب كل الحاجات التي يحتاجها الانسان (الفرد والجماعة) في أطوار حياته المختلفة.. 

والتوجيهات الإسلامية تحثنا على المساعدة والعطاء.. إذ جاء في الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق [من أغاث أخاه اللهفان عند جهده فنفس كربته وأعانه على نجاح حاجته كانت له بذلك عند الاثنتان وسبعون رحمة من الله، يعجل الله له منها واحدة يصلح بها معيشته، ويدخر له إحدى وسبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله]..

لهذا فإننا بحاجة إلى بذل كل الجهود من أجل غرس قيم العطاء والبذل والتضحية في نفوس الشباب والأجيال الطالعة.. ونهيب بجميع المؤسسات والمبادرات الاجتماعية للاهتمام بهذه المسألة.. لأنه حينما تتعزز قيم العطاء في نفوس أبناء المجتمع، فإن مساحة العاملين في الشأن العام ستتسع وهذه من عناصر القوة التي ينبغي أن نعززها في محيطنا ومجتمعنا.. 

وخلاصة القول: إننا ندعو إلى تكثيف الاهتمام والرعاية بالجيل الطالع، ونحث الجميع (كل من موقعه) إلى بلورة صيغة ومبادرة، تستهدف استيعاب طاقات شبابية جديدة في الأعمال والأنشطة القادمة.. 

وليكن هذا العام الجديد، هو عام مضاعفة الجهد والاهتمام بالشباب على مختلف الصعد والمستويات.

***

محمد محفوظ

في سياق التطورات الاقتصادية والسياسية العالمية، يمثل مفهوم العولمة الإمبراطورية ذروة التناقضات الداخلية للرأسمالية الغربية، حيث تتحول هذه الرأسمالية من نموذج إنتاجي محلي إلى نظام عالمي يعتمد على السيطرة الإمبريالية للحفاظ على استمراريتها. العولمة الإمبراطورية ليست مجرد توسع تجاري أو ثقافي، بل هي مرحلة حاسمة تكشف عن انحسار الرأسمالية الغربية، حيث تصبح الإمبراطورية الاقتصادية أداة لاستنزاف الموارد العالمية وإعادة إنتاج التراكم الرأسمالي في ظل أزمات متزايدة. هذه الدراسة تستعرض بشكل موسع ومعمق هذا المفهوم، من خلال تحليل تاريخي لتطور الرأسمالية، وكيف أدت إلى ظهور العولمة الإمبراطورية كمرحلة نهائية، مع التركيز على الآليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤكد على طبيعتها كذروة الانهيار الداخلي. فكيف تمثل العولمة الإمبراطورية كمرحلة أخيرة من الرأسمالية الغربية: تحليل نظري وتاريخي؟

بدءاً من أصول الرأسمالية الغربية، يمكن القول إنها نشأت في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كنتيجة للثورة الصناعية والاكتشافات الجغرافية، حيث اعتمدت على تراكم رأس المال من خلال الاستغلال الداخلي للعمالة والتوسع الاستعماري. في مراحلها الأولى، كانت الرأسمالية تعتمد على المنافسة الحرة داخل الأسواق المحلية، مع التركيز على الإنتاج السلعي والابتكار التكنولوجي لزيادة الربحية. ومع ذلك، سرعان ما أدى التراكم الرأسمالي إلى تركز الثروة في أيدي قلة من الشركات الكبرى، مما أدى إلى ظهور الاحتكارات في أواخر القرن التاسع عشر. هذا التركز لم يكن مجرد تحول اقتصادي، بل كان ضرورياً للحفاظ على معدلات الربح في ظل انخفاض الفرص الداخلية، حيث أصبحت الرأسمالية بحاجة إلى أسواق خارجية لتصريف الإنتاج الفائض واستيراد المواد الخام الرخيصة. هنا يبرز الارتباط الجوهري بين الرأسمالية والإمبريالية، حيث تحولت الدول الغربية إلى قوى إمبريالية تسيطر على المستعمرات لضمان تدفق الثروات، كما حدث في تقسيم أفريقيا وآسيا خلال عصر الاستعمار.

مع دخول القرن العشرين، تطورت الرأسمالية الغربية إلى مرحلة الإمبريالية الكلاسيكية، حيث أصبحت الاحتكارات الدولية، مدعومة بالقوة العسكرية والدبلوماسية، أداة للسيطرة على العالم. هذه المرحلة شهدت صراعات عالمية مثل الحربين العالميتين، اللتين كانتا نتيجة للتنافس على الموارد والأسواق، مما أدى إلى إعادة تقسيم العالم بين القوى الرأسمالية الرئيسية. بعد الحرب العالمية الثانية، أدت هيمنة الولايات المتحدة إلى ظهور نموذج جديد من الرأسمالية، يعتمد على المساعدات الاقتصادية مثل خطة مارشال ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي كانت في جوهرها أدوات لتعزيز النفوذ الغربي. هنا بدأت العولمة تظهر كوجه جديد للإمبريالية، حيث أصبحت التجارة الحرة والاستثمارات الأجنبية وسيلة لاختراق الاقتصادات النامية دون الحاجة إلى احتلال عسكري مباشر. العولمة الإمبراطورية، إذن، هي تطور طبيعي لهذه المرحلة، حيث تندمج الرأسمالية مع العولمة لتشكل نظاماً عالمياً يعتمد على السيطرة غير المباشرة من خلال الشركات متعددة الجنسيات والمعاهدات التجارية.

في جوهر العولمة الإمبراطورية يكمن التناقض الأساسي للرأسمالية الغربية: الحاجة إلى توسع مستمر لمواجهة انخفاض معدلات الربح. مع نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينيات، أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى فتح أسواق جديدة للرأسمالية الغربية، مما سمح بتوسع غير مسبوق في العولمة. أصبحت الشركات الغربية، مثل تلك في قطاع التكنولوجيا والمال، قادرة على نقل الإنتاج إلى دول ذات تكاليف عمالة منخفضة مثل الصين والهند، مع الحفاظ على السيطرة على الابتكار والتوزيع. هذا التوسع لم يكن محايداً، بل كان إمبراطورياً في طبيعته، حيث فرضت الدول الغربية شروطاً اقتصادية من خلال اتفاقيات مثل منظمة التجارة العالمية، التي أجبرت الدول النامية على فتح أسواقها دون مقابل متساوٍ. نتيجة لذلك، أدت العولمة إلى تعميق الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، حيث أصبحت الدول النامية مصدراً للموارد الرخيصة والعمالة المستغلة، بينما تراكمت الثروات في المراكز الرأسمالية الغربية. هذا النموذج أدى إلى أزمات مالية متكررة، مثل أزمة 2008، التي كشفت عن هشاشة النظام الرأسمالي العالمي، حيث أصبح الاعتماد على الديون والمضاربات المالية بديلاً عن الإنتاج الحقيقي.

مع ذلك، تكمن أهمية العولمة الإمبراطورية في كونها المرحلة الأخيرة للرأسمالية الغربية، لأنها تكشف عن حدود النظام نفسه. في هذه المرحلة، أصبحت الرأسمالية غير قادرة على الابتكار الداخلي دون الاعتماد على الاستغلال الخارجي، مما يؤدي إلى تصاعد التناقضات الطبقية والجيوسياسية. على المستوى الاجتماعي، أدت العولمة إلى تفكك المجتمعات المحلية في الغرب نفسه، حيث أدى نقل الوظائف إلى الخارج إلى ارتفاع البطالة وزيادة الاستياء الشعبي، كما يظهر في صعود الحركات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة. سياسياً، أصبحت الدول الغربية مجبرة على استخدام القوة العسكرية للحفاظ على نفوذها، كما في التدخلات في الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تهدف إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية مثل النفط والمعادن النادرة. هذه التدخلات ليست استثناءات، بل جزء أساسي من العولمة الإمبراطورية، حيث تندمج الاقتصاد مع السياسة لضمان استمرار التراكم الرأسمالي.

علاوة على ذلك، تؤدي العولمة الإمبراطورية إلى أزمات بيئية غير مسبوقة، حيث يصبح الاستنزاف اللامحدود للموارد الطبيعية ضرورياً للحفاظ على نمو الرأسمالية. الاحتباس الحراري والتلوث الناتج عن الإنتاج الصناعي العالمي يكشفان عن عدم استدامة هذا النموذج، مما يجعل المرحلة الإمبراطورية انتقالية نحو انهيار محتمل. في الوقت نفسه، أدى صعود قوى اقتصادية جديدة مثل الصين وروسيا إلى تحدي الهيمنة الغربية، حيث أصبحت هذه الدول قادرة على بناء نماذج بديلة تعتمد على التعاون الإقليمي بدلاً من السيطرة الإمبراطورية. هذا التحدي يعجل من نهاية الرأسمالية الغربية، حيث أصبحت غير قادرة على الحفاظ على تفوقها دون اللجوء إلى صراعات عالمية قد تؤدي إلى كارثة بيئية حقيقية.

في الختام، تمثل العولمة الإمبراطورية ذروة الرأسمالية الغربية، حيث تكشف عن تناقضاتها الداخلية التي تجعلها غير قابلة للاستمرار. من خلال الاعتماد على السيطرة العالمية لمواجهة أزماتها، أصبحت هذه المرحلة انتقالية نحو تحولات جذرية، سواء كانت ثورات اجتماعية أو نماذج اقتصادية بديلة. هذا التحليل يؤكد أن الرأسمالية، في صورتها الإمبراطورية، ليست خالدة، بل هي مرحلة تاريخية تنتهي بسبب قوانينها الداخلية نفسها، مما يفتح الباب لإمكانيات جديدة في العالم ما بعد الرأسمالي. فما تأثير العولمة على اقتصاديات الدول النامية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في الكثير من الأحيان، وفي خلوتي أسأل نفسي ما جدوى الكتابة؟ ومثل هذا السؤال ظلّ يواجهني في المقابلات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي تُجرى معي، فماذا تعني الكتابة لي بعد عشرات المؤلفات التي اشتغلت عليها عقودًا من الزمن؟ وهل ثمة تغيير ملموس نحو الأفضل؟ أم ثمة تقهقر وتراجع وانكفاء؟

ويتفرّع عن السؤال المحوري العديد من الأسئلة والتساؤلات؛ لماذا نكتب؟ وماذا بعد الكتابة؟ وإلى أين؟ وهل ثمة علاقة بين الكاتب ونصّه؟ وهل النصّ وجه آخر من وجوه الكاتب؟ أم أن النص سيرة كتابية للكاتب؟ وماذا تعني الكتابة؟ وما موقع الكتابة من الحقيقة؟ وما هو دورها في التغيير؟

وتلك الحزمة من الأسئلة والتساؤلات هي خلاصات لبعض الرسائل الإلكترونية التي تصلني من العديد من القرّاء والمتابعين شهريًا، ناهيك عن الحوارات الشخصية والصداقية التي غالبًا ما تكون ملح جلساتنا.

وأستذكر حوارًا دار بين شاعر العرب الأكبر الجواهري وبيني في ثمانينيات القرن المنصرم، إثر قراءته لمقالة كتبتها في مجلة الهدف الفلسطينية عن العدوان الإسرائيلي، فسألني: وماذا يفيد ما نكتب في حين أن العدو يتوغّل فينا وينتشر بيننا، في الوقت الذي ترتفع الأصوات وتلعلع وتتوعّد بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ وماذا بعد؟ وتوقّف عند قصة الأعرابي الذي صادفه قطّاع طرق، فصادروا ما عنده وما كان يحمله من متاع، ثم عاد إلى مرابعه بخفيْ حنين، وحين سُئل عن الذي حصل، فروى لهم ما حدث، وختم بالقول: أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل؛ وهكذا ذهبت مثلًا يُقال ولا يُقاس.

فهل الكتابة ذات جدوى حين يغيب الفعل الملموس؟ وهذا سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة لأنه ناجم عن أزمة، إذْ يمكنني القول إن الكتابة هي أول الطريق، فلا تغيير حقيقي دونها. فقد كانت الكتابة الممهّد الأول للثورة الفرنسية، وقد ساهمت مؤلفات فولتير "رسالة التسامح" ومونتيسكيو "روح الشرائع" وروسو "العقد الاجتماعي" في توفير البيئة الثقافية لنجاحها.

وبالطبع ثمة دوافع للكتابة:

أولها – إثبات الذات، وقد يكون ذلك أقوى الدوافع. وسبق أن قلت إن الكتابة دفاع عن النفس، ولا يوجد كاتب حقيقي لا يريد تأكيد ذاته وشخصيته بين الآخرين؛

ثانيها – إحساسه بالجمال، أي إدراكه قيمة الجمال، وعكسه إظهار القبح، ولعلّ لكلّ كاتب وجهة نظره بالجمال والقبح، مثلما هي بالخير والشر والعدل والظلم.

ثالثها – القدرة على التخيّل، وذلك بما له علاقة بصورة الواقع المتخيّلة إزاء الواقع المعيش؛

رابعها – الرغبة في رؤية الوقائع التاريخية وفحصها بما يخدم الحقيقة لتقديمها للآخرين، وفقًا للخلفيات الاجتماعية والثقافية لكل كاتب ورؤاه الفكرية؛

وخامسها – لكل كاتب دوافع فكرية وسياسية يستهدف من خلالها تغيير عادات الناس وأفكارهم وقيمهم، سواء على صُعد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الأدب والفن.

ووفقًا لجان بول سارتر: الكتابة وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، وهي شكل من العمل للتأثير على العالم، في حين يعتبرها ألبير كامو واجبًا ومسؤولية، ويذهب فريدريك نيتشه لاعتبارها وسيلة للتعبير عن الذات وتحرير النفس. وهي عند غابريل غارسيا ماركيز تُدخل الفرح لدى الأصدقاء، أما الروائي جورج أرويل فيعتبر الكتابة الجيدة مثل زجاج النافذة، أي واضحة وشفافة تتيح للقارئ رؤية الأفكار بسهولة.

لذلك ينبغي أن تكون الكتابة واضحة وبسيطة ودقيقة، وتمتلك حسًا جماليًا، سواء بالسرديات أو الأدب والفن بشكل عام، فضلًا عن التاريخ والاجتماع والسياسة والاقتصاد والإدارة وعلم النفس وغيرها، وهذا ما أعتقده؛ وفوق كل ذلك لا بدّ من تميّزها بعنصر الامتاع والفائدة والجدوى، على الرغم من المشاكل التي تعترضها والمعاناة التي تصاحبها والمكابدات التي يواجهها الكاتب مثل اللغة والبناء والنشر والرقابة والتلقّي والقبول والتأثير، فضلًا عن المعنى والدلالة.

الجدوى من الكتابة حسب وجهة نظري هي التواصل الفعّال مع الآخر، القارئ، المختلف، المتفّق، القريب، البعيد، ومع جميع فئات المجتمع، إذا كان الكاتب يكتب للجميع، عابرًا للفئوية والمناطقية والإثنية والأديان، فبقدر عراقيتي، فأنا عربي ومشرقي ومسلم وإنسان كوني، وبهذا المعنى تكون الكتابة أيضًا رسالة إلى العالم ورحلة تعارف وتفاهم مع الآخر.

ولذلك أرى أن الكتابة النقدية ضرورة للتنوير والتغيير والحداثة، ولا قيمة للكتابة دون نقد بنّاء ومتعدّد الأبعاد وخال من الغرض، حيث تُعرف قيمة التجارب بنقدها، وإلّا ستكون مثل الطبخة دون ملح. وينبغي على الكاتب الجيد أن يمتاز بالنقد والصدق والجرأة لخدمة هدف موضوعي، ولنشر القيم الإنسانية.

والكتابة بالنسبة لي روح، والكتب مفتاحها، إذْ لا كاتب مبدع إلّا إذا كان قارئًا مواظبًا، وإذا وجدت بيتًا يخلو من الكتب فتأكد أنه منزل بلا روح، والكتابة صلاة وبوح وموسيقى لتطهير النفس وتحريرها من الكراهية والحسد والضغينة والعنف، خصوصًا حين يتشبّع الكاتب بقيم السلام والتسامح والعدل.

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر

أعترف أن شعوراً ما يراودني هذه الأيام، شعور يشبه ذلك الإحساس الغريب الذي ينتابك حين تقف في محطة قطار مهجورة، تعلم أن القطار الأخير غادر منذ زمن، لكنك تستمتع بالوقوف هناك رغم ذلك. شعور نرجسي ربما، لكنه حقيقي، أننا قد نكون آخر الأجيال التي ستمتلك ذلك الرفاه العظيم، رفاهية القراءة المطولة، والتأمل العميق، والغوص في بحر من الكلمات المطبوعة دون أن يشعر المرء بأنه يرتكب جريمة بحق وقته.

دعوني أكون صريحاً.. لست هنا لأرثي حالي، ولا لأمارس طقوس الحداد على ثقافة تحتضر. لست من أولئك الذين يرون في كل قديم غاية الطهر والنقاء وفي كل جديد غابة الشذوذ والضوضاء !

 لكن التأمل في المشهد الثقافي الراهن يفرض علينا أسئلة مشروعة ماذا يحدث للكلمة المكتوبة؟ وأين يذهب المثقف الذي كان يقضي لياليه مع كتاب، يقلب صفحاته، يضع علامات استفهام على هوامشه، يعيد قراءة الفقرة مرتين لأنه يريد أن يستوعبها كاملاً، غير منزعج من بطء التقدم في الصفحات؟

ثمة تحول جذري في آلية تلقي المعرفة، تحول لا يمكن اختزاله في عبارة (العصر تغير). إنها ثورة كونية في طريقة تشكيل الوعي الإنساني. البودكاست، الإنستجرام، التيك توك، اليوتيوب... هذه ليست مجرد منصات جديدة، إنها تكرس لنمط جديد من "الشفهية"، لكنها شفهية مختلفة عن تلك التي عرفها الإنسان قبل اختراع الكتابة.

الشفهية القديمة كانت جماعية، احتفالية، بطيئة. كانت حكايات تروى حول النار، وأساطير تنتقل عبر الأجيال بصوت الراوي الحكيم. أما الشفهية الجديدة، فهي شفهية منفردة، سريعة، استهلاكية. تأتيك عبر سماعة أذن تغزوك وحدك، أو عبر شاشة صغيرة تلتهمها في دقائق بين محطتي مترو. إنها شفهية تخلق وهم المعرفة دون مشقة الحصول عليها.

وهنا مربط الفرس.. الثقافة الكتابية المطولة تتطلب مجهوداً. نعم، مجهوداً حقيقياً. القراءة المركزة لكتاب جاد هي عملية شاقة، تحتاج إلى طاقة ذهنية، إلى قدرة على التأمل، إلى استعداد للبقاء مع فكرة واحدة لساعات. في المقابل، تأتيك الشفهية الجديدة بالمعرفة مقطعة معلبة، في فيديو مدته ثلاث دقائق يشرح لك "ملخص كتاب" أو "تحليل فلسفي سريع" أو "نظرية علمية مبسطة"!.

لا أقول إن هذا كله سيئ. بالعكس، هناك جوانب مذهلة في ديمقراطية المعرفة الجديدة. لكن السؤال الأعمق هو ماذا يحدث للذهن البشري حين يعتاد على الاستهلاك السريع للمعرفة؟ ماذا يحدث لقدرتنا على التأمل حين تصبح كل فقرة أطول من مائة كلمة مملة؟! ماذا يحدث لصبرنا الفكري حين نجد أن فهم كانط يحتاج إلى أكثر من فيديو مدته خمس دقائق؟

الأمر لا يتعلق فقط بتغير الأذواق، بل بتغير البنية الاقتصادية للمعرفة نفسها. في الاقتصاد الرمزي الجديد، الوقت هو العملة الأغلى. أنت لا تقرأ كتاباً، أنت تستهلك محتوى. والاستهلاك السريع يتطلب منتجات سريعة. الكاتب اليوم لم يعد مؤلفاً فقط، بات صانع محتوى. عليه أن يختصر، أن يضغط، أن يجعل فكرته قابلة للاستهلاك في أقل وقت ممكن. وإلا فلن يقرأه أحد.

وهنا تبرز مفارقة جميلة، في عصر وفرة المعلومات، نعاني من شح المعنى. لدينا آلاف القنوات وملايين المنشورات، لكن القدرة على استخلاص معنى عميق من كل هذا الضجيج أصبحت أندر من أي وقت مضى. المثقف الكلاسيكي، الشخص الذي كان يقضي سنوات في تأليف كتاب، ويقرأ القارئ ذلك الكتاب في أسابيع، ويتأمله في شهور، هذا المثقف يبدو اليوم وكأنه ديناصور في عصر الثدييات الصغيرة السريعة.

لكن دعونا نكون موضوعيين قليلاً. ليست المرة الأولى في التاريخ التي يبشر فيها بموت الكتاب. منذ اختراع السينما، ومن ثم الراديو، ثم التلفزيون، كان المثقفون يطلقون صيحات الإنذار. ومع ذلك، بقيت الكتب. بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن عدد الكتب المنشورة سنوياً في ازدياد. إذاً، ما الجديد هذه المرة؟

الجديد هو أن التهديد لم يعد يأتي من وسيط آخر منافس، لكن من تغير في بنية الانتباه الإنساني نفسه. وسائل التواصل الاجتماعي لم تسرق وقت القراءة فقط، لقد أعادت تشكيل أدمغتنا!.

دراسة بعد دراسة تؤكد أن قدرتنا على التركيز في نص طويل تتراجع. أصبحنا نعاني مما يسميه العلماء (متلازمة الانتباه المجزأ). عقولنا المدربة على التمرير السريع بين المنشورات تجد صعوبة في الاستقرار على فكرة واحدة لأكثر من دقائق.

وسط هذا التحول، تبرز قيمة المثقف الكلاسيكي بشكل متناقض. قيمته لا تكبر رغم العصر، بل بسببه. في زمن الضجيج، الصوت الهادئ يصبح أغلى. في زمن السرعة، البطء يصبح رفاهية. في زمن التجزئة، العمق يصبح ثورة.

أتخيل بعد مائة أو مئتي سنة، حين ينظر البشر إلى عصرنا هذا، سيرون شيئاً أشبه بطبقات الأرض الجيولوجية. سيجدون طبقة الكلمة المطبوعة التي استمرت خمسة قرون، ثم طبقة التحول الرقمي حيث بدأت الكتابة تتحول إلى شيء آخر. سينظرون إلى مثقفي الكتب كما ننظر نحن اليوم إلى رهبان العصور الوسطى الذين كانوا ينسخون المخطوطات بأيديهم. سيطلقون علينا "المثقفين الكلاسيكيين" أو "آخر العشاق المجهولين للكتاب".

لكن هذه النظرة الجنائزية قد تكون مضللة. فالإنسان كائن مرن، يتكيف. ربما تولد أشكال جديدة من العمق لم نتصورها بعد. ربما في عالم البودكاست، هناك من ينتج حلقات مدتها ثلاث ساعات يتعمق فيها في موضوع واحد. ربما في عالم اليوتيوب، هناك قنوات تقدم محتوى ثقافياً عميقاً يتطلب مشاهدته عدة مرات. ربما ما نراه الآن ليس موت العمق، إنما تحوله إلى أشكال جديدة لم نعتدها بعد.

ما يقلقني حقاً ليس تغير الوسيط، بل تغير القيمة. عندما يصبح العمق غير مرغوب اقتصادياً، عندما تدفع الخوارزميات نحو السطحي لأن السطحي هو الأكثر استهلاكاً، عندما يتحول الكاتب العميق إلى "نخبوي" أو "بعيد عن الناس" لمجرد أنه يطلب من قارئه ساعة من التأمل بدلاً من ثلاث دقائق من التسلية، هنا تصبح المشكلة حضارية وليست مجرد تغير في الأذواق.

المثقف الكلاسيكي الذي أمثله، أو بالأحرى الذي أنتمي إلى جيله الأخير، ليس أفضل بالضرورة. لدينا عيوبنا؛ نخبويتنا أحياناً، بطئنا، حساسيتنا المفرطة. لكن ما نحمله هو قيمة قد تصبح نادرة؛ الإيمان بأن الفكرة تحتاج إلى وقت كي تختمر، وأن القراءة ليست مجرد استهلاك، هي حوار طويل مع نص، وأن المعرفة الحقيقية لا تمنح في جرعات سريعة، بل تغزوك بالتدريج كالمطر الخفيف الذي يشبع الأرض دون أن يقتلعها.

لذلك، ربما يكون شعوري النرجسي مبرراً بعض الشيء. ربما نحن فعلاً آخر من سيعرف متعة القراءة البطيئة، آخر من سيعرف رائحة الكتاب، آخر من سيعرف تلك العلاقة الحميمية بين قارئ وكاتب تمتد عبر الزمان والمكان. لكن بدلاً من أن نرثي حالنا، ربما علينا أن نؤدي واجبنا، أن نكتب لمن سيأتون بعدنا، بلغة يفهمونها، ولكن دون أن نفرط في جوهر ما نؤمن به.

المعرفة لن تموت، لكن أشكالها ستتغير. وربما بعد مائة عام، سيجلس شاب في العشرين من عمره، في بيئة افتراضية كاملة، ويستمع إلى كتاب صوتي تفاعلي ويتأمل فيه بعمق لمدة ساعات، ويكتشف أنه رغم اختلاف الوسيط، فإن ذلك الشعور العظيم بالغرق في فكرة، بالانفصال عن الزمن، بالحوار الصامت مع مفكر ميت، هذا الشعور لم يمت.

ربما يظل السؤال مفتوحاً هل نحن آخر عشاق الكتاب، أم أننا ببساطة في مرحلة انتقالية، حيث يتحول الكتاب من شكله الورقي إلى أشكال أخرى، ويبقى الجوهر؟

لا أعرف. لكن ما أعرفه أنني سأستمر في القراءة، وفي الكتابة، وفي التأمل، وكأن الغد لن يأتي. وكأن الكلمة المطبوعة ستبقى خالدة.

***

عبد السلام فاروق

في ظل الليبرالية الجديدة يتسيد العقل الاداتي النفعي الذي لا يعترف الا بمنطق الربح والشراهة في مراكمة راس المال، فيصبح كل شيء خاضعا لاحكام السوق المتحرر من كل المحددات والضوابط، كل شيء قابل للتسليع، اذ لم يعد المنتج المادي وقوة العمل سلعا للبيع فحسب بل القانون والثقافة والسياسة والاخلاق وقيم الحضارة الإنسانية ايضا.

مع تراجع العدالة النسبية في توزيع الثروة واتساع الفجوة الطبقية المتسارع والمخيف، يكتسب ذوو الثراء الفاحش نفوذا وسلطة شبه مطلقة، فلا غرابة اذن ان يصبح جسد وروح الفقير عرضة للتسليع يعبث بهما اصحاب النفوذ والثروة بما يرضي نزواتهم المريضة.

 ملفات ابستين التي جرت محاولات لدفنها في ادراج ال (اف بي آي) ووزارات العدل لخمس ادارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة ولفترة تقارب ال ٢٠ عاما، اخيرا اخرجت من الادراج السرية، وجاري نشرها علنا مع حجب الكثير من النصوص واسماء عدد كبير من المتورطين، اذ بلغ الحذف ما يقارب الترابايت من المخزون الرقمي للوثائق، بحجة حماية خصوصية الضحايا مع ان عددا كبيرا من اسماء الضحايا لم تحجب اصلا، مما يثير الشكوك بوجود نية لافلات الكبار من المحاسبة القانونية وتسويف ما جرى من جرائم تعيد الانسان الى بربريته الاولى، وتؤشر لاختلال بنيوي خطير في المنظومة القيمية للديمقراطية البرجوازية في ظل الحداثة السائلة (بتعبير سيجمونت باومان

تفاعل العرب في الاعلام وخاصة في السوشيال ميديا يتراوح بين النرجسية وتضخم الذات القومية والدينية وبين رمنسة وقدسنة الديمقراطية البورجوازية وشفافيتها المزعومة.

 فريق ينظر لملفات ابستين من ثقب ايديولوجي اصغر من ثقب الابرة وينطلق من طهرانية متخيلة للذات القومية والدينية ويفتي بشيطانية الغرب بالمطلق. هذا الفريق يرى الغرب كتلة متجانسة ثقافيا وقيميا لتسهل ادانته بالجملة، دون تمييز بين ثقافة الشعوب الغربية وقيمها الحضارية وبين الانحطاط الخلقي والتدهور القيمي للمنظومات الحاكمة من السياسيين والنخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية (الركائز السياسية والأيديولوجية للنظام) وكبار الراسماليين فاحشي الثراء (الركائز المالية للنظام).

 فريق اخر يتطوع للرد على تلك المقاربة دفاعا عن صورة رومانسية متخيلة للرأسمالية وديمقراطيتها المثالية، هؤلاء ركنوا جانبا اكواما مما نزفت اقلامهم من مقالات عن حقوق الطفل وكرامة الانسان وحكم القانون، ليستميتوا دفاعا في محاولاتهم لتبرير وتسفيه ما جرى في جزيرة ابستين من انتهاكات بشعة بحق الطفولة وكرامة الانسان، وما تخللها من ابتزاز سياسي ومالي، على اعتبارها حالة شاذة لافراد وليست اشكالية بنيوية للنظام، (لابد لهؤلاء من عبور تلك الفضائح المخزية التي قد تحدث شرخا لصورة الغرب الراسمالي المثالية في اذهانهم)، فلم يكتفوا بالتسفيه والتبرير بل احالت اقلامهم تلك الجرائم المريعة الى مناسبة للتغزل بشفافية الديمقراطية الليبرالية، ناصحين ايانا ان ننظر الى الجانب المضيء في المشهد عبر تذكيرنا بان زواج القاصرات في مجتمعاتنا والانتهاكات بحق الطفولة والمراة، وغيرها من الجرائم تتمتع بمشروعية او تحدث تحت غطاء من السرية التامة، وفي المقابل تنشر ملفات ابستين علنا على الملأ في ظل الديمقراطية اللبرالية وبفضل شفافيتها، وسيعاقب القانون المتورطين ويحقق العدالة للضحايا، فتلك بلدان يحكمها القانون الذي لا يميز بين جائع مشرد بلا مأوى ومليادير ذي نفوذ كبير1111

الفريق الاول ينطلق من تضخيم الذات القومية او الدينية، ويرى الغرب كتلة متجانسة اخلاقيا، والفريق الثاني ينطلق من تضخيم ذات الآخر، ويرى مجتمعاتنا كتلة متجانسة ثقافيا تشرعن اضطهاد الاطفال والنساء، متغاضين عن طائفة واسعة من المثقفين والعامة المتنورين اجتماعيا والذين حققوا قطيعتهم وعيا وممارسة مع التقاليد الشعبية والعشائرية المتخلفة.

اسكات الاصوات التقدمية التي تعبر عن سخطها واستهجانها لبربرية ما كشفت عنه ملفات ابستين بحجة انتماء اصحابها لمجتمعات متخلفة، انما هو محاولة لتمييع خطورة التدهور الاخلاقي وتراجع الحضارة الإنسانية على يد قادة وراسماليين يمتلكون مفاتح تسيير عالمنا.

 مقاربه الفريق الثاني رغم وجاهتها الظاهرية تستبطن الكثير من التناقضات والتضليل المتعمد، فهي تتجاهل البعد الطبقي ودور سلطة راس المال في تعطيل آليات العمل الديمقراطي والاطاحة باهم مرتكزات الديمقراطية الليبرالية، في الوقت الذي نشهد فيه وبوضوح اتساع الفجوة بشكل شاسع بين شعاراتها والواقع.

مقاربة الفريق الثاني ايضا محاوله للتعتيم على الجانب الاهم من قضيه ابستين وذلك بحصرها في الحيز الجنائي او تحديدا باغتصاب القاصرات، والتغاضي عن جملة من التساؤلات الهامة التي تثيرها تلك الفضيحة. لماذا يستدرج ابستين قادة العالم ونخبه السياسية والأكاديمية والإعلامية التي تمتلك مفاتيح ادارة الصراع والتحكم بمصائر الشعوب والدول لتوريطهم باعمال مخلة بالشرف ويوثق تلك الافعال المخزية بالصوت والصورة؟

من الواضح انها آلية لفرض الطاعة والتحكم بقرارات ومواقف النخب عبر الابتزاز. ولا بد من وجود جهة اكبر من ابستين تبنت ومولت هذا المشروع اللا اخلاقي. بحوزة الجهة التي تبنت ومولت مشروع ابستين تلك الوثائق والصور والفيديوهات في ادراج سرية كسيوف قابعة في اغمادها حتى تحين اللحظة لوضعها على رقاب من يخرج عن طاعتها.

الوثائق التي نشرتها وزارة العدل رغم التعمية والكم الهائل من الاسماء والنصوص المحذوفة قد كشفت عن قرائن تقترب من الأدلة عن علاقة الموساد بمشروع ابستين الفضائحي. شركات الاعلام الكبرى المتناغمة مع انظمتها تتجاهل تلك القرائن بل وتتهم الاعلام المستقل الذي يحاول فك شفراتها بالانزلاق في نظرية المؤامرة، بينما هي نفسها تتبنى عن عمد نظرية المؤامرة بترويجها لعلاقة أبستين بالمخابرات الروسية دون ادلة، لابعاد الشبهات عن الموساد.

الشكوك بضلوع الموساد لا تقتصر على ان شريكة ابستين (جيسلين ماكسويل) هي ابنة (روبرت ماكسويل) امبراطور الاعلام والذي كان قبل حادثة غرقه المشبوهة اصلا استخباريا مهما للموساد، بل هناك عدد من القرائن التي لا يمكن تمريرها دون البحث فيها وتقصي الحقائق.

- ايهود باراك كان يقيم بشكل متكرر في شقة ابستين التي نصبت فيها الحكومة الإسرائيلية منظومة رقابة وأجهزة استشعار وتجسس إلكترونية، ويجتمع ضباط امن اسرائيليون لاكثر من مرة في تلك الشقة مع موظفي أبستين لاعطائهم التوجيهات بخصوص الرقابة والشؤون الأمنية. بعثة الحكومة الإسرائيلية للامم المتحدة ايضا دائمة التردد والاقامة فيها، وتتضمن الشقة جناحا لعارضات ازياء قاصرات.

- قام ابستين بالتنسيق لعقد لقاء سري بين بوتين وايهود باراك، حاول فيه باراك اقناع بوتين بالتخلي عن الاسد تهيئة لدعم وتنصيب حاكم لا يضمر العداء لاسرائيل ويضمن مصالح روسيا في نفس الوقت، (بوتين رفض الاقتراح)

- باستثمار علاقته بسلطان احمد بن سليم واصحاب نفوذ اماراتيين، عمل أبستين مع باراك على مد جسور صداقة بين الامارات واسرائيل لسنوات عديدة قبل الاتفاقات الإبراهيمية.

- عمل ابستين مع باراك على اقناع نيجيريا وبمساعدة الاماراتي بن سليم لعقد صفقة لتجهيز الدولة النيجيرية بمنظومة تجسس اسرائيلية (التكنولوجيا التي كانت تستخدم للتجسس على سكان غزة والضفة الغربية) مستغلين بذلك العمليات الإرهابية لبوكو حرام وضعف الحكومة النيجيرية لمواجهتها.

- استثمر ابستين علاقاته مع القادة لعقد صفقات أسلحة بين اسرائيل وكل من منغوليا وجورجيا

- بتنسيق مع باراك ايضا قاما بالترتيب لصفقة منظومة رقابة سبرانية اسرائيلية لحكومة ساحل العاج

- ورد في الوثائق ايضا ان ضابطا في التحقيقات الفيدرالية بلوس انجلوس يذكر انه شبه متأكد بان ابستين يعمل لصالح الموساد.

- صرح ضابط الموساد السابق اري بن مناشي انه قد قابل ابستين لمرات عديدة في نشاطهما في جهاز الموساد.

كل هذه القرائن لم تفتح شهيه الاعلام الرسمي الامريكي للبحث والاستقصاء، ولم تحفز حتى اعضاء الكونغرس للتحقيق في ملابساتها.

 مستوى غير مسبوق من هيمنة الكيان الصهيوني على السياسة الأمريكية

***

قصي الصافي

 

(مقالة عن "اللاشيء" الذي تقوم به النساء..)

"كم يكلفني من وقت لأكتب مقالة، أو بحثا، وكم يكلفني من وقت لأطبخ، وأنظف، وأقوم بالأعمال الرعائية المنزلية اليومية؟"

هذا السؤال سألته صديقتي (مريم) على نفسها - وهي كاتبة محترفة - أثناء انهماكها في إعداد وجبة فطور، مع ترتيب فوضى المطبخ على استعجال، لتعود لإكمال مقالة بدأت بها؟

تقول " كان بأمكاني أن أكتب مقالة بأقل من ست ساعات عمل -على أدنى تقدير-أقضيها يوميا في المطبخ والبيت في عمل رعائي لا ينتهي.

هي أم وربة منزل كما هي عاملة بوظيفة كاملة، تكتب المقالات والبحوث، وتجد أن وقت كتابة المقالات لا تستغرق وقتا أطول من أعمال المنزل المرهقة والطويلة واليومية والروتينية.

تقول : "في المقالات يُذيل أسمي عليها، وستنشر هكذا، وتبقى خالدة تعبر عن رأيي في لحظة ما، في موضوع ما"، فالمقالة لها زمن محدد في الإنجاز، ولها قيمة معرفية ورمزية باقية، أما الأعمال الرعائية، الطبخ والتنظيف ورعاية الصغار وكبار السن فلها زمن مفتوح لاينتهي، يتكرر يوميا كعقارب الساعة، يبتلع الزمن ويستهلك الجسد والعاطفة، والأكثر من ذلك أن أثره يختفي بمجرد أنجازه.

أننا نُقسر تحت سلطة الأمر الواقع، أن نقوم بأعمال لاتعود بالنفع المباشرعلينا، نقوم بها إحساسا بالواجب تجاه أسرنا، وحبا بها، لكن العالم الذي نعيشه لايقدّر هذا العمل ويعتبره لاشيء . لا ينسب لنا شيء داخل هذه الأسرة، ويعدّه المجتمع واجبا طبيعيا لايحتاج الى نقاش، ويسجل كل شيء بأسم الآخر، الذي يُنظر لعمله ويوثق بشكل دقيق جدا حماية له من الهدر!.

ما يمنحنا الحضور هو العمل الذي يستهلك وقتا أقل، أما الذي يستهلك وقتا أكبر هو الذي يعامل كأنه لاشيء، فطالما حملت الأدبيات الدينية والاجتماعية فكرة كون الرجل هو المنفق الوحيد في الأسرة(سواء التي تكون زوجته ربة منزل تعمل ليل نهار فيه، أو عاملة بأجور)، فأعطي الأعتراف للعمل الواضح المرئي والمأجور، أما عمل المرأة فقد عومل ك " لاشيء" فضاع وتلاشى، في مفارقة غريبة أنطلت على االكثيرين من رجال دين ومفكرين ومنظري أقتصاد، فمازالت الثقافة الشعبية والعرفية والرسمية تعطي الإعتراف لنوع واحد من العمل، ومن ثم تعطي الامتيازات لصاحب هذا النوع من العمل فقط .

لم تكن المرأة غير عاملة في يوم من الأيام، ولم تكن عاطلة عن العمل، بل جُعلت بلا أجر مقابل عملها، فبدت كما لو كانت بلاعمل، أن العمل المعترف به دوليا هو كل نشاط يؤديه الأفراد لإنتاج السلع أو تقديم الخدمات سواء تم ذلك مقابل أجر أو ربح، أولأغراض الإستهلاك الذاتي أو ضمن نطاق الأسرة والمنزل .

فالعمل لايلغى لعدم وجود أجر، بل يكشف مقدار مظلومية من سُخّر للقيام بجهدٍ لاينتهي، بلا اعتراف ولا مقابل. فنشاط المرأة عمل، وعدم الإعتراف باستحقاقه للأجر لايلغي أهميته القصوى لاستمرار الحياة والاقتصاد البشري، فلولا هذه المليارات من الساعات التي تعمل بها النساء يوميا بشكل مجاني، لايقوم للعالم أقتصاد .فبحسب تقرير الأوكسفام، نشر في عام ٢٠٢٠، أن النساء يعملن (١٢) مليار ساعة يوميا بلا أجور .

هذا العمل المجاني هو الذي يجعل الرجال قادرين على العمل المأجور، فهو الشرط الأولي الذي يجب أن يتوفر ليستطيعوا العمل، عملهم مبني على عملهن، فعمل المرأة أولي وعمله ثانوي.

عملها ليس اختيارا حرا، ولاعقدا عادلا، بل إلزام أخلاقي غير متبادل وغير عادل، تقوم به النساء بدافع الضمير والمحبة، لكن دون اعتراف ودون مقابل ودون تقاسم، وهذا مايمكن تسميته ب "الاستغلال الصامت".

بالمقابل الكتابة هو انتزاع وقت من نظام لايريد للنساء وقتا خاصا بهنّ، فقد باعت النساء هذا الوقت للزوج، في عقد أذعان لابديل عنه. هذا العقد الذي به تتنازلين عن كيانك بكامله مقابل لقيمات أو لا شيء.

اللاشيء هو قدر النساء في هذا العالم، تنجب، وتهب الحياة عبر آلامها، فينسب الطفل للأب حصرا، تعمل ليل نهار فينسب الإنفاق للزوج الذي لايعمل نصف أعمالها ونصف وقتها .

الكتابة ليست ترفا، بل مساحة لأثبات وجود في هذا العالم الذي يرسم لوحة المحو الأبدية للنساء، محاولة إثبات ذات في عالم المحو واللاشيء .

سؤالي عن الوقت، هو سؤال عن جوهر العدالة والاعتراف والملكية الرمزية للعمل، ومن يُحسب فاعلا في هذا العالم ؟، العمل الذي لاينسب لنا هو عمل يُسلب منّا، فقد صنف الفقه التقليدي للمسلمين عمل الزوجة من باب التبرع والإحسان لا الاستحقاق، لكنه عمل لابديل له ومنتظم وضروري وغير قابل للتأجيل، ويحقق مصالح كلية للأسرة والمجتمع، فلم يعد تطوعيا، فهذا الأصرار على تصنيفه على هذا الوصف (التطوع) هو لجعله مجانيا وغير مهم كعمل الرجل، وكأن له بديلا ؟

ماهو بديل عمل الزوجة والأم؟ لايوجد نظام اليوم يلبي ذلك. أن عملها هو مساهمة أساسية في الواقع الأسري وليس إحسانا أو تطوعا أختياريا، هو عماد الحياة اليومية، وبدونه لا وجود لعمل آخر.أن هذا الواجب الأسري قد صيغ ضمن بنية معرفية اختزالية جوهرانية، حولت العمل المنزلي -الذي تقوم به المرأة عادة- الى واجب أخلاقي غير متبادل والتزام غير تعاقدي، وجهد غير قابل للاعتراف، وهذا يفضي الى عدم توازن قيمي وعدلي داخل الأسرة، بالرغم من أن هذا العمل هو شرط لبقائها واستقرارها.

وهنا -عند عدم الإعتراف- تتحول المرأة الى وسيلة استقرار فقط، وليست كيانا محوريا فاعلا وشريكا في الحياة الأسرية، التي صورت أن عمادها الرجل فقط، والزوجة والأبناء توابع له، لاشركاء في البناء والمسؤولية .

***

ا. د. بتول فاروق الحسون

النجف / العراق

مقدمة: ورد في سور وآيات القرآن الكريم الكثير من الحكم والاقوال والعبارات والأمثال والتي استعملها الناس في كلامهم اليومي وفي كتاباتهم وخطبهم ورسائلهم المتداولة. وبحكم التأثير الكبير للقرآن الكريم على حياة الناس في بلداننا العربية والإسلامية فقد ظهر هذا التأثير على اللغة العربية الفصحى المستخدمة في الشعر والادب والخطابة او على اللهجات الدارجة في الصحافة او في كلام الناس في حياتهم اليومية حيث استخدمت الكثير من الكلمات والعبارات او الآيات او أجزاء من الآيات للتعبير عن موقف معين أو دلالة معينة أو تشبيه او قياس او مثل يضرب به أو حكمة يستدل بها. وقد رصدت في الكثير من الخطابات ومقدمات الكتب والرسائل والمجالس الثقافية والعشائرية والحوارات التلفزيونية واللقاءات الصحفية مثل هذه الاستخدامات.

وقد قمت برصد ومسح وتسجيل هذه العبارات ومن خلال قراءة متأنية للسور والآيات في القرآن الكريم ومحاولة جمعها وأن يكون ذلك مع شرح بسيط وقصير للمواقف التي تربطها بكلامنا ما استطعت الى ذلك سبيلا. ولا أزعم انني قادر على تغطية جميع العبارات التي عرفتها أعلاه أو وصفتها والتي استخدمت ذلك الاستخدام، ولكني كتبت في ما رصدته وامكنني الله تعالى أليه. وقد بدأت ذلك في سورة البقرة وهي أطول سورة في القرآن الكريم والتي تناولتها في هذه المقالة وهي باكورة هذا العمل في النشر. علما بأن هناك أفكار أخرى لتناول أسماء وصفات وعبارات أخرى تدور في مدارات اخرى وردت في القرآن الكريم جديرة بالرصد والتسجيل والنشر وسأكتب فيها أن شاء الله في قادم الأيام.

الحكم والامثال والاقوال والعبارات المأثورة في سورة البقرة:

سأقوم بوضع العبارة المقصودة بين قوسين في سياق الآية وأذا كان المعنى في الآية كاملة فلا حاجة لوضع الاقواس وسأورد الآية كاملة كلما كان ذلك ممكنا وفي نهاية الآية رقمها في المصحف. وأرجو أن لا أكون قد أخطات في بعض الكلمات أو أرقام الآيات علما بأنني استخدمت ما أتيح لي من أمكانيات تقنية للوصول الى أفضل الموارد الممكنة وأستخدمت نسخة وورد الكترونية من المصحف لأستخلاص الآيات القرآنية. علما أن الكثير من هذه العبارات تستخدم في المساجلات والخطب والحياة اليومية غير الاستخدام او الغرض الذي جاءت فيه في سياق الآيات القرآنية مما اقتضى الإشارة الى ذلك لكي يكون واضحا في ذهن القاريء الكريم.

-  (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وتستخدم في الخطب والاحاديث للإشارة الى سوء النية.

- (ولَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (60) وترد في المواعظ الدينية والخطب وتشير الى النهي عن نشر الفساد في الأرض. وترد في خطب الجمعة كثيرا وفي كتابات رجال الدين.

- قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) وتورد في المساجلات بين متحدثين والقصد منها إهانة الطرف الآخر في الحديث بين متنافسين. وليس للآية في سياقها أي علاقة بما أشرت اليه من أستخداماتها ألحالية في المساجلات.

- وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وتستخدم في المشاكل التي تحدث بين الناس لطلب العفو عن المسيء ومسامحته من خلال جلسات التوسط والإصلاح بين المتخاصمين والدعوة الى العفو والصفح أي عدم طلب العقوبة او الثأر.

- وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وتستخدم لما للقتلى أو الشهداء في سبيل الله من منزلة وأنهم أحياء ولكن الأحياء لا يشعرون بوجودهم وترد في خطب المناسبات التي يستذكر فيها الشهداء.

- الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (156) وهي عبارة مستخدمة استخداما شائعا للأسترجاع عند حدوث وفاة أو مصيبة لدى الناس للدلالة على أن مصير جميع الناس الى الموت والرجوع الى خالقهم.

- وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) وتستخدم كثيرا في مقدمات احكام المحاكم التي تحكم في قضايا القتل العمد بإعدام القاتل المدان وفي الأعراف العشائرية.

- وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) وتستخدم في كلام الناس وفي الكتابات وفي النصائح في الإشارة الى خطورة الفتنة وخطورة نشرها بين الناس وبأنها أشد من القتل لأنها قد تؤدي الى الفوضى وما هو أشد من القتل.

- وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وترد في معرض النصح وتنهى الناس عن ألقاء أنفسهم في المهالك من خلال كلام أو سلوك يدفع الآخرين الى ايذائهم.

- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) وتستخدم في خطب الجمعة والمواعظ الدينية الى حث الناس على تقوى الله.

- وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وتستخدم كثيرا في الحديث للإشارة الى المعاند المكابر الذي يرفض النصيحة ويصر على موقفه الآثم. وترد في معرض الإشارة الى اشخاص معينين يرفضون النصح.

- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (214) هذه العبارة تستخدم بشكل شائع في البيانات العسكرية خلال الحروب والمعارك للإشارة لقرب تحقيق النصر على العدو لرفع المعنويات ولحدث الناس والجيوش على الصبر في المعارك وأن الله سينصرهم قريبا.

- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) وتستخدم لحث شخص على قبول عرض معين فقد يتحقق له فيه الخير بالرغم من أنه يكره القيام بذلك. كمثل حث فتاة على القبول بعرض زواج بشخص لا تحبه ويرى أهلها أن هناك مصلحة لهم ولها في هذا الزواج.

- فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وتستخدم هذه العبارة لحث المقاتلين على الصمود وان الجيوش تحقق النصر بالصبر وليس بكثرة العدد وتستخدم في الحروب في البيانات العسكرية لحث الجنود على الصمود خصوصا في مواجهة قوة اكبر واكثر عددا وتسليحا.

- (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) وردت في هذه الآية عبارتين الأولى بين قوسين تستخدم في بيان أن الله لم يأمر بأرغام الناس على الدخول في الإسلام بالقوة. وقد أستخدمها د.محمد شحرور (ر) وغيره من المفكرين وحتى بعض رجال الدين للدلالة على سماحة الإسلام وأنه لا أرغام للناس على الدخول في الإسلام في مواجهة التيارات المتطرفة التي ترغم الناس من غير المسلمين على الدخول في الإسلام بالقوة وتخيرهم بين الإسلام أو القتل أو السبي. وتستخدم العبارة الثانية بين قوسين في الإشارة الى أهمية الايمان بالله وأنه العروة الوثقى او الرابطة بين المؤمنين وأن على المسلمين أن يتمسكوا بالعروة الرابطة بينهم وهناك صحيفة أصدرها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده في مصر في بداية القرن العشرين أسماها العروة الوثقى.

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) وتشير الى أهمية الحكمة في التصرف وأن الحكمة فيها خير كثير وتحث على تغليب الحكمة في حل المشاكل وعدم اللجوء الى العنف في المنازعات بين الناس وتستخدم في الفصول العشائرية والوساطات لحل المشاكل.

- (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (286) وتستخدم كثيرا من قبل رجال الدين لأقناع السائل بان لا يرهق نفسه بعبادة لا يستطيع أتيانها على وجه الاكتمال بسبب الشيخوخة او القدرة الجسمية كما في عدم القدرة على الصيام او الاضطرار الى الجلوس في الصلاة ولتسهيل العبادات على الناس وأن يقوم كل أنسان بما هو قادر عليه.

***

 د احمد المغير

يشهد المجتمع المعاصر ظهور المقاهي الفلسفية، والتي هي بمثابة عودة الفلسفة الى ممارسة دورها الفعّال في المجتمع، ولكن بإسلوب مُعاصر، حيث إن الهدف الأساسي من فكرة المقهى الفلسفي، هو تقديم الفلسفة بنكهة مختلفة، ومُعاصرة، وعودة الفلسفة الى أحضان المجتمع، والعمل على تقديم العون الفلسفي لأبناءه.

ماهو المقهى الفلسفي؟

المقهى الفلسفي هو مكان يجتمع فيه المفكرون، والباحثون، ومُحبو الفلسفة، وهو إسم مُعاصر لجلسات نقاشية يجتمع فيها أفراد من مختلف الخلفيات الثقافية، مُتعطشين للتفلسف، وطرح الأفكار، والتساؤلات، ومحاولة الإجابة عنها، بطريقة تفاعلية لا تُقصي أي مُتحدث، بل تُساهم في تطوير الأفكار، وتستمع لوجهات النظر المختلفة، في أجواء تتمتع بمساحة من الحرية في طرح الأفكار الفلسفية، وتبادل الهموم اليومية، والخبرات، والتجارب الحياتية مع الآخرين من دون نظرة دونية، أو أحكام مُسبقة.

هل يُصبح المقهى الفلسفي وسيلة لجعل الفلسفة ممارسة يويمية؟

 إن طبيعة واجواء المقاهي الفلسفية المعاصرة تعود بنا الى مظاهر الحوار السقراطي ذاتها التي مارسها سقراط، وفلاسفة آخرون في أثينا قديماً، ولكن بنكهة مُعاصرة، حيث يُعتبر المقهى الفلسفي المُعاصر هو إسلوب حديث لممارسة فلسفية قديمة قِدم سقراط، تتمثل في إحياء الروح الفضولية لدى الإنسان، وممارسة حقهِ في التساؤل، وهو نوع من الممارسة الفلسفية التي تربط الفلسفة بالحياة، وبنبض المُجتمع، ومشكلاته اليومية، حيث تُطرح على طاولاتها تزامناً مع اكواب القهوة والشاي، الكثير من الأفكار والتساؤلات التي هي إنعكاس للتجارب اليومية، وهموم المجتمع، وأغلب الذين يرتادون المقاهى الفلسفية يسيطر عليهم روح الفضول أكثر مما في جعبتهم من اسئلة، حيث أنهم يعيدون ممارسة الفلسفة، بوصفها وسيلة من وسائل التحقيق الفلسفي، الذي يمكن أن يتبناه اي رجل، أو إمرأة، لأستعادة إذكاء حس التساؤل الفضولي، وفي الحقيقة هم لا يبحثون عن إجابات قاطعة، أو نهائية، بل يشاركون في حلقة نقاش مفتوح، يستعيدون من خلاله حقهم في ممارسة التفكير والتساؤل الفلسفي، ويطورون فيه قدراتهم النقدية، والتحليلية، والمنطقية، ويتعلمون بشكل عملي التعاون في البحث عن الحقيقة، وليس الأنفراد بالإجابات، وإحتكارها.

 إن المقهى الفلسفي عبارة عن حلقة نقاش يتعلم فيه الشخص طرح الأفكار، والحوار والتفاعل مع المُشاركين، وهو ذلك النوع من "التفلسف المُعاصر" الذي يؤمن بان الفلسفة يمكن أن تصبح ممارسة يومية، وفي كثيرٍ من الأحيان يمكن للحوار الفلسفي أن يُعلّمنا عن أنفسنا، وعن العالم من حولنا، أكثر مما نتعلمه من الإجابات التي نبحث عنها.

في القرن الثامن عشر عقد فولتير إجتماعات في المقهى الباريسي المُفضل لديه، (لا بروكو)، حيث صقل أفكاره حول المنطق، وتطوير العلوم الطبيعية حول البشر، وبعد قرنين من ذلك، طور جان بول سارتر فلسفته الوجودية تحت المصابيح المُزخرفة بقطع الزجاج في مقهى (كافي دي فلور)، ولكن تلك المقاهي كانت مُقتصرة على النُخبة، بينما يشهد عصرنا عودة المقاهي الفلسفية بنكهة مُختلفة ومُعاصرة، لا تقتصر على طبقة معينة من الناس، ولا تبحث عن الإجابات القطعية، ولا تدعي المعرفة اليقينية، بل تتبع أثر سقراط الذي لم يدعي يوماً أنه يعرف ويمتلك جميع الإجابات، سقراط كان يدعو الى العيش بالفلسفة، ويمارس التفلسف بين الناس، وفي الشوارع، والأسواق، بإسلوبه الشهير المعروف بالحوار، وكان يؤمن أن كل معرفة، وكل إفتراض، يجب أن يُشكك فيه، ويتم فحصه، وتحليله، ولا يوجد اي أمر يمكن حسمه بشكل نهائي، فكل نتيجة قابلة للبحث من جديد، وكان سقراط يُردد ويُكرر مقولته الشهيرة دائماً: أن الشيء الوحيد الذي يعرفه، هو انه لايعرف شيئاً.

هنالك شيء مهم يجب إدراكه عن المقاهي الفلسفية المعاصرة، إنها في كل نقاشاتها لا تحتكر الإجابات، لأن هنالك دائماً المزيد لأكتشافه، وهنالك دائماً وجه آخر للحقيقة.

إن المقهى الفلسفي المعاصر ليس مجرد مكان لإستعراض ما نملك من معلومات، ولا مجرد عرض لما قرأناه عن فلاسفة الماضي، وآراءهم ونظرياتهم، إنه مكان يأتي إليه الناس من مختلف الخلفيات، والمستويات الثقافية، ليس لمُجرد البحث الفلسفي، ومناقشة الأفكار الفلسفية، بل لممارسة الفلسفة بوصفها إسلوباً في العيش، وطريقة حياة.

***

شيماء هماوندي

بينما يموج العالم اليوم في لجّة التّحولات، يجد المثقّف العربيّ نفسه أمام سؤالٍ وجوديّ: هل آن الأوان لتحويل الثّقافة من ترفٍ نخبويّ إلى قوّة فاعلة؟ لتكون الدّرع الواقي للهويّة، ومنطلقا نعيد عبره رسم ملامح حضورنا على الخارطة العالميّة.

تتجلّى الثّقافة في أبهى صورها حين تكفّ عن كونها رصيدا معرفيّا متراكما في بطون الكتب، لتستحيل إلى كائن حيّ، يمشي بين النّاس، يملك لغة الجذب وسلطان التّأثير.

إنّ الرّؤية العصريّة للثّقافة كقوّة ناعمة تُخرِجها من أطرها الضيّقة؛ لتجعل منها روح الأمّة القادرة على العبور إلى الآخر دون استئذان؛ فهي أسمى من أن تكون أداةً للقسر أو الإكراه، بل هي تلك الجاذبيّة الخفيّة الّتي تستقطب أنظار العالم إلينا بعين الإعجاب والتّقدير، محوّلةً الخصوصيّة الحضاريّة إلى لغة عالميّة يفهمها الجميع ويحترمها.

في خضمّ هذا الجنون الّذي يكتسح العالم، حيث تتداخل القيَم وتتميّع الهويّات، لا يمكن إغفال دور المثقّف أو إعفاؤه من تبعات الأمانة، فالمثقّف هو حارس المنارة في ليل التّغريب الحالك؛ ومسؤوليّته تتجاوز النّقد والتّنظير إلى صياغة درع وجدانيّ للأجيال الصّاعدة.

هذه المسؤوليّة الأخلاقيّة، تقتضي منه تحصين الذّاكرة الجمعية من التّآكل، وغرس بذور الثّقة في نفوس الشّباب بأنّ أصالتهم ليست عبئا تاريخيّا، بل هي المنطلق نحو الحداثة الحقيقيّة، وهي عمليّة تلقيح فكريّ ضدّ الأوبئة الّتي تسلب الإنسان روحه، وتتركه رقما في معادلة الاستهلاك العالميّ.

إذا ما استشرفنا آفاق النّجاح، نجد أنّ تجربتَي اليابان والصّين، تقفان شواهد حيّة على إمكانيّة "أنسنة الصّناعة" وتقطير الثّقافة في قوالب مادّيّة، إذ لم يكن النّجاح الآسيويّ طفرة تقنيّة، بل كان انتصارا للهويّة؛ حيث استطاعوا بذكاء أن يبعثوا فلسفاتهم القديمة في أدقّ تفاصيل منتجاتهم، من أسماء الماركات إلى انحناءات التّصاميم وغيرها.

لقد غدت تلك المنتجات "رسائل ثقافيّة" تجوب الأرض، تخبرنا أنّ التّقدّم لا يقتضي بالضّرورة خلع العباءة الحضاريّة، بل يتطلّب تطريزها بخيوط العصر. هذا المزيج بين الأصالة الجوهريّة والحداثة الأدائيّة، هو المخرج الوحيد من مأزق الاستلاب، كما أنّ استلهام هذه التّجارب، يفرض علينا إعادة قراءة موروثنا الجماليّ والتّاريخيّ باعتباره هويّة بصريّة وقيَميّة، يمكن أن تمنح منتجنا الفكريّ والصّناعي شخصيّة فريدة وسط زحام التّشابه العالميّ.

هكذا تتحوّل الثّقافة من وصف للمرض إلى علاج فعّال، ومن انفعال بالواقع إلى فعل فيه؛ لتكون هي القوّة النّاعمة الّتي تحمي المستقبل، وتصون الكرامة الإنسانيّة في زمن تذوب فيه الثّوابت.

إنَّ المتأمّل في مآلاتِ العصر الرّاهن، يدرك أنّ المواجهات العسكريّة والاقتصاديّة، على أهمّيّتها، لم تعد هي الميدان الوحيد لحسمِ بقاء الأمم، فقد انتقلت المعارك إلى وعي الشّعوب، حيث تخاض الحروب بكلماتٍ منمّقة، وصور سينمائيّة، ومنصّاتٍ رقميّة عابرة للقارّات. وهنا، تبرز الثّقافة باعتبارها مخزونا من التّراث السّاكن، وطاقة حركيّة قادرة على الجذب والتّأثير، وفرض الاحترام الكونيّ.

الهويّة في مهبّ الرّيح:

يعيش المجتمع العربيّ حالة من التّجاذب الحادّ بين التمسّك بالماضي والذّوبان في الآخر. هذا التّمزّق، أفسح المجال أمام أخطار تهدّد أصالتنا؛ فالاستهلاك الثّقافيّ المستورد، يغرس قيَما قد لا تتوافق مع نسيجنا الأخلاقيّ، ويَضعِف من مناعة الأجيال الصّاعدة تجاه محاولات التّسطيح والتّجهيل.

إنّ القوّة النّاعمة بمفهومها المعاصر، تعني القدرة على الحصول على ما تريد عبر الجاذبيّة، بدلا من الإكراه، وإذا لم نتحوّل من مستهلكين للثّقافة العالميّة إلى منتجين لها، سنبقى أصداء في قاعة مرايا كبرى، نفقد تدريجيّا ملامحنا الأصيلة لصالح صورٍ مشوهة تُصَدَّر إلينا. كما أنّ تحويل الثّقافة إلى قوّة، يتطلّب تغييرا جذريّا في فلسفة التّعامل معها، إذ لا يمكن للثّقافة أن تكون قوّة مؤثّرة وهي حبيسة الرّفوف في المكتبات، أو المهرجانات الموسميّة الباردة والنّدوات الأدبيّة فقط، فهي تقتضي عصرنة التّراث، ولا يعني الحفاظ على الأصالة الانكفاء على الماضي، بل استنطاق كنوزه بلغةٍ يفهمها العصر، تحوّل حكاياتنا وفلسفتنا وقيمنا الجماليّة إلى محتوى إبداعيّ ينافس بجودته وتفرّده.

تبدأ القوّة بالاعتراف بالذّات أولا، ثمَّ بمدّ اليد للآخر، والمثقّف العربيّ الواعي هو من يقدّم هويّته كنموذج إنسانيّ منفتح، لا ككتلة صلبة معزولة.

يجب أن تُعاملَ الثّقافة كقطاعٍ حيويّ يرفد المجتمع بالهيّبة والمكانة، فصورة الأمّة في ذهن العالم هي القيمة المضافة الّتي تفتح لها الأبواب.

بذلك، فعصرنة التّراث تمثّل عمليّة بعث حضاريّ متكاملة، تستنطق كنوزه الكامنة في أعماق التّاريخ، تقدّمها بلغةٍ نابضة تتنفّس برئة العصر، وبصياغة جديدة للعبقريّة الكلاسيكيّة وفي قوالب إبداعيّة معاصرة، تضمن انتقال التّراث من حيّز المادّة المكدّسة في المتاحف، إلى فضاء الطّاقة الحركيّة الّتي تسكن تفاصيل وجداننا المعاصر.

تقتضي هذه الرّؤية تحويل حكاياتنا الّتي صقلتها الأزمان، وفلسفتنا الّتي قاربت حدود السّماء، وقيمنا الجماليّة الضّاربة في القدم، إلى محتوى إبداعيّ فائق؛ حيث تتآلف بلاغة الكلمة العربيّة مع سحر الفنون الرقميّة، وتتعانق الرّموز التّاريخيّة مع أحدث تقنيات العرض البصريّ. ونحن كشعوب عربيّة، نتطلّع مثلا، إلى سينما تستلهم الملحمة العربيّة برؤية عالميّة، وإلى فنون بصريّة توظف "الأرابيسك" والخطّ العربيّ في فضاءات التّجريد الرّقميّ، وإلى أدبٍ يعيد طرح الأسئلة الوجوديّة الكبرى بروح الحاضر وأدواته، فالهدف الأسمى من هذا التّحوّل هو خلق كينونة إبداعيّة ثنائيّة الأبعاد، أصيلة في جوهرها وانتمائها وعالميّة في جودتها، تملك من القوّة والجاذبيّة ما يؤهّلها للمنافسة في المحافل الثّقافيّة الكونيّة، وفرض احترامها كفعل إبداعيّ، يملك القدرة على إدهاش الآخر وإغناء التّجربة الإنسانيّة المشتركة.

بهذا المعنى، تصبح عصرنة التّراث هي الجسر الّذي نعبر فوقه من حالة الرّكود، إلى رحاب الثّقة الحضاريّة، الّتي تفتح لنا أبواب المستقبل بمداد الأصالة.

إنّ الوقت لم يحن فحسب، بل إنّ القطار يكاد يفوتنا، ومواجهة أخطار العصر لا تكون بإغلاق النّوافذ، بل ببناء بيتٍ متين القواعد، جميل العمارة، يجبر كلّ من يمرّ به على الوقوف إجلالا وتأمّلا، فتحويل الثّقافة إلى قوّة ناعمة، هو السّبيل الوحيد لاستعادة المركزيّة الأخلاقيّة والجماليّة للإنسان العربيّ، وذلك بالانتقال من حالة الدّفاع السّلبيّ عن الهويّة إلى الهجوم الإبداعيّ، الّذي يفرض وجودنا؛ كشريكٍ أصيل في صياغة مستقبل البشريّة.

ختاما، إنّ الهويّة الّتي لا تنمو، تذبل، والثّقافة الّتي لا تؤثّر، تندثر، بعد أن أصبحت الثّقافة اليوم هي الخبز اليوميّ للكرامة، والميدان الأرقى لإثبات الوجود.

***

صباح بشير

 

فؤاد زكريا اكاديمي مصري ولد في بور سعيد ودخل كلية الآداب بجامعة القاهرة – قسم الفلسفة وتتلمذ على يد الأستاذ المشهور زكي نجيب محمود، وتخرج منها بالبكالوريوس عام 1949، فعين معبدا في الكلية ونال الماجستير عام 1952 من جامعة عين شمس وقد كتب رسالته عن الفيلسوف الألماني (نيتشه) المتوفى 1900 الفيلسوف العدمي المتمرد على القيم السائدة عام 1952 ونال الدكتوراه منها عام 1956 فعمل أستاذا في قسم الفلسفة جامعة عين شمس ثم عمل بالكويت خلفا لزكي نجيب محمود، و عمل مستشارا لليونسكو، وخبيرا ومشرفا على سلسله عالم المعرفة

 لقد كتب فؤاد زكريا ستة عشر كتابا منها (الصحوة الإسلامية في ميزان القوى) وكتاب (التفكير العلمي) و(خطاب الى العقل العربي) وكتاب (الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية) و(اراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة) وكتب أخرى ويعد فؤاد زكريا من المشتغلين المهمين في الحقل الفلسفي واشتهر بنصرته للعلمانية الراديكالية، والعقلانية النقدية . ومن خلال التقصي في كتبة التي ذكرناها يمكننا استقاء اهم إرائه الفلسفية والفكرية ولا سيما ماله صلة بالنهضة والانبعاث الحضاري في العالم العربي ومن اهم تلك الآراء

1- مفهومه عن التخلف: يرى زكريا ان التخلف ناتج عن منظومة (عوامل) تبدأ من تردي وعدم فاعلية الأسس الفكرية والمباني الأساسية لبناء الانسان فلسفة التنشئة الاجتماعية، وتخلف الفهم العام للأفكار والقضايا وتردي الفهم التخصصي، وتراجع الأدوات البحثية، وافتقاد البحث عن الجدوى، ومعالجة التخلف باتجاه الفعل الحضاري للتنمية والانبعاث يحتاج تفكيك هذه المنظومة ومعالجة مكوناتها ضمن مساريين، الأول معالجة كل عامل على حده ثم معالجه تضافر العوامل كمنظومه منتجه للتخلف لكن الذي يرد على زكريا ما فلسفة الفهم وما فلسفة المعالجة؟

2- ويعتقد ان الثقافة المجتمعية العامة فرع عن النظام التعليمي المنتج للنظام المعرفي، فيرى ان النظام التعليمي مقدمة أساسية للنظام الثقافي العام وعلى راس ذلك النظام (مهارات التفكير) ونظام البرهنة وتماميه الاستدلال وغير ذلك من عوامل التفكير المنتج، فالنظام التعليمي يؤثر في عموم النظام الثقافي ليشكل البيئة (النهضوية) وعلية فان نمط التعليم عامل مؤثر جدا في عموم الثقافة سواء على مستوى النخبة او الثقافة العمومية ومزايا التفكير والتأمل والحوار، فحينما نفتقد لنظام التعليم ممتاز فاننا سنقع في عجز البنية الثقافية، ويتسبب عنها افتقاد الناس لنمط تفكير صحيح، وجاد

3- وبناء على ما تقدم فانه يعتقد ان النظام المعرفي والثقافي الذي تردى من القرن الثامن الهجري أدى الى تخلف الأسس الفكرية للمجتمع المعاصر وكما ادى الى التراجع الحضاري سابقا فقد صار تراجعا مزمنا وانتج ذلك التراجع الى خصومة (غير مبرره) مع الفكر الفلسفي وتسبب باهدار القيمة العلمية للمنطق ومسالك الاستدلال، وتدخلت الدولة في إيقاف العقل عن ممارسة الاجتهاد، واستمر هذا التراجع متراكما حتى القرن الرابع عشر الهجري فتكونت فجوه (معرفية\ وادواتيه) بين نهايات عصر الإنجازات العلمية في الحضارة العربية الاسلامية وزمن (الاصطدام) بالحضارة الغربية اواخر القرن التاسع عشر، بحيث لم يعد بالإمكان ردم هذه الفجوة الزمنية وصارت الدعوة الى احياء التراث دعوة تعوزها مقدمة مهمة وهي ضرورة (ردم الفجوة الحضارية) فلم يعد التراث قاعدة فكرية جاهزة ليكون (نظرية للنهضة) فاختار جمع من الناس مسلك الخروج من دائرة التراث الى (استيراد المعرفة ووتبني الادواتية الغربية وتسبب هذا في رد فعل فقام من تمسك بالتراث واعلن مقولة الاسلام هو الحل فاعلن قبالته فؤاد زكريا (العلمانية هي الحل) وهنا يلاحظ على فؤاد زكريا انه لم يفكر (برؤيه) تقوم على فرز التراث وتنقيته واستخلاص الأفكار الإحصائية منه، ونقد العناصر المميتة فيه كطريق ثالث وكما تطرف التراثيون تطرف العلمانيون كما وضح ذلك عند فؤاد زكريا

4- وكان من صور فشل التنمية الشاملة (للإنسان والموارد) ان دولنا اعتمدت على الاقتصاد الربعي (الذي لا تعتمد فيه الدولة على الإنتاج المتعدد واقتصاديات المعرفة، اذ ركزت على اقتصاد يعنى ببيع ثروات البلدان الطبيعية من دون مراعاة لتأثير الزمان على نمط خلق تدابير عصرية للعيش المتوازن الآمن وبذلك صارت الدولة مؤسسة لإدارة البطالة المقنعة وصار الافراد غير منتجين يتقاضون رواتبهم من الدولة وماتت قدراتهم على التفكير والابداع واختفت الرؤى عند حصول مشكلات فقدان الامن الغذائي

5- ويشخص فؤاد زكريا انه تبعا لتردي النظام الثقافي الجاد صارت القناعات والأفكار رؤى سطحية وقناعات موهومة وصار (كل يعتقد انه يملك كامل الحقيقة)، ويفضي به هذا الحل - في الغالب- الى التطرف المؤدي في الغالب الى العنف وبذلك: مهدت هذه الحالة الى ظهور سلفيات متنوعة مثل السلفية الماركسية، والسلفية العلمانية والسلفية الدينية وسيادة المعاير المستفادة من فكر فلسفي، عند ذلك الغي الاهتمام بالحاضر (ناهيك عن المستقبل وغاب النقد والاستدلال المنتج، والمقارنات الكاشفة عنه في مجهودات تكامل النظريات

و في هذه الأجواء ينمو الاستبداد بأنواعه السياسي والديني وويتصاعد الفهم السلبي للدين، ويكون التضليل السياسي هو السائد وكل ما تقدم فكر يشجع وتأثر النزعات الأصولية وتمهيد الأرضية للإرهاب والتعصب والطائفية والفساد والعنصرية العرقية وعند ذلك يصعب ان تقوم دولة المواطنة والحداثة والحريات وتستبدل بدولة (المكونات) وتغيب سياسات العدالة الاجتماعية وعوامل السلم الأهلي

الامر الذي يعد محل مناقشة ونظر في اراء فؤاد زكريا اعتقاده بوصفه مفكرا عقلانيا نقديا اراء راديكالية منها ان العلمانية ضرورة حضارية وتاريخية، وهي عابرة للازمان والجغرافيا

ويستشعر النزعة الاستبدادية في النظام السياسي للخلافة في بلاد المسلمين، فيرى ان التاريخ والتراث الإسلامي هو تاريخ الاستبداد ويرتب عليه قوله (ان مشروع تطبيق الحقوق في الشريعة في عصورنا هو استعادة الأوضاع القرونية الوسطى،

 ويعتقد أيضا ان الكلاسيكية الإسلامية عصية على التعاطي مع الحداثة، ومع حقوق الانسان ويضرب لذلك مثلا فتوى ابن تيمية في اهل ماردين الذي افتى بقتلهم جميعا،

 وأشار ان هذا الموقف لانبغي ان يثير المشاعر لان الفكر الكلاسيكي يرسخ (الدوغمائية) لأنه يعتقد انه يمتلك الحقيقة النهائية، ويدافع زكريا عن العلمانية، فيرى انها لا ترفض الدين انما تتبح الفرصة للناس ان يمارسوا التدين بحرية ولكن بطريقة إيجابية، ترفض توظيف الدين توظيفا سياسيا فيكون حينئذ عقبه امام التقدم

ويقرر زكريا: ان العلم والفلسفة هما اللذان يقودان الحياة وان زمن التراجع الحضاري اهملهما لصالح الخلافات العقائدية، ويركز على شكل الدين دون مضمون واهمية الفلسفة -عنده- تنبع من كونه روح الفلسفة والباعث على التحولات المدنية، لأن النقد هو نقطه الابتداء فلا بد من إزالة أي وصاية على العقل . فاذا اردنا بناء مشروع حضاري تنموي فلا بد من الفلسفة والعلم

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

اعتاد العراقيون في كل سنة في مطلع  شهر رمضان، أنْ يخوضوا بين مؤيّدٍ لعرض هذه الدراما التي ستعرضها هذه القناة، وبين رافضٍ لها، وكلٌّ له وجهة نظر يراها جديرةً بالأخذ والالتزام بها من قبل الجهات المعنية لتأخذ دورها في اتخاذ الموقف المناسب لهذه الجماعة الضاغطة عبر ما تُدليه من رأيٍ عبر الفضاء الرقمي أو حتى الواقعي، وهذا الأمر سأناقشه بعد الأخذ بنظر الاعتبار، أنّ الدراما الجدَلية ليست حكرًا في العراق فحسب، فكثيرٌ من الدول المجاورة، وحتى سواها، نسمع في وسائل الإعلام أنّها لا تخلو من هذا الجدل الذي يختلف باختلاف البيئة الثقافية التي تنطلق منها قناعات معينة تراها كل جماعة بحسب موجّهاتها الفكرية جديرةً بالتأثير في قرار حجب هذه الدراما من إتاحتها للعرض، ولكن ما يُميّز الدراما العراقية عن المحيطة بها، أنّها دائمًا ما تلتقي في شهرٍ لا علاقة له بالدراما أصلاً بقدر ما له علاقة بعكس ذلك أصلاً، فبدلاً من أنْ تتكثّف البرامج التوعوية التي تؤسّس لثقافة وسَطيّة تراعي حُرمة هذا الشهر الفضيل، تنشغل الدراما العراقية بعرض كل ما يُنافي هذه القيم، بما يدفع شرائح واسعة من المجتمع إلى استهجان عرض هذه الدراما، لاسيّما أنّها دائمًا تحاول بقصد – بحسب ما يراه المعترضون عليها – توجيه الإساءة إليهم، من خلال اختيار "ثيمات" ترتبط سيميائيًا بتلك الشرائح، من قبيل استعمال اللغة، أو بعض الأزياء التي تُحيل إلى خصوصية هذه الشريحة دون غيرها من فئات المجتمع، أو اختيار أماكن أو رموز دينية أو فلكلورية تشير إلى الفضاء الذهني الذي يحيل إلى المتخيل الجمعي لهذه الشريحة، في حين كان بإمكان هذه الدراما أن تنوِّع في مشاهدها والشرائح التي تنتخبهم لاختيار فكرة هذا العمل ومسرحه وشخصياته، لأجل أنْ تتفادى الوقوع بهذا المطبّ الذي أوقعت فيه نفسها عبر تكرار هذه الأعمال، ومعلومٌ أنّ "من وضع نفسه موضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن" هذا إذا فرضنا أنّ الجهة الراعية لتنفيذ هكذا أعمال لم تقصد الإساءة، ولكن بإمكانها أنْ تدرس فرضيات التلقي لهذا العمل الذي سيكلّفها المبلغ الكذائي من الأموال، ولكن يظهر أنّ الاستفزاز صار هدفًا عند البعض من جهات لا تجيد غير دعك فانوس المماحكات لتعتاش من وراء ذلك اللغط، أو لتسوِّق لعملها الدرامي عبر هذه الطريقة..! وهي طريقة لا تختلف – بقليل أو بكثير – عمّا يواجهه المواطن العراقي من استفزازت على مدار السنة من جهات تارةً يمثّل بعضها الحكومة، من خلال تصريحات تصدر من بعض مسؤولي الدولة، من قبيل "عدم تأمين الرواتب للموظفين"، أو "تصدير كذا ألف طن من الحنطة لدولة عربية" أو "إهداء اثني عشر ألف جهاز تابلت إلى دولة لأجل الإحصاء السكاني لديهم" أو غير ذلك من مواقف أو قرارات لا يخلو منها شهر من الشهور على مدار السنة، أما في شهر رمضان فالاستفزاز يأتي من بعض القنوات، وإذا كان كاتب هذه السطور يرى أنّ ما يُعرض في شاشة القنوات العراقية في أكثره لا يرتقي إلى مستوى الجودة في الأداء الدرامي مثل الذي يُشاهده في الدراما التركية أو الإيرانية أو بعض الدول العربية مثل مصر، ولكن على أي حال، ينبغي أنْ تتوجّه الدراما العراقية للاستفادة من خزينٍ وافر من الأحداث التي مرّت بالعراق أبعد من أنْ تكون مثارًا للاستفزاز عند فئة دون أخرى من فئاته، فالميدان فسيح لذلك، وليس ثمة شحّة في اختيار ما يوافق هذه الخصوصية التي من شأنها إعادة الروح الوطنية وتعزيزها بطريقةٍ ناعمة تعمل الدراما على ترسيخها.. وإذا كان ثمة عملٌ لهذه السنة يستحق المشاهدة برأيي القاصر – لكوني لستُ متابعًا جيّدًا لكل ما سيظهر على القنوات من أعمال درامية – فهو الذي سيتناول شخصية الشهيد الراحل أبي تحسين الصالحي، فشخصية مثل هذا البطل الهمام لا أظنّ ثمة جهة تختلف على بطولته حين افترس العراق قبل سنوات وحوش الظلام من شذّاذ الآفاق، فكان لهم الصالحي بالمرصاد من خلال فوهة قنّاصه، إذ اجتمع فيه الإخلاص والشجاعة مع الخبرة والدقّة في اصطياد هؤلاء الوحوش، بما يؤهّله أنْ يكون بطل الدراما العراقية لهذا العام، فتحية لكادر هذا العمل بعامة وللفنان الدكتور سنان العزاوي على أدائه تمثيل هذه الشخصية. وفي مثل هكذا أعمال جادّة فليتنافس المتنافسون..

***

د. وسام حسين العبيدي

في مصر، كما في كثير من البلدان العربية، لا تمر أيام الصوم باعتبارها لحظة مراجعة أخلاقية، بل تتحول إلى موسم شعائري صاخب يزداد فيه التدين الظاهري بينما يتراجع المعنى الإنساني. الشوارع مزدحمة باللافتات الدينية، والشاشات ممتلئة بخطاب الوعظ، لكن الواقع يقول شيئا آخر.. خطب عن الأخلاق وصمت عن النفاق

 مجتمعات تحكمها أنظمة تخاف من الوعي أكثر مما تخاف من الفساد، فتتحول العبادة من فعل تحرر أخلاقي إلى أداة ضبط جماعي

لا تقاس قيمة العبادات بكثرتها بل بما تتركه من أثر في الوعي والسلوك الفردي والجمعي. فحين تتحول الشعائر إلى عادات موسمية منفصلة عن مقاصدها الاخلاقية والانسانية تفقد جوهرها وتغدو شكلا بلا روح. ومن هنا تبرز المفارقة في مجتمعات تفرط في ممارسة الطقوس لكنها تعاني في الوقت ذاته ازمة قيم وانفصاما عميقا بين ما يعتقد وما يمارس.

الصوم في جوهره الفلسفي. ليس امتحان المعدة، بل امتحان الضمير. ليس تمرينا جسديا على الامتناع بل تجربة وجودية تعيد ترتيب العلاقة بين الانسان ورغباته وبين الفرد وضميره وبين الايمان والسلوك. فالفعل التعبدي لا يكتسب قيمته الاخلاقية الا حين ينبع من وعي داخلي بالمسؤولية لا من امتثال شكلي او خوف خارجي. وحين لا يفضي الصوم إلى تهذيب الارادة ولا ينعكس في احترام الانسان للانسان يصبح ممارسة بيولوجية خاوية من المعنى الاخلاقي.

حين يصوم المجتمع وتستمر منظومات الفساد، وحين تمتلئ المساجد وتفرغ القيم من المجال العام، نكون أمام مفارقة فاضحة.. طقوس في الممارسة وانحطاط في المعامله

لا معنى لصائم يغش، ولا لقديس يبرر القمع، ولا لمتعبد يصمت أمام سحق الإنسان. الأخلاق ليست زينة للدين، بل مقياس صدقه الوحيد.

لقد ربط سقراط الفضيلة بمعرفة الذات معتبرا ان اصلاح العالم يبدأ من الداخل. ومن هذا المنظور يصبح الصوم لحظة مساءلة نقدية للذات ووقفة تأمل في انماط العيش التي تكرس الانانية والعنف الرمزي واللامبالاة الاخلاقية. وهو في هذا السياق اقرب إلى ما سماه بول ريكور تطهير الذاكرة الاخلاقية حيث يعاد النظر في الافعال بوصفها مسؤوليات انسانية لا التزامات طقسية.

غير ان الخطر الحقيقي يكمن حين يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام بينما تترك مساحات واسعة من السلوك اليومي اسيرة للكذب والنفاق واقصاء الاخر وازدراء العمل وتعطيل العقل. هنا يتحول الصوم من قيمة محررة إلى اداة تبرير ومن تجربة روحية إلى طقس اجتماعي يعاد انتاجه بلا وعي. وهو ما نبه إليه محمد اركون حين حذر من تقديس الشعائر على حساب النقد الاخلاقي معتبرا ان اخطر اشكال التدين هو ذاك الذي يصادر العقل ويغلق افق السؤال.

ان الفصل بين العقيدة والسلوك ليس خللا اخلاقيا فحسب بل ازمة معرفية عميقة. فالدين في بعده القيمي لا يقاس بمدى الالتزام الشكلي بالشعائر بل بقدرته على انتاج انسان حر وصادق ومسؤول. وقد عبر ابن مسكويه عن هذه الرؤية حين جعل الغاية من العبادات تهذيب النفس وتحريرها من الرذائل لا اخضاع الجسد لمجرد الحرمان.

من هذا المنظور يصبح الصوم الحقيقي صوما عن كل ما يحط من كرامة الانسان عن الكراهية والغل وتشييء الاخر واستسهال الظلم وتغييب الضمير. صوم عن التبعية العمياء التي تلغي الفردانية وعن النفاق الذي يجمل القبح باسم القداسة وعن الجهل الذي يتخفى خلف يقين زائف

الصوم الحقيقي هو صوم عن تبرير السلطة الجائرة، وعن تديين الفقر، وعن تسويغ القمع باسم الاستقرار. هو صوم عن النفاق الاجتماعي الذي يلعن الظلم سرا ويبرره علنا. صوم عن تحويل الدين إلى أداة لإسكات الجياع بدل أن يكون صرخة في وجه من جوعهم.

 وهو ما ينسجم مع رؤية ايمانويل ليفيناس الذي جعل الاخلاق قائمة على مسؤولية الانسان تجاه الاخر لا على طقوس تؤدى بمعزل عن هذا الوجه الانساني.

ان اعادة التفكير في فريضة الصوم ليست دعوة إلى هدم المعنى الديني بل محاولة لانقاذه من التفريغ والابتذال. فالمجتمعات التي تعاني التخلف في العمل والابداع والتنمية لا تحتاج إلى مزيد من الطقوس بقدر حاجتها إلى استعادة البعد الاخلاقي للعقيدة وإلى وعي يرى في العبادة مشروعا انسانيا شاملا لا طقسا موسميا منفصلا عن الواقع.

في النهاية يظل الصوم امتحانا للصدق مع الذات قبل ان يكون التزاما دينيا. فمن لم يصم عن الشر والظلم والكذب والكسل العقلي فلن يصنع من صيامه قيمة ولن يضيف إلى العالم معنى. فالصوم حين يستعاد في افقه الفلسفي يصبح فعل تحرر وبداية طريق نحو انسان اكثر وعيا واكثر انسانية

ان الفلسفة تعلمنا ان القيم لا تولد من الطقوس بل من المعنى وان العبادة التي لا تعاد صياغتها في الفعل اليومي تتحول إلى قناع اخلاقي يخفي تحته العنف والكسل والنفاق. لذلك يكون الصوم الحقيقي ثورة صامتة على الداخل قبل ان يكون امتثالا للخارج.

ثورة على الكذب الذي نمارسه باسم الحكمة وعلى الظلم الذي نبرره باسم الطاعة وعلى الجهل الذي نقدسه باسم اليقين.

حين يصبح الصوم تمرينا على الحرية الداخلية لا على القهر الذاتي وحين يتحول إلى وعي نقدي يراجع المسلمات ويكسر الاصنام الذهنية عندها فقط يستعيد معناه الانساني.

الصوم الذي لا يترجم إلى موقف أخلاقي من السلطة الجائرة هو صوم مزيّف. لا قيمة لعبادة تمارس نهارا وتناقض في كل مؤسسة، وكل قانون جائر، وكل خطاب كاذب

 الصوم الذي لا ينتج انسانا اكثر عدلا واكثر صدقا واكثر احتراما للحياة ليس عبادة بل عادة

 الصوم محاكمة أخلاقية للذات، لا شهادة حسن سلوك ديني. فمن لم يصم عن الكذب، والظلم، والكسل العقلي، واستسهال الشر، فلن يصنع من صيامه قيمة.

والعبادة التي لا تترجم إلى معاملات عادلة ليست عبادة، بل عادة… وطقس بلا معنى. وعباده بلا روح

فمن خرج من صومه كما دخل إليه، بنفس الكذب، ونفس الخوف، ونفس القابلية للظلم، فقد صام الجسد وأفطر الضمير

‏صوموا عن النفاق والحقد، والغل، والشر، والأذى، وكسر الخواطر .. قبل أن تصوموا عن الطعام

صوموا عن اللهو بأعراض الناس وعن النميمة وعن التفاخر والغرور الاعمي قبل أن تصوموا عن المأكل والمشرب.

صوموا عن الغش والكذب والتراخي والاهمال وتغييب الضمير

صوموا عن التبعية التي تقصيكم من فردانيتكم وتجعلكم نسخا مشوهه من الآخر

صوموا عن كل ما يحط من كرامه الانسان ويقلل من انسانيته

إن كان هدف الصوم هو تهذيب النفس وتربية الجسد، فإن صومكم عن الشرور قبل الطعام أفضل وأفيد.

 صوموا عن الجهل تصحوا

***

ابتهال عبد الوهاب

 

هناك علاقة وثيقة بين فقدان الشغف، وبين الشعور بعدم الإنجاز، ربما يجد البعض الأمر غريباً، لكن الكثير من البشر فقدوا الإحساس بالإنجاز مهما حققوا من نجاح، وكل ذلك بسبب ما يحمله لنا التطور التكنولوجي والمجتمع المعاصر من عبىء الإطلاع على كل شيء، لإن ذلك فتح باب المقارنات على مصراعيه، وأصبح الإنسان لا يشعر بالفخر والسعادة مهما حقق، مُقارنةً بما وصل إليه غيره، و إن من أبرز الأسباب هو التركيز على نجاح الآخرين، و وضع الإنسان نفسه في مُقارنات معهم، إن الإنسان المُعاصر اصبح لايعرف بالضبط مايريده، وما يحتاجه، هو فقط ينظر الى ما في أيدي الآخرين ويُريده، ظناً منه ان هذا هو ما سوف يُسعده، ويجعله يشعر بالأمان والطمأنينة، والسلام النفسي، إن خوف الإنسان المعاصر هو خوف من أن يسبقه الآخرون، والشعور دائماً انه متأخر في عالم يتطور بشكل سريع هو  شعور مُرهق، والرغبة المَرَضية في المنافسة تجعله في سباق مستمر مع الزمن من ناحية، ومع الآخرين من ناحية أُخرى، ليجد نفسه في النهاية غير راضٍ، وغير مقتنع، وبالتالي فاقد للشغف وغير سعيد.

 ولمعرفة كيف يحدث ذلك، ولماذا يحدث، لابد لنا من تتبع جذر المشكلة الأزلية عند بعض البشر، ألا وهي مقارنة أنفسهم مع الآخرين، إنهم يُدخلون أنفسهم في مُقارانات مع كل شخص في محيطهم أو من ضمن دائرة علاقاتهم، او يعيش في نفس مجتمعهم، فنجد الإنسان يتسائل: لماذا فلان من الناس هو أفضل مني؟ لماذا هو وصل لمرتبة أعلى، وانا مازلت في مكاني؟ إن المقارنات مع الآخرين، والنظر الى النفس بعين النقص وعدم الإكتمال، هو امر يُرهق الإنسان ويصل به في نهاية المطاف الى فقدان الشغف، وضياع المعنى في حياته، لأنه لا غاية له سوى مطاردة أحلام الآخرين، ومقارنة نفسه بهم، إنه بذلك يقع في (وهم عدم الإنجاز)، والذي هو عبارة عن عدم تقدير الإنسان لما لديه بالفعل من النِعَم، والتقليل من إنجازاته الذاتية، وعدم الشعور بأنها مهمة، وكل ذلك يُرهق الإنسان وقد يؤدي به الى الأمراض الجسدية والنفسية في حال لم تتم معالجتها.

إن تَقَبُل الإختلاف والتنوع في القدرات لدى البشر، سواء افراد أوجماعات، هو امر ضروري، وهو احد السُبل التي تُخرج الإنسان من دائرة الصراعات، والمنافسات الضيقة، فتقليد الآخرين، والسير على خطاهم، لا يعني بالضرورة أن نصل الى نفس النتيجة التي وصلوا إليها، بل أن ذلك يُفقد الإنسان هويته الذاتية، ويجعل منه مجرد إنعكاس لذات الاخرين، ويؤدي ذلك الى فقدان وضياع ذاته الحقيقية، وفي المقابل فإن التَقَبُل يُنجي الإنسان من الإنسياق وراء التنافس المرهق فيما لاُيناسب إمكانياته الحقيقية على أرض الواقع، حيث إن إتساع الفجوة بين ما يريده الإنسان ومايستطيع ان يفعله، يُسبب صراع نفسي مُتعب، بين الأماني، وحدود الإمكانيات، وبالتالي  يُصبح الإنسان مُرهق فكرياً، ونفسياً، ويظل كل إنجاز يُحققه مُحاط بالشعور بعدم الأهمية، هذه ليست دعوة لعدم السعي وتطوير الذات، بل هي دعوة لعدم الإنسياق وراء المقارنات، والوقوع في فخ التمني الذي لايتناسب مع القدرات الحقيقية، والتي تدفع الإنسان لعدم الرضا وتُدخله في دوامة المقارنات والسعي وراء الإنجازات التي لا تتناسب وقدراته الحقيقية، إن تَقَبُل الإنسان لحدوده المعرفية وقدراته الجسدية والعقلية، ومعرفة صفاته السلبية، والعمل على إصلاحها، وتحديد صفاته الإيجابية والسعي الى تطوريرها بشكل واقعي ومعقول،هو الحل الأمثل لمواجهة سباق الإنجازات المَرَضي،والغير واقعي، فما يحتاجه الإنسان هو العمل وفق زمنه هو، وليس وفق زمن الآخرين، وأن يؤمن ان لكل إنسان إيقاع خاص به، وزمن خاص به يتطور فيه، ولاتوجد مدة زمنية تناسب الجميع، لاننا لانواجه نفس الظروف والتحديات، نحن كبشر علينا تقبُل أننا لا نمتلك نفس طرق التفكير والمهارات، والحل الأمثل لمعالجة هذا النوع من المشكلات، هو التَقَبُل، تَقَبُل نجاح الآخرين، وتمني الخير لهم، وتقبل فكرة الإختلاف، ومواجهة الأفكار السلبية، ومراقبتها والتصدي لها، لان ذلك يُساعد على التقليل من السلوك الغير صحي، كذلك فإن تقدير الإنسان لإنجازاته والإحتفاء بها تعتبر طريقة فعّالة يواجه بها مشاعر الحزن في كل مرة يشعر أنه أقل من غيره، أو أنه لم ينجز الكثير مُقارنةً بالآخرين، كذلك فإن العمل على إكتشاف الفرد لقدراته الذاتية والأشياء التي يمكن ان يمارسها لتطوير وتعزيز هذه القدرات كفيل بأن يُحرره من وهم المقارنات وسباق الإنجازات، ويجب ان لا ننسى أن من حق الجميع أن يسعى للنجاح، ولكن الأجمل هو ان نسعى للحياة التي تناسبنا.

***

شيماء هماوندي

قراءة في جدل رمضان الأوروبي

يشهد اليوم الأخير قبل حلول شهر رمضان لعام 1447هـ الموافق لـ 2026م حالة لافتة من الانقسام، خاصة في عدد من البلدان الأوروبية، وداخل الأوساط المسلمة السُّنّية على وجه الخصوص، باستثناء الشريحة التركية التي دأبت منذ عقود على اعتماد الحساب الفلكي الثابت. وقد تابعنا كمّا هائلا من التدوينات والتعليقات والمقاطع المرئية في مختلف وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وكان أكثر ما يبعث على القلق هو اتساع رقعة الجهل الفقهي والمقاصدي والعلمي لدى عدد من المتدخلين الذين يخوضون في مسألة دقيقة لها أهلها من الفقهاء المتخصصين والمجالس الاجتهادية، وهي مؤسسات راكمت تجربة طويلة في فقه المسلمين في أوروبا والغرب، وأسهمت بإسهامات نوعية واجتهادات معتبرة في فقه الأقليات والهجرة.

من الطبيعي أن يختلف بعض المسلمين مع هذا الرأي انطلاقا من اعتبارات فقهية معتبرة، فذلك جزء أصيل من فقه الاجتهاد الإسلامي الذي وسع الاختلاف، وأقرّ بأن المجتهد مأجور على اجتهاده وإن أخطأ. غير أن المثير للاستغراب هو أن يتحول هذا الاختلاف، لدى بعضهم، من نقاش علمي مشروع إلى موقف مؤدلج، يُسقط عليه اصطفافات خارجية، إما بدافع ولاء عقدي أو روحي لجهة بعينها، أو انسجاما مع أجنداتها، أو سعيًا إلى استرضائها رمزيا أو ماديا، بما يُفرغ الخلاف الفقهي من طبيعته العلمية ويزجّ به في مسارات لا تخدم وحدة المسلمين ولا مقاصد الشريعة.

في الحقيقة، إن الإشكال يتفاقم حين يطغى الهوى المذهبي في بعده الإيديولوجي، إذ سرعان ما يُفضي إلى إفراغ النقاش من مضمونه العلمي، ويُحوّل الخلاف الفقهي المشروع إلى صراع هويّاتي حاد. وقد عايشنا، على امتداد عقود، كيف تسللت قراءات متشددة ومُفكِّكة إلى بعض أوساط المجتمع الإسلامي في أوروبا، وكيف جرى توظيف خطاب ديني تعبوي لتقويض أي مشروع وحدة أخوية بين المسلمين، واستهداف تدين الجيل الأول من المهاجرين الذين أسسوا الحضور الإسلامي في أوروبا، وبنوا المساجد والمراكز والمؤسسات التعليمية، ودافعوا عن قضايا المسلمين في مختلف السياقات والمحافل.

كما أسهم هذا المسار في تغذية خطاب يقوم على التبديع والتفسيق، بل والتكفير أحيانا، وهو خطاب لا يصدر إلا عن فهم قاصر للدين وأخلاقياته ومقاصده، وقد كانت له نتائج خطيرة، تمثلت في بروز جماعات منغلقة ترفض الحوار والتعايش والتسامح، وهي قيم أصيلة في الإسلام. بل إن هذا التطرف العقدي والفقهي كان أحد المناخات التي سهّلت تجنيد آلاف الشباب المسلم في تنظيمات متطرفة كـ"القاعدة" و"داعش"، في حين لا يزال بعض أنصاره يمارسون إقصاءهم في صيغ أكثر خفاء، من خلال تصنيف المخالفين لهم في مسائل شكلية أو فقهية فرعية في مراتب أدنى من الانتماء الديني.

وفي هذا السياق، تأتي هذه المقالة للمساهمة في ترشيد النقاش حول نازلة تحديد بداية شهر رمضان يوم الخميس 19 فبراير 2026، وهو اختيار فقهي أقرّته مجموعة من المجالس الإسلامية والهيئات الفقهية، إلى جانب عدد من الفقهاء وممثلي المسلمين، خاصة في بلجيكا وهولندا. ولم يصدر هذا القرار اعتباطا، بل تأسس على معطيات علمية دقيقة تؤكد تعذّر رؤية الهلال فلكيا مساء الثلاثاء 17 فبراير 2026، فضلا عن تقديرات شرعية نابعة من اجتهاد جماعي مؤسسي جرى في إطار التشاور والتدارس بين المجالس الفقهية وجمعيات العلماء والأئمة، وأسفر عن فتوى جماعية تستند إلى الدليل الشرعي، والاعتبار العقلي، ومراعاة الواقع المعيش.

ولا تكمن أهمية هذا القرار في كونه إجراء تقويميا لتحديد بداية الصيام فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى دلالات أعمق تتصل بطبيعة الحضور الإسلامي في أوروبا، وبمسار تشكّل وعي ديني مؤسسي أكثر نضجا وتوازنا. وفي هذا الإطار، يمكن الوقوف عند ثلاث دلالات مركزية تعكس تحولات نوعية في الفهم الديني والاجتهاد الجماعي لدى المسلمين في السياق الأوروبي.

أولا: القطيعة مع التبعية المذهبية والإيديولوجية

يمثل هذا الاختيار خطوة عملية نحو القطع مع أنماط من التبعية المذهبية أو الطائفية لجهات خارج السياق الأوروبي، كما يعبّر عن تحرر متدرج من الولاءات الإيديولوجية العمياء لأنظمة سياسية أو أحزاب دينية في بلدان الأصل. لقد استمرت هذه التبعية، بأشكال مختلفة، لما يقارب سبعة عقود منذ بدايات الهجرة العمالية إلى أوروبا في ستينات القرن الماضي، وأسهمت في خلق إشكالات بنيوية في علاقة المسلمين بمجتمعات الإقامة، لا تزال آثارها السلبية قائمة إلى اليوم.

إن الاستمرار في استيراد قرارات دينية وفتاوى فقهية جاهزة من خارج السياق الأوروبي، دون اعتبار للخصوصيات الثقافية والجغرافية والقانونية، جعل جزءا من التدين الإسلامي في أوروبا يعيش حالة من الازدواجية والتوتر والغموض. ومن ثم، فإن تبنّي اجتهاد جماعي مستقل، نابع من الواقع الأوروبي، يشكل خطوة ضرورية نحو ترسيخ مرجعية دينية أكثر انسجاما مع طبيعة هذا السياق وظروفه الاجتماعية والقانونية والمجالية التي تختلف جملة وتفصيلا عن سياق البلدان الإسلامية الأصلية.

ثانيا: الاعتبار الجغرافي في الاجتهاد الفقهي

تُثير الجغرافيا هنا سؤالا فقهيا مشروعا طالما تم تجاهله أو التعامل معه بانتقائية. فأوروبا الغربية تقع على مسافة بعيدة جدا عن بلدان المشرق العربي، واعتماد تقويم تلك البلدان في تحديد الصيام وعيدي الفطر والأضحى يطرح علامات استفهام حقيقية حول مدى صحة هذا الخيار ووجاهته الشرعية. فالجغرافيا ليست عنصرا ثانويا في الفقه الإسلامي، بل تُعد عاملا أساسيا في تحديد أوقات العبادات.

وإذا كان المسلمون في أوروبا يعتمدون تقاويم محلية خاصة بأوقات الصلوات بسبب اختلاف خطوط العرض والطول، فلماذا يُصرّ بعضهم على ربط الصيام والأعياد ببلدان تبعد آلاف الكيلومترات؟ إن إغفال السياق المكاني في الاجتهاد الفقهي يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى فتاوى مختلة أو ضعيفة الصلة بالواقع، مهما حسنت النوايا. فالفقه، في جوهره، تفاعل دائم بين النص والواقع، وأي فصل بينهما يُفرغه من مقاصده.

وإذا كان المجتمع الإسلامي خلال العقود الأولى من الهجرة العمالية يتسم بطابع بسيط وظرفي، فإن واقعه اليوم يعكس تحوّلًا نوعيًا على المستويات الاجتماعية والقانونية والسياسية والأكاديمية والمؤسسية والدينية. فقد أضحى المسلمون في أوروبا يحققون قدرا متزايدا من الاكتفاء الذاتي في البنى التربوية والمعرفية والفقهية، بفضل بروز جيل جديد يجمع بين التكوين في العلوم الشرعية والعلوم المعاصرة، وإتقان اللغات الأوروبية. وينتمي هذا الجيل إلى خلفيات متعددة؛ فمنهم من قدم من شمال إفريقيا والمشرق والعالم الإسلامي، ومنهم من تلقى تعليمه في بلدان عربية وإسلامية مثل مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية وتركيا، فضلا عن خريجي المراكز والكليات الإسلامية الأوروبية. وقد أسهم هؤلاء، عبر مسار تراكمي، في تأسيس مجالس فقهية متخصصة تُعنى بفقه المسلمين في أوروبا والغرب، وكان لوجودها دور حاسم في صيانة المرجعية الدينية وتنظيم الشأن الإسلامي، إذ لولاها لكان حضور الإسلام في هذه السياقات مهددا بالتشتت وفقدان البوصلة، ولربما اتخذ مسارات مغايرة لا تخدم استقراره ولا اندماجه المتوازن.

ثالثا: نحو توطين التدين الإسلامي في السياق الأوروبي

يشير هذا القرار، في عمقه، إلى أهمية انتقال المسلمين في أوروبا من مجرد “حضور إشكالي” إلى “حضور فعلي” متجذر في الواقع. لقد قطع المسلمون أشواطا طويلة في بناء وجودهم الديني عبر تشييد المساجد، وتأسيس المراكز الإسلامية، وإنشاء المدارس، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة. وأصبحت بلدان الإقامة وطنا حقيقيا، لا سيما بالنسبة للأجيال المسلمة الجديدة.

غير أن ما لا يزال عالقا إلى اليوم هو التبعية المذهبية بمعناها الإيديولوجي، لا الفقهي، لكل ما هو خارجي. وقد أوقعت هذه التبعية شريحة من المسلمين في قطيعة عميقة مع السياق الذي يعيشون فيه، وأسهمت في فشل جماعي في بلورة أنموذج تدين يحافظ على جوهر الإسلام، وفي الوقت نفسه ينفتح بوعي ومسؤولية على السياق الأوروبي المختلف ثقافيا، والمغاير جغرافيا، والقائم قانونيا على العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة.

إن هذا الانفتاح لا يشكل خطرا على الإسلام، كما يُروَّج أحيانا، بل على العكس، من شأنه أن يعزز موقع المسلمين، ويمنحهم القدرة على المساهمة الإيجابية في مجتمعاتهم، دون فقدان هويتهم الدينية. فالإسلام، تاريخيا، لم يكن يوما دينا منغلقا، بل كان دائما قادرا على التفاعل الخلّاق مع السياقات المختلفة.

في الخلاصة، إن اعتماد بداية الصيام في أوروبا على أساس اجتهاد جماعي مؤسسي لا يُختزل في كونه إجراء تقنيا أو حسابيا، بل يعكس درجة من النضج الديني والفكري، ويُجسّد خطوة واعية نحو بناء إسلام أوروبي واثق، متوازن، ومتجذّر في واقعه، دون قطيعة مع أصوله الشرعية ومقاصده الكلية. ومن المهم أن يُدرك المسلمون في أوروبا هذه الحقيقة في أفقها الواقعي والعلمي، بعيدا عن لغة التشنّج والخطاب الإقصائي، وعن استسهال إطلاق أحكام التبديع أو التكفير. فمثل هذه الممارسات لا تصدر إلا عن فهم سطحي للعلم الشرعي، يكتفي بالقشور ويغفل المقاصد والمنهجيات، في الوقت الذي يتجرأ فيه بعضهم على التشكيك في علماء وفقهاء وباحثين أفنوا أعمارهم في التحصيل العلمي، والاجتهاد المسؤول، والدفاع عن حقوق المسلمين وخدمة قضاياهم في سياقات معقّدة ومتغيّرة.

***

بقلم: التجاني بولعوالي

"فضائح جزيرة إبستين إنموذجًا"

تؤكد لنا معرفتنا وجميع المشتغلين بالتحليل النفسي سواءً بالعلاجات النفسية التحليلية، أو معرفة الاسباب، أو التفسير النفسي التحليلي لظواهر تمر بها المجتمعات المعاصرة في عصر ما بعد الانترنيت وعوالم الاليكترونيات وعالم المجتمعات "السوشيال ميديا" بأنواعها، فالإنسان هو هو، في عالم السكينة والهدوء إن وجدت، وعالم الانترنيت ومشكلاته من مواقع اليكترونية وغرف ودهاليز الاعلام الرقمي والمشفر، أو العالم الخبيء في جزر تحولت لتحقيق الرغبات المكبوتة، ولنقل المقموعة في فجر طفولة الإنسان وقيدت في السجل الرمزي في صفحة الفرد بكل حرفياته، لم تمحى أبدًا حتى وإن أشبعت بالمال والجاه والسلطة والمنصب وإدارة الشركات والبنوك والاستثمارات الهائلة، إلا انها تظل تقرع أجراس الرغبة بتوحش وشدة لا تطاق، تعود في السجل الخيالي بصور مجسمة تارة، وتارة أخرى ملطفة بتشويق به من الحفزات الغريزية بحثًا عن الإشباع الوهمي، وعلمتنا التجربة اللاكانية ان موضوع الرغبة المستحيل بلوغه والذي يعبر عن عجز الذات المنقسمة عن ان تحقق الإشباع، هو في الحقيقة علة الرغبة في الدرجة الأولى، ويدلنا " جاك لاكان " بأن الذات تعتقد إن رغبتها تستهدف موضوعًا بعينه، مخطئة في إدراك إن الرغبة إنما تُبنى وتنشأ من الوضع البنيوي للنقصان الذي فيه تجد الذات نفسها، والذي فيه لا يكون موضوع الرغبة إلا بديلا، ويضيف " لاكان " في كتابه " كتابات" لذا فإن سعي الذات وراء موضوع رغبتها الخاصة هو شكل من أشكال الخطأ في التصنيف، حيث فيه تكون الذات مدفوعة إلى السعي وراء كل موضوع بعينه على أمل تحقيق الإشباع والكمال اللذين منعت منهما بعد دخولها إلى العالم الرمزي، هذا السجل الذي ضم كل ما يتعلمه الإنسان ويدركه بصور مختلفة والديه " الأم والاب والأخ الكبير" والتقاليد والقيم والأعراف والدين.. الخ حسب تنوع كل فرد وخصوصيته وتنوع افراد البشرية بكيفية إدراك ما تقدم في ذلك السجل.

إن إشراك أكبر عدد ممكن من البشر ممن يحتاج لإشباع تلك الرغبة، والحاجة تبحث عن طلب لتحقيق هذه الرغبة، جاءت اللحظة التي تعلن فيها النفس البشرية عن ما ينقصها رغم ضخامة المال والجاه والمنصب.. كل تلك كانت محاولات فاشلة في سد فجوة بنيوية حدثت جراء الدخول في الرمزي " ما بنته النفس في مرحلة عمرية من حياة الإنسان، تأسس معها النقص والشعور بالدونية، ففي هذه المرحلة من الطفولة يعجز فيها الفرد دومًا عن تجسيد الخبرة المعاشة تجسيدًا كاملا باستبعاده لجزء من الواقعي الذي نحن نتجذر فيه، وهو لذلك سعي الذات العقيم في نهاية المطاف وراء موضوع الرغبة العميقة والمتجذرة لمواصلة الرغبة التي لا تنتهي ولا تشبع.

هي النفس في كل ما بعمقها وما تحتويه من شذوذها، فالذين حضروا وشاركوا في المنتدى العالمي لشذوذ النفس البشرية هم من دعا إلى حق وسط الكذابين، وهم من دعا إلى الفضيلة وسط الرذلاء، وهم أنفسهم من دعا إلى عدالة وسط الظالمين، وإلى الحرية في وسط ركام الدكتاتورية، في حقيقة أنفسهم هم بشر دعوا شعوبهم ومريديهم وزبائنهم في الحياة العملية إلى رؤية أفضل لإنسان أفضل يحيا حياة أفضل، فمحفل " جيفري ابستين " أعلن عن التسامح فوق المحسوسات، وأرتفع بمبادئه محلقًا في سماء الفضيلة ساعيًا لخدمة الناس في مختلف مجتمعات العالم المتحضر والأقل تحضرًا أيضًا، نحاول في هذه المطوية ذات السطور المهتمة في التحليل النفسي عرضنا بعض من أفكار التحليل النفسي، وكما علمنا التحليل النفسي أيضًا بأن الإنسان هو لغة رغبة التي يعلن بها عنها يجمع بين الإفصاح والإخفاء، بأعلان يقدم فيه رغبته على الوضع الذي يرغبه، أو أن يخضع رغبة الآخر ويريد منه أن يقدم بها هذه الرغبة. ومثال ذلك فضائح جزيرة " جيفري ابستين ".

أثبت التحليل النفسي إن دراسة الإنسان هي محور دراساته منذ تأسيسه على يد المحلل النفسي النمساوي " سيجموند فرويد". وجاء بعده من يرى أن كل تحليل نفسي هو نقد للمجتمع، لأن المجتمع يتغير باستمرار كما يرى المحلل النفسي الألماني " ليون برينر " ويضيف المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" إن الإنسان يتعايش تمامًا مع عدم الحقيقة.

إننا نعيش هذا العالم المتجدد والسريع في التطور، هذا يجعل رغباتنا تضغط علينا لمواكبة هذا التطور، هذا كله لإشباع رغبة – شهوة – متعة، هذه كلها ليست سد الحاجة، أو طلب إنساني بل هي نزوع مرضي لعدم الإشباع حتى وإن كان الاشباع عند المليونير في المال، أو السلطة، أو في المنصب، أو إدارة الدولة، هناك شيء غير مشبع ظل هائمًا بين المال والسلطة والمنصب، ولن يشبع فأخذ منحى آخر هو ممارسة كل ما هو شاذ، لأنه يمثل حقيقة النفس، ونقول لا فائدة من المال أو السلطة أو المنصب أو الشهادة العليا في التخصص والعلم إذا لم تعترف بجهل ما تشتهي النفس، ويقودنا قول جاك لاكان من الرغبة تنبثق الهيئة التي تمارس المتعة – النشوة، ونقول ما بني في تكوين النفس لابد وإن يعلن عن نفسه مهما طال الزمن، أو تخفى تحت ستار المال، أو المنصب، أو الجاه، أو شرف المهنة، أو الوطنية والمواطنة.. الخ.

ظواهر الإنسان اليوم لا تبتعد كثيرًا عن ظواهر الأمس إلا من حيث النوع، وإن زاد فيها الكم وتنوع فيها المسبب، فما يعانيه إنساننا اليوم من أعراض هي وليدة حضارتنا، وزيادة الحصر في الحضارة مما أدى إلى تضخم الأزمات واحداث الصدمات النفسية فضلا عن التداخل الشخصي في شحن الرغبات غير المتحققة، والمتحققة منها.. لإن الصراع لا ينتهي. وساستعير من المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" تشكيل بنية الفرد وانعكاساتها على سلوكه وتعامله اللاحق في حياته في عدة صور من صور الحياة اليومية والممارسات، نقول تظهر تلك البنية وتكشر عن أنيابها.

تعتمد صورة التخييل عند من تعاون وتعامل مع شخصية المدير - الرئيس – الوزير في هذه الجزيرة هي بنية متخيلة تحمل ذات منشطرة وهي في الآن نفسه لا تشير فقط إلى نوع من الشطح المتخيل، وإنما تشكل النسيج الاجتماعي الحق للواقع الذي يعيشه فعلا وعندئذ تكون الذات بطبيعتها مغتربة وناقصة، وكما عرفنا ان النقص " العميق في النفس" يولد الرغبة بكل أشكالها ومنها الهمجية البدائية، وكذلك غياب أو عدم وجود شيء في اعماق أنفسنا لا يشبع أبدًا.. أبدًا.

***

د. اسعد الامارة

تفكيك الثوابت واستشراف مستقبل المسؤولية الفاعلة

إنّ الوعي العربي المعاصر يستحيل علينا أن نتناول أبعاده الحقيقية بشكلٍ دقيق، بعد محاولاتٍ كانت حُبلى بالمصاعب، من أجل النهوض بالوعي العربي بشكلٍ عام، فالمجتمعات العربية كلّ منها في وادٍ مختلف عن الآخر، كما أن المجتمعات في منحى، والأنظمة العربية في منحى آخر.

ولعل الوعي العربي هو الأكثر تشابكاً، إن كان في جوانب التعليم أو الثقافة أو البيئة، أو في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكلٍ عام.

ولكي نتناول مفهوم الوعي، لا بُدّ لنا في البداية من ربط الوعي بحالة الإدراك، مثل المفاهيم، المعرفة، الأفكار، والتقييم النظري، أو وجهات النظر، وكذلك ربط الوعي بمفهوم التفاعل والقدرة عليه، والقدرة على التواصل في البيئة الخارجية أو المحيط الخارجي، عبر كافة الحواس.

وكذلك ربط الوعي بالقدرة على ترجمة المفاهيم عبر القدرة على التعبير بأي وسيلة من وسائل التواصل الإنساني، وبالمحصّلة لا بُدّ من امتلاك المهارات في مجال التفكير، والتفكير النقدي، ومن ثُمّ التفكير الإبداعي.

إنّ الدراسات التي تمت حول مفهوم الوعي قد شغلت إهتمام العديد من التخصصات وكانت في بدايتها الفلسفة.

وأعتقد ليس من المفيد الآن الرجوع إلى إشكاليات الفكر الفلسفي، حيث أن هذا الفكر كانت أولى تساؤلاته حول الحرية، والولوج الآن في مسائل الميتافيزيقا، كأن نتساءل: هل الإنسان حر؟. أو هل الحرية موجودة؟.

الآن نتناول الأمور على أساس بأن الحرية هي حقيقة، ومُمارسة عملياً بنفسِ الوقت، بهدفِ فك الإشتباك التاريخي بين الحتمية والحرية، من أجل البعد الإنساني.

في بدايةِ الأمر لا بُدّ من تأسيس التأمل الذاتي، المُراقب من الذات، عبر عملية استبطان الذات نفسها بنفسها، وعندما تنجح هذه العملية، نبدأ بتأسيس الواجب الفلسفي الذي يروم إلى فهم الحرية بعيداً عن الوهم.

فهل نجح الوعي العربي المعاصر، أو الفلسفة العربية الراهنة من مواجهة أشكال الإحتلال المُمارس على أراضٍ من الوطن العربي؟.

وهل الوعي العربي بكلِ أشكاله ومع الفلسفة أيضاً، إستطاع أن يُفكّك الجغرافيات الفلسفية القديمة، وولج بطرحٍ جديد لمعالجة واقعنا الحالي؟.

الإجابة دوماً تأتي بالنفي مع الأسف، لأننا لا نتناول معطيات الحاضر حينما نفكر، كي لا نتحمّل عناء تحسين واقعنا ومستقبلنا.

إنّ فقداننا للوعي، وفقدان الفكر العربي الراهن لهذا الوعي، هو الذي فسح المجال لممارسة كلّ أشكال الإقصاء والتهميش كما الإدانة والاستعباد، لكل فكرٍ مُغايرٍ يبتغي التجديد والإصلاح وبناء مستقبلٍ أفضل، يعتمد على تبنّي المسؤوليات الجادة، والتجديد الذي يُعتبر تنويراً للمجتمع وللعقل وللفكر العربي.

إنّ واقعنا الراهن يُعتبر مليئاً بالشوائب والغموض والتشويه الذي ليس بإمكانه ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن يأخذ بيد المواطن إلى بر الأمان، وإلى مرفأ اليقين.

إنّ الوعي العربي وسلطته اعتمد طروحاتٍ شديدة الشبه بالشراك المُفخخة، أو القنابل الموقوتة، مثل ثنائيات السلم والحرب، العقل والنقل، الخير والشر والعلم والدين، وكأننا من خلال وعينا الراهن نقوم بانتاج إرهاصاتٍ عربية، وموروث، ومنتوج مُشتّت الأصول.

وكم من سرديات فلسفية عربية تحمل بين طيّاتها مصائب آنية، والحديث عن مشكلة الألوهية، والموروثات، وطروحات الفارابي وإبن سينا، ممّا يُرشدنا إلى ضآلة ونضوب العقل العربي، الذي في الأساس يجب أن يكون ساعياً وجاداً نحو التنوير والتجديد، في الوقت الذي لا يزال فيه العقل العربي يبحث في الوجود والممكن، وكل هذه الطروحات هي بعيدة تماماً عن واقع المواطن العربي الذي يُهرول نحو الوصول إلى منصّات المعرفة والنهوض.

لذلك فإن كتاباتنا ووعينا وفلسفتنا المبعثرة بعد ابن رشد، هي مجرد ارتحال اضطراري لتفسير ما خطّه ابن رشد بعيداً عن أي فكرة وظيفية، أو حتى إرهاصات القابلية للتداول المجتمعي، حتّى ولو تمّ استيراد نظرياتٍ ما، بهدف إعادة صياغتها، تبدو سخيفة بشكلٍ مُجمل.

عبثاً نحاول تحسين حياة وفكر المواطن، من خلال فلسفةٍ عقيمةٍ في وقتنا الراهن، من خلال تبريرات تحرّض الفلاسفة العرب لإعادة نمذجة فلسفة الكبار في ظروفٍ مغايرة، وبشكلٍ كُلّي مختلفة.

لذلك نرى أن الفلسفة العربية المعاصرة غائبة، لأنها بعيدة عن الولوج والاشتباك بالأحداث الجارية والمتسارعة، لذا نعتها كثيرون بأنها صناعة الوهم، وإذا حاولنا تفكيك الخطاب الفلسفي العربي لوجدناه متناقضاً وبمنأى عن الواقع الملموس والمعاش، وهنا نتجرأ لنتساءل بشكلٍ رئيسي لفائدة الفلسفة، والإجابة بكلمةٍ واحدة هي بكل تأكيد الوعي.

مع الأسف فلسفتنا الراهنة تُعاني من الكثير من حالات الغياب عن كثيرٍ من القضايا الرئيسية مثل الهوية والتعليم والدراما والعقلانية الاجتماعية وانتهاءً بالحريات والسياسة.

فمتى تصبح الفلسفة العربية الراهنة ملموسة واقعاً وتطبيقاً، نظرية وممارسة، وليست مجرد ترميم لنظرياتٍ سابقة أو بائدة.

ومن جانبٍ آخر نستطيع أن نقول أن الظاهرة الثقافية تشوّه الكيان الفلسفي العربي، بسبب غياب مفهوم الجماعة الفلسفية، ذات الهم المشترك، وهذا مؤشر كافٍ على غياب الوعي لدى المهتمين بالفلسفة أنفسهم، وأنهم مكانهم كمرضى على سرير الحكمة.

إنّ التغيير الجاد والمستدام هو الذي يعتمد على التوازن بين الماضي والحاضر، مع الإدراك بأن الثوابت والمبادىء والقيم التي نشأ عليها الإنسان هي ليست عبثية، بل هي أداة فاعلة بالإمكان توظيفها لتحقيق التغيير الإيجابي بما يتناسب مع الوقت الراهن، مع ضرورة التمييز بين المبادئ الجوهرية التي تلعب دوراً مهماً الذي يشكل أساس الهوية، وبين العادات التي قد تكون قابلة للتكيّف مع الزمن بعيداً عن دوّامات الضياع ومخاطر فقدان أو الابتعاد عن الهوية والشخصية.

آخذين بعين الاعتبار أن مفهوم الثوابت معمول به حتّى في المجال السياسي في منطقتنا العربية، لكنه غير متناول في المجتمعات الغربية حتّى سياسياً، هم يتعاطون العلوم والقوانين، وعند الغرب التعامل بروح العاطفة ليس هو الحال كما هو في المنطقة العربية، فعند العرب عنصر العاطفة متفوق على العقل والحكمة أو المادة، وهذا المفهوم يُختصر بالخيالِ والوهم الاجتماعي والسياسي.

وعندما نتعمّق في فحوى " الثوابت " نجدها بأنها عبارة عن سلوك وقواعد بمثابة الحاكمة على الأفراد، وهي ليست للمساومة أو المراجعة، أمّا المتغيرات فهي شؤون يشملها التبديل والتغيير نحو التطوير، وهذا التطوير بالتأكيد لا يخرج الأصل عن خصائصه المميّزة واستمراريته، لأن التغيير يحتاج إلى سلاسة ومرونة وتكيّف، وتجاوباً مع الاحتفاظ بالثوابت، والمتغيرات يجب أن تكفل الصلاحية والملاءمة للمكان والزمان.

وإذا تعمّقنا أكثر في مفهوم كلمة الثوابت، نراها تختزن فعلاً وضمناً مفهوم رفض الواقع، وبالتالي رفض أي تغيير إن كان اجتماعياً أو سياسياً.

في عام 1789 ومع الثورة الفرنسية، كانت هناك محطّات مهمة فيما يخصّ الثوابت، حيث كانت ثورة إنفصال عن الكنيسة، وثورة مساواة، وإلغاء الامتيازات التي كانت تتمتع بها الكنيسة، وتأكيد مبدأ حقوق الإنسان والمواطن على حرية التعبير والمساواة وحرية الضمير، ومن ثمّ تسارعت التحولات، وتم إلغاء تهمة الإبتعاد عن الدين، في قانون صدر عام 1881، وإقرار الطلاق المدني عام 1884، وكذلك القبول بالدفن المدني عام 1887.

وترتّب على هذه التحولات التي طالت الحداثة السياسية، إنفصال المجتمع عن السلطة، والإقرار بمسؤولية أي مواطن على أفعاله، والممارسات البشرية في ظلّ السياسة والقانون، خاضعة للمحاسبة والنقد والمراجعة، وأصبحت الشرعية السياسية تتم بعيداً عن الكنيسة، وأصبحت مُستمدة من الشعب وفق صناديق الاقتراع، كما تم إقرار مبدأ المواطنة، الذي أكّد أن كلّ المواطنين متساوون أمام القانون، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون أو المعتقد، وابتعدت الدولة عن مظاهر حياة الناس الشخصية.

الوعي العربي يتعامل مع الماضي ويستثمره على أنه حاضر أبدي، هذا الواقع هو خلاصة التعلّق بالوهم، هكذا هو فكر الثوابت لا التحوّلات والتغيرات وحسب، بل يروم إلى إيقاف الفكر والتنوير أيضاً.

حيث أن التنوير هو بمثابة انطلاقة وخروج أي إنسان عن حالة القصور التي يُعاني منها، والتي هو المسؤول عنها، والتي لا يعود سببها إلى تشويهٍ في قدرة الفهم، بل إلى فقدانه الشجاعة، واتخاذ القرار الذي يجعله ينطلق بعيداً عن الوصاية من قِبل أي كان.

من يتابع الأمور يُدرك أنه في المنطقة العربية رُصدت أموال طائلة جداً، وتم تأسيس مؤسسات مُتسلسلة ولا تنتهي كي تعيق أي تطور لهذه المنطقة، ورغم كل مظاهر العنف الأصولي، إلاّ أن أُفق الحرية والمساواة لا بُدّ إلاّ أن يُفتح، فصخور الثوابت لا يمكنها بكل تأكيد إيقاف مجرى النهر، أو أن تُغلق الأفق الرحب.

لذلك على كلّ فرد أن يتحلّى بالآثار الإيجابية المترتبة على تحمّل المسؤولية، والقرار الذي يتخذه، فمن الضروري أن يكون الإنسان يملك السيطرة الحقيقية، وقائداً لمسيرة حياته، واتخاذ قراراته بحرية، وأن يحترم ويُقدّر الذات بهدف أن يتمتع بفعالية بالثقة بالنفس، والقدرة على رسم مسار حياته بعيداً عن وصاية أي أحد، وأن يتحلّى فعلاً بالشجاعة كي لا يتردد، وبنفس الوقت كسب صداقة واحترام الآخرين، وفتح آفاق جديدة من خلال المسؤولية التي يمتلكها، واكتساب مهارة القدرة على التغيير، والتي تمكّنه من الارتقاء بالمجتمع وبمؤسّساته.

إنّ الإرتقاء بالمجتمع، والتفكير بمستقبلٍ حضاري للعرب، يُصيبنا بالدهشة، حيث أن هكذا عناوين تمنحنا الخيبة أكثر مما تجعلنا نتفاءل، فهكذا عناوين كان من المفروض أن تُمرّر دون نقدٍ سليم، وهذه الأفكار بحاجةٍ ماسّة إلى غرفٍ خاصّة بالعناية المركّزة، بهدف تشريحها وتفكيكها، وإعادة النظر فيها، ولأن أفق هذه العناوين واسعٌ ورحب، وتتّسم بالشمولية، لذا فإنها لا تتوافق مع الحالة الراهنة التي تعيشها الأمّة ومجتمعاتها، وكأن الزمن لا يزال مُبكّراً كي نتناول هكذا أفق حضاري لمجتمعاتنا ولأمّتنا، لأنه بشكلٍ أوّلي ومبدئي يجب على المجتمعات العربية أن تتمتع بشيءٍ من التحرر والتقدم، والنمو والتحديث، والإصلاح والتغيير، نحو مستقبلٍ مشرق، وهذه الأمور ليست مهمة نخب مُعيّنة بعينها، بل هي مهمة كلّ المجتمع، ففي الوقت الراهن هذه الأمور ليست محصورة بيد نخبة ثقافية ما، لأن زمن النخب الفكرية والثقافية قد ولّى، والمشروع الحضاري العربي، والوعي الحضاري قد وصل إلى آفاقٍ مسدودة.

حتّى الثورة الرقمية ودورها في إعادة تشكيل الوعي الإنساني تجاوزتنا، حيث شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة غيّرت مسيرة الحياة الإنسانية في معظم المجالات، وخاصّة مجال الإعلام والاتصالات، من خلال تقنيات المعلومات، والإعلام الإلكتروني الذي هيمن على وسائل الإعلام التقليدية، وسادت أزمة المعرفة والتضليل في عصر الإعلام الرقمي، ممّا أدّى إلى تضاعف البيئة الإعلامية الهشّة، وتصاعد الخطاب الشعبوي، وانتشار الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والنقص الحاد في الدراسات النقدية العميقة.

وللدقّة نؤكّد بأن الثقافة الرقمية هي من بين العوامل المؤثّرة بشكلٍ عميق على مفهوم الهوية في المجتمع العربي، حيث أحدثت تغييراً جذرياً في كيفية فهم الفرد لنفسه وللآخرين، حيث أن الثقافة الرقمية تسهم بشكلٍ مباشر في تعزيز وتشكيل الهوية الفردية، وتقبّل هويات أخرى ومتعددة، وعدم التحمّل للبقاء على هوية واحدة ثابتة، آخذين بعين الاعتبار بأن إنتشار المعلومات المضللة، والضغط الاجتماعي يؤثّر سلباً على مفهوم الهوية، وهذا بالتالي يؤدّي إلى الاعتماد على هويّاتٍ ذات معايير خارجية، بعيداً عن الخصوصية الثقافية.

ومن ناحية أخرى يمكن للثقافة الرقمية تعزيز دور الأفراد مع الثقافة الأصلية لهم عبر طرقٍ جديدة، من خلالِ إحياء القديم أو بعض التراث الثقافي بواسطة الإبداع الرقمي، على الرغم من الضغوطات والسبل المستحدثة، وهذه العملية يمكن أن تكون عبارة عن فرصة لاستكشاف هوية قد تكون مركّبة وشاملة، تلعب دوراً في تقدم التعاطي مع الثقافة العربية وتطويره في عصر المعلومات، وهذا هنا يؤكّد لنا أو يعكس كيفية تكيّف الهوية مع المناخ المتحيّز عبر التوازن بين الأصالة والحداثة الذي قد يؤدّي إلى أفق جديد في فهم الذات والمجتمع.

وإذا تناولنا الهوية الوطنية في المجتمع العربي نجدها تتميّز بالكثير من الثراء والتعقيد، حيث تتشابك فيها عوامل كثيرة، مثل: الدينية واللغوية والثقافية والتاريخية، ممّا يجعلها غنيّة بالتنوّع الفريد الذي يعكس خصوصية بيئية أو محلّية.

ولقد أفرزت الثقافة الرقمية وساهمت في بلورة هذه الهوية، عبر منصّات التواصل الاجتماعي التي أفرزت مساحات واسعة للتعبير، وأصبح الأفراد يملكون القدرة على المساهمة في النقاش، وخاصّة حول تجليات الهوية الوطنية، حيث يتم تداول التراث الثقافي، والأساطير، وحالات الإحباط الوطني والسياسي في البلاد، ممّا يُعزّز الشعور بالولاء والانتماء، والسعي من أجل الأفضل، والتكيّف مع السياقات الجديدة، مّما يؤدّي إلى تغيير مستمر في اللحظة الراهنة في المجتمعات العربية المعاصرة.

فعند المواطن العربي، يُعتبر التعبير عن الذات في العصر الرقمي أحد أبرز وجوه الهوية الرقمية، مما يسهم في توسيع الفضاء الثقافي، وتبادل الحوار والأفكار، كما يؤخذ بعين الاعتبار، أن العصر الرقمي يحمل أيضاً البعد السلبي، مثل التذمّر الإلكتروني، والهوية الزائفة، وهنا يتطلب من الأفراد الوعي التام بهدف حماية خصوصياتهم، وضمان تعاملهم مع البيئة الرقمية، التي قد تكون معقّدة أو مشبوهة في بعض الأحيان، والتصدي للتحديات التي قد تطرأ نتيجة لذلك، والأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية، كي يستطيع المجتمع العربي، إيجاد التوازن المستدام بين الخصوصية والتقليدي والرقمي في بناء الهوية المتجددة.

ويجب أخذ الحذر من أن الخوارزميات الرقمية تلعب دوراً واضحاً كفاعل اجتماعي، لديه القدرة على توجيه المحتوى العام وفق اهتمامات المستخدم، وتتم تغذيته وفق ميوله وأفكاره.

وينتج عن ذلك خلق فقاعة فكرية تمارس دورها في عزل هذا المستخدم عن الرأي الآخر، وينتج عن ذلك تشكيل تنشئة رقمية انتقائية، تغذّي المستخدم بما يريده هو، وتضعف مقدرته على الحوار، أو التنوّع والتفكير النقدي.

لذا على المجتمعات أن تتألق في توجهاتها الرقمية، لتحمي مفهوم الخصوصية والكرامة الإنسانية، وبالتالي تمنع الاستغلال النفسي والمعلوماتي لأبناء الأمّة، حيث أن التوازن بين الواقعي والرقمي، هو السلوك الأمثل لحماية الإبداع والهوية الإنسانية من الذوبان في الأفق الافتراضي.

حيث أن الإبداع في حقيقة الأمر لا يتأتّى دوماً من الحريات المطلقة، بل إن القيود في أغلب الأمر هي التي تدفع الإنسان إلى التفكير خارج منحى القيود، والواقع العملي الذي عايشناه يؤكّد لنا أن القيود والقمع تُشكّل أرضية خصبة للإبداع الفكري، وخاصّة عندما تكون الخيارات متعددة، هنا قد يشعر الإنسان بالضياع أو في المجمل الإحباط، وهذه الأمور تشحن العقل، وتضع حداً للتشتت، مّما قد يؤدّي إلى حلول مبتكرة وناجعة.

حتّى في الشركات الضخمة بالإمكان تحويل القيود إلى أداة إيجابية تدفع الإبتكار وتحرّضه عبر تحديد أهداف بعينها، فالقيود تجعل الشخص أو فريق عملٍ ما، بالعمل من خلال تنسيقٍ مركّز، الذي بدوره يساعد في إيجاد حلول هي بحدِ ذاتها إبداعية لمشاكل مُعقّدة.

القيود بحد ذاتها لا تعني الإعاقة إطلاقاً، بل قد تكون عاملاً مهماً وناجحاً للتحفيز والإبداع لتجاوز الواقع نحو آفاقٍ جديدةٍ ورحبة، وخاصّة عندما تكون هناك حاجة حقيقية لتخطي صعوباتٍ ما،

حينما يكون الجهد موظّفاً بالشكلِ السليم.

آخذين بعين الإعتبار بأن الحرية بدون هدفٍ معيّن، أو إطارٍ سليم، قد تؤدّي إلى ضياعٍ وهدر الوقت، وخاصّة عندما تكون التجارب غير موفقة أو مفيدة، إنّ التوازن بين الحرية والقيود هو الذي يكون دافعاً حقيقياً للإبداع.

إن القيود والضغوط قد تكون المحرّك الخفي وراء أي إبداع، حيث أن القيود قد لا تكون عوائق عند الإنسان المتماسك، بقدر ما هي مُحفّزات تدفع العقل للبحث عن حلولٍ مبتكرة، خاصّة عندما تكون واضحة ومحددة، ومُعدة بعناية وبطريقةٍ مدروسة، بعقلٍ عربي حضاري بعيداً عن قيود الموروثات.

لأن العقل العربي بشكلٍ عام مُقيّداً بثلاث قيودٍ جدرانها سميكة وصمّاء، لعل أولها هو الفهم البدائي للدين، إضافةً إلى قيود الموروثات والمفاهيم الثقافية التي أنتجتها تجربتنا الثقافية التاريخية، أمّا القيد الثالث، فهو قيد الرعب من الحداثة المعاصرة، بحجة التخوّف على الخصائص الثقافية التي نتمتع بها، من الضياع أو الزوال، أو إمتزاج دمائنا الشريفة المتعلّقة بهذه الخصائص، بالدماء غير الشريفة لثقافاتٍ وافدة. !.

إن المحنة المعاصرة التي نعيش بها، جعلتنا في منأى عن طموحاتنا، على كافة المستويات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي المقام الأول الثقافية.

إن محنة مجتمعاتنا العربية الآنيّة أخذتنا في حقيقة الأمر بعيداً عن مسيرة التقدم والتمدّن الإنساني، فأين هو العقل العربي؟.

مع الأسف إن أي عربي حينما يتمعّن الفترة الزمنية التي شهدت فعلاً نهضة عربية حديثة، يجدها قد تمّت أثناء خضوع الساحة العربية المترامية الأطراف للإستعمار الأوروبي.

وعندما تراجع الاستعمار الغربي، وحدث التحرّر، تراجع الفكر العربي، والعقل العربي، وبالتالي تراجعت النهضة العربية الحديثة.

لو تناولنا الوقائع بدقةٍ أكثر، نرى أن المنطقة قد شهدت في عهد الاستعمار الأوروبي تغيراً كبيراً في واقع المجتمع العربي، حيث تمّ تشييد البنى التحتية، وتمت صياغة دساتير قائمة على التعددية، كما تمّ تأسيس جامعات ومعاهد بهدف الربط الفكري والثقافي بين البلاد العربية وأوروبا، وتشكّلت بيئة خصبة للحوار والجدل والنقد في عددٍ من المجتمعات العربية، وفي ظل هكذا بيئة تجاوز العقل العربي مرحلة جموده الفكري الذي فُرض عليه من قِبلِ العهد العثماني، وحاولت الرموز الثقافية والفكرية والأدبية تحديث واقع المجتمع العربي في مختلف المجالات، بهدفِ اللحاق بركب الحضارة حديثاً.

ومع بدايات النهضة دخلت المعرفة والعقل العربي طرق التفكير الحديثة التي أبدعها العقل العربي، حيث محت قسماً كبيراً من تركيبته العقلية التقليدية.

ومثّل التطور الحضاري الأوروبي تحدّياً واضحاً، حيث إرتفعت أصوات تطالب بالانفتاح على أوروبا والاستفادة من المعرفة العلمية منها، بما يتماشى مع الواقع العربي.

كما ظهرت خلال النهضة العربية عدة اتجاهات فكرية نذكر منها، حركة القومية العربية بمختلف اتجاهاتها، وحركة الإصلاح الديني، وحركة التنوير العربية، إضافة إلى تياراتٍ يسارية وتيار ليبرالي، واتجاهات فكرية أخرى.

ولقد نشطت وساهمت رموز هذه التيارات في الحوار الفكري والثقافي عبر الصحافة والمنتديات والصالونات الثقافية والأدبية والكتب والمجلات، حينها حدث تحوّل إيجابي في العقل العربي، بعد أن عاش فترة طويلة من الجمود، من خلال المحرك الأساسي الذي ساهم في خلق الواقع الجديد، والمجتمع الجديد، الذي يختلف كل منهما عن عمّا كان سائداً عليه، وبشكلٍ أدق، تم تحرير العقل العربي من جموده الفكري، وربط تفكيره ورؤيته للواقع مع العصر، من خلال الأساليب الفكرية والعلمية، وتحليل الواقع، وصناعة المستقبل، وبناء المجتمع والدولة الحديثة، ودمج الثقافة العربية مع الحداثة، والرؤية النقدية للتراث، وسوى ذلك.

وبعد التحرر تمّ وبشكلٍ تدريجي القضاء على محاولات التحديث، والتطوير الثقافي والفكري، وعاد العقل العربي مرّة أخرى إلى الجمود، مع تصاعد تيارات أخرى، مثل الحركات الأصولية، وحركات الإسلام السياسي، وبالتالي القيام بتسييس كلّ شيء في المجتمع العربي، وإحياء ثقافة المجموعات التقليدية في المجتمع، وغياب الحريات، وتلاشى القوى المدنية والتنويرية في مختلف أنحاء الوطن العربي، وكلّ هذه الأمور ساهمت بشكلٍ فعلي في تراجع وجمود العقل العربي، وتراجع الدول العربية، وغياب الفلسفة العربية، وتحويل المجتمع العربي من مجتمع منتج، إلى مجتمع مستهلك، وتسييس وأدلجة التعليم، وانتشار العصبيات، وتفشي التطرف والإرهاب.

ومع ذلك كله، بقي هناك أفراد لا يزالون يقاومون تيار الجمود الفكري الجارف، ويواجهون بشجاعة، ومن خلال القلم مظاهر التعصب والتطرف، وهؤلاء الأفراد وسواهم من الذين ينشطون في نفس المنحى، هم كانوا وسيبقون نبراساً ينير الدرب للعديد من أبناء أمّتنا، وخاصّة الجيل الجديد الذي يعيش واقعاً تكنولوجياً جديداً، وهو أمر يدعو فعلاً للتفاؤل، نحو إزاحة ضباب الضياع الفكري الراهن، وتعيد للعقل العربي حيويته الإبداعية، كي يُحيك لشباب الأمّة ثوباً جديداً لواقعها وفكرها ومستقبلها.

آخذين بعين الإعتبار بأن هذا الجيل يحتاج إلى إعدادٍ جيد، والسبيل الوحيد والناجع من أجل هكذا مهمة، هو العلم والتعليم، إنّ القلم النبيل هو كفيل بإعداد هذا الجيل من أجل مستقبلٍ أفضل.

حيث أن التعليم هو عاملٌ أساسي يسهم بشكلٍ مباشر في تربية وإعداد الجيل الجديد، وفي تطوير المجتمعات، وتعزيز حالات الإبتكار والإبداع عند الشباب، الذين يكتسبون العلم والمعرفة والمهارات، من خلال تشجيعهم على التعبير عن أفكارهم بحرية.

حيث أن العلم يوفّر لهم كلّ اللوازم التي تدعم التفكير النقدي عندهم وتجاوز المعضلات، وحلّ المشكلات التي تواجههم، كما تنمو عندهم مهارات التفكير النقدي، وكيفية تحليل المعطيات أو المعلومات، وبالتالي تقييمها، وتقييم نتائجها بشكلٍ موضوعي، ومن ناحيةٍ أخرى يتعلمون الاستكشاف والتجربة، وتطوير أفكار جديدةٍ مبتكرة، وبالتالي تنمو عندهم روح المبادرة، ويكون الإبداع عندهم نشطاً في مختلف المجالات، وكلّ هذه الأمور ستؤدّي بالضرورة إلى مساهمة الشباب في تطوير مشاريع مبتكرة، وتوسيع آفاق الفكر، وتعزيز مهارات التواصل، وتعزيز الفكر النقدي، وتحفيز الإبداع في المجالات الجماعية، والإلتزام بروح الولاء والانتماء الوطني والقومي.

كلّ هذه الأمور تتوقّف عند خلق بيئة تعليمية ملهمة، لأنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإبتكار والإبداع في مختلف المجالات، وخلق جيلٍ وطني معطاء ومثمر.

هنا تتجلّى روح المسؤولية على حقيقتها، والمسؤولية الفاعلة قولاً واحداً هي المسؤولية الأخلاقية، وأي فرد حينما يرى أن شخصاً آخراً قد قام بفعلٍ ما وفشل في إنجازه، رغم أنّه كان مهتماً، يتشكّل عند هذا الفرد ردة فعلٍ مُعيّنة، غالباً هذه ردة الفعل هي المعمول بها، فإمّا أن تكون ردة فعلٍ إيجابية أو ردة فعلٍ سلبية، بمعنى أن ردة الفعل هي إمّا الثناء أو الملامة.

التأمل الفلسفي في المسؤولية الفاعلة له تاريخٌ طويل، وأكثر شيءٍ يُميّز الأفراد هو موقفهم الأخلاقي كفاعلين مسؤولين، فكيف سيكون النظر إليهم، وكيف هو سلوك سواهم، وهل تُفسّر الأمور مادّياً والقوانين التي تحكمها، أو من خلال قوانين سماوية، وتكثر هذه التساؤلات حينما نتعرّض للمسؤولية الفاعلة الأخلاقية.

ولعلّ " أرسطو 323- 384 قبل الميلاد " هو أول من أسّس نظرية المسؤولية الأخلاقية، ويقف أرسطو عند الفضائل والرذائل لدى البشر، وحول المسؤولية الأخلاقية يقول أرسطو " من المناسب الرد على فاعلٍ بالثناء أو الملامة على أساس فعله، وهناك نوعاً معيّناً من الفاعلين، ’مؤهّلين ليكونوا فاعلين أخلاقيين، وبالتالي يصبحون عرضةً بشكلٍ دائم لتطلعات المسؤولية، ذلك الذي يملك القدرة على القرار ".

فالقرار عند أرسطو هو القصد الذي يُعبّر عن مفهوم الفاعل، الذي يرى حوله أرسطو بأن الفعل يجب أن يكون أمره بيد الفاعل، ولا يمكن أن يُفرض عليه من الخارج، وعلى الفاعل أن يكون واعياً ومدركاً ما يفعله.

من المؤكد أن مفهوم المسؤولية خضعت لبعدها التاريخي ومسارها التطوري، والكثير من التطورات، والنقاش من قبل كثير من علماء الإجتماع والمُنظّرين، وبشكلٍ عام من الصعب الحديث عن المسؤولية دون الأخذ بالأسس الأخلاقية في المسألة، ولعل من أهم أُسس المسؤولية هو الناتج الإيجابي.

المسؤولية يُنظر إليها من خلال بند الحكمة العملية، وباعتبارها مسألة شخصية، ولا تحتاج إلى الإبحار في مجالات التحليل والتقييم المتعدد الجوانب والمستويات، أو إلى مُقاربات في علم النفس والاجتماع والإدارة على سبيل المثال.

الشخص الفاعل هو من المفروض أن يتمتع بالحكمة العملية، وهو المستفيد بهدف ضمان مخرجات إيجابية.

سوف لن نربط المسؤولية بين النظرية والتطبيق أو الممارسة، حيث أن النظرية هنا، وفي مجال المسؤولية تأخذ شكلاً من أشكال الاعتقاد، لأن المعطيات واضحة، وهناك نسق ما، وفرض ما، يمكن الاستدلال عليه من خلال الرؤية أو التقييم والتفسير، ومن شأن هذا الاعتقاد في المجال المعرفي ترشيد السلوك بشأن الرؤية والتحليل واتخاذ القرارات.

وتبقى هناك اجتهادات فكرية معاصرة بشأن النظرية والممارسة تبحث من خلال نظريات جديدة، معالجة القصور حصراً، في مجال عملٍ ما بعينه.

ومن جهةٍ أخرى إن مفهوم الممارسة اُستخدم في النظريات اليسارية، ويُشير إلى السلوك الفعلي في اكتشاف المعرفة، وهذا السلوك بشكلٍ طبيعي يرتبط بالأُسس المادية للمجتمع، ويُمارس على أساس طبقي وليس بشكلٍ فردي.

وهذه الممارسة تنشط في مجال اكتشاف المعرفة الموضوعية، وتجنّب الوعي الزائف المعتمد على التشوّه الإيديولوجي.

وتكتسب نظرية الممارسة الاجتماعية الأهمية من خلال العلوم الإنسانية والاجتماعية، لقدرتها على تفسير طبيعة الظواهر الاجتماعية على اختلافها، وبالتالي تحليلها من خلال سياقٍ اجتماعي مُنظّم، لأن هذه النظرية تُحوّل الانتباه بعيداً عن اتخاذ القرار الفردي.

إنّ البناء الاجتماعي يرتبط بالممارسة الاجتماعية عبر المجال، لذا فإن المجالات تصبح بمثابة البيئة التي تكمن فيها عمليات الإنتاج والاستهلاك، وبالتالي توزيع مختلف أشكال الموارد الرمزية والمادية، وبامكاننا أن نستوعب بنية المجال من خلال درجة القوة بين الفاعلين، ومراكز تمركز المصالح في لحظةٍ تاريخيةٍ بعينها.

وحينما نربط المسؤولية بدور النخب، نرى أن النخب التي نقصدها لم تتحمّل المسؤولية والممارسة الفعلية لقيادة المجتمع، لأن " النخب " الراهنة هي بعيدة كل البعد وبشكلٍ فعلي عن المجتمع وأفراده، حتّى أن الجمهور يُحمّلها مسؤولية التراجع والتردّي، " حيتان الفساد " أي النخب الراهنة، هي قليلة الخبرة مّما يرتبط بالسياسة والاقتصاد، والتبعية وحدها هي التي تُسيّرهم، فهذه النخب أحادية، ليس لديها القدرة أو الجرأة لترسيخ مفهوم المشاركة السياسية، أو التداول السلمي للسلطة، بينما النخب الفعلية العربية الفعلية، هي أسيرة القمع والاستبداد، ومصادرة الرأي الآخر، والتهميش والمعتقلات.

ومن هنا نستطيع أن نلمس الفرق بين نشأة النخبة عند الغرب، وبين البلاد العربية، إن العالم العربي لم يُوفق في إيجاد نخب سياسية تتميّز بالقبول الجماهيري، حيث أن النخب السياسية المتوفّرة في وقتنا الراهن، معظمها ينحدر من المؤسسات العسكرية، وحينها يتحوّل العسكر إلى سياسيين، وبالتالي أصبحوا يسيطرون على تنظيمات سياسية، ومنظماتٍ شعبية، ومجالس النواب، وعلى بعض الكتاب والمفكرين والمثقفين، الذين يعتاشون على موائد وصالونات السلاطين، والذين هم مُسخّرون لخدمة النظام والمديح به وله، وبنفس الوقت هم بحماية مراكز القوى.

ولو دقٌقنا النظر نرى أن معظم العالم العربي يحكمه العسكر، وكلهم مرتبطون بالتبعية العمياء التي تدمّر المواطن والأوطان والأمّة.

في أوطاننا ينتشر الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي، وينتشر حتّى في المؤسسات القضائية والصحية والتربوية والتعليمية.

إنّ النخب العربية الحقيقية والفعلية تعيش حالة تردٍ، وهي في مأزقٍ حقيقي، من خلال الدور القمعي الذي تمارسه الأنظمة وأجهزتها الأمنية، فالميدان للبطشِ والاعتقال، في ظلّ غياب النهج الديمقراطي.

إنّ وجود الأنظمة القمعية المستبدّة يزداد ويشتدّ يوماً بعد يوم، وحالة الاحتقان في الشارع الثقافي والسياسي لا حدود له.

إنّ الأنظمة العربية تفتقد الشرعية الشعبية، لذلك فإنها تبحث عن شرعيتها من خلال سياسة التبعية، والانحياز المطلق للمشروع الصهيوأمريكي الذي يسيطر على المنطقة، والذي يدعم شرعيتهم في المرحلة الراهنة، لأنهم سيفتقدون شرعيتهم في يومٍ ما.

إنّ سيادة القانون، وإنتشار العدالة والمساواة، وإطلاق الحريات، والتداول السلمي للسلطة، من شأن هذه النقاط أن تأخذ بيد المواطن والوطن إلى بر الأمان.

لكن الواقع المُعاش هو، إرهاب الدولة، والفساد وسرقة المال العام، والخيانة واحتكار السلطة، والتهميش والإقصاء، وغياب مفهوم المواطنة والتعايش الوطني، وغياب القانون.

إنّه الواقع المرير الذي تحياه شعوبنا المتعطّشة للحرية والديمقراطية والكرامة والحسّ الإنساني.

إنّ الوعي العربي ليس سلعة نستوردها، وليس هندسة وراثية، بل جملة مواقف نبيلة، وتضحيات تتشكّل في خضم حياتنا اليومية.

فهل يستطيع المفكرون والسياسيون والكتّاب والمثقفون، وعلماء الاجتماع والمؤرخين، أن يأخذوا دورهم الجدّي والجريء لبناء جيلٍ حر، يتجاوز جدار الخوف من أجل الحرية، وبتر كل معالم القمع والاستبداد في البلاد، وأخذ دوره الفاعل والمشارك في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في البلاد.

***

د. أنور ساطع أصفري

نص ميتا سريالي

على خشبة مسرحٍ لم تكنس أرضيته منذ الأزل، حيث تتراكم جثث الساعات المحطمة مع عظام من المنتحرين فوق الارصفة، لفافات التبغ التي لم تدخن بعد تنتظر يداً لن تأتي، يقف "نرسيس"؛ ذلك الكائن الممسوخ من فرط التكرار الممل. يرتدي معطفاً ثقيلاً نُسج من ورق الجرائد الصفراء التي تتحدث عن حروبٍ انتهت لتبدأ أخرى تشبهها تماماً، في دورة عبثية تشبه أفعى "أوربوروس" التي تلتهم ذيلها. هنا، في هذا الفراغ الشاسع، المسرح ليس مكاناً للعرض أو بقعة للضوء، بل هو الجلاد الحقيقي؛ إنه مشهد التلاشي المستمر الذي لا يغمض له جفن.

يدخل "نرسيس" بخطوات متعثرة حاملاً دلواً معدنيًا مثقوباً، يحاول بيأس أن يجمع فيه الضوء المتساقط من كشاف وحيد معلق في السقف كعين إله غادر المكان. كلما امتلأ الدلو بالوهج، سقط الضوء من الثقوب ليتحول فوراً إلى بقع من العتمة اللزجة على الأرض. يلتفت "نرسيس" بفزع قائلاً:

 "لقد أضاعوا مفتاح الباب الخارجي.. أو ربما نسوا، في غمرة التيه العظيم، أن هناك باباً من الأساس. نحن هنا محكومون كي نؤدي دور النزيف الرمزي أمام الكراسي الخشبية الفارغة التي ترفض حتى أن تئن تحت وطأة وجودنا". يتوقف قليلاً ثم يصرخ:

 "هل حان موعد الصرخة الكبرى؟ الجدول الزمني المكتوب بدم بارد يقول إننا يجب أن نصرخ الآن، لكن الحبال الصوتية بيعت في المزاد العلني الأسبوع الماضي لسداد ديون العدم المتراكمة علينا".

هنا في هذه الزاوية المظلمة، الإنسان ليس "آدم" البدايات، بل هو مجرد فائض عن حاجة الوجود. هو تلك القطعة اليتيمة التي تبقت من لعبة "بازل" ضاعت صورتها الأصلية في زحام التاريخ. الزمان هنا ليس إلا ساعة رملية ترابها هو رماد أحلام الممثلين الذين قضوا نحبهم وهم ينتظرون التصفيق. المكان: "الجدار الرابع" لم يُخلق ليتحدث مع الجمهور، بل وجد ليبصق على فكرة "المعنى" ويحطم مرآة التوقعات.

أشعر الان أنني مكتوب بحبرٍ مغشوش يتلاشى مع كل شهيق. كلما حاولت بجهد جهيد أن أكون 'أنا'، امحى بممحاة المخرج المختبئ خلف ستائر الصمت المطبق. هل نحن بشر بدم ولحم أم مجرد هوامش باهتة في رواية مملة لكاتب انتحر قبل أن يضع النقطة الأخيرة على السطر؟

في هذه اللحظة التاريخية يظهر "ساتان" من تحت الأنقاض، يضحك ضحكة جافة كخريفٍ مسموم يقتل العصافير في أعشاشها:

 "أنت متفائل جداً يا نرسيس. لكي نكون هامشا، يجب أن يكون هناك متن عظيم نلتصق به. انت حتى لست غلطة مطبعية يمكن تصحيحها. انت الفراغ الأبيض الذي يفصل بين الكلمات المهجورة في قاموس لغة ميتة.. فجأة، يسقط إطار مرآة ضخم من السماء القماشية، لكنه لا يعكس الوجوه المذعورة، بل يعكس ما وراء الجدران، خلاء لامتناهي يبتلع البصر. ينظر "نرسيس" في المرآة، فيرى ثقباً أسود يسكن مكان قلبه، وفراغاً يمتص النور والصدق.

 (الإنسان المهدور...!).. يا لها من تسمية فاخرة ومنمقة لشيء لا يصلح حتى ليكون وقوداً لمدفأة في ليلة شتاء. لقد استهلكنا العمر كله في انتظار إشارة البدء التي لم تأتِ، ولم ندرك بوعينا المشلول أن العرض قد انتهى وسدلت أستاره قبل أن نولد أصلاً. نحن الآن مجرد صدى باهت لصفقة خاسرة بين الوجود والعدم.

يتقدم "نرسيس" ويحاول إغلاق الستارة، لكن الستارة لا تغطي الخشبة لتنهي المشهد، بل تسقط فوق الممثلين ككفنٍ ثقيل من الرصاص، بينما يستمر صوت تصفيق مسجل في التصاعد ببرود، تصفيق آلي مقزز لا ينتمي لأحد من الأحياء. في هذا المسرح الفوضوي، لا يوجد تطهير "كاثار سيس"، ولا توجد حكمة تقال في النهاية لتواسي الجرحى. فقط رائحة الغبار المعدني، وإحساس خانق بأن كل الكلمات التي قيلت لم تكن سوى محاولة يائسة ومبتذلة لملء ثقب المعنى، الذي يتسع يوماً بعد يوم ليبتلع الخشبة، والممثلين، واللغة التي تحاول وصفهم.

يظل "نرسيس" و"ساتان" تحت الستارة الساقطة، التي تحولت الآن إلى سماء قماشية ملطخة بظلال كوابيس قديمة لا تموت. الرائحة هي خليط من العرق البارد، وورق بردي محترق في مكتبة مهجورة.

 تندفع "دافني" من جانب المسرح، لكنها ليست دافني الشجرة المتمنعة التي نعرفها في الأساطير، بل هي امرأة بجلد يشبه لحاء شجر جاف ومتقشر، وجذور تتخبط في الفراغ بدلاً من قدميها الرشيقتين. عيناها تحملان نظرة خوف أبدي من مطارد لم يأتِ، مطارد وهمي تسكن أقدامه في رأسها فقط

دافني:

 "أتمنى لو تحوّلتُ إلى صخرة صماء، لا إلى شجرة تشعر بالريح. الصخرة لا تنتظر شيئاً، ولا تأمل في الربيع. أنا أتنفس الأمل الذي لن يأتي، وأتحول إلى تراب يائس مع كل فجر يشرق على هذا القحط. المطاردة لم تتوقف يوماً، إنها كامنة في جذوري، في مسامي، في كل ورقة تسقط مني وتُعلن موتاً صغيراً ومجانياً.

يحدق نرسيس في مرآة صدئة لا تُظهر شيئاً سوى ذلك الثقب الأسود. يمسك بيده زهرة ذابلة، هي صورته التي لم يستطع قط أن يلمسها. "البحث عن انعكاس، عن معنى في الماء أو في العيون، هو لعنة بحد ذاتها. كلما اقتربت من الحقيقة تلاشت الصورة وتحولت إلى سراب. أنا أُحبّ فراغي، أعشق هذا العدم الذي يملأني، لأنني أخشى بصدق أن أجد شيئاً آخر غير العدم إذا ما فتشت في أعماقي".

تتعثر دافني بقدمها الخشبية، وتقترب من نرسيس ببطء:

 "نحن وجهان لعملة واحدة زائفة. أنا أُطارد بالتحول القسري نحو النبات، وأنت تطارد بالتحول المستحيل نحو الذات. كلانا يقود الآخر إلى هذا الفراغ الذي يبتلع الروح كما تبتلع الأرض المطر الملوث". يخرج "نرسيس" من تحت الستارة، معطفه المزين بورق الجرائد يبدو أثقل الآن، وكأن الحروف والكلمات المكتوبة عليه شربت كل أحزان العالم وصارت وزناً لا يطاق.

المسرح يدور حول نفسه كدرويش مخمور، لكن لا شيء يتغير في العمق. أليس هذا هو التحول الحقيقي؟ أن تتحرك الديكورات الصامتة، وتتغير الأقنعة البلاستيكية، بينما جوهر الفشل البشري يبقى، راسخاً كالجبال. أنا 'نرسيس' الذي لم يتحول، أبقى دائماً في نقطة البداية التي لا تعرف طريق النهاية.

يضيف ساتان بسخرية:

"بل نحن نسجنا حياتنا خيوطاً من العبث الصافي، فاستحالت الى شبكة عنكبوت لا تصطاد سوى غبار الأيام الخوالي. لا نملك حتى رفاهية أن نتحول إلى عنكبوت حقيقي يملك غريزة البقاء؛ نبقى مجرد نساجين بلا غاية، خيوطنا تُقطع مع كل تنهيدة تخرج من صدورنا المهجورة".

في نقطة بعيدة على أطراف عمق المسرح، تظهر "ميدوسا"؛ لكنها ليست ذات الشعر الثعابيني المرعب الذي يحول الرجال إلى تماثيل. بل هي امرأة بملابس مهترئة تفوح منها رائحة القدم، كل ما فيها يتحول إلى حجر بطيء أمام عينيها الذابلتين. يدها تبدأ في التيبس، ونظرتها ليست لتحجر الآخرين، بل تنظر الى الداخل، لتحجر ذاتها ببطء شديد ومؤلم.

ميدوسا:

 "لقد حوّلوني في البدء إلى وحش لتكتمل الأسطورة، والآن أتحول إلى شاهدة على زوالي. أشاهد كل قطعة من أنوثتي ومن جسدي تتحول إلى حجر بارد، إلى صمت أبدي لا يكسره شيء. ليس الموت هو المخيف في هذا الكرنفال، بل أن تُصبح ذكرى صلبة لحجر، شاهد صامت على مأساة لا تنتهي فصولها. هل هناك تحول أسوأ من أن تُصبح مجرد تمثال لنفسك المهزومة في ساحة عامة"؟

في دائرة ضيقة يتجمعون، كل منهم يمثل جانباً من فقدان المعنى الكلي والتحولات القسرية والذات المهدورة في الزحام. لا يتحدثون مع بعضهم البعض، بل يتحدث كل منهم إلى الفراغ الذي يمثله الآخر، كأنهم مرايا تعكس العدم.

نرسيس:

 "كلما بحثت عن صورتي في وجوهكم، وجدت صورة أخرى غريبة عني؛ صورة وهمية، صورة لم تكن لي قط في أي يوم. أليس هذا هو مصير الإنسان الملعون؟ أن يبحث عن ذاته في وجوه الغرباء، وفي المرايا الكاذبة التي تصنعها السلطة أو الخوف، وفي مياه عكرة لا تعكس سوى السحب العابرة"؟

دافني:

 "أنا أتحول إلى شجرة في كل لحظة، لكنني لا أستطيع أن أتجذر في أي أرض. أبقى معلقة في برزخ بين هويتين، شجرة بلا أرض تغذيها، وإنسان بلا جسد يحميه. هل هذه هي الحرية المزعومة التي وعدونا بها؟ حرية التيه في الفراغ، حرية أن تكون لا شيء في كل شيء"؟

ميدوسا:

 "والحجر يزحف كاللبلاب السام. يصعد من قدمي المتعبة، إلى ساقي، إلى قلبي الذي كان يوماً ينبض. سيأتي يوم قريب أكون فيه تمثالاً كاملاً من الرخام الأسود، يوماً أُصبح فيه مجرد ذكرى صماء لما كانت تُسمى يوماً 'حياة'. نحن هنا لنشهد تحولنا البطيء والمنتظم إلى لا شيء، إلى صمت مطلق يغلفه الغبار".

ساتان:

 "إنه مسرح العبث الكوني بامتياز. نحن هنا لنحتفل بتفاهة وجودنا الهش، لنصفق بحرارة على فكرة أننا مجرد هوامش، أشباح بائسة تدور في فلك مسرح لا يُضيء كشافاته إلا ليرينا ضخامة الظل الذي نتركه خلفنا. التحول الأكبر والوحيد هو أن نُدرك، في لحظة صدق نادرة، أننا لم نكن هنا قط نص فارغ من محتواه، والمسرح مهجور من روحه، والممثلون أشباح تطارد أشباحاً. هل هذا هو معنى أن تكون إنساناً في هذا العصر؟ أن تُصبح قصة لم تُكتب بعناية، حواراً مشوشاً لم يُقل في وقته، نهاية حزينة بلا بداية تبررها"؟"

تتلاشى الأضواء ببطء شديد، تتصلب الشخصيات في أماكنها كأنها أصيبت بلعنة ميدوسا الجماعية، تتحول إلى تماثيل صامتة تعبر عن لحظة من التحول البائس الذي لا يكتمل أبداً. المسرح يتحول تدريجياً إلى مقبرة للأحلام المجهضة، ومتحفا للفشل البشري، ومكانا لا يصدح فيه سوى صدى الكلمات التي قيلت ولم تُفهم قط، كأنها لغة عصافير انقرضت.

بينما يتكاثف الضباب المصنوع من بخار المواد الكيماوية، تزداد خشبة المسرح ازدحاماً بكائنات "أوفيد" التي نُفيت من كتب الأساطير لتستقر في قاع هذا "المهدور" العظيم. هنا لا يتحوّل البشر إلى كائنات أسمى أو آلهة، بل إلى أدوات معطلة في ماكينة الوجود الفوضوية التي تفتقد لزيت المعنى.

يدخل "إريسيكثون"؛ ذلك الرجل الذي لعنته "ديمتير" بجوع لا ينتهي وقدر لا يهدأ. لكنه هنا في مسرحنا لا يأكل الطعام العادي، بل يلتهم ذكرياته الشخصية قطعة قطعة. يرتدي بدلة رسمية ممزقة توحي بمجد غابر، ويمضغ أطراف أصابعه الورقية بشراهة:

 "لقد أكلتُ أمسي بالكامل، وأكلتُ التاريخ الذي صنعني، وأكلتُ أسماء أجدادي حتى لم يعد لي لقب. الجوع ليس في الأمعاء الخاوية، بل في المعنى المفقود. أنا الإنسان الذي كلما استهلك شيئاً، ازداد الثقب في روحه اتساعاً. سألتهم هذا المسرح بجمهوره وكراسيه، سألتهم الستارة، ثم في النهاية سألتهم نفسي، ولن أشبع أبداً.. لأن الصفر لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يملأ الصفر".

تظهر "فيلوميلا" في زاوية معتمة يغسلها الضوء الشاحب. لا يوجد طائر يغرد هنا، بل امرأة ترتدي وشاحاً طويلاً منسوجاً من أسلاك شائكة تدمي العنق. لسانها مقطوع بآلة حادة، لكنها تحاول بكل قوتها أن تصرخ عبر نسيجها الصامت. كلما حركت يدها لتنسج قصتها الموجعة، جرحت الأسلاك أصابعها الرقيقة، فيقطر الدم القاني ليصبح هو "الحروف" التي تكتب بها مأساتها.

فيلوميلا:

 "العالم القاسي انتزع لساني ليمنعني من قول الحقيقة العارية، فاكتشفتُ متأخرة أن الحقيقة لا تحتاج لسان لتموت؛ الحقيقة تموت بالاختناق داخل نسيج الأكاذيب. أنا المهدورة التي تحولت قصتها إلى قطعة قماش بالية يمسح بها المخرج غبار كرسيه الفاخر قبل أن يبدأ العرض".

يهبط من سقف المسرح "إيكاروس" معلقاً بحبال قنب مهترئة تكاد تنقطع. أجنحته ليست من ريش طبيعي وشمع نحل، بل من فواتير ديون قديمة وشهادات جامعية منتهية الصلاحية لم تعد تنفع أحداً. لم يسقط إيكاروس لأنه اقترب من قرص الشمس، بل سقط لأن "الشمس" في هذا المسرح كانت مجرد مصباح كهربائي رخيص ومحترق لا يبعث دفئاً.

إيكاروس:

"لم يكن هناك بحر عميق لأغرق فيه بكرامة، فقط بلاط المسرح البارد والقاسي. سقطتُ من علوّ التوقعات الشاهقة إلى قاع الواقع المرير. أجنحتي لم تذب من حرارة الطموح، بل تفتتت من صدأ الروتين. الإنسان المهدور هو من يخدع نفسه ويظن أنه يطير، بينما الحبال الخفية تشده دائماً نحو الحفرة الجماعية".

انظروا ملياً. دافني خشبية بلا حياة، نرسيس وهمي يطارد سراباً، إريسيكثون جائع للمعنى، وفيلوميلا صامتة للأبد. نحن 'تحولات' أوفيد، لكن في نسختها المشوهة التي لم تصل إلى أسماع الآلهة. نحن التحولات التي تعطلت في منتصف الطريق، فلم نعد بشراً ولم نصبح آلهة".

الإنسان المهدور ليس من يأتيه الموت، بل من يتحول إلى 'شيء' صامت وهو لا يزال يشعر بمرارة كونه كان يوماً ما 'أحداً'. نحن الآن الديكور الحقيقي والوحيد لهذا المسرح الخرب. نحن الكراسي التي لا تجلس، نحن الجدران التي لا تسمع، نحن الصدأ الذي يأكل الحديد.

تنطفئ الأضواء تماماً، عدا كشاف صغير جداً يسلط نوره على "لسان" فيلوميلا المقطوع الملقى بإهمال وسط الخشبة، والذي يبدأ بالاهتزاز المريب وكأنه يحاول بنزعه الأخير نطق كلمة واحدة أخيرة، لكن بدلاً من الكلمات الواضحة، يخرج صوت ضحك آلي مسجل ينتهي بصرير باب صدئ يُغلق للأبد في وجه الجميع.

تتقدم ميدوسا بخطوات ثقيلة جداً، صوت احتكاك قدميها الرخاميتين بالخشب يشبه صوت طحن الصوان في مطحنة قديمة. تقف في بقعة ضوء شاحبة كوجه الموت، وجهها نصف حجر ونصف شحوب آدمي، وعيناها تنظران إلى الفراغ الساكن وراء مقاعد الجمهور، حيث لا يوجد سوى العدم المطلق الذي ينتظر الجميع.

يقولون في كتبهم إن التحول هو النجاة الكبرى.. إن الغصن أخف حملاً من الجسد المثقل بالخطايا، وأن الحجر أصلب وأدوم من الألم البشري الزائل. لكنهم كذبوا في كل حرف. التحول هو الطريقة الخبيثة التي يختارها الوجود ليتخلص منا دون أن يضطر لتكبد عناء دفننا.

"أنا الآن لا أبكي كما تفعل النساء، فالدموع تجمدت في قنواتها الملحية وصارت لآلئ من ملح أسود لا تلمع. انظروا إلى يدي.. لم تعد تلمس الأشياء لتشعر بملمسها، بل تنفيها من الوجود. كل ما ألمسه يتحول إلى حجر، ليس لأنني قوية ومقدسة، بل لأنني أعدتُ تعريف الأشياء بـ 'بيَباسي' الداخلي. الإنسان المهدور هو من يحمل موته في ملامح وجهه، ويمشي بين الناس كأنه تمثال نُسي في ساحة معركة انتهت منذ ألف عام ولم يعد أحد يذكر اسم الحرب"

"ما هو المعنى الذي يطاردنا؟ هل هو تلك الكلمة الغامضة التي بحث عنها 'نرسيس' في جوف الماء فغرق؟ أم هو السراب الذي طاردته 'دافني' فصارت شجرة تسكنها الريح؟ المعنى هو النكتة السمجة التي ألقاها المتعالي في بداية الزمان ونسي أن يضحك عليها، فبقيت معلقة في الهواء. نحن هنا، في هذا المسرح الفوضوي، لا نمثل أدواراً مكتوبة.. نحن نؤدي 'الجمود' ببراعة منقطعة النظير".

"أشعر بالحجر البارد يصعد فوق لساني. قريباً جداً، ستصبح كلماتي هذه مجرد نتوءات صخرية بلا صوت ولا صدى. لن يهتم أحد بهذا التحول. سيمر العابرون غداً ويقولون بفخر، 'يا له من تمثال متقن يجسد الحزن'، ولن يدركوا أبداً أن خلف هذا الرخام الأصم كان هناك قلب ينبض بالخيبة، وأن هذا الحجر ليس فنّاً يُعرض، بل هو سجن الجسد الذي لم يجد سبباً واحداً للبقاء بشرياً في عالم المسوخ".

يا إله التحولات. لقد جعلتني حجراً قاسياً كي لا أشعر بالوجع، لكني أشعر بـ 'ثقل' الحجر على صدري. هذا هو المعنى الوحيد الذي عثرتُ عليه في رحلتي، أننا مهدورون تماماً سواء كنا لحماً يئن تحت السياط أو صخراً يصمت تحت المطر. الستارة لن تسقط أبداً لتعلن النهاية، لأنها هي أيضاً تحجرت في منتصف الطريق، معلقة بين السماء والأرض كخطيئة لا تُغتفر.

"تتصلب ميدوسا تماماً في وضعية الصراخ الصامت، وينطفئ الضوء تدريجياً حتى يتلاشى كل شيء في الظلمة. يرتفع إيقاع الفوضى ليعلن أن المسرح ليس محطة مؤقتة، بل هو الثقب الأسود للتاريخ الذي يبتلع كل شيء. هنا، لا توجد "نقطة نهاية" تريح المتعبين، لأن التحول في هذا الفضاء ليس تطوراً للأمام، بل هو دوران أبدي ومضنٍ في دوامة المسخ التي تلتهم ذاتها كأفعى "أوربوروس".

بينما تتصلب "ميدوسا" وتفقد بريق عينيها، تبدأ جدران المسرح نفسه بالتموج والاضطراب كأنها رئة عملاقة مصابة بالربو الحاد. الشخصيات هنا لا تموت موتاً طبيعياً، بل تفقد حدودها الفيزيائية وتختلط ببعضها. "دافني" التي كانت شجرة، تبدأ أغصانها الخشبية في التحول إلى أصابع معدنية باردة تطبع كلمات بلا معنى على هواء المسرح المسموم. "إيكاروس" لا يسقط سقطة مدوية، بل يستحيل جسده بالكامل إلى دخان أسود كثيف يملأ رئتي المكان.

ساتان:

"أرأيتم يا رفاق؟ لا يوجد خلاص حقيقي في الثبات أو في التحول. نحن محكومون بـ 'السيولة القاتلة'. الفوضى هي هويتنا الوحيدة والمقدسة، لأننا كلما حاولنا بجهدنا تشكيل فكرة عن أنفسنا، سخرت منا 'التحولات' وصهرتنا في قالب جديد أكثر قبحاً وهدراً من سابقه".

"إلى نهاية التاريخ المكتوب بالدم. سنبقى هكذا. الفكر يتحول إلى هذيان، والشكل يتحول إلى شظايا متناثرة. نحن لسنا بشرًا مهدورين فحسب، نحن المادة الخام للعبث المطلق. المسرح سيبقى فوضوياً للأبد لأن 'المخرج' فقد السيطرة على النص، والنص نفسه بدأ في نوبة جنون يأكل حروفه وسطوره".

يغرق المسرح بالكامل في ضوء أرجواني خانق يضغط على الأنفاس، ويبدؤون في الرقص بحركات مكسرة، ميكانيكية، وغير متناسقة، بينما تسقط أوراق "التحولات" من سقف السماء كأنه مطر أسود من الرماد، معلنةً بصمت مطبق أن العرض مستمر.. إلى ما لا نهاية، في دورة لا تعرف التوقف...!

***

غالب المسعودي

كنت والصديق الكاتب ـ الطبيب ـ حيدر المحسن نتبادل الحديث عن جمال المرأة، الجمال لا يخصّ مظهراً بعينه فيها، بقدر ما يعود إلى رؤية جمالية وثقافية كاملة، تعكس ذائقة مجتمع، وخبراته الفنية، وتصوراته عن الرقة والفتنة والعذوبة. لذلك بدا لافتاً لي ما أشار إليه المحسن حين يرى أن كفّ المرأة معيار دقيق لجمالها، في رقّته، وتناسق أصابعه، ورشاقة حركته، وحتى في علاقته غير المرئية بعذوبة الصوت. كأن الجمال مستور لا يعلن عن نفسه، إنما نستدلّ عليه. ظل هذا الرأي عالقاً في ذهني منذ سنوات، صار الإحساس مقيماً فيّ لا عارضاً، ولهذا لم يغادرني. والمحسن نقلني من حيث لا أدري من مناطق الجمال المعروفة، إلى أخرى، أسميها: الجمال الهامس. لقد وجدت ما هو أصدق منها، حينما لا تجيد الكفّ التمثيل، بينما تحسنه الملامح الأخرى. أراقب المرأة كيف تحرك يدها، كيف تتركها تستريح، أو تمشط شعرها، أو حين تضعها في جيب معطفها، أو تشتبك بيد حبيبها.

الحديث عن كفّ المرأة بوصفه مؤشراً للجمال ليس شائعاً في التداول الثقافي، ومن النادر أن يتناوله الشعراء، لكنه رأي ذكي ودقيق، وينتمي إلى ما يمكن تسميته بالجماليات الخفية. الكف لا تتجمّل، ولا تتباهى، لا تطلب الإعجاب، تفعل ما تفعل، الوجه يتعلّم الأقنعة، أما اليد فتبقى الأقرب إلى حقيقتها الأولى. وحقيقة الأمر هي غير ما نتوهم، لا معيار واحد يمكن ترجيحه دون أن نظلم سواه. فالجمال ليس مسابقة قياس، بل تجربة إحساس. وما يجمع عليه البشر، على اختلاف ثقافاتهم، هو أن الجمال الأعمق هو ذاك الذي يستمر: جمال الذكاء، واللطف، والحضور، والقدرة على الإشراق في حياة الآخرين. والجمال الحقيقي يعمل بصمت بعيداً عن الضوء، وحين نتحدث عن جمال المرأة، فإنَ أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو لغة السوق: القياس، المقارنة، وكأن الجمال سلعة موضوعة على رفّ، والعيون زبائن، والإعجاب فعل شراء.

الجمال حالة وجود، شيء آخر حين تكون المرأة على طبيعتها، تمارس حضورها في الحياة بلا ادّعاء، فلم نعد نبحث عمّا يرضي ذائقتنا، بل عمّا يكشف جوهر حضورها الإنساني. جمال المرأة، بهذا المعنى ليس شيئاً نمتلكه بنظرة، بل تجربة نستدعى إليها، هو جمال لا يقبل التصنيف. هو ليس موضعاً جغرافياً في الجسد، بل حالة انسجام. في الكفّ حين تمنح، وفي الساق حين تخطو بثقة، وفي الوجه حين يبتسم بصدق، وفي العقل حين يضيء. أما أجمل ما فيه، فهو قابليته الدائمة لأن يُرى بعيون مختلفة، ويُعاد اكتشافه في كل ثقافة، وكل زمن، وكل قلب.

في الثقافة الصينية، ذائقة جمالية حديثة تشكّلت مع التحوّل الحضري، والأزياء، والإعلام، وصناعة الموضة. الساق لدى الصينيين تُعدّ رمزاً للرشاقة، والصحة، والتوازن الجسدي، وتُستثمر بقوة في تلك الميادين حتى باتت جزءاً من «الهوية الجمالية» الشائعة، لاسيما في المدن الكبرى. تعرفت على هذا المزاج حين زرت الصين، وتحديداً مدينتي «شنغهاي» و»أوهان» أثناء وجود نجلي فرات هناك لإكمال دراسة الدكتوراه في مجال تخصصه الجمالي. كنت أمارس دهشتي بصمت أب يزور عالماً آخر، كانت عيناي ـ على عادتهما القديمة ـ تذهبان إلى الوجوه، تلتقطان الملامح كما تعودتا، أعود بخيبة سريعة: الجمال هنا لا يشبه ما خزّنته الذاكرة. يراقبني فرات من طرف خفي، يعرف تلك النظرة التي تسبق السؤال ولا تبوح به، ابتسم، ثم قال بنبرة العارف الذي اكتشف سراً صغيراً: بابا: أنت تبحث في المكان الخطأ، الصينيون لا يضعون جمال المرأة في وجهها، بل في سيقانها. توقفت لحظة، ضحكت، أدركت أنني في حضرة الولد، كنت ما أزال تلميذاً في جغرافيا الجمال. لكن الأهم، يتابع فرات القول: ليست الساق وحدها. فالجمال في الصين يتوزّع أيضاً على نعومة البشرة، والانسجام العام، وخفّة الحركة. أي أن الساق اختُيرت بوصفها «علامة» دالّة لا كجوهرٍ وحيد.

هل توجد حالات مماثلة لدى شعوب أخرى؟ سألته، بوصفه طالباً يدرس علم الجمال:

نعم، وبكثرة. كل ثقافة تميل إلى إبراز عضو أو سمة بوصفها معياراً مفضّلاً للجمال، وفق تاريخها وبيئتها وقيمها: يُحتفى بالطول والقامة في دول أوروبا الشمالية (الإسكندنافية مثلاً). وتتقدم العيون في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وفي ثقافات افريقية ومتوسطية تبدو كثافة الشعر وقوّته وتموّجه علامة جمال وحيوية، بينما ارتبط الشعر الأشقر تاريخياً بالأنوثة المثالية في المخيال الغربي. أدركت حينذاك أن لكل شعب بوصلته الجمالية، والجمال مثل الحقيقة لا يقيم دائماً حيث نظن ونعتقد.

***

جمال العتّابي

كان هربرت سبنسر أول من صاغ عبارة "بقاء الأصلح" وطبّق التفكير التطوري على الثقافة والمجتمع البشري. هذا خلق بعض الاستياء لدى بعض الباحثين والطلاب الذين تساءلوا لماذا يستعملون عبارة "الدارونية الاجتماعية" بينما وصفت أعمال هربرت سبنسر سلفا تكيّف الانسان للبيئة الاجتماعية؟ "الدارونية الاجتماعية" تعني تطبيق أفكار دارون على دراسة المجتمع البشري. نظرية دارون في التطور نشأت من مشاهداته الميدانية للعالم الطبيعي خاصة تلك المشاهدات التي أجراها اثناء رحلته الاستكشافية المكثفة على متن سفينة HMS بيغل في بداية عام 1830، في جنوب أمريكا وجزر غالاباغوس. هو لاحظ ان مختلف الأنواع الحية ذات الترابط الوثيق مثل الطيور والسلاحف وحيوانات أخرى اختلفت عن بعضها البعض بطرق بدت فيها "ملائمة" بشكل خاص لبيئاتها المحددة. دارون استنتج انها كانت تتطور عبر ملايين السنين. جوهر نظرية دارون في الكيفية التي يعمل بها التطور هو ان الطفرات (تغيرات جسدية عشوائية قابلة للتوريث) تحدث من حين لآخر. ان بعض هذه الطفرات تحسّن قدرة الافراد على النجاة من بيئتهم، لذا يكون لديهم فرصة أكبر للبقاء لفترة تكفي للتكاثر، عندما يتم "اختيار" السمات المحسنة عشوائيا. هذه السمات الجديدة تنتقل الى الجيل القادم، والسمات المحسنة سوف تنتشر تدريجيا عبر السكان بسبب ملائمتها.

بدأ دارون نشر نتائج بحوثه في العديد من المطبوعات بدءاً من أواخر عام 1830. أفكاره في الاختيار الطبيعي لم يتم توضيحها بشكل تفصيلي الاّ في عام 1858 في ورقة بعنوان "حول ميل الأنواع لتشكيل سمات مختلفة، وادامة أصناف وأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي". القليل من الناس في ذلك الوقت اولوا اهتماما لهذه الورقة، وان بعض النقاد يدّعون ان لا شيء فيها يحمل قيمة جديدة. في النهاية نشر دارون مفهومه للاختيار الطبيعي بعد سنة في كتابه اصل الأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي ، او الحفاظ على الاجناس المفضلة في الصراع لأجل الحياة.

في تلك الاثناء، وفي جزء آخر من إنجلترا، كان هربرت سبنسر (1820-1903) يكتسب سمعة سيئة بسبب نظرياته في التطور. لاحظ سبنسر انه، تماما مثل العديد من الأنواع الحيوانية، انتشر الانسان على نطاق واسع عبر الكوكب وواجه مجموعة من المناخات والبيئات. هو تساءل لماذا لم يتطور الناس الى أنواع متنوعة ومنفصلة على نطاق واسع كما فعلت الحيوانات الأخرى، مثل السلاحف والسحالي. علل سبنسر ذلك في ان البشر يتكيفون للتغيرات في البيئة المادية من خلال التكيف الثقافي بدلا من التكيف البايولوجي. هو وصف التكيفات الثقافية الناجحة طبقا لمفهومه في بقاء الأصلح. في هذا التطبيق، تعلن عقيدة البقاء للأصلح ان أولئك الذين هم اكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الثقافية للبيئة هم الأكثر نجاحا  في المجتمع (مثل المكانة، الموارد وغيرها). هؤلاء الافراد الناجحون ينقلون قدراتهم في التكيف الثقافي لذريتهم. كذلك، تتمتع الذرية بالرفاهية من وضع اكثر فائدة وتميزا في المجتمع، وهكذا هم يصبحون مرة أخرى في افضل موقع للتطور بالمعنى السوشيواقتصادي. بعد عدة أجيال، يبدأ ناس معينون التمتع بالرفاهيات التي لا تتوفر لنظرائهم. جادل سبنسر انه كما في التطور البايولوجي، التطور الثقافي كان قوة مستمرة لا يمكن ايقافها.

في كتابه (السكون الاجتماعي،1851) ادّعى سبنسر ان التطور في المجتمع الإنساني هو في النهاية مسألة بقاء الاصلح. وطبقا لذلك، تتولى العمليات التطورية تصفية غير اللائقين، والمحصلة النهائية تكون مجتمع اكثر تقدما. يكرر سبنسر ان التكيف الناجح مع التغير الثقافي هو الأساس عندما يُراد للأفراد وحتى المجتمعات البقاء في البيئة الثقافية. وهكذا اعتقد سبنسر ان هذه المجتمعات التي تواجه تحدي التغير الثقافي الضروري كانت هي الأصلح (ولذلك) الأكثر احتمالا في البقاء. فمثلا، اعترف سبنسر ان رعاية الأطفال والولاء للشريك تتجذر في طبيعة البشر. المجتمع أيضا يسمح بالتغيير عند الضرورة، ربما يأخذ شكل تعدد الزوجات عندما يصبح عدد سكان المجتمع صغير جدا، على سبيل المثال.

في هذا الشأن، كان سبنسر يعتنق نوعا من النسبية الأخلاقية: معتقدات قابلة للتكيف، واخلاق يجب النظر اليها من وجهة نظر ثقافة محددة. هذه الحاجة لتكيف اخلاقي هي خصيصا صحيحة اذا كان استمرار المجتمع يعتمد على التغيير. سبنسر اعترف بطبيعة البشر البايولوجية لكنه اعتقد انها ليس ثابتة دائما وان الناس عرضة لتغيير تطوري اجتماعي. عبّر سبنسر عن نسبيته الأخلاقية وأسباب الاختلافات في العادات الاجتماعية في كتابه (مبادئ الاخلاق،1897).

في كتابه (مبادئ السوسيولوجي، 1898) وصف سبنسر أهمية حاجة المجتمع للتكيف مع بيئته عبر الفعالية الاقتصادية. اعتقد سبنسر ان المجتمعات الصناعية باستمرار تجرّب طرقا لأداء الفعاليات الاقتصادية. بعض الطرق سنكون ناجحة بينما أخرى غير ناجحة. لكن عملية التجريب بحد ذاتها لطرق جديدة للعمل اقتصاديا تحفز نحو تطوير تكنلوجيات جديدة. وان تطوير تكنلوجيات متقدمة يجعل المجتمع اكثر لياقة للبقاء في البيئة الاقتصادية العالمية. ان تطوير تكنلوجيا الكومبيوتر وتكنلوجيا الليزر وعلوم الطب يعطي امثلة عن التطور الثقافي الحالي (سبنسرية اجتماعية).

في المجتمعات الغربية يتم تعليم الأطفال في المدرسة كيفية استعمال الكومبيوتر بالمعنى الثقافي والاقتصادي، هذا يعطيهم ويعطي المجتمع الذي ينتمون اليه ميزة هائلة قياسا بالمجتمعات التي فشلت بدمج هذه التكنلوجيا. جادل سبنسر ان التطورات في التكنلوجيا العسكرية ساعدت أيضا لجعل المجتمع اكثر لياقة. في كتابه (تطور المجتمع،1876) هو يقول:

"في الصراع لأجل الوجود بين المجتمعات، بقاء الاصلح هو بقاء أولئك الذين تكون فيهم  قوة التعاون العسكري هي الأكبر، والتعاون العسكري هو النوع الرئيسي للتعاون الذي يمهد الطريق للأنواع الأخرى. لذلك فان هذا التكوين لمجتمعات اكبر بواسطة اتحاد مجتمعات اصغر في الحرب، وهذا التحطيم او امتصاص المجتمعات الصغيرة غير الموحدة من جانب المجتمعات الموحدة الأكبر هو عملية حتمية من خلالها حل تكيف مختلف الناس لحياة اجتماعية محل الأنواع الأقل تكيفا"(ص78).

نقاش سبنسر للمجتمعات الصناعية العسكرية يقدم رؤى لنظرياته التطورية. بالتأكيد تمثل الحرب اكثر الاشكال تطرفا لبقاء الاصلح.

سبنسر مقابل دارون

موضوع دارون الرئيسي للدراسة كان العالم الطبيعي للنباتات والحيوانات، بينما موضوع سبنسر الرئيسي كان المجتمع البشري. هذا الادراك يقودنا رجوعا للسؤال المطروح في بداية المقال هذا – لماذا نستعمل تعبير "الدارونية الاجتماعية" بدلا من القول "سبنسرية اجتماعية"؟ الدارونية الاجتماعية تستلزم تطبيق أفكار دارون البايولوجية (الاختيار الطبيعي) على العالم الاجتماعي – لكن هربرت سبنسر عمل ذلك سلفا بعمله بقاء الاصلح من خلال التطور الثقافي.

ان شعار "الدارونية الاجتماعية "جرى تطبيقه على أفكار كثيرة نوقشت في علم اجتماع سبنسر. فمثلا، جرى تطبيقه على الصراع بين الجماعات، والمنافسة، خاصة دور السلطة والثروة، الكولنيالية والامبريالية، مبادئ عدم التدخل في الاقتصاد، العسكرتاريا، وبرامج تحسين النسل. عالج سبنسر كل هذه المجالات من منظور التطور الثقافي وبقاء الاصلح.

دراسات دارون الطبيعية الملفتة اثّرت على العديد من العلماء في الماضي والحاضر وتستحق أوسمة التقدير. لكن الفكرة التي نطرحها هنا هي ان سبنسر أيضا أعطى رؤى عظيمة حول الطبيعة الثقافية. باختصار، مفاهيم "الاختيار الطبيعي" و "بقاء الاصلح" هي بالتأكيد مترابطة، لكن هناك أيضا بقاء الاصلح في عبارات او سياقات ثقافية. لابد من الاعتراف بمساهمات سبنسر عبر استخدام مصطلح "السبنسرية الاجتماعية" حينما يطبق التفكير التكيفي بشكل خاص على المجتمع الإنساني.

***

حاتم حميد محسن