عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حوارات عامة

حوارات عامة

- أميل في كتاباتي الى لشعر الذي يعبر عن الشجن الروحي ويميل الي الانطباعية في رسم الحلم والواقع..

- كان لي الشرف ان كنت من بين الشاعرات والشعراء الذين مروا من التجربة الشعرية الي التجربة القصصية والروائية وقد نجحت في ذلك..

- الشعر قادر على رصد الانفاعالات اللامتناهية وهو المدرسة الأولى التي يقف أمامها النقد صغيرا لاهثا وراء مراكماته.

- لحظة الكتابة تبقى لحظة فارقة وخارجية عن النص والزمان والمكان..

- كتبت في عدة أغراض شعرية.. في الشعر الغناىي والملحون والقصائد الموزونة وبين العمودي والحر والقصيدة النثرية..

- شاركت في عدة منتديات ومهرجانات عربية في تونس وخارجها كمصر وسوريا والعراق من خلال جوائز أدبية او تكريم لمسيرتي الابداعية..

الأديبة فتحية نصري متحصلة على الأستاذة في اللغة والحضارة العربية مربية اصيلة مدينة القصرين بدأت بكتابة الشعر والقصة القصيرة متحصلة على عدة جواىز وطنية في القصة القصيرة والشعر صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان "مدينة اغتيال الأحلام" عن دار سحر للنشر ورواية بعنوان "امرأة الليل" عن دار كنعان للنشر بدمشق وطبعة ثانية للرواية عن دار بيبلومانيا للنشر سنة 2021 تحصلت علي جائزة عربية في مصر عن رواية "امرأة الليل " من قبل المركز العربي للدراسات وللدقيق اللغوي وخدمات ما قبل الطباعة بإشراف الاستاذ فايز ابو جيش وعن منتدى غادة صلاح ولها قيد النشر مجموعة شعرية عن دار بيبلومانيا للنشر ورواية تتحدث عن زمن الكوفيد.. اختارت العمل الحقوقي أيام الثورة وبعدها وهي رئيسة منظمة نسوية تدافع عن حقوق النساء وترافق النساء ضحايا العنف وعضو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وناشطة حقوقية.. بدأت بالشعر الذي تتقول عنه ".. وكلما اشتد الوضع قسوة اعتبر الشعر ملاذي وراحتي الأبدية وبيتي السري.. ".

هنا حوار معها عن الكتابة والتجربة والمسار الأدبي:

1/ كيف تتحدث الشاعرة والكاتبة فتحية النصري عن تجربة البدايات مع القصيدة.. مع الشعر.. والسرد.. ومع أرض السباسب.. الذات والمكان؟

- تجربة البدايات: اعتبرها تجربة العنوان والاندفاع الثوري والتمرد واكتشاف العالم.. كانت تجربة البدايات تتشكل وتنغمس في سجايا الروح وتبحث عن النقاء الثوري الذي نصبو اليه فكان من الطبيعي أن أميل الى الشعر الذي بيعبر عن الشجن الروحي ويميل الي الانطباعية في رسم الحلم والواقع وكذلك لانه قادر على رصد الانفاعالات اللامتناهية للحظة الشعرية التي تبحث دائما على أشكال تعبيرية آنية وانفعالية كانت أيضا متعلقة بالمزاج العام الذي كانت فيه القضية الفلسطينية هي البوصلة لتشكل وعيي الثوري كاغلب أبناء وبنات جيلي الى جانب التعلق بالمكان والوجه الحبيبة التي تدفعك للكتابة وفك شيفرتها حقيقة للمكان بلدتي التي اعشق تأثير كبير في مسيرتي الإبداعية والشرعية أين يتماهى الذاتي بالموضوعي فتربة الشعانبي الندية تلك المحمية الطبيعية العالمية والقمة الشماء والاابات الوارفة الظلال تاتير ارتبط بمخيلتي جعلت من وعيي يتفتح مبكرا وينتصر فيه للحب والجمال المحطة القديمة والَمقطورات المعملة والبيوت ذات الطابع الفرنسي القديم التي هجرها اصحابها جعلت من خيالي ينفلت بلا حدود حكايات تحفر في الروح وانا أمر في شوارعها التي احتضنها أشجار الكلبتوس والصفصاف تلك السواقي التي تشق البساتين والممرات.. كانت توشوشني بمالاف الحكايات بساتين العريش رىة القصرين التي تلطف الأجواء بغاباتها واشحارها المثمرة كجنة حان قطافها لتهدي العابرين ثمارها.. وادي الدرب الذي يتفتح على المسرح الروماني والمدينة الأثرية بسيليوم هي وسفيطلة بوابات النصر التي تذكر بأمجاد هذه الربوع المنسيك لتحدث العالم انها كانت عاصمة أفريقية لمىات السنين.. الوجو المتعبة للامهات والجدات المنحوتة بيد ريشة فنان فلورنسي فتواري أسرارها بالرسم الامازيغي الذي بخلتل الزمان ويعبر الحضارات محتفضا بالأصل محافظا على لغة الأجداد في الوجة الوشم الذي بحدث الدنيا عن اصولنا للرجال الاحرار الامازيغي مايدة يوغرطا والجبال التي كانت حصنا للوطن وللفلاقة ايام الاستعمار فعاقبونا لأننا ثرنا فزرعوا فيها الارهاب العيون الخضر والأزرق والشهلاء تحدث التاريخ عن المال في هذه الربوع رغم القبح الذي يحاصرنا ورغم الإهمال والنسيان تجعل مني شاعرة فلا خيار لي في ظل بيئة حاضنة للعشق والعرفان كل هذا الحب والجمال الطبيعي والطقس البارد الشتوي القاسي والصيف الحار الذي يتحفك لنسمات جبلية لا مثيل لها تسكن روحي فكلما ارتحت عنها عدت العاشقةالتي يدميها الهجران معهد الشهابي ابطي درست فيه اتاح لي المرور اليومي أمام معلمها البسيطة فتحفر في الروح آلاف القصص والحكايا التي لا تموت ومنه كانت بدايتي بالخاطر والمحاولات العربية في سن الثالثة عشر..

2/ الشعر والنقد.. ماذا تقولين عن العلاقة بينهما؟

- أعتبر الشعر المدرسة الأولى التي يقف أمامها النقد صغيرا لاهثا وراء مراكماته باحثا عن تجلياته بلا جدوى محاولا سبر أغواره فيعود متعبا مهزوما منكسرا أمام قوة حصونه المحكمة البناء لان الشعر وليد اللحظة الشعرية الفارقة والاحساس الروحي الصادق الذي لا يخضع للقواعد والقوالب والاملاءات متجاوز المنطق الذي يرغب النقد في اخضاعه له فلا ينجح وان ربح المعارك فهو الذي يخسر الحرب داىما مهما اجتهد في تفسير هذه الظاهرة الإنسانية الراقية يظل طفلا غريرا يعوزه الاحساس الصادق باللحظة الشعرية فيفسر مالا يفسر لذلك يظل الشعر أرقى انواع التعبيرات الفنية في نظري ويظل النقد بوابة منطقية تحاول توجيه الشاعر الي بوصلة لا يقصدها في أحيانا كثيرة على أهميته وبروز العديد من المدارس النقدية الحديثة موفقيالشخصي اعتبر الفنان كلما تخلص من سيف النقد والايدبولوحيا ظل قادرا على الإبداع اكثر حرا طليقا ثاىرا على على كل القوالب والقيود أما السرد فلي معه قصة عشق لا تنتهي بدأت منذ طفولتي سن الثامنة اوالتاسعة تقريبا إذ يعطي للمبدع مساحة للتداعي والتفسير والحكي بعيدا عن الترميز والابهام والغموض تاركا مساحة للتاريخ مراحل طويلة باسهاب فيه مكان للانفعال والخيال اكثر اتساعا وطلت تجربتي مراوحة بين الكتابة والسعر ولم أجد صعوبة في ذلك فالشعر يعطي مساحات اكثرا للأنثى ان تعبر عن عفويتها وميرلاتها في زمن ذكوري جارح هو بيتي السري وصندوق القديم وهو البوابة التي تترك لي مساحة للتعبير عن أحلامي وارهاصاتي وانتكاساتي التي تختزلني في عالم موجع للنساء في زمن التسليع لهذا الكاىن المفعم احساسا وشاعرية هذا المخلوق الذي قمعه التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد والدين. لذلك أجد في قلمي سلاحي وبيتي السري الذي يلهمني التحدي ومواصلة المشوار الطويل والمنضني

3/ كتبت القصيدة.. هل ترين أنك أضفت لها.

- بدات بكتابة القصيدة الموزونة في البدايات وتأثرت بالمخزون الشعري العربي القديم شعراء المعلقات وشعراء القرن الرابع كالمجتون وبن ابي ربيعة وقيس وليلى وشعراء الخمري لأبي نواس وبشار بن برد.. وانتقلت الس الشعر الحديث شعراء مطلع القرن العشرين شعراء رابطة القلم العربي والمدرسة الرومنطيقية وتأثرت بالنجددين في السعر كنازك الملاىكة والشباب والجواهر ثم ادوتيس وأنسي الحاج وعشقت تجربة نزار قباني لكن كان ميلي اكثر لشعر محمود درويش نهبت من كل هذه الشارب لكن ام أكن من هواة التقليد واومن بالطابع الخاص وخصوصي كل تجربة شعرية وحقيقة اميل الى الشعر الثوري عموما ولا اميل الي القيود والتفعيلة والقيود في الشعر فكتبت تأثرت لكل المدارس الشعرية واخترت قصيدة النثر وبدأت تجربتي الشعرية تتشكل بعيدا عن التقليد والقوالب الجاهزة اما عن اضافتي للشعر او القصيدة اترك ذلك للتاريخ والقارىء لكن لدي ايمان راسخ ان لكل شاعر خصوصياته الإبداعية وعليه ان يدافع عنها حتى تتشكل تجارب متنوعة وللنقاد والتاريخ قولهم الفصل

4/ ماذا عن أحوال القصيدة العربية؟ وما هي القضايا الشعرية التي شغلتك مع جيلك؟

- القصيدة العربية الثورية عانقت الروعة بعد خمسينات القرن الماضي واتسمت بالجمالية والتمرد على الساىد وتماهت مع هموم الشعوب ضمن مدارس راىدة متنوعة المشارب لذلك أعتبر أنه من الطبيعي أن يبحث الشعراء عن التجديد والتمرد عن القوالب (القصيدة الموزونة...) وكان من الطبيعي أن يبحث الشاعر عن طرق أخرى للتعبير ويعود سبب ذلك الى الانتسكاسات والارهاصات التي مرت بها شعوب المنطقة وفشل شعارات أمن بها المبدع ودافع عنها في تجربته الشعرية أو الانسانية والايديولوجية والفكرية جعلت من الواقع لحظة اقتراف للذنوب او خداع تلك الطوباوية الثورية لشعراء أصابهم ما حدث من خراب بون وتشاؤم في مصر النكسة او ما حدث للقضية الفلسطينية من تخل عن الأرض والدخول في المفاوضات او الحرب على العراق وربيع الخراب الذي قضى على بقية الحلم رغم انه كان كل الحلم وليبيا وسوريا واليمن صور مؤلمة وصراع مع رجعيات عانينا تديرها المنهج للوعي الجمعي في العشرية السوداء في تونس.احدث كل ذلكر.تاثير فارق فالحروب والوهن والخراب جعل من الشعر في حيرة بين الساىد والحلم لذلك اعتبر ان من الضروري ان يبحث الشعر عن صورا جديدة تتناسب مع حجم ما وصلنا اليه من تغييرات ليفتح متافذا أخرى للحلم والأمل حتى اكون اكثر وضوحا كل ما حدث من خساىر علينا أن نتجاوزه بثورة فكربة وابداعية تجعلنا نعبر الراهن بسلام وأكبر دليل على أن القادم أجمل وجود أقلام واعدة ومبدعة وملهمة لنا حتى نستمر لأن جل ما شغل جيلنا قضايا مفصلية كتحرر شعوبنا من نبر الاستعمار المباشر او الغير مباشر فتوحش الرأسمالية الغربية والأمريكية أعاد هذه الشعوب الى البدايات كل هذه الانتكاسات أنجبت جيلا هاربا من واقعه متاثرا بجنة الغرب التي احرقتنا في ظل تعقيدات ومؤامرات تشهدها المنطقة لم يكن االفنان والمبدع في مستوى تحديات الراهن وانخرط في معارك جانبية اما مع الربيع اوضده متناسيا ان الثورات أساسها فكري وفلسفي وثقافي حتى تنجح. في ركام ولجج هذه التغييرات المذهلة والمتتالية يبقى (الشاعر الكاتب المبدع المسرحي الرواىي الرسام..) مشتتا بين مرارة الواقع وقسوته وكثرةالتحديات المطروحة عليه ما شغلني كجل أبناء وبنات جيلي القضايا العادلة مسألة الحرية وانتكاسة أحلامي بمستقبل يسود فيه العدل والحرية والمساواةالتامة والفعلية والقضاء على الظلم وقد ذكرت فيما سبق تأثري بقضايا التحرر العادلة في أمريكا اللا تينية وجنوب افريقيا وخاصة بالقضية الفلسطينية كانت لي رؤية كونية وانسانية للعالم كنت حالمةرو تاىقة للعدل والحب والجمال وقد راكمت تجاربا ايديولوجبة وسياسية أثناء الدراسة وفي النقابات وتأثرت بالفكر التقدمي ودافعت عن موقفي من الوطن والكون والحياة

5/ ماذا عن لحظة الكتابة لديك.. وهل نال شعرك ما يستحقه نقديا؟

- لحظة الكتابة تبقى لحظة فارقة وخارجية عن النص والزمان والمكان في الحقيقة حافظت دوما على عفويتها ومزاجيتها التي تبقى رهينة الإلهام والصفاء الروحي وتوفر شروط ذاتية وموضوعية للكتابة ظلت تراودني داىما فكرة اخضاعها للحرفية لكن فشلت ولم افلح في ذلك وتبقى طفلتي الحالمة التي تشبعت بقيم النقاء وجمال روح البدايات تغلب على طبعي وهذا ما يجعلني مقلة في النشر رغم أنني لم انقطع عن الكتابة نظرا لايماني باللحظة الإبداعية الفارقة والجمالية والكمال (الحق والحب والجمال...) لا -أنكر مزاجيتي واتمنى أن أصل الى الحرفية وأتمنى ان أتجاوز ذلك.. انا ابنة السباسب وحبي لمنطقتي وبقاىي فيها لم يتح لتجربتي الإبداعية الشعرية والرواىية ان تأخذ حظها كما أرى أن ذلك يعود لعدة أسباب اهمها تمركز الحركة الأدبية في العاصمة او المركز وعدم تفتحها على الداخل او الهامش وعدم أطلاعه وتعرفه على تجارب إبداعية واعدة رغم ان كتاباتي وجدت احتفاء عربيا في الجراىد والمجلات الخليجية والمشرقية كروايية وشاعرة نالت جوايز عربية لافتة معلي المستوى المحلي اسم فتحية نصري المربية والشاعرة والرواىية والمتاضلة الحقوقية والنسوية يعرفه الصغير قبل الكبير وايضا على مستوى العربي في دمشق والقاهرة عترف اهم النقادلعرب والمبدعين بجودة قلمي لكن اتمنى ان يتم تثمين تجربتي في وطني والتعريف بها وهذا ليس مقتصرا علي انا فقط فقد تم تهميش العديد من الأقلام المتميزة والمتمكنة من الفعل الإبداعي في تونس فقط لأننا لسنا في المركز لذلك لم تحضى تجربتي الشعرية والرواىية بحضها من النقد والتعريف

6/ بعض الشعراء مروا إلى الرواية وأبدعوا فيها.. كيف ترين ذلك؟

- كان لي الشرف ان كنت من بين الشاعرات والشعراء اللذين مروا من التجربة الشعرية الي التجربة القصصية والروائية وقد نجحت في ذلك فمجموعتي القصصية الأولى مدينة اغتيال الاحلام عن دار سحر للنشر تحصلت أقصوصاتها على جواىز وطنية كذاك روايتي امرأة الليل في طبعة أولى عن دار كنعان للنشر بدمشق والطلعة الثانية عن دار بيبلومانيا للنشر بالقاهرة تحصلت على جاىزة عربية سنة 2021 عن المركز العربي للدراسات والمراجعات الأدبية الذي يشرف علبه الاستاذ فاىز ابو جيش وعن منتدى حسام عقل وغادة صلاح وقد لاقت صدى طيبا فقد كنت فخورة ان قلمي مثل المرأة المبدعة التونسية أرقى تمثيل

لاننا جيل قد راكم تجربته الثقافية بشكل متنوع المشارب وكان لنا اهتمام خاص بالكتاب وتربينا على عشق المطالعة فكنا نحتفي بالكتاب فنطالع الشعر والرواية والنقد والمقالة الأدبية والكتب السياسية.. وقد بدأت تجربتي الشعرية وتجربة الكتابة القصصية في نفس الفترة ونلت عن ذلك العديد من الجواىز الوطنية مع انني اؤمن بأهمية الموهبة التى لا غنى عنها حتى أن جل النقاد الذين اطلعوا على كتاباتي القصصية أجمعوا على شعريتها في نظري لا حدود للشعر والقصة والرواية في الإبداع مادام القلم قادر على خط ملامحه الإبداعية بحرفية شرط الاقدار والتمكين والموهبة حتى لا نشرع لتداخل التخصصات الابداعية.

7/ هل ترين للشعر من جدوى في الزمن الراهـن؟

- للشعر في كل الأزمنة والأمكنة ضرورة واضحة فاضحة للرداءة والظلم والقهر معليا بذلك راية احق والحب والجمال سيبقى الشعر ما بقى الإنسان أداة جمالية راقية تكشف مكامن الروح ورقي الوجدان تكشف انحطاط الإنسان وتعري حيوانيته وتدعوه الي خوض التجارب المجهولة ذلك الكاىن المحب للطبيعة والقادر فجأة على حرق كل إنجازاته.. سيبقى الشعر ما بقى الانسان حرا من كل القيود.. تايقا للابهي والاجمل الشعر نبض حي ضمير الشعوب وموقف من الحياة بل هو الحياة نفسها وهو تشريع للحلم وبعد جمالي نابض باللمل والديناميكية أحمد فؤاد نجم بابلو نيرودا درويش نزار.. منهم تعلمنا أن الشعر هو الإنسان يتجل بهيا فيرسم بالكلمات ما تعجز عنه ريشة الرسام يؤرخ للحظات الإبداع الفارقة منه فقط راكمنا تجارب الشعوب وتعلمنا ان الافق كوني أرحب وأن الجمال هو غاية انسانية يمارسها الشعر ويقترفها كل بوم فكلما ضاقت بي السبل التعبيرية انحاز حتما للشعر والشعربة.

8/ هل كتبت شعرا وقع التغني به.. وكيف تقيمين حال العلاقة بين القصيدة والأغنية التي تمر الآن بأزمة إبداع وطرب؟

- كتبت في عدة أغراض شعرية كتبت الشعر الغناىي والملحون والقصايدة الموزونة وبين العمودي والحر والقصيدة النثرية. اذكر انني كتبت قصيدا غناىيا اثر وفاة شكري بلعيد لاحد الفنانين الهواة لتبقى العلاقة بين الشعر والغناء علاقة روحية متلازمة فمتى كانت الكلمة راقية وصادقة ومرهفة وفيها مجال للإبداع والجمالية تضمن للفنان الانتشار وللاغنية الخلود. هذا لا يجعلنا نغفل عن أزمة الأغنية في الفترة الأخيرة وتعمد الكلمات السطحية مع الإيقاع السريع وجنوح الفنانين لاختيار أغاني تجارية تخضع لمتطلبات السوق التي تفرض سطحية المفردات وسوقيتها وتعمق أزمة الأغنية اليوم كذلك بروز فن الراب او فن الشارع وميل الذوق العام نحو هذا النوع من الغناء هو ظاهرة تستحق من المبدعين النزول الى الواقع وفهم مشاكل ومشاغل الشباب إضافة إلى تردي الذوق العام وفشل المشاريع الفكرية الثقافية والتربوية لبلداننا خاصة في تونس كأزمة الكتاب او نفور هذه الأجيال من المطالعة ف دورنا اليوم هو كيف نعيد الثقة في الكتاب بكل مضاربه وكيف يستعيد المبدع دوره في مجتمعه ويتماهى وواقعه الثقافي بعيدا عن التقوقع والعنجهية والتعالي باعتباري ناشطة في المجتمع المدني لا القي بالمسؤولية على هذه الاجيال بقدر ما هو تحميل الدولة والمثقف ما وصلنا اليه من ترد ثقافي الحل في مشروع فكري وثوري متكامل تتبناه الدولة بكل تعبيراتها مع إعطاء المبدع دوره الحقيقي وتشجيعه. حقيقة في وطني لا نقدر كفاءاتنا ولا نحترم مبدعينا إضافة إلى انتشار وساىل التواصل الاجتماعي التي خلفت لنا مبدعين من وهم ومن ورق وادمان الانترنيت جعل من هذه الاجيال تنفر من الكتاب وتبحث عن الاستسهال وادمان الألعاب الاكترونية والتقوقع هذا الوهم الافتراضي جعل من الجميع يستسهل الشعر والكتابة الي جانب نفور المبدع من واقعه وتهربه من الفعل الثقافي الحقيقي في واقعه والتهرب من أهمية التجديد في واقع متغير بشكل مذهل ويومي وضرورة الوقوف على أهمية التغيير والتجديد في الأساليب الإبداعية المعتمدة والتي قد لا تناسب هذه الاجيال حتى نقلل من الفجوة بين الفنان المبدع وواقعه.

9/ هل يمكن أن نتحدث اليوم عن جماليات أخرى جديدة ومغايرة تتطلبها القصيدة العربية؟.

 - ان التغيير المذهل الذي يمر به العالم وبروز وساىل التواصل الاجتماعي كطرق حديثة للتعبير والتواصل يجعل من الضروري ان نفكر في طرق جمالية وابداعية متطورة تتناسب وهذه الفجوة الرقمية التي تفصلنا عن الكون والحياة حتى لا نكون خارج التاريخ ولا نتعامل مع الأحداث بحرفية وحضور يشكل لدينا وعي حقيقي بالتغيير لنقترب اكثر من القارىء والمستهلك الأساسي للمادة الإبداعية بشتى انواعها حتى لا نبني فجوة بيننا وبين الواقع باعتبار ان المثقف العضوي هو الفاعل وليس كيانا منفعلا يسلب نفسه الموقف من الكون والحياة بعيدا عن الشعبوية والشعارات الزاىفة للسياسيين وللأسف سقط في ذلك المثقف وأصبح حبيس التصنيف الأيديولوجي حقيقة علبنا ان نفكر في طرق إبداعية وجمالية قريبة من الواقع الإنساني والمجتمعي الذي يجبرنا على خوض الكثير من التحديات.. ان التوحش الامبريالي والعولمة المتسارعة جعل من المثقف او المبدع حبيس الروتين اليومي والضغط الاقتصادي داخل داىرة مغلفة تجبره على الاستسلام او الاكتىاب يجعلنا نفكر بكل جدية في مشاريع ثقافية وفكرية تتبناها الدولة وبكون المثقف شريكا فاعبا فيها حتى نتقذ الإبداع من هذا الانحطاط والرداءة اللتان تحاصرانه ونبني جسرا من الثقة والود بيننا وبين المتلقي هذا الزمن الذي توحش فيه الإنسان وداي على كل القيم الإنسانية من أجل متافعه وصالحه اما كدول او كأشخاص غزل الأمل وبناء الثقة بيننا وبين القاريء او المستهلك للثقافة امر ضروري فالمصالحة لا تنبني على التعالي الغطرسة فكلما اقتربنا من هموم الناس كلما ضاقت داىرة الخوف وأسعدنا دور المثقف الفاعل في واقعه مثلا الأغراض في استعمال لغة أكاديمية لن يفهمها هذا الجيل ولن تعبر عن مشاغلةه ومشاكله صناعة حقل لغوي يناسب الواقع وطموحات هذا الجيل هو مشروع على المبدع والدولة تبنيه من خلال مشاريع ثورية متطورة في النهاية نحن نرنو الي يلاية التعبير والواقعية والاقتراب من روح المستهلك للفن والابداع بكل أنواعه وتجلياته ولسنا دعاة للاستسهال او للرداءة

10/ هل ترجمت أشعارك لغات أخرى؟.

 - لم تترجم كتاباتي الشعرية او الروائية الى أي لغة وأتمنى ذلك لانه سيمنحني فرصة التواصل الإنساني مع ثقافات أخرى وبلدان أخرى للأسف اتمنى ذلك وهو حلم كل مبدع ان تترجم كتاباته الي لغات أخرى وبالتالي سيمنحه حياة أخرى امل ذلك في أقرب فرصة

11/ ما هي أهم مشاركاتك الشعرية العربية والدولية إلى حد الآن؟

- شاركت في عدة منتديات ومهرحانات عربية في تونس وخارجها كمصر الشقيقة وسوريا والعراق من خلال جوائز أدبية او تكريم لمسيرتي الابداعية في الشعر وقد نلت التكريم في الشعر في أكثر المهرجانات ذات الطابع الدولي مثلا من قبل رابطة جمال الدين والعنقاء الأدبي بالعراق الشقيق في تونس وتحصلت روايتي امرأة الليل عن دار بيبلومانيا للنشر على جاىزة عربية وتم تكريمي في القاهرة من قبل المركز العربي للمراجعات وللدراسات الأدبية الذي يشرف عليه الاستاذ فاىز ابو جيش وومنتدى غادة صلاح والدكتور حسام عقل الى جانب استقبالي والاحتفاء بي من قبل اتحاد الكتاب العرب بإشراف الدكتور علاء عبد الهادي الى جانب السفارة التونسية في القاهرة وهذا يجعلني على ثقة تامة بأهمية التعريف بتجاربنا الإبداعية خارج حدود الوطن لأنها أينما حلت تترك أجمل الانطباعات كذلك لنتعرف على التجارب الإبداعية العربية او الإنسانية لنثري تجاربنا ونستمر في الفعل الثقافي والتميز والابداع

12/ وأنت في أوج هذه المسيرة الشعرية والسردية.. ماذا تقول الأديبة فتحية النصري؟

- مازلت أخوض تجاربي الشعرية والرواىية بشغف وأحلم بربيع اللوز يحف الخطى على هذه الأرض الخضراء الندية والحبيبة أنا هناك من جبال السباسب الشامخة ومن سفوح الشعانبي الذي مر بمحن كثيرة راكمتها كشاعرة وكرواىية وابنة هذه الربوع المناضلة ضد النسيان والتخلي أنتصر للحب وللحياة اقول لك صديقي مازلت طفلة تقترف ذنب الكتابة وتتعامل مع الكون بوجدان الثاىرة على النمطية والرتابة في الكتابة وفي الشعر سعدت كثيرا بهذه المصافحة الراىعة وهذه الصدفة التي جمعتني بك صديقا أكن له كل الاحترام والتقدير شكرا للعاصمة الخضراء التي جمعتنا والف شكر لك مبدعا أصيلا وصديقا وفيا تحياتي لك لأنك فسحتم لي المجال من خلال منبركم الاعلامي الراقي لشخصي المتواضع فتزدحم الأفكار وتتردد الكلمات فأقول في حبك يا بلدي /مازلت ليك نغني ومازلت نزرع دروب الورد بعزفي وفني / سنبقى الأقرب رغم المسافات وسيخط قلمي آيات العشق والعرفان لهذا الوطن الجميل الذي عشقنا رغم المركزية الضيقة والنسيان من جبال الشعانبي الشماء سنظل أوفياء للحب والجمال من ربيع الزعتر ومن نسماتها البهية وغاباتها سنحضن عشقنا لخضراء العيون سأبقى طفلة عاشقة للوطن بوصلتي الإبداع والكتابةضد الرداءة والنسيان نابضة بالحياة لأن في الكتابة حياة سأكتب حتى ينصفنا التاريخ على العهد دوما وان باعدت بيننا المسافات سنكتب عن تونس التنوع والمحبة سأكتب عن السباسب التي عشقنا خراىط وجع ووشمات امازيغية تحدث العابرين عن الثورة والحب والحياة سنكتب ضد الرداءة سنتغنى بالشعر ضد القبح وسنعلي رايات التمرد والحق والجمال.. اذا دجن المبدع وتخل عن التمرد عن الساىد سيظل الطريق لذلك سأحافظ على روح الثورة والتمرد في داخلي

13/ بماذا تحلمين ككاتبة.. الشاعرة والانسانة؟

 - أحلم كإنسانة وكشاعرة أن تلغى الموانع الحدود وتبقى غايتنا الأساسية الإنسان سنشرع سفينتنا للريح ونترك للحلم فسحة أخرى ونبحر مهما اشتدت العواصف كل ما اتمناه أن لا نذبح أماني أبناءنا ونقاوم بكل عنفوان المركزية الضيقة وان يفسح المجال للجميع حتى لا نكون على الهامش ونقاوم العنصربة والجهوية المقيتة وأنا ن تبقى تونس اما لنا تحضن إبداعات ابناىها ولا تتركهم فريسة للتخلي والنسيان والتطرف أرفض التقسيم والتسطيح الذي جعل منا غرباء داخل هذا الوطن العزيز اكتب اكثر من ثلاثين عام كنت المتمردة التي ترفض التاطير انتميت اخيرا الي اتحاد الكتاب أحمل خلفي ارثا لسفيطلة وسيليوم عاصفة أفريقية لمىات السنين أحلم بتونس الممكنة أحمل خلفي وزر سنوات من النضال الحقوقي والنسوي ضد التهميش على أساس النوع والجنس والعرق واللون ما أعد به =الكتابة ثم الكتابة ضد الرداءة وانتصارا للحياة

14/  وأخيرا..

.. واخيرا تركت لي فسحة حرة من الانفلات الفكري فمارست كعادتي طقوس اقتراف الكتابة دون قيود او تابوهات.. كل الشكر والتقدير على هذا المتنفس الاعلامي الذي فسح لي المجال كي اعبر عن كل اختلاجات وثورتي وحبي للإبداع ولهذا الوطن الحبيب والجميل.. فقط سأقول لك عشت فترات كانت فيه المنتديات الأدبية والمهرجات الشعرية من شمال البلاد حتى جنوبها تدفعنا للمنافسة والكتابة.. هذا يجعلني متأكدة ان على هذه الأرض الخضراء الندية من أقلام متمكنة ومبدعة ما يترك لنا مساحات للحلم والفعل الثقافي ما يستحق عناء الكتابة والابداع والحياة فتحية نصري الشاعرة والرواىية والقاصة ستواصل الكتابة ضد القبح واعلاء قيم الحق والحب والجمال والتمرد على السائد والتأسيس ضمن جيل من الشعراء والكتاب كان وفيا ومنحازا للإبداع والجمال.

***

حاورها: شمس الدين العوني - تونس

- الشِّعر إذ مُنح الطبيبُ موهبتَه مبكّرا، فإنه سيكون أكثر عمقا وإبداعا وتألُّقا عمّا سواه.

- المِحَن قد لا تقدح شرارة الشِّعر إلّا متأخّرة بعضا من الوقت.

- للأطباء في العصر الحديث حضور متميز في الإبداع الشعري.

- الهايكو؛  نثر جميل وأحاسيس عميقة  تتناسق وتتهادى على ضفاف بحور اليابان  لا على بحور شعرنا العربي الأصيل.

-النظر بالعين، أما البصر فهو بالمراكز الحسّيّة للإبصار في الدماغ، وتحديدا في المنطقة القذاليّة منه.

- الأنانية وحبّ الذات حقّ لكل البشر، ولكن بنسبة لا تؤثّر على مصالح الآخرين.

***

لا زال العراق يذكّرنا جيلًا بعد جيل أنه مهبط المتنبّي والفرزدق وجرير؛ إذ راح ينساب الشعر فيه انسياب دجلة والفرات، وشرع يثمر الشعراء تلو الشعراء كما يثمر نخيلُه التمر، وهكذا كان الطبيب والشاعر عبد الودود القيسي، الذي وُلد بين جنباته عام 1946، وتخرّج في كلية الطب بالعاصمة بغداد عام 1969، ثم تحصّل على شهادة التخصّص في طب وجراحة العيون من لندن عام 1976. شارك في عدّة مهرجانات شعرية عراقية وعربية، ونظم ثلاثة دواوين تَعانق فيها الطب والشعر حين احتلّت العيون صدارة عناوينها: (همس الأحداق) و(أوتار الأحداق) و(فاء الأحداق)،  كما صدر له مؤلّف عن الإعجاز القرآني في طب العيون.

ومن نافلة القول، أننا تواعدْنا لتناول وجبة فكرية وأدبية على مائدة هذا الحوار، ولمّا حان الموعد لم يغفله متعلّلا بالانشغال كمَن يظنون أنهم يحكمون العالم ويديرون دفّة الكون بينما هم أفرغ من شاشة التلفاز بعد انتهاء الإرسال، كما لم يسوّف كعادة أكثر القوم اليوم حين يَعِدون ويخلفون ثمّ يَعِدون ويخلفون وهم في ذلك أكذب الناس وأشرّهم ولا ريب، بل طلب إمهاله لبعض يوم مقدِّما عذره، ولمّا أجبْتُه إلى طلبه، ارتجل هذين البيتيْن الرقيقيْن:

"يا لطيفا يا كريما يا منيرا

سيكون العسر في صبحٍ يسيرا

أنــــــــــا للعهدِ قمينٌ قـــلبُه

ولـــــــــه أبقى بلا قيدٍ أسيرا"

ويبدو أنه ما زال وفيًّا للقلم والقرطاس، إذ وافاني بأجوبته مكتوبة على غير عادة القوم في هذا الزمان الإلكتروني، وأظنّها كانت تجربة استثنائية شاقّة بعض الشيء بالنسبة لي، ولكن أمام الإبداع يهون كل شيء.

الحوار

* ماذا لو خلَت الأرض من الشِّعر والشعراء؟

- الشعر ليس شهدًا للُّباب والقلب فحسب، إنما هو أنوار تنير جوانح النفس التي ران عليها ظلام الحياة، وخاصة في عالمنا الحالي الذي يكاد أن يكون مجرَّدا من الإنسانية! لقد كان الشعر ديوانا للعرب، ومتنَفَّسا للمنشِد والمنشود، ووجود الشعر في الأمّة لا يمكن أن يكون إلّا ضرورة وحاجة إذ فُقدت فقد المجتمع أواصر روحية وعاش في حيرة التعبير عن كوامنه سعادةً وألما.

* ما مدى مصداقية قولنا: الشعر أقرب إلى أطباء القلب والنفس منه إلى الجرّاحين؟

- لا أرى للمهنة علاقة في القرب أو البعد من الشعر، وقد يكون الجرّاح أقرب مِن سواه في الأطباء بكافة تخصصاتهم، فالشِّعر تعليم ربّانيّ، وهذا الكلام استنتجتُه من قول الباري عزّ وجل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "وما علّمناه الشّعر وما ينبغي له" ، أي أنه منْحة من الله وهبة، قد تُصقَل وتنمو وتُثمر بالاطلاع على ما قاله الشعراء السابقون، وبتثقيف اللباب بلغة الضاد. وإذا ابتعدْنا عن الأطباء، فإنني رأيت أساتذة كبارا يحملون درجة الدكتوراه في اللغة العربية ولا يستطيعون نظم بيت واحد من الشعر، فمعرفة اللغة والتعمّق فيها لا تعطيك الموهبة الشعريّة. وللأمانة أقول، إن الشِّعر إذ مُنح الطبيبُ موهبتَه مبكّرا، فإنه سيكون أكثر عمقا وإبداعا وتألُّقا عمّا سواه، لأنه وبحكم تفوّقه الدراسي، أكثر قابلية للحفظ والتصوّر والفهم.

* ماذا وجدتَ في العيون من سحر فَتَنَت به الشعراء وسجّلَت حضورَها الأخّاذ في قصيدهم؟

- الأعين –وليس العيون- منحة الباري عزّ وجلّ لكل إنسان، فبها يرى ومن خلالها يبصر. وقد كتب الشعراء عن الأعين الكثير؛ لأن العين هي الباب الأوّل والناصع الألوان لكل المشاعر الإنسانية: شوقا وحنانا،  حبًّا وهياما، أو بغضا وتألما، هلعا وخوفا..وقد كتبْت عدّة قصائد تغزُّلا وهياما بالوطن والأمّة، فضّلْت افتتاحها  غزلا وتشبيبا بعين الحبيبة التي قد يظنّ البعض أنها المرأة، ولكنها أرض الوطن وترابه ونخيله، فقلْت:

هي المكاحل من عينيكِ تكتحلُ

وفوق خدّيْكِ لون الورد يكتملُ

*

لا تُوصَفينَ بأشعارٍ منمَّقةٍ

فأجمل الشعر بالمحبوب  يُرتجَلُ

أَسْدلْتِ شَعركِ فوق الوجه مُطرِقةً

كأنما الصبح تحت الليل ينسدل

* أعلن الشاعر أحمد مطر كفره بالشّعر الذي لا يُوقف الظلم ولا  يحرّك الضمائر، فبأيّ الشعر تؤمن وبأيّه تكفر؟

- كل جميل في الشعر أحبه، ولا أميل إلى كلمة الكفر فيه، من أيّ وعاء وإنسان خرج. سُئلْت في مقابلة صحفيّة عن رأيي في أحد الشعراء العراقيين الكبار، فقلت: أُكبره وأحب شعره ولكن أبغضه فكرا وخُلُقا. لقد كان شاعرا جميلا جدا ولكنه شعوبيّ ملحد وفاسد مفسِد، لا يحب وطنه ولا عروبته ولا دينه،  ويميل قلبا وعملا إلى الذين يبغضون العرب والمسلمين، ولهذا السبب أو ذاك، فإني أحب الشّعر بالشاعر وأحب الشاعر بالشّعر. الشاعر الذي يدافع عن أمّته وقيمها وتاريخها في شعره هو الأهم، وهو الذي يجب أن يُحَبّ ويُقيَّم، مع تألّقه شعرا.

* العراق ليس بخير الآن على أكثر من صعيد، هل انعكس ذلك على الشعر أيضا، أم أن المحن تقدح شرارة الشعر وتحفّز قرائح الشعراء؟

- عندما أذكر الشعر، أتذكّر بفخر أيام المِرْبِد الجامع لشعراء العرب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي وأحيانا الشعراء الأجانب، وعندما احتلّ المجرمون العراق العربي الأصيل، صوّبوا سهام أحقادهم إلى قلب الضاد ونبضه، وإلى قلوب كل العاشقين المغرَمين به، لأنه لم يكن احتلالا فحسب، وإنما تخريبا وذبحا لكل وريدِ نقاءٍ وشريانِ ارتقاء.  والواقع أن المحن قد لا تقدح شرارة الشعر إلّا متأخرّة بعضا من الوقت، ويبقى هول المعاناة من الغادرين العملاء أكثر من المحتل، لا سيّما لقلوبٍ اعتادت على الطِّيبة والنيات الحسنة والصدق.

* حسب إحدى بحوثكم الصادرة حديثا، ما أبرز ملامح الإعجاز القرآني في طب العيون؟

- أوّل بحث ألقيتُه كان في مؤتمر دولي للعيون أُقيم في العاصمة الأردنية عمّان،  وقلت في بدايته إنّ أوّل ما جلب انتباهي للسبق والإعجاز القرآني في طب الأعين، هي الآية الكريمة من سورة البقرة: "يكاد البرق يخطف أبصارهم كلّما أضاء لهم مشَوْا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إنّ الله على كل شيء قدير"،  ونحن نعلم اليوم أن البرق عبارة عن أشعة تحت الحمراء، وعندما تخترق العين مباشرة فإنها تصيب البقعة المبصِرة للعين وهي مركز النظر في الشبكية، فتكون النتيجة إمّا حرقها  أو تلفها أو حصول وذْمة فيها، وبعد أيام أو علاج تعود إلى حالتها الطبيعية عقب امتصاص الوذْمة، ولذلك فإنّ كلمة (يكاد) في الآية الكريمة مفتاحا للدلالة على الإعجاز والسبق القرآني. وكذلك الآية الكريمة "وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون" ، تقرّر أن النظر بالعين، أمّا البصر فهو في المراكز الحسّيّة للإبصار في الدماغ، وتحديدًا في المنطقة القذاليّة منه. وهناك إشارات أخرى كثيرة على هذا الإعجاز يضيق الحوار بسردها.

* كيف رصدتم إسهام الأطباء الشعراء في فضاء الشعر العربي على امتداده زمانا ومكانا؟

- للأطباء في العصر الحديث حضور متميز في الإبداع الشعري، وقد واجهْت في حياتي كثيرا من المضايقات والاستهجان عندما أشترك في مهرجانات شعرية أو عند  نشر بعض قصائدي، وأتذكّر أنني في ستّينات القرن  العشرين وقتما كنت أدرس الطب، كتبْت قصيدة بعنوان (الأمة الحَيْرى)، وأرسلتُها إلى مجلة أدبية متميزة في العراق والعالم العربي وهي (الأقلام)، ونُشرت بعد مقابلة لا أنساها مع مدير تحريرها حينذاك الأديب المعروف خالد الشواف، إذ كان لا يصدّق أنني كاتب القصيدة، خاصة حين علم أنني طالب في كلية الطب!

* على أيّ وجه تتعاطى مع ما يُعرف بقصيدة النثر وقصيدة الهايكو وغيرها من أنماط حديثة؟

- لقد جُبل الإنسان على حبّ السماع إلى نغمات تحرّك شغاف القلب طربا، وتتمايل من بعده الأجساد بحركات متناغمة قد لا تكون إرادية. والشعر العربي مثل أعلى في الألحان والنغمات ولا يُتقبَّل منه سوى ذلك، وهو الشعر الذي نسجه شعراء العرب ببحور (نغمات) وقوافي على سليقتهم وفطرتهم، ولذا فإنني أرى ما يُكتب الآن بدون وزن ولا قافية ما هو إلّا نثر وسجع لا يمكن أن يُسمَّى شعرا. فالشعر الحرّ، لماذا يسمّى حُرّا؟ هل الحرية انفلات من الحقّ والحقيقة! هذا لا ينفي أنني وجدت في بعضه نصوصا جميلة فيها مشاعر عميقة، ولكنها تبقى سردا ولا يحقّ لها أن تكون شعرا، وأكثر من ينسج من هذا النسج الجديد يريد أن ينال لقب شاعر وما هو بشاعر، بل هو ناثر مجيد أو ساجع عتيد. أمّا الهايكو؛  فهو نوع من السرد الأدبي يلائم مؤسّسَه الياباني القديم، وهو نثر جميل وأحاسيس عميقة  تتناسق وتتهادى أمواجا هادئة على ضفاف بحور اليابان  لا على بحور شعرنا العربي الأصيل. وهنا أوجّه سلامي وتحياتي لكل عربي يكتب الهايكو وأقول لهم: رفقا بحرف الضاد والشعر الأصيل.

* هل ترى أن ثلاثة دواوين كافية لتلخيص مشوارك الشعري؟

مَردّ ذلك إلى الواجبات التي تحمّلْت ثقلها وأوزارها أثناء حياتي الطبية في المحيط العسكري الذي تطلّب منّي جهودا مضنية لا أظنّ أقراني في المحيط الطبي المدني عانوها، وخصوصا الأحداث التي تعرّض لها بلدكم وبلدي العراق في تاريخه الحديث والقريب. ومع ذلك، فالدواوين الثلاثة أراها نعمة من الله ومنّة منه، وأرجو الباري عزّ وجلّ أن يمكّنني من إصدار الديوان الثالث وهو أكبر وأكثر غزارة من الديوانيْن السابقيْن. 

* بلغة الكيمياء –والشعر كيمياء من نوع خاص- ما هو أوكسجين شِعرك؟ وما ثاني أُكسيده؟

- إنّ حبّي لشعبي العربي ولبلدي العراق، وحبّي لضاد العروبة ولديني الحنيف، جعلنّي محبًّا لشعر أنسجه بمعاني هذا الحبّ. وأنا مؤمن أن حبّ الأمّة يبدأ بضمير حيّ محِبّ لأهله وعائلته، ومنه ينطلق لحبّ الأقربين ثمّ للأمّة ومُثلها العليا، وأعتقد أن البداية السليمة تكون على هذا السياق، ولا أتصوّر فردا يدّعي احترام الأمّة والمبادئ السامية وهو لا يحترم أبويه وأهله. وأرى أننّي أتنفّس بشعري -وكما نسمّيه الأوكسجين- إن انطلق بهذه المعاني التي سطّرتُها. أما الزفير في شعري -وكما نسميه ثاني أوكسيد الكربون- فهو التعبير عن رفضي وبغضي -شعرا- لكل غريبٍ معتدٍ آثمٍ على أمّتي ومبادئ ديننا الحنيف. إذن، أوكسجيني: هو ما أتنفّسه حبا، وثاني أوكسيدي: هو  ما أرفضه وأبغضه بغضا.

* في اعتقادكم، لمَن تذهب إمارة الشعر العربي اليوم؟

- أظنها ستذهب كما تذهب جائزة نوبل إلى الفائزين بها..

ليس للشِّعر إمارهْ      ضادُنا يعرف دارَه

إنه أمرٌ سِجالٌ     سِرُّهُ أضحى جَهارَه

والشِّعر كما تعلّمت من خبرته بي وخبرتي به، سهل النسج لمَن تعلّم تفعيلات بحوره، ولكن الشّعر حقيقة هو شعور دقيق من قلب رقيق ولبّ عميق، يسافر بصاحبه إلى آفاق رحبة ومعان جميلة أخّاذة مؤثّرة في قلب المتلقّي. وأرى أن معاني الشعر بدأت تُعاد في الغالب، ولكن ببحور وتفعيلات شتى، والذي يأتي بمعنى جديد لم يقله شاعر قبله هو صاحب سبق جديد مبارك. ومن هذا الشعر الجديد المعنى قلت:

أعداؤنا والخائنون ديارَهم

وجهان، صارا واحدا فتكشّفا

إن هم يديرون الظهور تستُّرا

فلقد عرفنا الوجه من ذاك القفا

* هل من وصية جامعة تهديها إلى الأطباء ومِثْلها إلى الشعراء؟

- الإنسانية والأخلاق الحميدة قاسم مشترك بين جميع الخلق ولا فرق بين الأطباء والشعراء في هذا، والتذوّق السليم للفعل والكلام ميزانه واضح جليّ. فعلى الطبيب أن يحب الخير للناس كما يحبه لنفسه، وتبقى الأنانية وحبّ الذات حقا لكل البشر، ولكن بنسبة لا تؤثّر على مصالح الآخرين وتؤرجح  حقوقهم في الصدق والخير. أما الشعراء الأطباء أو غيرهم، فهم في فضل من الله، إذ وهبهم هذه المنحة الراقية، وعليهم مراقبة المانح البارئ المصوِّر في كل ما يقولون وينشدون، فلا يكون شعرهم سلعة بيد الشاري ممّن يتقربون إليه به، لأن الشعر رقيّ وارتقاء ولا يُباع ولا يُشترى. موهبة الشعر عطاء رباني، وعلينا أن نكون بها أمناء أوفياء لأمتنا ولعروبة ضادها ولمُثلها العليا وتاريخها المجيد.

***

أُجري الحوار: د. منير لطفي

في  18 ديسمبر 2022م

 

- رجاء بكرية، أديبة، وفنانّة تشكيلية، ناقدة في مجال الفنّ المرئي.

- أستاذة محاضِرة في موضوع التعدّديّة المجاليّة، والكتابة الإبداعيةّ، في المراكز الثّقافيّة والكليّات الأكاديميّة تعيش في حيفا منذ 1996

صدر لها:

- عواء ذاكرة رواية، النّاصرة 1995 .

الصّندوقة (مجموعة قصصيّة). المؤسّسة العربيّة، بيروت 2003

- امرأة الرّسالة (رواية)، دار الآداب، بيروت 2007 سبتمبر

امرأة الرّسالة (الطبعة الثانية)، دار الجندي، فلسطين 2014

- امرأة الرّسالة، رواية (ترجمه للكرديّه)، وزارة الثّقافه، أربيل، 010

- باهرة، مجموعة قصصيّة ( ترجمة للكرديّة)، مؤسّسة نما، أربيل، 2009

- الباهرة، مجموعة قصصيّة، دار الجندي- القدس، 2015

- عَيْن خَفشة، رواية، الأهليّة – عمّان، يناير، 2017

- نمِرُ الثّلوج، (رواية للفتيان). عمّان، يناير يناير 2022

جوائز

حصلت على عدة جوائز:

- جائزة القصة القصيرة النسائية لنساء حوض المتوسط لعام 1997، عن قصّة "الصندوقة"، مارسيليا، فرنسا.

- جائزة، فنان مبدع، قسم الفن التشكيلي، وزارة المعارف.

 - جائزة فناّن مبدع بين السّنوات 2001 \2002، 02 \03.

- جائزة الإبداع الأدبي 06 عن روايتها "امرأة الرّسالة"، وزارة الثّقافة- القدس.   

- جائزة الإبداع الأدبي 09، عن ترجمة روايتها "امرأة الرّسالة" للكرديّة، وزارة الثّقافة، أربيل.

- جائزة الإبداع الأدبي 018، عن مجمل إنتاجها الأدبي، وزارة الثّقافة – القدس.

- درع مؤسّسة نما الكرديّة لشخصيّة العام الأدبيّة في التّرجمه.

4678 رجاء بكرية

* ما هي أهم التحديات التي تواجه الرواية العربية؟

- كيف تكسر منطق السّرد الرّوائي بالجذب الفنّي الحرّ، ولو كان من ثوابت المكان مكانك. وأعني التّأسيس لعالم سردي يزخم المتلقي بجماليّات العالم على تفاوت مستوياته. فما لا يتنبّه اليهِ صُنّاع الرّواية أنفسهم أنّ روتين العوالم المزدحمة بالوجوه مثلا قد يُفسدُ ايقاعَ جماليّاتها وأدوات سفرها الحسيّ الى المتلقّي. على اعتبار أنّ المنطق الحسيّ هو منطق اخر يقابل إيقاع المنطق السّرديّ ويؤسّس لعناصره الجماليّة. أذكر رواية اشتغلت على تكرير البطل على طول الحدث وأفسدت متعة دهشتها تماما. أسميتها رواية مأزومة ورغم ذلك حازت على جائزة لضيق الخيارات في حينه. الرّواية عموما مطالبة بتوفير رصيد يكفي الرّوح كي تُخَض بِها المخيّلة لتتوهّج. هكذا تستفزّ المتلقّي حسيّا، وما لم تفِ بشرطِ وصولها اليه ستظلّ تجربة مارقة، ونحن نريد التّجربة الّتي تدعم ثباتها فينا بدون ثرثرة لا طائل منها، نقديّة كانت أم تنظيريّة لأنّ لحظة الكتابة لا تحتمل الثّقل، بل تحتاج أن تتجرّد ممّا هو أرضي وتسمو خفيفة في رهف السّماء.لا بدّ من الإشارة هنا أنّ المدرستين عموما لا تعنيان القارىء كثيرا حين يملّ ما يقرأه، يرميه وينام.

* إلى أي حد تضر الأدلجة بالنص؟

- الأدلجة بعينيّ فنٌّ وليس توثيقا، يتعلّق بالزّاوية الّتي يرى منها الرّوائي نصّه. هي تقنيّة ليست سهلة ويمكن للكاتب أن يخطىء مسار قلمه وهو ينسحب خلف تيّارها، السرّ في الحنكة الحسيّة الّتي سيعتمدها. الحسيّة حتما قبل الفِكريّة لأنّها منجى التشوّش السّردي، والكاتب منجاهُ الحقيقي تيّارهُ الشّعوري، حين يمتطيهِ يزخمهُ فكرهُ. روايتي "عَين خَفشَة" اشتغلت على هذا الموضوع بفيض ذاكرة وقلب وعلى حذر. عبر مسارها المتداخل استطعتُ أن أستعيد ذاكرة النّكبة الفلسطينيّة في حرّ تفاصيلها ومواقعها.

* ما ضرورة أن يبحث الروائي عمّا لا يقال ويقوُله بطريقته؟

- الضّروري في الرّوائي ألّا يشبه أحدا الا ذاتهُ وحين يضع بصمتهُ فأن تنتقل بالعدوى الى سواه كعدوى شافية تأخذ كلّ من يُلامِسُهُ الى الرّغبة في احداث تغيير. سؤالكَ جميل ويصبُّ في باب الاختلاف، وبعينيّ مُهمّةُ الرّوائي أن يتجاوزَ رتلا طويلا من الممنوعات كي يُعلنَ ما يعجز عنه سواه في الحياة بالمجمل. ثمّة أشياء لا يمكن لأيّ أحد حتّى أن يقولها ما عداه. هذا هو فنّ الكينونة، اذ لا يكفي أن تكون كائنا تحت سماء اللّه، بل أن يكون لك دور لا يجيدهُ سواك. مهمّة الرّوائي أن يًدهِشَ الحياة بما لم تصادفهُ ولم تره. يثوّر اللّغة، يختطف لغة السّرد مثلا الى غابات لا يعرفها الاّه، ومدن تعيش تحت بحار لم يسمع بها غيره، وربّما يعثر على مسبّبات منطقيّة لأن يعيش الحبّ في مناطق أخرى من العالم لا تعرفها الحياة ذاتها. فتغيير مفاهيم التّواصل مع الرّوح كما الشّخوص المتخيّلة والأمكنة تقع على عاتق الرّوائي، هو ناسجها وهو الحاكم بأمر غاباتها أو حدّة صخورها. ومن هذا المفترق يأتي السّؤال ماذا نكتب؟ نكتب أنفسنا أوّلا خارج ذاتنا في خضّة عنيفة للثّابت في مدلولاتها. نثير الشّك في عوالم لم يجرؤ عليها غيرنا، فنغسلها من المرايا العابرة كي تحدّد وجهها الأوّل بتفاصيله العذبة، أليست العذوبة جلّ ما نطمح اليه في مذاق الحرف حين نضع لبنة الدّهشة الأولى في رواياتنا؟4679 رجاء بكرية

* كيف ترين الرواية خلال العقد الاخير؟

- ما يثير استغرابي الاقبال الكمّي على كتابة الرّواية، حتّى أنّ رتلا طويلا من الشّعراء خاصموا قصائدهم وانشغلوا بالسّرد وعوالمه الدّخيلة. وبقدر ما يثير الأمر السّعادة لاحياء هذا الفنّ العميق بقدر ما يدفع لتساؤل لحوح، هل انتشار الجوائز حول المشاريع الرّوائيّة سببا فيما يحدث؟ وللاجابة على سؤال شائك كهذا سوف نتجنّب الخوص في الأسماء ومناحي وهجها، والنّبش في معاني قصائدها وتخصّصات رُصاصِها أو حبرها الحيّ الّذي أفرغتهُ من مادّتهِ أو أطلقتهُ على رؤوس العصافير المارقة وطارت.

وفق ما تابعته، فانّ التّجارب الرّوائيّة الحديثة مسلك فرعيّ في صرح الرّواية العربيّة الواسع. يزخر بالمغامرات لهدف واضح، انجاز نصّ يستحقّ أن تحتفي به الجوائز. وهو ما يضيّق على خناق جماليّات الهجس الفنّي في الكتابة الرّوائيّة، لأنّ الحقيقة الّتي تسعى اليها الرّواية على اختلاط مذاهبها وأدواتها وأساليبها غير ذلك. من يخوض غمار هذا الفنّ النّوعي يدرك جيّدا أنّه يؤسّس لتجربة ذاتيّة ثرّة، تراكميّة جدّا، كثيفة الفصول شتائيّة المواسم. تفيضُ ولا تشتّي، تزخّ ولا تكزّ، تخبىْ في صدور النّساء الفاتنات حكايا عشق لا أسماء لها. تُشرعَ أعراش المخيّلة على كنوز رجال تجاوزت مُغُر علي بابا بأميال، فتجاوزت الدّهشة الّتي نستحق. وأريد هنا أنّنا كقرّاء وكتّاب على حدّ سواء نستحقّ أبوابا أشدّ ثراء من تفاصيل الحاصل كي نطلق أسماءنا على عمل روائيّ. فالرّواية فتح جديد للقلب أوّلا وللفرادة ثانيا، ولدهشة النّوعي في التّجربة ثالثا، لذلك تظلّ كرَزا نادرا مُشتَهى، وربّما هذا ما لا يفهمه من يطلقُ رصاصهُ مكانَ وَردِهِ على الفضاء فيصيب العصافير على خطأ، ويُسقِطُ دهشةَ سماءٍ تلزَمُهُ، وهوَ يخوضُ أدغال الكتابة.

* ماذا تغيّر في شكل الرّواية؟

- ذات يوم شكّل صدور رواية عيدا للأدب. وتسألني ماذا تغيّر؟ قبل الآن كانت للرّواية قيمة أشدّ بهجة ومتعة وجمال، تتقاسم ظهورها الحالة الثّقافيّة من أقصاها الى أقصاها، على غير ما يجري الآن حيث أخذت مسلكا فرديّا بحتا. ما يحدث الآن أنّ معايير الفكر، تغيّرت، وشروط الدّهشة والمتعة والمشاركة تغيّرت أيضا. جنون الشّهرة السّريع أخذ من جماليّات الكتابة رحلتها الماتعة إلى الحُلُم والسّفر والاكتشاف، وكلّ ما يحدث اليوم أنّنا نتابع أقلام مهرولة نحو أبطالها. سريعة العبور بين محطّات الحدث. وأنت لا تعثر تماما على جماليّات المشروع بقدر ما يلازمك جماليّات التّجربة، تجربة غالبا ما تكون لمعة لمرّة واحدة تريد أن تستنفذ طاقتها في عمل واحد تصل به لأبعد مكان وتختفي. واذا كانت ستتابع فسوف تفعل لكنّها لن تكون بنفس الجودة. جيل الحبق الّذي ننتمي اليه في التّسعينيّات جيل رعى الفكرة في أُصص الخلّ الفارغة وأنبتها كَما يُنبِتُ نرجِسة في عمق صخرة. على مهل وبكامل شغف الأصابعَ والرّوح لصناعة حياة على الورق. تأخذ من الواقعِ شيئا يجذّرها في قلب الحكاية ثمّ تعلو في غاباتها البعيدة حيث لا يعثر عليها أحد حتّى تقبض على عوالمها الدّافقة غبطة وحياة.

* وما ينقصك كروائية؟

- سؤال جميل، والاجابة عليه أبسط ممّا تتوقّع. لا ينقصني شيئا غير أن ترفل مدينة روحي بسكينتها. ما أفعلهُ للرّواية مصدره ايماني بضرورة تغيير النّهج في الكتابة، أسلوبها، أفكارها، خطّتها، مصادر ثرائهاـ واضافتها لمحيط الكتابة العام. أهجس بلا آخر بفكرة لم يغامر بها أحد، لم يستيقظ على مساكبِ اخضرارها سواي، لأنّها من خصوصيّات أفكاري ومرجعيّاتي العقائديّة، السيّاسيّة، الحسيّة وأبعادها الجماليّة. الحسيّة تحديدا الّتي ترهَف كلّما عثرت على قوقعة بحريّة خالية من كائنها الجميل الّذي غادر وتركَ مكانا فارغا للنّبوءة. على صعيد العلاقة بيننا كفلسطينيين يعيشون في مناطق ال 48 والعالم العربي، ينقصنا الاعتراف بجهادنا الطّويل في حفظ هويّتنا وحقّنا أن تتعامل المرجعيّات الثّقافيّة بمادّتنا الأدبيّة كما تفعل مع أيّ كاتب في العالم. يرهقني مثلا فكرة تهميش رواياتنا في المسابقات الأدبيّة لمجرّد أنّنا نعيش داخل الخطّ الأخضر. فرواية الفتيان الأخيرة والوحيدة الّتي كتبتها في الآونة الأخيرة "نمر الثّلوج" هُمّشت في عديد المسابقات الأدبيّة وحرمت من التّوازي مع شبيهاتها من العالم العربي. وفكرة اعتبارنا عرب ال 48 مرفوضة تماما. فصِبغةُ الهويّة الّتي نتوفّر عليها تصنّفنا دون حق في خانة الغرباء، ما لا نقبل فكرة تأثيثِهِ المغلوطة وغير المتوازنة مع خطوط الكتابة الصّفراء والحمراء. لسنا يهودا ولسنا جزءا من عالم عربي واسع يتعثّر في تحديد انتماءاتهِ، ماذا نكون إذن؟ على المنظومة الثّقافيّة العربيّة أن تفيق من نومتها الطّويلة بشأن لوننا. العالم تغيّر وانقلبت معاييره، وعلى ضيوف الحالة الثّقافيّة أن يعتبروا معايير الاختلاف في مُنجز الحالة الأدبيّة منوطة بكمّ الاختلاف الثّقافي النّوعي لمشروع الفردانيّة لكلّ أديب على حدة. أن تفتّح عيون الابداع على استثناءاتهِ هو من يحكم في السّبق على مستوى الإنجاز والحضور معا.4680 رجاء بكرية

* مدى قبولك لآراء النقاد بشكل نهائي؟

- لاخلاف لي مع النّقاد، مهمّتهم أن يصدّروا انطباعات عن المُتَع الفكريّة والرّوحيّة الّتي ترافق رحلة سفرهم في العمل الأدبي. تعجبني صحوة حبرهم حين يندهشون. المنظومة السّليمة مطالبة أن توفّر للنقّاد منبرا يوزّعون منهُ أوراقهم النّقديّة، وأعني يصدّرون فكرهم الانتِقائي عن الأعمال الأدبيّة، فالسّاحة الأدبيّة بحاجة ماسّة للفكر. لا يمكنها العيش بعلا من أدبها الجميل؟ كيف سينشأ حِراكا نوعيّا اذا اقتصر الأدب على اجترار نصوصه وسط غيابِ زجاجة مكبّرة ترى الى التّجديدات الخارقة للعادة فيه. لكنّ الحقيقة أنّ حضورهم لن يكون سببا في تبنّي رُؤاهُم. سيرمي فكرهُ ويترك لي حريّة التأمّل. لن يكون الاجتهاد النّوعي في النّقد عبر اقناعك بجدوى التّغييرات المفترضة في بصمتك، بل بتلميع ما تُستَثنى فيهِ وتختلف فيهِ عن سواك، لذلك أنا أعتبر النّقد بصمة من بصمات الجمال النّوعي في الكتابة أكثر ممّا أعتبره بوصلة. حتما هو لا يوجّهنا بقدر ما يمنحنا مسافة لتأمّل ما أنجزناهُ. ويبدو لي أنّنا نختلف في تعاملنا مع هذا اللّون النّوعي في الكتابة حتما كمُتلقّين سواء كنّا كُتّابا أم رُواة كلّ وفق حاجتهِ الشّخصيّة لمرايا يرى منها ذاتهُ دون حاجة أن يفسّر لهُ سواهُ ذاتهُ.

* الطموح لتحقيق أسلوب جديد؟

- أسلوب الرّوائي هي بصمتهُ، ولونه. السرّ الحقيقي في مشروعهِ هي بصمته. البصمة هي الكتابة بمُتَعِها واشكالاتها، بازدحاماتها وزحمِ هواجسها، بازدهار خِطابِها. كلّها معا تشكّلُ طبعة لخطوط الفِكر الأدبيّ الخاص بكاتبها. أمّا عن طموحي، فأنا لا أطمح بل أفعل. ومنذ الحرف الأوّل الّذي سجّلتُهُ في روايتي الأولى الّتي توجّس النّقد في الاقترابِ منها خالَفتُ السّائد، واعتليتُ صهوَ المُغامَرة. هناكَ اقتطعتُ لنفسي مسارا فرديّا مشيتُ فيهِ بثقة بالغة لكن بحذر شديد. مشروع التّجريب الذّاتي هو من يفتح دروب جديدة لبصمات الأصابع والقلب. علينا كروائيّين اختاروا مسار الفِتنة والادهاش أن نطمح بتجديد مشاريعنا الرّوائيّة قلبا لثورات المياة الرّاكدة في بحار الأدب. هاجس التّجديد حالة وجوديّة من حقّ الرّوائي أن يقلب نظامها حدّ ارباكِ القارىء الّذي يجرُؤ على اللّحاقِ بقِطارِ عَوالِمِه. هكذا أرى رحلة الكتابة قطار يتجاوز خطوط العالم كي يثأر من الغائب في الرّواية الجيّدة. بصمة لا يُساوَمُ على جودةِ الرّيش الّذي تحاكُ منهُ حكايتها ولا فنيّة الارتطام الّذي سيلفّ بمخيّلةِ قارئها عالما يصيرُ ملكُ . الجديد يعني أنّك تلجأ لشكل جديد يخ في الكتابة الرّوائيّة لم يلجأ اليهِ أحد. في كلّ مرّة يخوض كاتب رواية يدخل من باب لم يطرقه

* ما رأيك بمستوى الرواية بعد نجيب محفوظ؟

- أعتقد أنّ المقارنة غير عادلة. نجيب محفوظ حالة كلاسيكيّة على مقاس عالم يجنح الى الواقعيّة بتحيّز واضح حتّى على مستوى رسم الصّورة فنيّا. هو من أسّس لمدرسة الحياة الّتي لاطَمَهُ مِخرَزها. بعينيّ مقارنتها بسواها تجَنٍّ على مشروع الرّواية العربيّة عموما لأنّ من كتبَ بعد محفوظ امتطى صهوة تيّارات تجريبيّة أخرى منطلقات عوالهما المغامرة والابتكار. غَسلُ الرّؤياا بزيتِ القلبِ والمخيّلة سفرٌ ملوّن بينَ مطبّات الهواء، وهو سفِر أسلوبيّ يتبعُ جسور الدّفق، ولا علاقة لهُ بمتون الرّواية التّقليدي مثلا الّا فيما ندر، حتّى أنّنا لا نتبيّن الشّخوص ولا أبعادها في أحايين كثيرة. الجهات اليوم مفتوحة على عصف التّجريب، بتطرّف طروحاتهِ أحيانا. محفوظ سفينة محمّلة بالغرائب، وما بعدهُ مراكبَ تمخرُ عبابَ الموج.

* من أين تخلق الشخصيّة الروائيّة في أعمالكِ؟

- تقصد البطل حتما. لا بطولة في غياب الشّغف. من الممرّ الخلفيّ للشّوق والهجس والانفعال تشتعلُ أنفاس البطل. لكنّ الهجس ليس جسرا حتميّا اليه، ولا تزاحم الانفعالات واقتتالِها عليه، لكن حتما هوَ كمُّ الاثارة الّتي يخلقها مرورهُ غيبا أو حضورا في النَّفَس والمُخيّلة معا. سيمتلكُ من الغرائبيّات والوضوح ما يؤدّي بكَ لملاحقتِهِ أكثر ممّا يُلاحِقُكَ، والنّبش في خصوصيّاتهِ حدّ ابتكارِ ما يُجنِّبُكَ التّصادمِ بهِ عينيّا. حتّى مشاريع السّفر اليه طيرانٌ بلا هدف غالبا على درجِ الرّوحِ. كلّ دهشةٍ في حضورِهِ ممكنة، وكلّ تطوير لأبعادِهِ اتّساع نحو ازدحام القلب بالصّور لأنّه لا يظلّ على صورة واحدة. هو التّداخل في الأمزجة ومصادرها، متعُها وخَرابُها، عَتمُها ووهجُها وانفلاتاتها. تأتي من حالات التّناغمِ في شفافيّة روحِكَ كصانِعٍ للحالة أوّلا ثمّ تتجاوزُها لتفاصيلِ الاختلاف، من هناك تتشابكُ الصّور وتُمطُرُ الحياةُ من نوافِذِ جسَدِكَ عليها. البطل لا بدّ أن يدَوِّخَ عالمَكَ أنت ويصارعَكَ قبل أن تُرسِلَهُ الى قارئكَ، هو اختبارٌ لنضج مشروعِكَ في أوّلهِ وآخرهِ.

* إذا ما فكرت يوما في كتابة سيرتك الذاتية هل ستكتبين كل شئ عنك (المحرج والصعب والحساس و و الخ) أم انك ستقدمين شئ وتستنين أشياء ..؟

- بعينيّ السّيرة الذّاتيّة لا تُكتَب بأيّ حال! بل تُعاش، وحين تُكتب فلأنّ مادّتها تطاولت عليك ولم تعد قادرا على التّنفّس معها، لكنّك حتما ستجدُ لها مسارات في عملك الرّوائي، ومساراتها وشوشة قد لا يسمع بها سواك. ولا يصغي الى موجها غيرك. هي مطالبة أن تبقى لك وما تحرّرهُ من تفاصيلها سيغني مادّتك الرّوائيّة بنُسغِ حكاية لن يسمع بها قارئُكَ الّا معَك. هكذا أرى الى مشروع السّيرة الذّاتيّة حصرا. أحببتُ بعض ما سُجّل في فنّ السّيرة الذّاتيّة، لكنّ ما خلبني بِحَق هو ما خُيِّلَ أليّ أنّهُ سيرة ذاتيّة. قد أكون تمازجتُ مع مقتطفات من حياتي في رواياتي، لكنّي حتما لم أسجّل فصولا طويلة تحكي عنّي واذا حَكَت فبضمير لا يعود اليّ، وعبر تقنيّة سرديّة جماليّة تقود لفنيّة الكتابة أكثر ممّا تقود للحقيقة لأنّنا حتما نبحث عن المستوى الجمالي وتشظّياته الفكريّة الحسيّة أوّلا، والغزارة في منجم الحكايا الّتي ادّخرناها لرحلة بهاء سريّة في الرّوح؟ أنا على اعتقاد أنّ جماليّات سيرتِكَ تكمن في أسلوب تقنينها وتفنينها كجزء لا ينفصل عن جسد الرّواية. تداخل غير مباشر يثري العمل الّذي تعالجه. كلّ هذا يسمّونهُ ابتكار لسيرورة الحالة الابداعيّة، لا تهمّ فيها المُسمّيات بقدر ما تهمّ فنيّة المضامين.

* هاجس البحث عن هوية للرواية العربية أو التي يكتبها كُتاب عرب كيف ترينه؟

- الهويّة هذه الأيّام مسمّى لم يعد متداولا بقدر ما نُصِرّ على تقنيّة الكتابة وجماليّات مناحيها. هما سرّ الحالة الّتي تخرج بها. ويضاف أنّ الرّوية هي مشروع شخصيّ بحت ينقص أو يزيد بقدر ما يُضاف اليهِ من لون. واللّون هو المفردة والفكرة والهجس، وشكل الحوار، ومسافة العُبور، وعدد بطاقات الدّهشة الّتي تفعِم المخيّلة والقلب وتحرّض النّشوة على الاستشراء في منطقة المتعة المّتاحة، للكاتب والقارئ معا. فالمُتَع لا تأتي من الصُّدَف في رواياتنا، بل من ملاحقة متبادلة بين الرّوائي وشُخوصِهِ والإصرار على تبادل أدوارها.

* كيف تنظرين للعالمية وما يقولونه عنها؟ وما ينتج عن الجوائز العالمية المعروفة ضرورتها للكاتب، والسعي إليها؟

- العالميّة بعينيّ تخضع لفضفاضيّة بالغة، وأكثر ممّا ينبغي، وقد يحدث أن نتصرّف بها خارج سياقاتها. الحالة العربيّة الرّاهنة تعوّل على العالميّة كثيرا. وكل رواية تصدر تريد أن تصل لأبعد ما يمكن في محيطها الابداعيّ، لكنّ ما لا ينتبه اليه كُثُر أنّ العالميّة لا تُصَنَّع بقدر ما تخلقها شروط المكان والزّمان الانيّين والمحليّين لكاتبها وأنّ اختراقها مسافة عوالم كاتبها الفيزيائيّة الى بلاد بعيدة لا يقلدّها نيشان الانتشار العشوائيّ. فقد تكتب رواية عن الحيّ الّذي تعيش فيه وتصل أصداؤها لاخر العالم، وقد تكتب عن اخر العالم ولا يقرأكَ غير محيطكَ الضيّق. هذا يعني أنّنا سنجاوِر حقيقتنا وذاتنا القريبة ما أمكن حين نشعلُ نار الحكاية كي تصلَ ذواتا غريبة لا نعرفها. هذا هو منطق التّجاوز، فالدّفء الحسّي ولغة القلب هي من يوقد وليمة الحكاية. وليمة من نوع لم يجرّبه القلم العربيّ الّا على صُدف. قلّة يفهمون معنى أن تولم حكايتك وتملأها بحضوركَ كاملا كأنّ قبيلة كاملة تشغل أماكن حولك. هذه هي أبعاد التّواصل الحسّي مع شرارة الفكرة الرّوائيّة حين تتّسع وتغرف من نشوة التّواصل معها، وشروط تحقّقها أقلّ ممّا نتخيّل.

* أمام هذا الكم المتلاحق من الهزائم العربية هل يمكن أن تنتج الرواية بطلا يحمل انتصارا قادما أو يبشر على أقل تقدير بمستقبل أفضل؟

- ليس من وظيفة الرّواية أن تأتي بأبطال تتوّجُ أمجادهم وتطلقهم الى العالم، كما أنّ البطل ليس العنوان الصّحيح لصناعة البِشارة. وهم الخلاص عبر بطل أسطوريّ بعينيّ هو من يبقينا في أماكننا. الوهم يصنع رواية بامتياز لكنّه لا يصنعُ أبطالا لأنّ الوهم سهم قاتلة للواقع، فالرّواية تتغذّى من تفاصيل الكينونة الواقعة أيضا. لم يهزمنا غياب الابطال انّما تعلّقنا المرضي بنجمِها الرّخو وبأيّ ثمن. كلّ بطل يسعى لروايتهِ الفرديّة حين تُناديهِ دعساتُ أصابِعِها خلف أذنهِ، يأتي اليها محمّلا بعُروشِهِ ولا يتركها قبل أن يتأكّد أنّها أكملت دورة انفعالاتها.

***

حوار / محمد القذافي مسعود

كاتب وصحفي مستقل من ليبيا

الكاتب والمترجم العراقي بنيامين يوخنا دانيال اسم لامع وكبير في عالم ترجمة الهايكو من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية والكردية. هذا بالإضافة إلى مؤلفاته الأخرى في مجال الأدب الكردي والعربي ومجال السياحة والفندقة.بلغت اصدارته أكثر من أربعين كتابا في مختلف المجالات انفة الذكر. العلاقة الخفية بين علم الاقتصاد - اختصاصه الدقيق - والهايكو، قادته إلى اكتشاف الهايكو والوقوع في شغفه وترجمته. كان لنا معه هذا الحوار لتسليط الضوء على تجربته في ترجمة الهايكو:

١ – لنبدأ بالسؤال التقليدي، متى كانت البداية والخوض في ميدان ترجمة الهايكو الى اللغة العربية ولماذا اخترت الهايكو بالذات؟

ج١– في الحقيقة كانت تجربتي في الترجمة لشعر الهايكو من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية متأخرة نسبيا إذا ما قورنت بتجربة الترجمة للأشكال الشعرية الأخرى من الإنكليزية والكردية إلى العربية، والتي بدأت منذ أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي . إذ لم أقم بترجمة الهايكو العالمي إلا في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ونشرت معظمه في العام الماضي . وقد اخترت ترجمة الهايكو أخيرا لما له من سحر خاص وفتنة الادهاش ومقومات جمالية، و لنكهته المتميزة . ومن أجل فهم أعمق وأشمل لهذا الشكل الشعري الذي صار مقروءا ومكتوبا في شتى أصقاع المعمورة، وأصبح يشكل مكونا فنيا في مختلف الشعريات.

٢– حدثنا عن الانعطاف في مسيرتك الإبداعية من الاقتصاد إلى الهايكو وترجمته؟ وهل هنالك علاقة غير مرئية بين الهايكو وعلم الاقتصاد؟

ج٢– لم أزل أنشر بعض المقالات في اقتصاد السياحة والفندقة بين حين وآخر، غير أن جل جهودي منصبة الآن على قراءة وترجمة الهايكو العالمي . أما حول العلاقة بين الهايكو والاقتصاد، فقد عبر عنها الشاعرالدكتور (ستيف زيلياك) أستاذ الاقتصاد في جامعة جورجيا الامريكية بقوله (بعد سنوات طويلة من تدريس الاقتصاد وكتابة الهايكو، أرى أن الهايكو والاقتصاد يتقاربان أكثر مما يصطدمان على مستوى المبادئ .. يمكن للهايكو أن يكون أكثر من مجرد مخفف للألم الاقتصادي)

٣- لقد ترجمت قصائد هايكو لشعراء أجانب من مختلف البلدان وقد كنت مبدعا، ما هي الاعمال التي ترجمتها؟

ج٣– نعم، لقد ترجمت قصائد هايكو لعدد كبير من الشعراء ومن مختلف البلدان، وبخاصة للشعراء الذين لم يسبق وأن ترجمت أعمالهم الشعرية إلى اللغة العربية، أو ترجمت بعض أعمالهم، وهذه خطة أتبعها منذ البداية . أما القصائد التي ترجمتها من الإنكليزية إلى العربية فهي إما منشورة رقميا ضمن إضمامات في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية مثل (حانة الشعراء، المثقف، الانطولوجيا، رابطة أدباء الشام، واحة الفكر، الفكر، بصرياثا، الناقد العراقي، مجلة اتحاد كتاب الانترنت المغاربة تللسقف) وغيرها، وإما منشورة ورقيا ضمن سبعة كتب مستقلة في العام الماضي 2022 وتضمنت معظم القصائد المترجمة المنشورة رقميا . وقد حملت العناوين التالية: على عتبة الباب – قصائد هايكو عالمية، في مهب الريح - قصائد هايكو عالمية . قبلة أخيرة قبل الذهاب إلى الحرب – مختارات من شعر الحرب العالمي، رياح الهرمتان – هايكو معاصر من غانا، أشجار الكرز المزهرة – مختارات من شعر الهايكو الياباني، وتحت قسطل الحصان – مختارات من شعر الهايكو الكرواتي . قفزة الضفدع .. نقيق العلجوم – إضمامات من شعر الهايكو العالمي .

٤– نلاحظ اهتمام على ترجمة الهايكو الكرواتي إلى اللغة العربية ولك في ذلك كتاب؟

ج٤– لقد أنتشر الهايكو في كرواتيا ترجمة ومحاكاة وكتابة وقراءة في وقت مبكر نسبيا، ومنذ عام 1953 على وجه التحديد، ليبلغ عدد شعراء الهايكو فيها في عام 2004 نحو (400) شاعر وشاعرة وفقا ل (دجورجا فوكيليتش روزيتش)، وهو عدد كبير نظرا لعدد سكان كرواتيا في العام المذكور والبالغ (4،2) مليون نسمة . وبحسب (دجوردجا) فإن التشابه القليل الموجود بين اليابانية والكرواتية من حيث الهيكل ربما ساعد على تأليف الهايكو على نحو سلس وموفق، إذ أن عدد المقاطع في كلماتهما متشابهة تقريبا . وقد جاء كتابي الموسوم (تحت قسطل الحصان: مختارات من شعر الهايكو الكرواتي) ليضم بين صفحاته مقدمة مطولة وقصائد هايكو لعدد كبير من هؤلاء الشعراء . وما زلت أترجم وأنشر لغيرهم من الشعراء الكروات .

٥– أكثر أعمالك المترجمة كانت من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية؟ لم لا يكون العكس؟

ج٥– ربما مستقبلا، فلدي في الوقت الحاضر خطة واسعة لترجمة الهايكو العالمي، ويتطلب ذلك بذل المزيد من الجهد، وسوف تأخذ الكثير من الوقت .

٦- ما هي أصعب التحديات التي تواجه مترجم الهايكو من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية؟

ج٦– يحضرني هنا قول القاص والمترجم الليبي (عمر أبو القاسم الككلي) (تواجه الترجمة عموما صعوبات تتعلق باختلاف المعطيات اللسانية بين لسان وآخر، وكذلك في العناصر الثقافية غير المنظورة المضمرة في مفردات وتعابير كل لسان .. وتزداد هذه الصعوبة وتأخذ بعدا خاصا فيما يتعلق بترجمة الهايكو، ربما بسبب من بساطته الخادعة) .

٧– هل تختلف خصائص الهايكو باللغة الإنكليزية عن نظيره العربي، وذلك من خلال النصوص التي ترجمتها؟

ج٧- يحضرني هنا قول الشاعر والكاتب المغربي سامح درويش (تتمثل أهم خصوصيات الهايكو العربي في وجود نفحة غنائية وجرعة من المجاز وحضور ذات الشاعر بشكل أقوى من باقي تجارب الهايكو عبر العالم، يضاف إلى ذلك الخروج على التوزيع الايقاعي المعروف في اللغة اليابانية – 5 / 7 / 5 – نظرا لخصوصية اللغة العربية) .

٨– تقييمك لتجارب ترجمة الهايكو إلى العربية؟

ج٨– إنها تجارب ترجمة رائعة وقيمة ولكنها غير كافية البتة إذا أخذنا بعين الاعتبار مدى انتشار الهايكو عالميا وحجم الهايكو المنتج في مختلف أصقاع العالم، فهذا النوع من الشعر ذا المنشأ الياباني أضحى يكتب اليوم بكل لغات العالم تقريبا بعد أن استهوى ذائقة الشعراء والقراء .. ومنها على سبيل المثال لا الحصر الترجمات المنجزة بأقلام الأساتذة (سلام دواي، آزاد اسكندر، محمد عضيمة، عبدالكريم كاصد، جمال مصطفى، محمد الاسعد، عبدالقادر الجموسي، رأفت خليل، محمد حلمي الريشة، ونور الدين ضرار) . وهي ترجمات محصورة في الجهد الشخصي .

٩– كيف ترى الهايكو الناطق بالعربية والكردية؟

ج٩- هنالك نجوم لامعة ومتميزة في سماء الهايكو العربي والكردي . وأتمنى أن تترجم أعمالهم إلى اللغات العالمية، وأن تخضع للنقد والتقييم على نحو واف . ومن شعراء الهايكو العربي على سبيل المثال لا الحصر (الدكتورمحمد حلمي الريشة، الدكتور محمد الاسعد، سامح درويش، هدى حاجي، عاشور فني، محمود عبدالرحيم الرجبي، الدكتور جمال محمد الجزيري، والدكتور عبدالستار البدراني) . ومن شعراء الهايكو الكردي (لطيف هلمت، قوبادي جليزادة، ملكو أحمد كريم، وشمال آكري) .

١٠– كيف تختار القصائد بهدف الترجمة؟

ج١٠– أختار الموضوع أولا في معظم الحالات ثم أختار القصائد المطلوبة لترجمتها ومن مصادر عديدة . مثلا (53 قصيدة تحت عنوان الغربان، 40 اليراع، 90 أوراق الشجر، 319 الورود والزهور، 25 الأسماك، 25 العصافير، 30 الفراشات، 41 المرجوحة، 393 الباب، 268 الرياح، ندف الثلج 21) .

١١– مشاريعك القادمة في الترجمة؟

ج١١– أنا بصدد نشر البقية الباقية من قصائد الهايكو المترجمة التي سبق لي وأن نشرتها رقميا في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية بالإضافة إلى إضمامة لم تنشر بعد، وضمن كتاب مستقل لم أعنونه بعد . كما لدي خطة لترجمة قصائد هايكو لكوكبة أخرى من الشعراء والشاعرات من بلدان أخرى مع التركيز على الافارقة منهم في الوقت الحاضر، مثل السنغال وكينيا ومدعشقر وجنوب افريقيا وزامبيا، كما فعلت سابقا بالنسبة لشعراء كثر من غانا ونيجيريا وكرواتيا واليابان، مع دراسة ظاهرة الهايكو وكيفية انتشارها وتطورها في بلدان باتت حاضرة وبقوة على خارطة الهايكو العالمية إن جاز التعبير. كما ستصدر لي قريبا الطبعة الثانية من كتاب (من مشكاة الشعر: قصائد مختارة) في طبعة جديدة ومزيدة ويضم بين صفحاته ترجمات لقصائد من تأليف شعراء أكراد وأجانب، وهو مترجم عن الكردية، وقد صدرت طبعته الأولى في عام 2002 . كما انني بصدد ترجمة مجموعة قصائد تانكا من مختلف البلدان .

قصائد هايكو من ترجمات الأستاذ بنيامين يوخنا دانيال:

١- الرسم بالاسود والأبيض

غابة

في الثلج

فلاديمير ديفيدي

كرواتيا

**

٢- في لمعة

التفاح الأحمر

شمس متأرجحة

دجوردجا فوكيليتش روزيتش

كرواتيا

**

٣- قطرة ماء

لا أكثر

هذه حياتي

انتو جارداس

كرواتيا

**

٤- عن طريق قطعة سكر

احتفال في مستعمرة النمل

ائتلاف أثير

شتيفانيجا لودفيج

كرواتيا

**

٥- احتساء الشاي

تنعش رائحة البابونج

وجه أمي

بوريس فيرغا

كرواتيا

**

٦- العودة للوطن

يلوح لي كلبي

بذيله

كواكو فيني أدو

غانا

**

٧- دمية خشبية -

ضحكة باهتة

لطفل أفريقي

أدجيي أجيي باه

غانا

**

٨- تظهر المسارات الجديدة

بعيد العاصفة الثلجية -

السماء المنقشعة

جين ريتشولد

الولايات المتحدة الأمريكية

**

٩- الياسمين

على عتبة بابي

نفحة المساء

دانييلا ميسو

إيطاليا

**

١٠- فصل ذاتي

بصمات أصابع محيت

من على جرس بابي

حفصة اشرف

باكستان

**

١١- يوم الأم

ثمة اضمامة من الخزامى

موضوعة على مقبض الباب

إليسا ألو

سويسرا

**

١٢- يقبل الأحفاد

ويجرونني خارج الفراش -

نهاية العالم

كاواي شيغيتسو

اليابان

**

١٣- أشاهد وجه أبي

في المرآة التي أحدق فيها

في أول صباح خريفي

موراكامي كيجو

اليابان

**

١٤- محطة خالية

تعج بزقزقات

العصافير

فيدا جليلي

ايران

**

١٥- عشب ذابل

يصبح لونه ذهبيا

عندما أفكر بحبيبي

ماساجو سوزوكي

اليابان

**

١٦- اليراعات

حفنة من الزمردات

في شجرة نخيل

ليودميلا سكريبنيفا

روسيا

**

١٧- نعيق طائر النورس –

شكل الموجة

قبل أن تتجعد

مايكل ديلان ولش

المملكة المتحدة

**

١٨- القزحية الأولى

بيضتان

تحت ريش اللقلق

فرانسوا موريس

فرنسا

**

١٩- فقاقيع الصابون …

كسرت الوهم

الى الابد

تيجي سيثي

الهند

**

٢٠- خطوات الام

ثمة سلحفاة يافعة

قد بلغت الساحل

أجوس مولانا سونجايا

اندونيسيا

**

٢١- رحل والدي

خفه في فم

الكلب

فلاديمير خريستوف

بلغاريا

**

٢٢- الحنفية تنقط –

يقول السمكري

انه الخريف

فاندر جراو

السويد

***

أدار الحوار: عباس محمد عمارة

بغداد - أربيل

......................

* الصورة للاديب بنايمين يوخنا دانيال

د. ماجد رمضان، قلم ٌجمع بين جَماليْن؛ جمال التعبير وجمال التفكير؛ إذ يكتب بحرف سلس يخلو من الزخرفة اللغوية، وبحماس ولكن دون صخب، وبمسئولية قِيَميّة مستمَدّة من نبعنا الإسلامي الثريّ. عبر أكثر من دار نشر أطلّ علينا بتسعة عشر مؤلَّفا طرقت محاور مهمّة وميادين متعدّدة، منها في تطوير الذات وإصلاح المجتمع، ومنها في الإيمانيات والثقافة الصحية، مدلّلا بذلك على ثقافة واسعة  لا شك أنها محصلة اطّلاع أفقي ورأسي. وُلد قبل نحو ستين عاما (1963م) في ريف محافظة المنوفية بالشَّمال المصري، وتخرّج في كلية طب القصر العيني عام 1987م، ثم تخصّص في جراحة الأنف والأذن والحنجرة وجمع إليه تخصصا ثانيا في الإدارة الطبيّة التي سلك طريقها مبكّرا ولا زال. بتواضع جمّ حاول الاعتذار عن الحوار بدعوى محدودية تجربته! ولكن لا يصحّ إلا الصحيح، والصحيح أن تجربته ثرية للغاية كما سيتبيّن في ثنايا حوارنا التالي:

* الطلب على الخدمة الصحية يبقى دائما أكثر من المعروض أو في الغالب طارئ وملحّ ولا يمكن تأجيله.

* الكتابة ذاتها مغامرة بما تعنيه الكلمة من مدلول لفظي ومعنوي.

* لكونك طبيبا، قد تتفهّم معنى المرض، لكنك لن تدركه بحق إلا إذا أصابك.

* من يدّعون أنهم يملكون أسرار النجاح ويستطيعون تقديمها لزبائنهم عبر كبسولات سريعة، فهذا وهم كبير وأمل زائف.

* استطاع قلم الأطباء أن يتبوّأ مكانه متقدّمة في مسيرة الأدب والفكر والثقافة.

*الاستسلام لوميض الشاشات أفقَد القراءة الشيءَ الكثير.

***

١.هل من مقوّمات خاصة تتفرّد بها الإدارة الصحية عن غيرها من الإدارات؟

- النظام الصحي من أعقد الأنظمة الإدارية بسبب تعدد الخبرات والمهارات وعدم تجانسها، ورغم وجود أشياء مشتركة بينه وبين الأنظمة الإدارية الأخرى، إلا أنه يوجد اختلافات أساسية وجوهرية في النظام الصحي، لا نظير لها في بقية الأنظمة مثل: محدودية الموارد المتاحة وكلفتها العالية وبالمقابل الطلب الكبير على هذه الموارد والتوقعات العالية لمستهلكي الخدمات الصحية، وعدم خضوع الخدمة الصحية لقانون العرض والطلب - الطلب على الخدمة الصحية يبقى دائما أكثر من المعروض أو في الغالب طارئ وملح ولا يمكن تأجيله – وكذلك الطبيعة الفردية للخدمة الصحية، والتي تجعل العمل اليومي للمؤسسة الصحية مختلفا ومتشعبا وغير خاضع إلا للقليل من التنميط والقياس. ويأتي على قمة هذه الخصائص الاعتبارات الإنسانية والأخلاقيات الاجتماعية والمهنية والتي تضع قيودا وتحديات أمام الإدارة الصحية. وهذه الخصائص المميزة للنظام الصحي تتطلب عناصر قيادية مؤهلة ذات مواصفات عالية تستطيع التعامل مع خصوصيات هذا النظام وتعقيداته وحل المشاكل والقضايا التي تواجهه.

٢. ألا ترى أنك ظلمْت الابن حين خاطبْت الابنة في كتابيْن ولم تفرد له أيًّا من كتبك؟

- كتابة الآباء للأبناء، عادة قديمة قصها علينا القرآن الكريم في نصيحة لقمان لابنه، وكثيرا ما كتب الكتاب لأبنائهم، مثل "ولدي" لأحمد أمين، و"رسائل إلى ابنتي " لنعمات أحمد فؤاد، و "إلى ولدي " و "الي ابنتي" للأديب على طنطاوي، فآثرت أن أجري مجراهم مراعيا اختلاف البيئة واختلاف العصر، وان كان الكتاب موجه لأبنتي فغيرها أيضا مقصودات، وكان الداعي للكتابين خصوصية لها وهي تعبر مرحلة سنية يخشى فيها عليها.  وليس في ذلك ظلما للأبن، فجل ما كتبت صالح له .

٣. السرايا الصفراء! ما الذي جرّ قلمك إلى هذا العالم المثير والخطِر في آن واحد؟

- هي فرصة أُتيحت ليً على حين غرة، فاحتفيت بها، والكتابة ذاتها مغامرة بما تعنيه الكلمة من مدلول لفظي ومعنوي، فقد تدخل في تجربة تحفها المخاطر، من أجل الاستكشاف والبحث والتعرف على ما تحويه الحياة والواقع وسلوكيات البشر من حقائق وأسرار، وهذا ما كان في هذه المغامرة، بكتابة ما شاهدته وعايشته من حكايات عن المرضى والأطباء والمكان.

٤. ما خلاصة تجربتك العميقة مع مرض باركنسون؟

- أنه ليس من رأى كمن سمع، وليس من سمع كمن عايش وجرب، فلكونك طبيبا، قد تتفهم معنى المرض، لكنك لن تدركه بحق إلا إذا أصابك.

من جرّبَ الكيَّ لا ينسى مواجعهُ

 ومن رأى السمَّ لا يشقى كمن شربا

وقد كان أفلاطون محقا عندما قال: إنه من أجل أن يصبح المرء طبيبا حقيقيا، لابد أن يكون قد اختبر جميع الأمراض التي يأمل أن يعالجها وجميع الحوادث والحالات التي سيشخصها. عرفت أنه هناك فارقا بين أن تكون طبيبا أو أن تكون مريضا، فعندما يمرض الطبيب، فكثيرا ما يكون المرض أشد وطأة عليه، فهو أعلم بمصائر الأمراض، وما تؤول إليه الأمور، فتساوره الهواجس والشكوك. وأدركت بأن بعض البوح قوة لا ضعف، وأنه لابُدَّ من التفريج عن الصدر والترويح عن النفس بالبوح والشكوى لذي مروءة وحكمة، وصداقة ومودة، كما يقول بشار بن برد:

ولابُدَّ من شَكْوَى إِلى ذي مُروءَة

يُوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أو يَتَوَجَّع

ورغبت بأن تكون تجربتي سلوى لغيري من المرضى، و عبرة وفائدة لمن يحملون تاج الصحة فوق رؤوسهم. فسردت حكايتي مع المرض وسقت تفاصيلها بلا مواربة ولا خجل، في كتاب "مسني الضر – تجربتي مع مرض باركنسون " غير مبالي بما قد يجره عليً ذلك البوح من سمعة سيئة أو وصمة معيبة، فما من مرض عورة، ومما لا يُخجل منه الدين لا خجل منه في المرض.

٥. برأيك، هل تثمر كتب تطوير الذات عن تغيير حقيقي أم أنها نوع من الوهم والسراب؟

- دعني أطرح سؤالك بطريقة أخرى، هل أحدثت كتب تطوير الذات، فارقا حقيقيا وملموسا في حياة من قرأوها، كثيرون سيقولون نعم، وآخرون سينفون ذلك، ولكن الحقيقة هي أن التغيير والتحفيز لم يكن بسبب كتب تطوير الذات نفسها، بل بسبب عدة عوامل أولها وأهمها، أن من تغيروا كانوا مهيئين لكي يتقبلوا هذا الكلام ولديهم القابلية للاستهواء فيما قرأوه، فذلك الأثر من دواخلهم واستقبالهم لما يقرأون ويقتنعون به، وهذا ما تفعله كتب تطوير الذات بدون مبالغة، تستغل بعض النقاط التي يحتاجها أشخاص لا يعرفون ماذا يفعلون أو كيف يجتهدون في اكتشاف مغزى لحياتهم، عن طريق قول بعض النصائح والارشادات التي قد يحتاجوها بالفعل في حياتهم . أما من يدعون أنهم يملكون أسرار النجاح ويستطيعون تقديمها لزبائنهم عبر كبسولات سريعة، فهذا وهم كبير وأمل زائف، ومطاردة السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ووجد هلاكه عنده.

٦.بالإشارة إلى عنوان أحد كتبك، لو وُضع مصباح علاء الدين بين يديك، ما الذي ستطلبه لعلاج أوطاننا المنكوبة على أكثر من صعيد؟

- أن تتحرر الأوطان من حكم الفرد الذي يقيد الحريات ويخنق المبادرة وروح الإبداع، وأن يُعلىَ شأن المؤسسية والحوكمة، وأن تعود شخصية المواطن العربي إلى سابق مجدها وحضارتها، تثق بنفسها وتؤمن بقدراتها وتمتلك إرادتها وتتخلص من التبعية للغرب فننتج غذائها ودوائها وسلاحها.

٧.ما الركائز العلمية والأخلاقية التي تراها ضرورية للطبيب المسلم؟

- فيما يخص الركائز العلمية: أن يكون قمة في تخصصه المهني، متقنا له، يستزيد دائما من العلم، مطلعا على الجديد فيه، عنده قدر من الدراية بالفقه وأحكام العبادات والاجتهادات الفقهية لما استحدث في حياتنا الحديثة والمعاصرة من أقضية في عالم الطب والمرض. أما الركائز الأخلاقية: أن يكون حسن الهيئة، مخلصا في عمله، صادقا في قوله، مجندا لاستكمال الصحة مادامت الحياة، حريصا على نفع الناس، متواضعا رقيقا رحيما، حييا ستيرا يحفظ الأسرار، لا يغالي في أتعابه وينفس عن المعسر.

٨.على صعيد الأدب والفكر والثقافة، كيف تقيّم قلم الطبيب وسط أقلام تنتمي إلى مهن أخرى كثر؟

- أعتقد أنه لا علاقة وظيفية أو نفسية للطب مع الأدب والفكر والثقافة، فالطبيب الأديب كالمهندس الأديب، والتاجر المثقف كالمحاسب المثقف، والمحامي المفكر كالمدرس المفكر. نعم قد يمتلك الطبيب تجربة إنسانية شاملة وأوسع من غيره باعتباره يتعامل مع المرضى بمختلف أعمارهم وثقافتهم ولغتهم ومفرداتهم مما يزيد من توسع قاموسه الحسي الشعوري والإبداعي، لكن ليس ذلك وحده كافيا لولادة أديب أو مفكر أو مثقف، والفيصل يرجع إلى من يمتلك موهبة حقيقية ونزعة صادقة وعارمة نحو الأدب أو الفكر والثقافة.

ومع ذلك فقد استطاع قلم الأطباء أن يتبوأ مكانه متقدمة في مسيرة الأدب والفكر والثقافة، وحقق بعضهم شهرة ونجاحا ساحقا، وكثير منهم تجاوزوا الأدباء والمفكرين والمثقفين المتخصصين، بدأ من أنطون تشيكوف. ومرورا بميخائيل بولغاكوف، ووليام سومرست موم، ومايكل كاريتون، وآرثر كونان دويل، وإبراهيم ناجي، ومصطفى محمود وعلاء الأسواني ويوسف أدريس ونجيب الكيلاني ومحمد المخزنجي، وأحمد خالد توفيق وغيرهم الكثير.

٩. ما الذي وقفْت عليه من عجائب وغرائب الأنف والأذن والحنجرة، وتغيب عن معرفة غير المتخصّصين؟

- ليس من باب الغرائب ولكنه مفهوما شائعا عند الكثير، وهو أن الطبيب الذي لا يستخدم سماعة وجهاز ضغط هو أقل شأنا من تخصصات الطب الأخرى كالطب الباطني وطب الأطفال، و لا يعلم أكثر الناس بل أكثر المرضى أنه تخصص من التخصصات الجراحية التي يقوم فيها الطبيب بفحص المرضى أكلينيكا وإجراء الجراحات المختلفة.

١٠. بعد آلاف الصفحات التي ضمها نحو عشرين مؤلَّف لكم، ما شاء الله، هل وجدت الكتابة ضربا من الوجع أم نوعا من الفرح؟

- الكتابة كما وصفها جبرا إبراهيم جبرا في معايشة النمرة "هي تلك الحورية الرائعة، الذاهبة بالنفس في طرقات الجنة ودركات الجحيم، متعة ولا كأية متعة أخرى يعرفها الجسد: فهي وجد صوفي، وهي عذاب عذب ".

فهي نوع من الفرح عندما تستطيع تشكيل صوتك الداخلي العميق على الورق، بحيث تطلق فرسك البرية في سهوبك الواسعة. فما أعظم الفرح، إذا انتهيت من كتابك، فرح الحس والعقل، وسعادة الوحي والنشوة.

وهي ضرب من الوجع وجزء من الجحيم كما وصفها ماركيز: إن تأليف الكتب مهمة انتحارية. والمبتلى بعشق الكتابة كمن ابتلي بجوع جحيمي، وبشبق لاهث وراء سراب. مثل الطاقة المشتعلة الكامنة الجبارة، ان لم تجد مساربها دمرت مكانها، واشعلت نيرانها جدرانها، وأبقت الدخان وبقايا الحرائق على هياكلها الخارجية بقايا نار، وحزن وكأبة .

١١. بحساب المكسب والخسارة، ما تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على القراءة كفعل ثقافي وعلى الكتابة كعمل إبداعي؟

- من المؤكد أن الاستسلام لوميض الشاشات أفقد القراءة الشيء الكثير، فمواقع التواصل الاجتماعي بصفحاتها اللانهائية التي تغرينا بالاستمرار بالتقليب فيها تُصبح بمنزلة ثُقب أسود يبتلع الساعات والأيام، ولكن هذا لا يعني موت القراءة وضعف الكتاب. فعلى الجانب الآخر، أتاحت هذه المواقع روافد جديدة للقراءة والكتابة، فتقنية الكتابة في هذه المواقع من شأنها أن تشجع على التركيز المتناهي في أسلوب الكتابة، على اعتبار محدودية الحيز المتاح للكتابة. وهناك محاولات إبداعية لم يكن يكتب لها الظهور والانتشار إلا بفضل هذه المواقع، كما أن هذه المواقع جعلت الكتب متاحة إلكترونيا، فأصبحت النصوص الجيدة والرائدة في متناول الجميع، وتعددت الخيارات المطروحة للمفاضلة بين أكثر من كتاب وآخر، كما تنتقل النحلة البرية بين زهر وأخرى، تتغذي على رحيق هذه وتلك، وتنتج في النهاية شرابا مختلفا ألوانه سائغا للشاربين .

ولعل المستقبل كفيل بكشف ما سينتج عن هذه المؤثرات من ظواهر أدبية مختلفة.

12. هل من رسائل قصيرة توجهّها إلى الناقد، والناشر، والقارئ، والكاتب، كلّ على حِدة؟

- أقول للناقد: كن موضوعيا ومنصفا، بعيدًا عن المجاملة والمداهنة، لا تلعب دور الشرطيّ الباحث عن الأخطاء، ابحث عن المواهب وشجعها.

أقول للناشر: لا تنظر إلى الكتّاب والمؤلفين كمشاريع ربح فقط، انشر العمل المتميز، وادعم الكاتب الجيد.

أقول للقارئ: لتكن لك رؤية واضحة في تكوينك المعرفي والعلمي، وكن منهجيا في قراءتك وحدد الغرض منها، وإلا فلن تكون شيئا مذكورا .

أقول للكاتب: اقرأ.. ثم اقرأ.. ثم اقرأ، فمن لم يقرأ طويلا ويجدً في قراءته، فلن يكتب نصا متميزا، فجودة الكتابة بمقدار جودة القراءة، والكتابة تحتاج إلى جسارة وإرادة جادة، وعزم لا يكل ولا يمل، وإذا لم يكن دافعها نابعا من الأعماق، لن يكتب لك التوفيق والاستمرار في طريقها، ولا تتعجل النشر والشهرة، ولا تتأخر كثيرا.

***

حاوره: د. لطفي منير

16 نوفمبر 2022

 

دكتور صالح الطائي قامة عراقية وطنية، حارب من أجل وطنه بما تيسر له من السلاح، بالقلم والخطابة والموقف الصلب.. له أكثر من مشروع وطني، وألف العديد من الكتب، بلغت بحدود 78 كتابا، ويقف اليوم خلف مشروع وطني جديد آخر، يتمثل في حشد كل ما تيسر له من الشعر في ساتر الدفاع عن العراق من خلال ثقافة وإسهام الشعراء العراقيين والعرب، ولنا معه هذه الدردشة حول المشروع الأدبي الجديد..

- لماذا العراق؟

ج: العراق جرح نازف في ضمير كل عربي وكل إنساني شريف لأنه صاحب فضل كبير على الإنسانية جمعاء، ومن واجب الإنسانية أن ترد له جميله عليها. أليس هو الذي علمها الكتابة والحضارة والتمدن؟ أليس هو من صنع لها العجلة، وعلمها علم الفلك والحساب؟ أليس هو الذي شرع لها القوانين؟ فهل من المعقول والإنصاف ان تتنكر لكل هذا الجميل؟

العراقُ عريقٌ منذ أن خلق، وفجر الحضارة من أرجائه انـبثق، وأعظم عجائب العالم وجدت على أرضه، ومن سماء حضاراته القديمة والحديثة شعت الحضارة على الكون، فصار الإنسان إنسانا.

وحينما نراه اليوم يتألم، ينتقل الألم إلى قلوبنا فيوجعنا بعنف، ولأننا تعلمنا الكرامة منه فقد انتفضنا حينما تأوه لنعلن للعالم كله أنه (هذا العراق) الأب الذي عقه الجميع، والذي سننتصر له من خلال الشعر ليعود أبا للجميع، ولو كنا نملك غير الشعر لنصرناه به.

ولأني أعشق العراق إلى حد الوله، وأعلم أن هناك من يشاركني هذا العشق، لا بين العراقيين والعرب وحدهم وإنما في العالم كله، استنهضت همم الشعراء منهم ليكتبوا للعراق، وهو مشروعي الجديد.

- من هو العدو، وكيف يُوظَفُ الشعر؟

ج: سؤال بمفصلين مهمين، الأول عن العدو، والعدو مثلما هو معروف مصطلح نسبي، تنطبق عليه كل مواصفات النسبية، فمن هو عدو لي قد يكون صديقا لك، وهو يمثل في معناه حالة ما تشكل خطرا جسديا أو فكريا على الواحد فيكون عدوا شخصيا له، أو على المجموع فيكون عدوا للجميع، يسهم تعريفه اللغوي والاصطلاحي في تعريف الهوية الفردية والجمعية، فهو يسهم في بلورة الهويات، وهذا الإسهام يؤدي إلى الفصل بين (عدوي/ عدونا) و(صديقي/ صديقنا) ويحدد مواقفنا منهم، مثلما يوضح جوهر الصراع التاريخي بين الجماعات والأفراد، وسببه الاختلاف في الرؤى والعقائد وأشياء كثيرة أخرى، وتلعب السياسات دورا فاعلا في تأجيجه أو كبته تبعا لرغباتها ومصلحتها، مما يتسبب في تبدل الفهم الشامل لمعناه، إذ تلعب السياسة أحيانا أدوارا خبيثة تتسبب في تأجيج روح العداوة داخل المجموعة ذاتها والهوية المشتركة الواحدة، لذا تعتبر السياسة برأيي أحد أخطر دوافع انبثاق العداوات بين البشر.

أما المفصل الثاني من السؤال فهو عن توظيف الشعر، وأجد في ربط المفصلين داخل سؤال واحد التفاتة رائعة من السيد المُحاوِر، فالعداء يستوجب دائما أن تكون هناك مصدات له، تُوظَفُ لها كافة الإمكانيات المتوفرة لتمكينها من تحقيق النتائج، ولما كان الشعر أحد أهم أسلحة التصدي التاريخية، فإن توظيف الشعر في مجابهة العدو لا يقل أثرا عن توظيف جميع الأسلحة الأخرى. لكن كيف يوظف الشعر؟ هذا هو السؤال المهم، فقد عانينا من مغبة التوظيف السيء لمصادر الدعم ومنها الشعر عبر الأجيال، وأغلب هذا التوظيف كان عدوانيا يؤجج روح البغضاء بين الأفراد والجماعات، فيسلب الشعر نقاءه وبنائيته، ويحوله إلى أداة تخريب ممنهج.

من هنا جاءت محاولاتنا المتكررة لاستخدام الشعر سلاحا في البناء ولم الشمل من خلال المشروعين السابقين (قصيدة وطن رائية العرب) و(جرح وطن عينية الوجع العربي) اللذين اشترك ببناء قصيدتيهما نخبة من أفضل شعراء الوطن العربي من أكثر من سبع عشرة دولة عربية. ولأن العراق يمر اليوم بأزمة خانقة ويحتاج إلى النصرة أردت من مشروعي الثالث الذي أطلقت عليه اسم (هذا العراق) تذكير العرب والعالم بفضل العراق على الإنسانية، وهو فضل يعترف به الجميع ولا ينكره أحد، بدليل أن المشاركات الكثيرة التي وصتنا لم تقتصر على العراقيين وحدهم وإنما أشترك ببنائها شعراء من أغلب بلداننا العربية.

- هل يكتفي مشروعك بجمع أبيات الشعر في ديوان وينتهي الأمر؟ وهل في نيتك يطبع الديوان؟ وكيف سيتم توزيعه؟

ج: لا أبدا. فالتوقف في هذه المرحلة لا يخلف أي أثر نافع، ولا يخدم القضية، ولذا أخذنا على عاتقنا مهمة جمع المشاركات وطبعها بكتاب وتوزيعه على الوزارات والجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية والسياسية والدينية ومؤسسات المجتمع المدني في الداخل والخارج، وسنعمل على الاتصال بالفنانين والتشكيليين لتوظيف العمل في مشاريعهم، حتى يصل صوت شعراء الأمة إلى مداه الأقصى. فضلا عن ذلك سوف نرسل نسخا من الكتاب لجميع الذين شاركوا بكتابة قصيدته ليروجوا له ولفكرته. ثم لا تنسى صديقي أن مجرد الحديث عن الموضوع بحد ذاته في وقت تسلطت فيه قوى الفرقة والجهالة على مجتمعنا مما زاد حياتنا قرفا، وزاد التناحر والتباغض بين بلداننا، وتفككت روابط الفة شعوبنا يعتبر انتصارا نحن بحاجة إليه، يعد بحد ذاته انتصارا رائعا.

- من هم الشعراء الذين وجهت لهم الدعوة؟

ج: مثل المشروعين السابقين، وضعت أنا أساس المشروع الجديد من خلال خمسة أبيات قلت فيها:

هذا العراق منيعٌ ليس يُقْتَحَمُ

له كما الريحُ في عليائها شممُ

*

ويستخفّ إذا ما الحتف صادفهُ

ويستزيرُ المنايا وهو يبتسمُ

*

في أرضه وسماه دائما القٌ

ومن ضياء علاه تُطردُ الظلمُ

*

هو العراق كبير في مواقفه

فأينما دار؛ دار العز والكرمُ

*

حياك يا موطنا رفت بوارقه

فليس يحدوه إلا السامق العلمُ

ثم كتبت إعلانا ونشرته على صفحتي في الفيسبوك؛ التي تضم عددا كبيرا من الشعراء وطلبت منهم المشاركة في المشروع، وحث أصدقائهم ليشاركوا معهم، ثم تبنت المشروع مواقع أدبية رصينة جدا منها منتدى هاملت للأدب العربي المعاصر، ومجموعة شعراء المتنبي، ومنتدى مملكة الحب، ونفائس واحة التصحيح والتجديد والابتكار، ورابطة الشعراء العرب، وبيت الشعراء العرب، والأدب العربي الرفيع وغيرها، فضلا عن تطوع شعراء كبار آخرين لدعم المشروع. كل هؤلاء، بعضهم وجهت له الدعوة مباشرة أو من خلال الإعلان، وبعضهم تطوع من تلقاء نفسه بسبب حبه للعراق وللأدب، وبدعم ومشاركة كل هؤلاء انتشر المشروع في الوطن العربي، ووجد صداه لديهم.

- هل تقف معك جهة سياسية أو دينية أو سلطوية، أو أفرادا معينين في مسعاك هذا؟

ج: أعتقد، بل أنا على ثقة بأنك تعرف موقفي من السلطة ورجالها، فأنا لا أثق بها ولا أثق بهم، ولا أعتقد أن فيهم من يمكن أن يُسهم بتذكير الناس بـ(هذا العراق)، ولاسيما وأن أغلبهم بكل توجهاتهم واعتقاداتهم ومناطقهم الجغرافية آذوا العراق بأساليب وطرق لا تحصى، وهم بذلك لا يمكن أن يكونوا صادقين في دعمهم لمثل هذه المشاريع، لأن مجرد دعمهم لها يكشف زيفهم ونفاقهم.

أما على مستوى الأفراد المستقلين المحبين للعراق فالدعم كان كبيرا، ففضلا عن الشعراء الكرام الذين اشتركوا في الكتابة، هناك أساتذة أجلاء أسهموا في تقديم الدعم اللوجستي منهم الدكتور علي الطائي والدكتور لؤي شرع الإسلام الإمارة والدكتور محمد تقي جون والدكتور رحيم الغرباوي، وجنودا مجهولين آخرين مثل الدكتورة ملاك السامرائي، والأستاذة فاتن الجبوري وآخرين. ومن خلالكم أتقدم بالشكر الجزيل لهم كلهم.

- من تتوقع أن يستجيب لدعوتك؟

ج: كل عمل مستقبلي قابل للتأويل واختلاف الرأي والرؤى، ينضوي عادة على مجازفة ومخاطرة، ونسب النجاح والفشل فيه تتساوى، بل ربما يتقدم الفشل وتقل نسبة النجاح حتى تكاد تتلاشى، لكن المراهنة على الطيبة المغروسة في نفوس البشر الأنقياء هي التي تحفز الإنسان ليكون جريئا ويخاطر وينفذ ويصر على النجاح. وهذا المشروع مثل المشاريع الأخرى، حينما طرحته توجست الخوف من عدم الاستجابة أو عدم التجاوب، بل كان لقلة عدد من استجاب في اليوم الأول دافعا لإثارة الرعب في نفسي، لكني تعودت المراهنة طوال عمري، وقد راهنت بعمري أكثر من مرة، والمدهش أني ربحت فيها كلها، وهذا كان حافزا لأراهن مرة أخرى.

جدير بالذكر أن عدد المشاركات التي وصلتنا لحد الآن زاد على المائة وخمسين مشاركة، واعتقد أن عدد المستجيبين يزداد يوميا، وقد تبلغ المشاركات عددا لا يستوعبها الكتاب.

ـ وهل ستراهن مرة أخرى؟

ج: تسألني: وهل سأراهن من جديد؟ أقول لك: نعم بكل تأكيد، فالرهان جزء من عقيدتي في الحياة، وهو الذي يصنع حياة أجمل ويرفع نسب الادرنالين عند الإنسان، فيسهم في تحريك سبات خلايا دماغه وينشطها، وأنا بعد السبعين أحتاج لمثل هذه المنشطات ولذا سأراهن وأراهن دونما انقطاع، ثم لا تنسى أني في هذا العمر لم يعد لدي ما أخاف أن أخسره.!

- يضع المؤلفون عادة أسماءهم على أغلفة كتبهم، فمن سيضع اسمه على غلاف هذا الكتاب؟

ج: ينماز هذا العمل بكونه من الأعمال المشتركة، ولذا لا يحق لأي شخص أن ينسبه لنفسه، بما فيهم أنا الذي وضع الفكرة وأنهك نفسه في جمع المشاركات من خلال مواقع التراسل الاجتماعي الخاصة ومواقع التواصل العامة والمواقع الأدبية العامة وغيرها، ومن ثم تنظيمها وتوحيدها وترتيبها في الكتاب وكتابة المقدمة له. لهذا السبب اتبعت أسلوبا خاصة لا يغمط حق أحد فيه، يتبين من خلاله جهد كل الذين اشتركوا بالعمل ابتداء من وضع الفكرة ولحين صدور الكتاب، وقد اتبعت هذا الأسلوب في الأعمال السابقة، إذ ذكرت تصدرت غلاف المشروع الأول المعلومات أدناه:

فكرة القصيدة ومطلعها والعمل على الكتاب: الدكتور صالح الطائي

تأليف ونظم: مجموعة من شعراء الأمة

إشراف وتدقيق وربط المشاركات: الشاعر المهندس ضياء تريكو صكر

وأرى ان المعلومات نفسها سوف تذكر على غلاف الكتاب الجديد ليأخذ كل ذي حق حقه، ويكون العمل مفخرة للجميع.

- هل تقبل أبيات الشعراء المخالفين لك بالرأي لكنهم يتفقون معك على حب العراق؟

ج: الهوية مفهوم يستخدم في علم النفس والعلوم الاجتماعية والسياسية والدينية والفلسفية، وتعرف الهوية بأنها مجموع السمات التي ينماز بها شخص ما أو شيئا ما أو مجموعة ما، أي هي مجموع الصفات والمقومات التي تجعل الشخص مطابقا لذاته ومتميزا عن الآخرين، وتجعل المجموعة صغيرة كانت أم كبيرة مطابقة لذاتها ومتميزة عن غيرها، وقد أسهب صموئيل هنتنغتن في كتابه "من نحن" في الحديث عن الهوية اتضح من خلاله أن هناك الكثير من الأشياء التي يمكن لها أن تجمع شخصين أو مائتين أو مليونين داخل إطار هوية رغم اختلافهم الفكري والعقدي والديني، مثال ذلك هوية مشجعي فريق برشلونا أو هواة صيد السمك.

وفق هذه الأطر أرى أن هناك هوية أسمها (حب العراق) تجمع بيني وبين من يتفق معي على حب العراق سواء كان متوافقا أو متخالفا مع رأيي ورؤاي الأخرى. بل إن هؤلاء أحب إليَّ من غيرهم، فغيرهم قد يجامل أو قد يشعر أن ذلك من سمات المشاركة التكوينية، أما هؤلاء فهم يقولون الحقيقة، وهم أصدق من غيرهم بالتأكيد.

- ماهي المدة المحددة للمشروع؟

ج: الشعر ليس مهنة لها قواعد يمكن للمرء فهمها ليمارسها يوميا مثل مهنة المهندس والطبيب والخلفة والسائق وغيرهم، فالشعر فضلا عن متطلباته المعروفة مثل الثقافة، الدراسة، التخصص، معرفة الأوزان والبحور، الملكة، الاستعداد، الخزين الفكري والغنى اللغوي، ولذا لا يمارس مهنيا وإنما ينتظر الشاعر الفرصة المناسبة ليقتنص الصورة ويرسمها بالكلمات، ومقولة "لم يأتيني شيطان الشعر لحد الآن" التي سمعتها من أكثر من شاعر ممن تأخر وصول مشاركاتهم، كانت دارجة منذ القدم حتى قيل إن لافظ بن لاحظ هو شيطان الشاعر امرؤ القيس الذي يُملي عليه الشعر، وأن امرؤ القيس ما كان يقول ذلك الشعر الرائع الخالد إلا بعد ان يلهمه له شيطانه.

يعني هذا أن العجلة في ختم الكتاب ستؤدي إلى فقدان مشاركات كبيرة وفي منتهى الروعة، لأن الشعر الذي توحيه شياطين الشعر هو الأجمل، ولذا سيبقى باب المشاركة مفتوحا لأكثر من شهر.

- هل تحب العراق فعلا، وهل أن حبك هذا هو الذي دفع لتطلق هذا المشروع، وقد لا يعتبر مشروعك دليل حب؟

ج: لا يوجد حب أصدق من أن يحن عليك شيء ما كل يوم أكثر من محنَّة وحب والديك، ولا يوجد كرم أكثر من كرم شيء يحتويك ويمدك بسبل الحياة منذ أولى لحظات ولادتك، ثم يحتويك بعد موتك، ولا يوجد شيء أعظم من شيء يجعلك تفخر على باقي الأشياء طوال عمرك مثل بلدك، والعراق؛ رغم الذي عانيته فيه، قدم لي كل هذا وأكثر، ولذا رفضت مفارقته وهجرانه رغم الفرص العديدة التي أتيحت لي، فانا سمكة تعيش في بحر حب العراق، متى خرجت منه اختنقت وماتت. ثق أنى لا أعرف السبيل إلى ترجمة حقيقة حبي للعراق وأهله كلهم، فذلك فوق طاقتي وتعجز عنه قدراتي، وعقيدتي أن الله والعراق هما المقدسان المطلقان في حياتي.

كما الحب شيء روحاني غير ملموس، هو علاقة بين الحبيبين لا يقدر عمقها إلا صاحبها، وبالتالي تخفى ملامحه عن الآخرين تماما مثل الصيام، فأنت قد تدعي بأنك صائم ولكن الله وحده يعرف حقيقتك، من هنا لا يهمني رأي الآخرين في حبي للعراق، يكفيني أنه يعرف مقدار حبي له.

أما المشروع فهو بكل تأكيد يأتي ليترجم حبي للعراق وليكون دليلا عليه، طالما أن غيري لم يتبرع بتقديم مشروع مثله يسبقه.

- ماذا تقول في النهاية؟

ج: أقول: إن الوجع الذي يشعر به العراق اليوم تسبب لي بحزن لا حدود له، وأني والله لو تمكنت من أن أحمل عنه حزنه حتى لو أدى بي إلى الفناء لحملته بكل فرح وسرور، وأنا لست وحدي، فهناك ملايين البشر يحبون العراق مثلي وهم على استعداد للتضحية من أجله، وما دام مثل هؤلاء موجودين فالعراق رغم ما يعانيه سوف يشفى من جراحه ويعود عراقا تتغنى به الإنسانية.

***

حاوره: راضي المترفي

 

 

ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف

أندريا مورو: مرحبا نعوم. من الرائع رؤيتك أخيرًا. كان من المفترض أن نكون قد اجتمعنا منذ عدة أشهر: لقد منع الوباء ذلك، لكن على الأقل نحن قادرون على الاجتماع الآن، حتى لو عن بعد. إذا كان الأمر جيدًا معك، أود أن أبدأ حديثنا بشيء أدهشني حقًا عندما كنت طالبا عندك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 1988. في الفصل، اقتبست من يهوشوا بار هيلل عن العلاقة بين التكنولوجيا واللغة كما هي كان من ذوي الخبرة في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي؛ كان شيئًا كتبه بعد حوالي عشرين عامًا من الواقعة. في ذلك الوقت، كان ما قاله صادمًا بالنسبة لي، وأعتقد أنه لا يزال يتعلق بطريقة مثيرة للاهتمام بالعالم المعاصر. إذا كنت لا تمانع، سأقرأها بصوت عالٍ قبل أن أطلب رأيك فيها اليوم.

كان بار هيلل، بشكل أكثر تحديدًا، يتحدث عن الغلاف الجوي والأفكار المتداولة في مختبر أبحاث الإلكترونيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، ماساتشوستس. هذا هو المقطع الرئيسي: " كان هناك شعور واسع الانتشار حول المختبر أنه مع الرؤى الجديدة لعلم التحكم الآلي والتقنيات المطورة حديثًا لنظرية المعلومات، فإن الاختراق النهائي نحو فهم كامل لتعقيدات الاتصال " في الحيوان والحيوان. الجهاز " قد تم تحقيقه. أشاد اللغويون وعلماء النفس والفلاسفة وعلماء الاجتماع على حد سواء بدخول المهندس الكهربائي وعالم الرياضيات الاحتمالي في مجال الاتصالات. 1 أود أن أسألك عما إذا كان بإمكانك، بعد سنوات عديدة، إبداء رأيك في هذا الأمر مرة أخرى؟.

نعوم تشومسكي: حسنًا، كما تتذكر، كان بار هيلل يقول إن النشوة كانت في غير محلها - وأن ما كان متوقعًا بثقة لم يحدث.

كان يشير إلى الوضع في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. كان ذلك عندما كنت أنا وموريس هالي وإريك لينبيرج نجتمع للتو ونلتقي كطلاب دراسات عليا في جامعة هارفارد. وكان هذا في الواقع هو الجو في هارفارد، وفي بيئة كامبريدج. كان هناك الكثير من الإثارة. كان على خلفية اجتماعية وسياسية. من المهم أن نتذكر أنه قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تعاني نوعًا من الركود الفكري. إذا كنت ترغب في دراسة الفيزياء، ستذهب إلى ألمانيا؛ وإذا أردت دراسة الفلسفة، ستذهب إلى إنجلترا أو فيينا؛ وإذا أردت أن تكون كاتبًا، فستذهب إلى فرنسا. كانت الولايات المتحدة نوعًا ما يشبه بلدة صغيرة، بعيدة في الأطراف. أعني، كانت هناك أشياء تحدث أيها العلماء العظماء. لكنها كانت على الهامش.

غيرت الحرب كل ذلك تماما. كانت أوروبا، بالطبع، مدمرة. حققت الولايات المتحدة مكاسب هائلة من خلال الحرب. تضاعف الإنتاج الصناعي أربع مرات. تم إجراء الكثير من الاكتشافات العلمية والتقدم التكنولوجي خلال الحرب. بعد الحرب، امتلكت الولايات المتحدة العالم بشكل أساسي. تسرب هذا إلى الوعي العام: لقد انتهى الأوروبيون، ونحن نتولى زمام الأمور. وفي ظل هذه الخلفية، ظهرت التطورات الجديدة التي كان يصفها بار هيلل في المقدمة وأصبحت جزءًا من الشعور بأننا " نتقدم حقًا، ونترك العالم القديم وراءنا؛ نحن الآن نبدأ في طريق جديد، يتجاوز بكثير ما تصوره أي شخص آخر. ظهر هذا في جميع أنواع المجالات، بما في ذلك هذا المجال. الآن أنا موجود في كامبريدج - هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. تم تطوير نظرية المعلومات لكلود شانون من أبحاث زمن الحرب إلى جانب علم التحكم الآلي لنوربرت وينر، بدا الأمر وكأن حقبة جديدة قادمة. يمكننا الآن أن ننتقل إلى دراسة ما كان يُطلق عليه في الأيام القديمة "دراسة العقل" ولكننا الآن سنتعامل معها بأساليب العلم. وكان هناك حماسة هائلة.

يجب أن أقول إنه مشابه جدًا لما يجري اليوم، مع الحماس والإثارة حول الذكاء الاصطناعي، والتعلم العميق: بطريقة ما سيحل كل المشاكل. وهي أكثر إشكالية. فهو لا يحقق نتائج علمية في مجالاتنا على الأقل. لكن الجو مشابه جدا.

ويجب أن أذكر أنه في ذلك الوقت، حوالي عام 1950، كان هناك مصدر آخر، مصدر مستقل، للحماس والنشوة: كان هذا هو علم اللغة البنيوي الأمريكي - والذي لم يتم تمثيله في الواقع في كامبريدج. لم يكن هناك لغويون أمريكيون. أعتقد أنني كنت الوحيد على الأرجح، بفضل خلفيتي الجامعية. كان رومان جاكوبسون موجودًا من التقاليد البنيوية الأوروبية، لكن لم يكن هناك بنيويون أمريكيون. لكن في أماكن أخرى من البلاد، كانت هناك مجموعة متماسكة إلى حد ما من اللغويين البنيويين الذين أنجزوا قدرًا جيدًا، و شعروا أنه إذا قرأت على المادة في ذلك الوقت، فقد تمكنوا أخيرًا من تأسيس علم اللغة كعلم - " علم التصنيف " تم تسميته - لأول مرة. كان لديهم إجراءات وتحليلات محددة جيدًا: يمكنك تطبيقها على أي لغة، وأي مواد، وتحصل على تحليل الصوت، والصرف، وكلمتين حول بناء الجملة، لكن الحقل تم بشكل أساسي. وفي الحقيقة، أذكر، كنت طالبًا في ذلك الوقت، وكان الشعور السائد بين الطلاب: هذا كثير من المرح، لكن ما الذي سنفعله و متى نطبق الإجراءات على كل لغة؟ وكيف سينتهي بنا الأمر؟ وكان هذا هو الافتراض العام.

لذلك، كان هناك نوعان منفصلان من الإجماع، كل منهما متحمس، ولكل منهما إحساس بوجود إنجازات عظيمة. في إحدى الحالات، كان الحقل قد اكتمل إلى حد كبير؛ في الجانب الآخر، كنا نواصل إنشاء عالم جديد. انهار في الخمسينيات. لا شيء يعمل. مع الإجماع في كامبريدج، كان من الممكن، عندما كانت المقترحات واضحة بما فيه الكفاية، للتحقيق فيها. على سبيل المثال، كانت الفكرة السائدة هي أن اللغة كانت نظام إنتاج ماركوفي. كان ذلك دقيقا: يمكنك إثبات أنه خاطئ. كان البعض الآخر أكثر إبهامًا. لديك المزيد من الحجج غير المباشرة بأنها كانت على المسار الخطأ. الإجماع البنيوي للتو لم ينجح. كان هناك صدام حاد، أصبح أكثر وضوحا، بين إجراءات التحليل، وهو ما يدور حوله الميدان، والنظريات التفسيرية. اتضح أنك إذا حاولت تطوير نظرية تفسيرية - وهي ما هي القواعد التوليدية - إذا حاولت بناء قواعد توليدية، نظرية تفسيرية، فإن العناصر الموجودة فيها لا يمكن الوصول إليها من خلال الإجراءات. لذلك، كانت هناك فجوة بين محاولة تطوير تفسير لظواهر اللغة وتطبيق إجراءات التحليل. كانت المشاريع غير متسقة. وما ساد أخيرًا بمرور الوقت هو الجهد المبذول لإيجاد نظريات تفسيرية.

من اللافت للنظر أننا في وضع مشابه جدًا اليوم. الإثارة القادمة من وادي السيليكون، بشكل أساسي - الكثير من الضجيج والدعاية حول مدى روعة الإنجازات - لها تشابه معين مع النشوة التكنولوجية التي كان يصفها بار هيلل.

وهذا، مرة أخرى، في الوقت الذي وصفه فيه، أعتقد أنه قد تم تقويضه، وكان خطأ.

أندريا مورو: على ذلك المقطع الذي أشار إلى أجواء الخمسينيات، والذي لا يزال مهمًا، يحذرنا من النشوة السائدة اليوم. ولكن هناك تفصيل واحد محدد أود أن أطلب منك التفكير فيه، فيما يتعلق بشيء آخر قدمته إلينا في الفصل: يتعلق بالعمل الأساسي الذي جاء من مجال مختلف تمامًا، أي دراسات الدماغ، وبشكل أكثر تحديدًا، علم الحبسات. لقد فعلت ذلك من خلال تعريفنا بعمل إريك لينبيرج، مع كتابه الأسس البيولوجية للغة. 2

هل تعتقد أنه كان هناك أي تغيير جوهري في دراسات الدماغ منذ الخمسينيات؟

نعوم تشومسكي: أوه، الأمر مختلف تمامًا. في الواقع، كان هناك عمل مثير للاهتمام في مجال علوم الدماغ في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. لكن من المثير للاهتمام أنه لم يكن معروفًا بشكل أساسي في مجالات علم النفس والعلوم المعرفية وما إلى ذلك. سأعطيكم مثالاً صارخًا جدًا على ذلك. ألقى كارل لاشلي، أحد علماء الأعصاب العظماء، في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي محاضرة مهمة جدًا، محاضرة ندوة هيكسون، صدرت مطبوعة في عام 1951. أظهرت، ليس من خلال دراسات الدماغ، ولكن فقط من خلال النظر في طبيعة سلوك الكائنات الحية - الخيول التي تجري، والناس يعزفون الموسيقى، وما إلى ذلك - أن الهيكل السلوكي بأكمله كان ميؤوسًا منه. لقد أظهر أنه لا يمكن أن يعمل حتى في الأشياء البسيطة، مثل حساب كيف يمكن للحصان أن يركض وما مقدار سرعته. قدم حججا قوية جدا. عليك أن تتذكر أنه في ذلك الوقت، كانت السلوكية الراديكالية مركزية في الأساليب المبهجة.

تم تداول محاضرات ويليام جيمس حول بافلوف وسكينر في عام 1948 وفيما بعد ظهرت في كتاب السلوك اللفظي. اختارها دبليو في أو كوين، الفيلسوف الأكثر نفوذاً في ذلك الوقت، وصارت جوهر عمله. صارت في المركز: ما كان محوريًا للشعور بأننا نستطيع فهم كل شيء هو السلوكية الراديكالية. قام لاشلي في عام 1951 بإخراج الدعائم من تحتها. 3 لا أحد يعرف ذلك. لقد اكتشفته كطالب لأنه أوصى به مؤرخ الفن، ماير شابيرو، الذي كان نوعًا ما متعدد المواهب؛ لقد ذكر لي ذات مرة أنني يجب أن أنظر إلى هذه المقالة. كان يعتقد أنها مثير للاهتمام. وحوالي عام 1955، على ما أعتقد. نظرت إليها: استطعت أن أرى على الفور أنها حطمت كل شيء. لم يعرف ذلك أي من علماء النفس في جامعة هارفارد. لم يتم ذكره في الأدبيات - ولكن في الأدبيات العصبية ذكرته بشكل متكرر. هناك تمت ملاحظتها.

ولم تدخل الفكرة علم النفس أو العلوم المعرفية. أعتقد أن أول ذكر لها في هذه المجالات كان على الأرجح في مراجعتي لسكينر في عام 1959. 4 ولاحقًا أصبحت معروفة على نطاق واسع. كان لاشلي شخصية رئيسية في علوم الدماغ، لكن عمله المهم لم يدخل في علم النفس أو فلسفة اللغة، أو العلوم المعرفية الناشئة. بالطبع، كان هناك عمل آخر، مثل دراسات وايلدر بينفيلد، والدراسات الغازية للدماغ. بالإضافة إلى دراسات لا يمكن إجراؤها الآن لأسباب أخلاقية. لكن المعايير كانت أقل بكثير في تلك الأيام: كانت هناك قيود قليلة [ يضحك ]. ثم جاء كتاب إيريك لينبيرج عام 1967. لقد كان ثوريًا حقًا. لقد أسس علم بيولوجيا اللغة الحديث.

وكان لديه دراسات شيقة للغاية حول العديد من الموضوعات المختلفة، بما في ذلك فصل مثير للاهتمام حول تطور اللغة، والذي لا يزال حتى يومنا هذا أساسًا كلاسيكيًا للعمل الجاد في هذا المجال. كما درس حالات الإعاقة اللغوية. لذلك، الأشخاص الذين ليس لديهم قشرة مخية تقريبًا، قشرة مخ غير قابلة للاكتشاف تقريبًا، ولديهم معرفة لغوية ممتازة. كيف يمكن لذلك أن يحدث وكيف يمكن تفسير ذلك؟

لقد قام في وقت سابق ببعض الاكتشافات المثيرة للاهتمام، والتي اعتبرت مستحيلة لدرجة أنه لم يقم حتى بنشرها. كنا أصدقاء شخصيين مقربين، طلابًا معًا في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. كان مهتمًا بالفعل بكيفية تطور اللغة مع الإعاقات. لذلك، كان من بين الأشياء التي كان مهتمًا بها لغة الصم. في ذلك الوقت كان هناك تقليد شفهي صارم للغاية. لم يُسمح للصم بتعلم الإشارة. كان عليهم تعلم قراءة الشفاه. لذلك، تم توجيه الوالدين بعدم الإيماء إذا كان لديك طفل أصم. كانت المدارس تدرس قراءة الشفاه فقط. ذهب إريك للمراقبة في أكثر المدارس تقدمًا للصم في منطقة بوسطن. وقد لاحظ شيئًا مثيرًا للاهتمام. كان المعلم يعلم الأطفال قراءة الشفاه، ولكن بمجرد أن استدار المعلم إلى السبورة، بدأ الأطفال في التحرك على هذا النحو [ يلوحون بأيديهم]. وأدرك أنه لا بد أن يكونوا قد اخترعوا لغة الإشارة الخاصة بهم. لكن هذه الفكرة اعتبرت غريبة لدرجة أنه لم ينشرها أبدًا. في السنوات اللاحقة، تم اكتشاف أن الأطفال يخترعون بالفعل لغة الإشارة الخاصة بهم، دون مدخلات، ولكن هذا كان مبكرًا بستين عامًا. لم يستطع حتى نشرها في ذلك الوقت.

كان الكتاب حقًا تقدمًا كبيرًا. ومع ذلك، لم تكن التقنيات متاحة بعد للقيام بعمل فعال حقًا في علوم الأعصاب من شأنه أن يحمل أسئلة جادة حول كيفية عمل اللغة. كان أول اختراق كبير في ورقة بحثية في عام 2003، التجارب التي صممتها والتي أجريت في ميلانو. كان هؤلاء هم الأوائل، وحتى يومنا هذا كانوا الوحيدين تقريبًا، الذين وجدوا أساسًا مهمًا حقًا في وظيفة الدماغ لخاصية أساسية للغة: الخاصية التي تسمى اعتماد البنيوية. من السمات المثيرة للفضول للغة هي أن الأطفال الصغار، الأطفال بعمر عامين، عندما يطبقون قواعد لغوية لإنشاء جمل وتفسيرها، يتجاهلون 100٪ مما يسمعونه، ولا ينتبهون إلا إلى شيء لم يسمعه أبدًا. ما يتجاهله هو الترتيب الخطي للكلمات. هذا ما تسمعه. مثل، إذا استمعت إلينا الآن تسمع كلمات تأتي مثل خرز على خيط، واحدة تلو الأخرى. يتجاهل الأطفال هذا تمامًا في تطبيق قواعد لغتهم الداخلية. ما ينتبهون إليه هو الهياكل التي يصنعونها في أذهانهم، والتي بالطبع لا تسمعها أبدًا. أنت لا تسمع تراكيب وهيكل لغوية. إنها مجرد شيء ينشئه عقلك تلقائيًا على أساس سلسلة كلمات مرتبة خطيًا. يوجد الآن دليل لغوي كبير حول هذه الخاصية الغريبة والأساسية للغة، وتجاربك، التي سأدعك تتحدث عنها الآن، تُظهر أنه يمكنك في الواقع العثور على ما يحدث في الدماغ والذي يرتبط بهذا. لماذا لا تتولى [يضحك]؟

أندريا مورو: أشكرك على إعطائي هذه الفرصة لوصف هذه التجارب وعلاقتها بفرضياتك. في الواقع، كما قلت، تم تصميم التجربة في ميلانو. في الواقع، تم استغلال نموذج البحث مرتين في تجربتين منفصلتين مع فريقين مختلفين تم إجراؤهما في ألمانيا وسويسرا. كانت الفكرة الأساسية والمشتركة هي الاعتماد على ما قلته للتو، أي أن الأطفال يهتمون فقط بالهياكل الهرمية بدلاً من الترتيب الخطي. بافتراض ذلك، اخترعت نوعين من اللغات: أحدهما يعتمد على التسلسل الهرمي (أطلق عليه " لغة محتملة ") والثاني على أساس الترتيب الخطي (أطلق عليه " لغة مستحيلة "). هناك عدد لا حصر له من القواعد التي يمكن للمرء أن يخترعها على أساس الترتيب الخطي. استخدمنا أساسًا ثلاثة أنواع من القواعد: القواعد المستندة إلى الموضع الصارم لكلمة معينة في التسلسل الخطي للكلمات في الجملة (على سبيل المثال، يحدث النفي دائمًا مثل الكلمة الثالثة على سبيل المثال)؛ القواعد المستندة إلى إعادة ترتيب الكلمات (على سبيل المثال، القاعدة التي يشكل جملة استفهام عن طريق تكوين صورة معكوسة لتسلسل كلمات الجملة الإيجابية المقابلة)؛ والقواعد المستندة إلى الاتفاق بين كلمتين في أقصى سلسلة (على سبيل المثال، توافق المقالة الأولى مع الاسم الأخير لجملة معينة).

وتجدر الإشارة إلى أن القاعدة القائمة على إعادة ترتيب الكلمات نفسها ليست سوى امتداد لقدرة تُستخدم عادةً في العديد من اللغات: خذ جملة إيجابية مثل أمريكا جميلة؛ جملة الاستفهام المقابلة لها هل أمريكا جميلة؟ في لغتنا المستحيلة، ستعطي القاعدة المقابلة " الجميل" أمريكا لها نفس المعنى مثل جملة الاستفهام السابقة ولكن كما تم حسابها على هيكل مسطح بدلاً من الهيكل الهرمي الذي نجده في اللغة الإنجليزية الفعلية.

استندت كلتا التجربتين أساسًا إلى هذه الفكرة البسيطة لقياس رد فعل الدماغ عند الحكم على القواعد النحوية للجمل بناءً على القواعد الممكنة مقابل القواعد المستحيلة، ولكن كان هناك أيضًا عامل آخر يميزهما. في إحدى الحالات، قمنا بمقارنة اللغات الحقيقية وذات المعنى الكامل من خلال تعليم نسخة مصغرة من اللغة الإيطالية تحتوي على كل من القواعد الممكنة والمستحيلة لمجموعة من المتحدثين الألمان الذين يتحدثون لغة واحدة. 5 في الجانب الآخر، ندع الناس بدلاً من ذلك يكتشفون قواعد مماثلة من الجمل التي تم إنشاؤها من مفردات محدودة من الكلمات المبتكرة، رغم أنها معقولة صوتيًا، نسميها " الكلمات الزائفة "، مع الاحتفاظ فقط بما يسمى بالكلمات الوظيفية، مثل الاثبات، والنفي، والأفعال المساعدة. بدت جمل هذه التجربة الثانية مثل jabberwocky وكان من المستحيل حساب المعنى الكامل؛ على سبيل المثال، بشيء مثل gulks janidged brals The. 6 ومع ذلك، تعلم المتحدثون هذه القواعد وكانت النتائج قابلة للمقارنة والقياس إلى حد كبير مع تلك الموجودة في التجربة الأولى. كان السبب في أننا استغلنا أيضًا الكلمات الزائفة جنبًا إلى جنب مع الكلمات العادية هو استبعاد احتمال أنه لم يكن بناء الجملة بل الدلالات التي مكنت الأشخاص من تعلم القواعد وإدارتها باللغات المستحيلة.

علاوة على ذلك، لتحسين التجربة الأولى، قمنا بتعليم اللغة اليابانية المصغرة جنبًا إلى جنب مع الإيطالية الدقيقة من أجل استبعاد احتمال أن يكون التشابه بين اللغة الأخيرة واللغة الأصلية للمواضيع (كل من الألمانية والإيطالية تنتمي إلى الهندو أوروبية) اللغات، في حين أن اليابانية لا) يمكن أن تقدم أي ميزة للمتحدثين. وفي الحقيقة، لم يكن هناك شيء. حتى أن عدد الأخطاء التي ارتكبها الأشخاص أثناء الاختبارات النحوية كان متشابهًا، بغض النظر عما إذا كانت اللغة إيطالية أو يابانية. عندما قمنا بقياس رد فعل أدمغتهم، كانت النتائج قوية وحادة.

كان الاستنتاج أنه حتى بدون تعليمات، فإن الدماغ قادر على التعرف على القواعد الممكنة مقابل القواعد المستحيلة - أي القواعد القائمة على التسلسل الهرمي مقابل القواعد القائمة على الترتيب الخطي. وبشكل أكثر تحديدًا، توصلنا إلى هذا الاستنتاج من خلال مقاييس بيولوجية عصبية: الشبكة التي ينشطها الدماغ عندما يستخدم قواعد مستحيلة لم تكن هي نفسها التي استخدمتها للقواعد الممكنة. في الواقع، ولذلك فإن الدوائر الدماغية التي تشارك عادة في المهام اللغوية، والتي تتضمن أساسًا جزءًا فرعيًا من منطقة بروكا، تم تثبيطها تدريجياً عندما زادت دقة الأشخاص أثناء قيامهم بحساب القواعد المستحيلة؛ من ناحية أخرى، زاد نشاط هذه الدوائر نفسها تدريجياً عندما زادت دقة الأشخاص أثناء قيامهم بحساب القواعد الممكنة. في الواقع، يتم التعامل مع القواعد المستحيلة، أي القواعد الخطية أو " المسطحة "، من قبل الدماغ على أنها أحجية، تتضمن استراتيجيات حل المشكلات - أي كشيء يختلف اختلافًا جذريًا عن التراكيب النحوية. في الختام، " الألسنة المسطحة " ليست ألسنة بشرية: لا يمكن التحدث بها إلا في " الأراضي المسطحة". "

بالطبع، هذه التجارب والعديد من التجارب اللاحقة في هذا المجال، بما في ذلك، من بين أمور أخرى، تلك التي أجرتها أنجيلا فريدريسي، وديفيد بوبل، وأليك مارانتز، ودانييل أوشيرسون، وستانيسلاس ديهاين، كان من غير الممكن تصوره إذا لم يتم قبول اقتراحك بأن بنية اللغة مقيدة بقيود بيولوجية عصبية، وبدلاً من ذلك ظلت قواعد اللغة تعتبر " تقاليد ثقافية تعسفية. " هذه الكلمات الأخيرة مأخوذة من مقدمة لينبرغ، وأجد أنه من المفيد الاستشهاد بتحذيره بالكامل: " يجب أن يبدو التحقيق البيولوجي في اللغة متناقضًا حيث يُفترض على نطاق واسع أن اللغات تتكون من تقاليد ثقافية تعسفية [التشديد مضاف]. فتغنشتاين وأتباعه تحدثوا عن لعبة الكلمات، وبالتالي تشبيه اللغات بمجموعة عشوائية من القواعد المصادفة في ألعاب الصالون والرياضة. من المقبول التحدث عن سيكولوجية لعبة الجسر أو البوكر، ولكن لا يبدو أن البحث عن الأساس البيولوجي لجسر العقد موضوع مثير للاهتمام.

تحمل قواعد اللغات الطبيعية بعض التشابه السطحي مع قواعد اللعبة، لكنني آمل أن أوضح في الفصول التالية أن هناك اختلافات رئيسية وأساسية بين قواعد اللغات وقواعد الألعاب. يتم تحديد السابق بيولوجيًا؛ بينما الأخيرة تعسفية. 7 إن " الدليل " التجريبي على صحة هذه الفرضية كان ممكنًا فقط بمجرد قبول المجتمع العلمي للقواعد التوليدية وعواقبها على اكتساب اللغة كنطاق في الخلفية.

بشكل أكثر تحديدًا، يمكن تصور التجارب على اللغات المستحيلة التي وصفتها سابقًا من خلال الاعتماد الصارم على أوراقك الأولى في الخمسينيات، حيث كان واضحًا، باستخدام النظريات الرياضية - على عكس الحدس التقريبي والذاتي والقصصي - يمكن للإحصاءات أن لا تكون كافية لالتقاط الانتظامات الأساسية في كل مكان للبنى النحوية، مثل التبعيات المتداخلة على سبيل المثال. من الناحية الرياضية، لقد أثبتت أن سلاسل ماركوفيان التي اعتمدها شانون لم تكن كافية. تقدم هذه التجارب أدلة بيولوجية عصبية على أن تلك الانتظامات تستند إلى قدرة تسبق التجربة.

نعوم تشومسكي: بالنسبة لي، بدا أن الأهمية الرئيسية لتجربتك هي العثور على ارتباطات عصبية للتمييز بين اللغات الممكنة والمستحيلة، مع التركيز على خاصية حاسمة هي دور النظام الخطي والهياكل التي أنشأها العقل. هناك أدلة دامغة على أن الخطية يتم تجاهل النظام من قبل اللغة الداخلية التي تحسب الهياكل التي تدخل في الفكر ولديها تفسيرات دلالية، ما قد نعتبره لغة نقية مستخرجة من الأنظمة الحسية الحركية المستخدمة للمظاهر الخارجية، والتي لا علاقة لها باللغة. بالطبع، أنواع الحسابات التي يتم تجاهلها يتم تجاهلها بسهولة ضمن القدرات الحسابية العادية، لكن لا يتم تنشيطها للغة.

لنأخذ مثالًا بسيطًا جدًا، في " [قصف المدن] جريمة جماعية "، فإن الكوبولا هي المفرد، وليس الجمع. 8 بدلاً من استخدام الخاصية الحسابية التافهة للتجاور، تعتمد اللغة الداخلية على البنية الذهنية المجردة التي تشير إليها الأقواس، والعملية غير البديهية لتحديد موقع رأس البناء اللغوي، والتي تحدد دورها النحوي / الدلالي. لنأخذ حالة أخرى، في الجملة " هل يمكن [النسور التي تطير ] السباحة "، لا نربط العلبة المشروطة بأقرب فعل خطي، وهو حساب بسيط على ما نسمعه بالفعل (ترتيب خطي)، ولكن مع السباحة، أقرب فعل هيكليًا، كما تشير الأقواس. ينطبق الشيء نفسه على القواعد لجميع التركيبات في جميع اللغات.

تُظهر دراسات اكتساب اللغة أن هذه الخصائص تُفهم في أقرب وقت ممكن عندما يكون الاختبار ذا الصلة ممكنًا. لقد أظهرت الدراسات أن الرضيع بشكل انعكاسي، بدون خبرة، يتجاهل 100 في المائة مما يسمعه ويتجنب الحسابات البسيطة على هذه البيانات، ولكنه يهتم فقط بما يخلقه عقله، ويتبنى بدون دليل مبدأ الاعتماد على البنية.

أظهرت تجاربك على مجموعة متنوعة من المواد بناءً على الترتيب الخطي أن هذه الخاصية الغريبة لحياتنا العقلية تظهر في عمليات الدماغ. يوفر ذلك أساسًا عصبيًا للتمييز بين اللغات الممكنة والمستحيلة التي تمت مناقشتها على نطاق أوسع في كتابك اللغات المستحيلة. في تقديري على الأقل، هذه هي الرؤى الأكثر كشفًا عن علم اللغة العصبي حتى الآن.

وتجدر الإشارة إلى أنه كان هناك قدر كبير من العمل الذي يسعى لإظهار أنه سيكون من الممكن تعلم مبدأ الاعتماد على الهيكل من خلال تحليل البيانات الهائل، أو أن الهياكل الهرمية توجد في مكان آخر في الأعمال العقلية الأخرى أو في الطبيعة. تنهار المقترحات عند الفحص، ولكن أكثر من ذلك، فهي غير ذات صلة. إنها تتجنب السؤال الحاسم: لماذا، منذ الطفولة، نتجاهل 100 في المائة من البيانات المتاحة لنا وكذلك الحسابات البسيطة بسهولة داخل الذخيرة المعرفية، وبدلاً من ذلك نلاحظ فقط ما تخلقه عقولنا ولا نسمع أبدًا؟

من منظور تجاربك، لماذا لا يقوم الدماغ بتنشيط الدوائر الهرمية للغة عند مواجهة لغات مستحيلة بخصائص يمكن اكتشافها بواسطة حسابات بسيطة؟

يجب أن نضيف أنه يوجد الآن تفسير قوي لهذه الاكتشافات حول اللغة. يتبع الاعتماد على البنية في الحال من الفرضية الصفرية: بمجرد أن أصبح مبدأ التوليد المتكرر لما لا نهاية منفصل من الكائنات متاحًا في التاريخ التطوري، من المحتمل جدًا جنبًا إلى جنب مع الإنسان العاقل، لقد اختارت الطبيعة كالمعتاد أبسط إجراء ممكن من هذا القبيل. وبالتالي، لا يوجد تعلم.

هذه المجموعة من الحجج التجريبية والمفاهيمية لا تثبت، بالطبع، بشكل قاطع أن الترتيب الخطي لا يظهر في أي مكان في طريقة عمل اللغة الداخلية. سيكون من المستحيل إثبات ذلك. لكن هذا يعني أن الادعاءات القائلة بأن الأمر يبدو بالفعل يواجه عبئًا ثقيلًا من الإثبات، تجريبيًا ولكن أيضًا من الناحية المفاهيمية: لشرح كيف ولماذا كان من الممكن حدوث مثل هذا الانحراف الجاد عن العملية المثلى.

نادرًا ما ظهرت أسئلة من هذا النوع في البحث اللغوي، أو في العلوم المعرفية بشكل عام. أعتقد أننا وصلنا، مع ذلك، إلى النقطة التي أصبحت فيها مناسبة.

أندريا مورو: في الوقت الحاضر، كما ناقشنا عدة مرات معًا، يتمثل التحدي الجديد في التحول لما اعتدت أن أسميه مشكلة " المكان " - أي حيث تكون شبكة معينة نشطة في الدماغ، على سبيل المثال، الدائرة التي تتعلق اللغة مقابل القدرات المعرفية الأخرى - لمشكلة " ماذا " - أي، ما هي المعلومات الفعلية التي تمررها خلية عصبية إلى أخرى. لكن مرة أخرى، بدون نظرية رسمية وصريحة - باختصار، بدون نظرية لغوية " توليد " كخلفية، لا يمكنك حتى البدء في التفكير في هذا الأمر. في هذه الحالة، فإن التعبير الشهير " البيانات الضخمة " في كل مكان لا يهم حقًا.

إن الحصول على بناء جملة اللغات البشرية بالكامل من خلال تحليل عدد هائل من الجمل سيكون بمثابة التقاط حقيقة أن الشمس ثابتة ونحن ندور حولها من خلال التقاط آلاف التريليونات من صور الشمس من خلال النافذة. إن البحث العلمي ببساطة لا يتطور بهذه الطريقة، على الرغم من أنه يمكن من حيث المبدأ؛ علاوة على ذلك، حتى لو كان من الممكن أن تعطينا أبحاث البيانات الضخمة تقريبيًا لبنية اللغة، فإن احتمال أن تتمكن الإحصائيات من التقاط الآليات الفعلية للدماغ بشكل كامل، بدلاً من محاكاتها ببساطة، سيكون منخفضًا للغاية، ناهيك عن إمكانية تقليد الأنواع. من الأخطاء التي يرتكبها الأطفال عندما يكتسبون قواعدهم الخاصة. الكل في الكل، في تجربتي الخاصة المحدودة، أعتقد أن التجارب التي يمكن تصورها في هذا المجال،

خاصةً تلك التي تتضمن بناء الجملة - جوهر اللغة البشرية - لا يمكن القيام بها إلا إذا اتخذنا الإجراءات التوليدية والقوة التفسيرية المقابلة التي تصورتها وصممتها مرة أخرى في الخمسينيات كمبدأ توجيهي.

ولكن متابعة لتأملك لنوع جديد من خطر الاختزالية، أود أن تشاركنا بأفكارك حول ملاحظة ذات صلة قمت بها ذات مرة. أتذكر أنك تحدثت في الفصل عن فكرة الجاذبية.

خلال العصر الديكارتي، اعتقد الفلاسفة الأرثوذكس أنه، بما أنه لا يوجد أحد يفترض بشكل معقول أي عمل عن بعد، فقد تم شرح مسار القمر بافتراض أنه محاصر في دوامة أثيرية متمركزة على الأرض ومن ثم يدور حولها؛ وهذا يعني أنه كان يُعتقد أنه يتم التواصل بشكل كامل من خلال سلسلة من الاتصالات المحلية المباشرة. ولكن بعد ذلك بدأت استنتاجات نيوتن حول الجاذبية في الانتشار، والتي قدمت نهجًا مختلفًا جذريًا، حيث تبنت مؤقتًا الفعل عن بعد لأسباب وصفية. أود أن أطلب منكم التوسع في تأملاتكم حول هذا الظرف التاريخي المحدد ومجموعة من الأفكار. لأنها بالنسبة لي تحدد التحدي الأساسي الذي يواجهه علم الأعصاب اليوم، على غرار الجاذبية التي كانت تفرضها تلك الأوقات.

نعوم تشومسكي: حسنا، إذا عدنا قليلا نحو الخلف، من القرون السابقة. كما ذكرت، هناك تشابه معين بين نوع النشوة التي كان بار هيليل يصفها ونشوة " البيانات الضخمة" اليوم: الإحساس بأن لدينا إجابة لكل شيء. هذه ليست المرة الأولى. كان شيء مشابه ودقيق من القرن السادس عشر، وهي الفترة المدرسية الجديدة. كان للفيزياء المدرسية الجديدة الكثير من النتائج. وصفت الكثير من الأشياء بشكل جيد للغاية. وكانت هناك إجابات واضحة لكل شيء تقريبًا. افترض أنني أمسك كوبًا في يدي، وفيه ماء مغلي، وتركته ينفلت ويسقط. الكأس يسقط على الأرض، والبخار يرتفع إلى السماء. لماذا؟ كان لديهم ما مر معنا للحصول على إجابة. إنهم ينتقلون إلى المكان الطبيعي.

يتحرك الكأس إلى الأرض، وهو المكان الطبيعي للأجسام الصلبة؛ و يذهب البخار إلى السماء، وهو المكان الطبيعي للغاز. إذا كان هناك جسمان ينجذبان ويتنافران، فذلك بسبب تعاطفهما وكراهيتهما. إذا نظرت إلى شكل مثلث ورأيت مثلثًا، فإن السبب هو أن شكل المثلث يتحرك في الهواء، ويدخل في عينك، ويزرع نفسه في الدماغ. لذا، لديك إجابة لهذه المشكلة. وفي الواقع، كانت هناك أنواع من الإجابات لكل شيء تقريبًا. يشبه إلى حد كبير الفترة البنيوية، وفترة نظرية المعلومات الماركوفية، وما إلى ذلك.

حقق جاليليو ومعاصروه شيئًا بالغ الأهمية. سمحوا لأنفسهم بالحيرة. فكروا: " انتظر لحظة. تستند هذه الأوصاف إلى ما أطلقوا عليه اسم " أفكار غامضة ": أفكار ليس لها جوهر حقًا. مثل الفكرة التي كانت قريبة من الأرثوذكسية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي أن " اللغة هي مسألة تدريب وعادات وسلوك "، من صياغة ليونارد بلومفيلد، عالم اللغة الأمريكي العظيم. يعتقد البعض الآخر نفس الشيء: يتم تدريب الأطفال مع آلاف الأمثلة، وملايين الأمثلة، وبطريقة ما تتشكل العادة وهم يعرفون ماذا يقولون بعد ذلك. إذا كانوا ينتجون أو يفهمون شيئًا جديدًا، يكون ذلك عن طريق " القياس هو عندما تبدأ في التفكير في الأمر، فهذا أمر لا يمكن تصوره على الإطلاق، لدرجة أن شككوا في وجود أي مادة على الإطلاق.

حسنًا، اتخذ جاليليو ومعاصروه نفس الموقف تجاه العلوم المدرسية الجديدة. قالوا، لا شيء من هذا القبيل منطقي. وبدأوا في فعل ما كان في الواقع تجارب فكرية. لم يجرِ جاليليو معظم تجاربه مطلقًا. وإذا كان قد فعل ذلك، فلن يعملوا، لأن المعدات كانت بدائية للغاية. لقد توصل إلى ما " يجب " أن يحدث. لذلك، لم يسقط الكرات من برج بيزا. لقد طور تجارب فكرية ذكية للغاية، والتي أظهرت أنه إذا كان لديك كرة رصاص ثقيلة وكرة صغيرة، فيجب أن تسقط بنفس السرعة. هذه الحجة جيدة.

هذا لم يبدد الكثير من العقبات مع الممولين في ذلك الوقت من الأرستقراطيين، "مؤسسة العلوم الوطنية " في ذلك الوقت. لم يتمكنوا من فهم لماذا يدرس أي شخص كرة تتدحرج مثل طائرة منزلقة، وهو شيء غير موجود حتى الآن، في حين أنه يمكن أن يدرس شيئًا مثيرًا للاهتمام، مثل نمو الزهور، أو غروب الشمس، أو شيء من هذا القبيل. لذا، كان من الصعب محاولة إقناعهم، انظروا، أنه يستحق فهم هذه الأشياء البسيطة جدًا. إذا كانت لديك كرة أعلى سارية المراكب الشراعية، وكان المراكب الشراعية يتحرك على طول، فلماذا تسقط الكرة إلى أسفل الصاري، فلماذا لا تتخلف عن الركب، لأن المراكب الشراعية يتحرك للأمام؟ لاحظ أن هذه تجربة لا يمكنك إجراؤها أبدًا، لأنك إذا حاولت القيام بها، فسوف تسقط الكرة في أي مكان. لكنه أظهر فقط من خلال التجارب الفكرية أنه، نعم، هناك سبب لسقوطه في القاعدة. وهكذا تطور العلم الحديث.

لكنها تطورت بطريقة مثيرة للاهتمام. أراد العلماء الجدد، جاليليو والبقية، الحصول على تفسير جاد. وتوصلوا إلى ما يسمى بالفلسفة الميكانيكية. الآن تم تحفيز هذا جزئيًا من خلال شيء كان يحدث في أوروبا في ذلك الوقت. كان الحرفيون المهرة في ذلك الوقت يصنعون مشغولات معقدة للغاية - ساعات معقدة تقوم بكل أنواع الأشياء؛ إنشاءات تمثل مسرحيات بأشكال اصطناعية لكنها بدت حقيقية تقريبًا؛ الحدائق في فرساي، حيث تمشي عبر الحدائق وكانت الأشياء تقوم بجميع أنواع الأعمال؛ وهلم جرا. كانت أوروبا مليئة بمثل هذه القطع الأثرية المعقدة. في وقت لاحق أنموذج البطة، أحد نماذج جاك دي فوكانسون. كل هذا يشير إلى أن العالم ربما كان مجرد مثال كبير للآلة.

تمامًا كما يستطيع الحرفي إنشاء هذه الآلات المذهلة، والتي تخدعنا بالاعتقاد بأنها على قيد الحياة، كذلك صنع الحرفي الماهر العالم بأسره كآلة فائقة التعقيد.

الآن، أعتقد أن هناك سؤال مفتوح يمكن دراسته اليوم.

أظن أن هذا أمر بديهي - فهمنا الفطري البديهي للعالم. لذلك، على سبيل المثال، كانت هناك تجربة مشهورة قام بها ميشوت مرة أخرى، على ما أعتقد، في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث أظهر أنه إذا قدمت قضيبين لطفل، وهما لا يلامسان تمامًا، ويتحرك أحدهما ثم يتحرك الآخر، سيفترض الطفل تلقائيًا أن هناك اتصالًا خفيًا بينهما. بشكل عام، يخلق العقل نوعًا ما تفسيرًا ميكانيكيًا لكل ما يراه يحدث، بشكل حدسي. وأظن أن الاستقصاء قد يثبت أن الفلسفة الميكانيكية، كما كان يُطلق عليها، هي مجرد إحساسنا الحدسي بالعالم، مدعومًا بما كان يحدث مع تطور الأعمال الفنية المعقدة. " الفلسفة " بالطبع كانت تعني " العلم " في ذلك الوقت. لقد كانت علما ميكانيكيا.

التقط هذا ديكارت، كما ذكرت، وهو عالم عظيم اعتقد أنه يستطيع إثبات أن العالم كان بالفعل آلة.

من الممتع أنه وجد أحد المظاهر التي تقول أن العالم لن يعمل مثل الآلة: اللغة. قال إنه من المستحيل بناء آلة تنتج التعبيرات، بالطريقة التي نقوم بها عادة، والتي تكون مناسبة للمواقف ولكنها ليست ناجمة عنها؛ كما قال الديكارتيون، نحن متحمسون ونميل للتحدث بالطريقة التي نتحدث بها، لكننا غير مجبرين على فعل ذلك. يمكننا أن نتصرف بطريقة إبداعية وفي سلوكنا الطبيعي نخلق أفكارًا جديدة وتعبيرات جديدة يمكن للآخرين فهمها. جزئيًا لاستيعاب هذه الحقائق عن الطبيعة، افترض ديكارت مبدأ جديدًا - في الميتافيزيقيا، مادة جديدة، res cogitans، مادة تفكير تقوم على الاستخدام العادي للغة لبناء الفكر.

في الواقع، لاحظ جاليليو وعلماء اللغة والمنطقون في بورت رويال نفس الشيء بطريقة مختلفة. لقد عبروا عن دهشتهم وخشيتهم من حقيقة أنه - بدا معجزة، وفي بعض النواحي لا يزال كذلك - أنه من خلال عدد قليل من الرموز يمكنك بناء عدد لا نهائي من الأفكار، ويمكنك أن تنقل للآخرين، الذين ليس لديهم إمكانية الوصول إلى عقلك، أعماله الأعمق. كيف تكون هذه المعجزة ممكنة؟ إنها مشكلة أساسية في دراسة اللغة.

لذلك، أدرك ديكارت وجاليليو وأرنولد وآخرون أن اللغة والفكر لا يقعان ضمن الفلسفة الميكانيكية، لكن بقية العالم عبارة عن آلة. ثم جاء إسحاق نيوتن. لقد حيرته نظرية دوامة ديكارت عن كيفية تفاعل الأشياء. المجلد الثاني من كتاب المبادىء مكرس لإثبات أنها لا تعمل. ماذا لدينا إذن؟ الأشياء تجذب بعضها البعض وتتنافر؛ لكن لا يوجد اتصال. اعتبر نيوتن هذا ما أسماه " سخافة " لا يمكن لأي شخص لديه أي معرفة علمية أن يفكر فيها. العلماء العظماء الآخرون اليوم رفضوا ذلك للتو. قال ليبنيز، هذا سخيف: كيف يمكن أن يكون هذا هو الحال؟ قال كريستيان هويجنز، المجرب العظيم، إن هذا مجرد هراء. إنها إعادة ابتكار أفكار غامضة. ووافق نيوتن بالفعل على ذلك. قال، نعم، إنها مثل الأفكار الغامضة، لكن هناك اختلاف واحد. لدي نظرية تشرح الأشياء باستخدام هذه الأفكار.

الآن، لم يطلق على عمله اسم فلسفة الفيزياء، أو أي شيء من هذا القبيل. الفلسفة تعني العلم. لقد أطلق عليها فقط اسم نظرية رياضية. كان السبب، على حد تعبيره، "ليس لدي تفسيرات. كان تعليقه الشهير، " أنا لا أطرح أية فرضيات "، في هذا السياق. قال: ليس عندي تفسير مادي. لن أقوم بعمل فرضية. وهذا هو المكان الذي ترك فيه نيوتن. في الواقع، قدم النموذج الميكانيكي معيار الوضوح لجاليليو وليبنيز ونيوتن وآخرين من مؤسسي العلم الحديث. إذا لم يكن لديك نموذج ميكانيكي، فلن يكون ذلك مفهومًا. لذلك، كان جاليليو غير راضٍ عن أي نظرية تتعرض للمد والجزر لأنك لم تستطع بناء نموذج ميكانيكي لها.

حسنًا، ما حدث بعد نيوتن مثير للاهتمام نوعًا ما. لقد تخلى العلم للتو عن الأمل في عالم واضح. النظريات مفهومة، لكن ما تصفه أو تتحدث عنه ليس مفهومًا. لذا، كانت نظرية نيوتن مفهومة.

لم يفهم ليبنيز ذلك. لم يستطع فهم ما وصفته النظرية.

كان ذلك غير مفهوم للجميع. استغرق الأمر وقتًا طويلاً، لكن علم ما بعد نيوتن تخلى ببطء عن البحث عن عالم واضح. العالم مهما كان. أكثر ما يمكن أن نأمله هو النظريات المعقولة. لقد اتخذ شكلاً جديدًا مختلفًا مع كانط ومع الآخرين. لكن في الأساس، خفض العلم أهدافه. لذا، إذا تمكنا من الحصول على نظرية معقولة، فهذا أبعد ما يمكن أن تذهب إليه. لن نحاول اختراق المزيد. لقد تم التخلي عن أهداف مؤسسي العلم الحديث العظماء.

لقد استغرق الأمر وقتًا. لذلك، على سبيل المثال، في كامبريدج، جامعة نيوتن، بعد وفاته - أعتقد أنه قد مضى نصف قرن تقريبًا قبل أن يبدأوا حتى في تدريس نظرياته. لأنها لم تكن علمًا حقيقيًا، كانت مجرد حسابات رياضية. الآن هذا يستمر حتى نهاية القرن العشرين، بطرق مثيرة للاهتمام. خذ الكيمياء والفيزياء. منذ قرن من الزمان، الكيمياء لم تكن قابلة للاختزال في الفيزياء. كانت تعتبر مجرد طريقة لحساب نتائج التجارب. في عشرينيات القرن الماضي، كان الحائزون على جائزة نوبل في الفيزياء والكيمياء يصفون الكيمياء بأنها طريقة حسابية وأنه ليس علمًا حقيقيًا، لأنه لا يمكنك اختزاله في الفيزياء. خذ برتراند راسل، الذي كان يعرف العلوم جيدًا. في عام 1928، كتب إن الكيمياء لم تتحول بعد إلى الفيزياء. ربما سيكون يومًا ما، لكننا لم نصل إلى هذا الحد بعد. شيء من هذا القبيل عندما يقول الناس اليوم: لم يتم اختزال العمليات العقلية بعد إلى العمليات العصبية. لكننا سنصل إلى هناك.

حسنًا، ماذا حدث للكيمياء والفيزياء؟ اتضح أن الكيمياء لا يمكن اختزالها في الفيزياء، لأنه بينما كانت الكيمياء صحيحة في الأساس، كانت الفيزياء خاطئة. أتى العلماء بفيزياء جديدة، ومن ثم يمكنك توحيد كيمياء غير متغيرة إلى حد كبير مع الفيزياء، مع الفيزياء الجديدة مباشرة، تم الحساب النظري الكمومي للخصائص الكيميائية. قدم لينوس بولينج حسابًا نظريًا كميًا للرابطة الكيميائية ومن ثم كان لديه نظام موحد - لكن بدون اختزال. في الواقع، لا يمكن اختزال الكيمياء في فيزياء القرن الماضي.

حسنا، دعنا نأتي إلى اليوم. لقد أحرزت علوم الأعصاب تقدمًا، لكنها ليست قريبة من التقدم الذي كانت عليه الفيزياء في عشرينيات القرن الماضي. هذا ليس انتقاد. إنه معقد للغاية. قد يتضح أن البحث عن التخفيض هو طريقة خاطئة للمضي قدمًا، تمامًا كما لا يمكنك تقليله العالم إلى نماذج ميكانيكية، ولا يمكنك اختزال الكيمياء في الفيزياء، لأن أساس الاختزال كان خاطئًا، فقد يتضح أن علوم الأعصاب، وعلوم الدماغ، هي التي يجب إعادة بنائها بطرق مختلفة إذا سنكون قادرين على توحيدهم مع ما نكتشفه حول طبيعة اللغة والفكر والإدراك وما إلى ذلك. أعتقد أن هناك بعض الدلائل على أن ذلك قد يكون صحيحًا. أفكر بشكل خاص في عمل راندي جاليستل وهو صديق لنا وهو عالم أعصاب معرفي كبير وكان يجادل منذ عدة سنوات، مع زيادة الرنين في هذا المجال، أن الشبكات العصبية هي ببساطة المكان الخطأ للبحث عن الحوسبة العصبية. في الواقع، هيلمهولتز، في القرن التاسع عشر، كان لديه بالفعل سبب ما للاعتقاد بذلك.

الشبكات العصبية بطيئة. بالطبع، يكون الانتقال العصبي سريعًا وفقًا لمعاييري، ولكنها بطيئة وفقًا لمعايير ما يجب على الدماغ إنجازه. والأهم من ذلك، كما أظهر جاليستل جيدًا، أعتقد أنه باستخدام الشبكات العصبية، لا يمكنك بناء الحد الأدنى من العناصر الحسابية اللازمة للنظرية الأساسية للحساب: حوسبة تورينج.

الطريقة التي يعمل بها جهاز الكمبيوتر بشكل أساسي: لا يمكن إنشاء الوحدة الأساسية التي تشارك في الحساب من الشبكات العصبية؛ لذلك، يجب أن يكون هناك شيء آخر. ربما على المستوى الخلوي، حيث توجد قوة حوسبة أكبر بكثير، ربما داخل الخلية، ربما الأنابيب الدقيقة أو أي شيء آخر.

وبالمناسبة، الشبكات العصبية هي الأساس لأنظمة التعلم العميق.

تم تصميمها على غرار الشبكات العصبية. ربما كانوا يبحثون فقط في المكان الخطأ، وهذا هو السبب في أن كل شيء يتم بشكل أساسي بواسطة القوة الغاشمة، والتحليلات السريعة جدًا لكميات هائلة من البيانات لتمييز الانتظام والأنماط. يمكن أن يكون ذلك مفيدًا جدًا، ولكن مع مراعاة حالة اللغة، ما الذي يتم تعلمه؟ خذ لغاتك الممكنة والمستحيلة. تعمل الأنظمة أيضًا في كلتا الحالتين، مما يعني أنها لا تخبرنا شيئًا عن اللغة. إن مقياس المحتوى التجريبي لنظرية ما هو ما تستبعده، كما لاحظ كارل بوبر.

لذا، تحصل على أشياء تبدو مثيرة، تمامًا كما كانت القطع الأثرية التي شيدها الحرفيون في القرنين السادس عشر والسابع عشر مثيرة، لكنها لا تقدم نموذجًا لفهم كيفية عمل العالم. من المحتمل جدًا أن يكون هذا صحيحًا، في رأيي، في المجالات التي نناقشها. قد يكون عدم اختزال الحياة العقلية في علوم الأعصاب اليوم بسبب عدم تطوير النظام الأساسي بشكل صحيح.

عندما يكون الأمر كذلك، قد نجد توحيدًا حقيقيًا.

***

أندريا مورو: المثير للتفكير الكثير مما يجب التفكير فيه فيما يتعلق ببنية اللغة والطبيعة البشرية بشكل عام، ويدعو إلى دراسات دقيقة ومواجهات مع العلماء من جميع التخصصات والفلاسفة التي ينبغي أن تميز النقاش في السنوات القادمة. في الوقت الحالي، أود فقط إضافة ملاحظتين وسؤال واحد. الملاحظات مقيدة للغاية. أتذكر تأثيرها عليّ في تحديد المنهج العلمي عندما قدمتها في الفصل.

الأول يتعلق بفكرة ذكرتها للتو دون التأكيد عليها. هذا شيء كتبته، عندما ألقيت "محاضرات ماناغوا "، وفي الواقع أعدت صياغتك بطريقة واضحة للغاية في حديثك الذي ألقيته في الفاتيكان. 9 إنه تعبير حقيقي عنك يمثل نقطة تحول أساسية في حياتي الشخصية، ولكن - أنا متأكد – أن التحول حدث لجميع الطلاب الذين سمعوا ذلك. لقد قلت ذات مرة: " من المهم أن تتعلم أن تفاجأ بالحقائق البسيطة. " وعند النظر إليها بعناية وتحليلها كلمة بكلمة، تجد أن هذه الجملة تحتوي على أربع بؤر مختلفة على الأقل، إذا جاز التعبير: أولاً، تشير إلى أهمية الفكر المعبر عنه (" من المهم ")؛ ثانيًا، يشير إلى عملية التعلم، وهو جهد وليس إلى موهبة شخصية موروثة (" أن تتعلم ")، وبذلك فإنه يؤكد على أهمية مسؤولية التدريس؛ ثالثًا، يشير إلى الشعور بالدهشة والفضول على أنهما المحرك الأساسي للاكتشاف، وإلى إدراك مدى تعقيد العالم، وهي ملاحظة تعود إلى أفلاطون وأصل الفلسفة (" تندهش ")؛ أخيرًا، رابعًا، يمكن القول أنه الملاحظة الأكثر لفتًا وإبداعًا، تنص على أن الحقائق البسيطة تحدث فرقًا (" بالحقائق البسيطة "). يبدو أن الإدراك المفاجئ لشيء يدعو إلى تفسير، بمجرد زوال ضباب العادة، وهو الأشياء الحقيقية التي تتكون منها الثورات: من تفاحة نيوتن الأسطورية المتساقطة إلى مصعد أينشتاين، ومن الأسود بلانك. ومشكلة الجسم بالنسبة لنباتات البازلاء التي تحدث عنها مندل، والقوة الحقيقية تأتي من طرح أسئلة حول ما يبدو فجأة أنه غير واضح. بالطبع، يمكن أن يتعرض المرء لحقيقة معينة عن طريق الصدفة، ولكن، كما قال باستير ذات مرة، " في مجالات الملاحظة تفضل فقط العقل الجاهز "، ولهذا السبب نحتاج إلى تعلم كيف نكون مندهشين.

في الواقع، بعض الحقائق البسيطة يمكن أن تكون مرئية للعقل بدلاً من رؤيتنا المباشرة. جعلني أوين جينجيرش أدرك ذات مرة كيف توصل جاليليو إلى استنتاج مفاده أن جميع الأجسام تسقط على الأرض بنفس السرعة حتى لو كان لها وزن مختلف، إلى جانب القيود الواضحة بسبب شكلها: لم يتسلى غاليليو أبدًا برمي الأشياء من برج بيزا. بدلاً من ذلك، قال إنه إذا سقط جسم ثقيل أسرع من جسم خفيف، فعندما يتم ربط الجسمين معًا، سنواجه مفارقة: يجب أن يبطئ الجسم الأخف وزن الجسم الأثقل، لكنهما معًا يجب أن يسقطان بشكل أسرع بسبب وزنهما الإجمالي. أكبر من الجسم الأثقل بمفرده. تفاجأ جاليليو بهذه الحقيقة الذهنية البسيطة، وتوصل إلى استنتاج أساسي مفاده أن الاحتمال الوحيد هو أن هذين الجسمين يجب أن يسقطوا بنفس السرعة، وبعد ذلك، بتعميم ذلك، أن جميع الأجسام تسقط بنفس السرعة (بغض النظر عن الاحتكاك مع الهواء بسبب شكلها). وهذا يتم دون الحاجة إلى تسلق البرج أكثر من الاستمتاع بالبانوراما.

والشيء الثاني الذي أود تسليط الضوء عليه من تجميعك: في نقطة معينة قلت إنه من المستحيل بناء آلة تتحدث.

من الواضح، لا يسعني إلا أن أوافق، ولكن هناك شيء واحد مهم أود التأكيد عليه: هناك تمييز أساسي بين محاكاة وفهم وظيفة (الدماغ ولكن أيضًا أي عضو أو قدرة أخرى). من المفيد بالطبع أن يكون لديك أدوات، يمكننا التفاعل معها من خلال " التحدث "، ولكن من الواضح بالتأكيد أن هذه المحاكاة لا يمكن استخدامها لفهم ما يحدث بالفعل في دماغ الطفل عندما يكبر ويكتسب قواعدهم. بالطبع، يمكننا دائمًا توسيع الكلمات بحيث تصبح من دواعي سروري أن تعني شيئًا مختلفًا عما اعتادوا أن يقصدوه. هذا يذكرني بالإجابة التي قدمها آلان تورينج لأولئك الذين سألوه مرارًا وتكرارًا عما إذا كان بإمكان الآلات يومًا ما التفكير. يمكننا أن نقرأ كلماته ونستبدلها بالكلام، وهو ما أعتقد أنه يترك جوهر فكرة تورينج صحيحًا: " أقترح النظر في السؤال، " هل الآلات تفكر؟ يجب أن يبدأ هذا بتعريفات لمصطلحي " آلة " و " يفكر ". قد يتم تأطير التعريفات بحيث تعكس قدر الإمكان الاستخدام العادي للكلمات، لكن هذا الموقف خطير. إذا تم العثور على معنى الكلمتين " آلة " و " يفكر " من خلال فحص كيفية استخدامهما بشكل شائع، فمن الصعب الهروب من الاستنتاج القائل بأن المعنى والإجابة على السؤال، " هل يمكن للآلات أن تفكر؟ يتم البحث عنه في استطلاع إحصائي مثل استطلاع غالوب. لكن هذا سخيف.... السؤال الأصلي، هل يمكن للآلات أن تفكر؟ أعتقد أنه لا معنى له لدرجة أنه لا يستحق المناقشة. ومع ذلك، أعتقد أنه في نهاية القرن، سيكون استخدام الكلمات والرأي العام المثقف قد تغير كثيرًا بحيث يكون المرء قادرًا على التحدث عن تفكير الآلات دون توقع حدوث تناقض. 10 ولكن إلى جانب هاتين الملاحظتين، هناك سؤال واحد أود أن أطرحه عليك بخصوص هذه الأفكار. الطريقة التي صورت بها العلاقة بين الكيمياء والفيزياء في تاريخ العلم تسمح لنا بالتفكير في العلاقة بين علم اللغة وعلم الأعصاب. وجهة نظري الشخصية، التي لا تهم، [ يضحك ]، ولهذا السبب أريد أن أسألك، هي أن علم اللغة لا يمكن أن يكون، ويجب ألا يكون تابعًا لما نعرفه حاليًا عن دماغنا؛ ولكن إذا كان هناك أي شيء، علينا أن نتغير وننمو، ربما، نحو التوحيد - بشرط أن نجرؤ على استخدام مصطلح "الغموض" بالطريقة التي استخدمتها بها. بعبارة أخرى، ليس من المستبعد أن ينتهي الأمر بالبشر إلى فهم الإبداع في اللغة، أي القدرة على التعبير عن الفكر اللفظي بشكل مستقل عن البيئة المادية للفرد. " حدود بابل "، أي حدود التنوعات التي قد تؤثر على اللغات البشرية كما تُعطى بشكل مستقل عن التجربة. بالتساوي، يمكن للمرء أن يعتبر حدود بابل على أنها الرضع _ " العقل الجذعي " أو " الدماغ الجذعي "، أي إمكانية اكتساب أي لغة خلال فترة زمنية معينة منذ الولادة. يعد اكتشاف هذا الرابط المذهل بين بنية اللغة والدماغ ثوريًا للغاية بحيث يمكن التعبير عنه من خلال عكس ألفي عام-

المنظور التقليدي القديم والتوصل إلى الاستنتاج المدهش أن الجسد هو الذي أصبح شعارات وليس العكس. 11 أود منك التعليق قليلاً على هذا.

نعوم تشومسكي: أنا نوع من الأقليات. كلانا أقلية. [ مورو يضحك.]

قد يكون هناك بالفعل لغز. دعونا نلقي نظرة، على سبيل المثال، على الفئران، أو بعض الكائنات الحية الأخرى. يمكنك تدريب فأر لتشغيل متاهات معقدة للغاية.

تقوم لا تقوم أبدًا بتدريب فأر على إدارة متاهة عدد أولي - متاهة تقول، " انعطف يمينًا عند كل عدد أولي. السبب هو أن الجرذ ليس لديه هذا المفهوم. وليس هناك طريقة لمنحها هذا المفهوم. إنه خارج النطاق المفاهيمي للفأر. هذا صحيح لكل كائن حي. لماذا لا يكون هذا صحيحا بالنسبة لنا؟ أعني، هل نحن نوع من الملائكة؟ لماذا لا يجب أن تكون لدينا نفس الطبيعة الأساسية مثل الكائنات الحية الأخرى؟ في الواقع، من الصعب جدًا التفكير كيف لا يمكننا أن نكون مثلهم. خذ قدراتنا الجسدية. أعني، خذ قدرتنا على الجري 100 متر. لدينا هذه القدرة لأننا لا نستطيع الطيران. تستلزم القدرة على فعل شيء ما عدم القدرة على فعل شيء آخر. أعني، لدينا القدرة لأننا نشيد بطريقة ما بحيث يمكننا القيام بذلك. لكن نفس التصميم الذي يمكّننا من القيام بشيء واحد يمنعنا من القيام بشيء آخر. هذا صحيح في كل مجال من مجالات الوجود. لماذا لا يكون هذا صحيحا بالنسبة للإدراك؟ نحن قادرون على تطوير - البشر، وليس أنا - البشر قادرون على تطوير، على سبيل المثال، نظرية الكم المتقدمة، بناءً على خصائص معينة لعقلهم، وهذه الخصائص نفسها قد تمنعهم من فعل شيء آخر. في الواقع، أعتقد أن لدينا أمثلة على ذلك؛ أمثلة معقولة. خذ اللحظة الحاسمة في العلم عندما تخلى العلماء عن الأمل في الوصول إلى عالم واضح. نوقش ذلك في ذلك الوقت. كتب ديفيد هيوم، الفيلسوف العظيم، في كتابه تاريخ إنجلترا - تاريخًا ضخمًا لإنجلترا - هناك فصل مخصص لإسحاق نيوتن، فصل كامل. يصف نيوتن، كما تعلمون، بأنه أعظم عقل موجود على الإطلاق، وهكذا دواليك. قال إن الإنجاز العظيم لنيوتن هو إبعاد الحجاب عن بعض ألغاز الطبيعة - أي نظريته في الجاذبية الكونية وما إلى ذلك – ولكن اترك ألغازًا أخرى مخفية بطرق لن نفهمها أبدًا. بالإشارة إلى: كيف يبدو العالم؟ لن نفهمه أبدًا. لقد ترك هذا الأمر على أنه لغز دائم. حسنًا، على حد علمنا، كان على حق.

وربما تكون هناك ألغاز أخرى دائمة. لذلك، على سبيل المثال، ديكارت، وآخرون، عندما كانوا يفكرون في أن العقل منفصل عن الجسد - لاحظ أن هذه النظرية انهارت لأن نظرية الجسد كانت خاطئة؛ لكن ربما كانت نظرية العقل صحيحة. لكن أحد الأشياء التي كانوا مهتمين بها كان العمل التطوعي. قررت أن ترفع إصبعك. لا أحد يعرف كيف يكون ذلك ممكنا. حتى يومنا هذا ليس لدينا دليل. العلماء الذين يعملون في الحركة الطوعية - أحدهم إميليو بيززي، وهو أحد أعظم علماء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأحد العلماء الرائدين الذين يعملون في الحركة الإرادية - كتب هو وشريكه روبرت أجميان مؤخرًا حالة من مقال فني لمجلة الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم يصفون فيه ما تم اكتشافه حول الحركة التطوعية. يقولون إنهم سيضعون النتيجة " بشكل خيالي. يبدو الأمر كما لو أننا جئنا لفهم الدمية والخيوط، لكننا لا نعرف شيئًا عن محرك الدمى. هذا لا يزال لغزا بقدر ما كان منذ اليونان الكلاسيكية. لا شبر من التقدم. ولا شيء. حسنًا، ربما يكون هذا لغزًا دائمًا آخر.

هناك الكثير من الحجج التي تقول، " أوه، لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا. كل شيء حتمي، " وما إلى ذلك. كل أنواع المطالبات. لا أحد يصدق ذلك حقًا، بما في ذلك أولئك الذين يقدمون أسبابًا (قد يتم توصيل منظمتي حرارة للتفاعل، لكنهم لا يتحملون عناء تحديد الأسباب). العلم لا يخبرنا بأي شيء عنها. يخبرنا العلم أنه لا يقع ضمن العلم، كما هو مفهوم حاليًا. يتعامل العلم مع الأشياء المحددة أو العشوائية. كان هذا مفهوماً في القرن السابع عشر.

لا يزال هذا صحيحًا اليوم. لديك علم الأحداث العشوائية والأشياء التي يتم تحديدها؛ ليس لديك علم للعمل التطوعي. تمامًا كما لا يوجد لديك علم عن إبداع اللغة. شيء مشابه. هل هي ألغاز دائمة؟ قد تكون. و يمكن أن يكون هذا مجرد شيء لن نفهمه أبدًا.

قد ينطبق شيء مشابه على بعض جوانب الوعي. ماذا يعني أن أنظر إلى الخلفية التي أراها هنا وأرى شيئًا أحمر؟ ما هو شعوري باللون الأحمر؟ يمكنك وصف ما تفعله الأعضاء الحسية، وما الذي يحدث في الدماغ، لكنه لا يفعل ذلك بالتقاط جوهر رؤية شيء أحمر. هل سنلتقطها؟

ربما لا. إنه مجرد شيء يتجاوز قدراتنا المعرفية. لكن هذا لا ينبغي أن يفاجئنا حقًا؛ نحن كائنات عضوية. إنه احتمال.

لذلك ربما يكون أفضل ما يمكننا فعله هو ما فعله العلم بعد نيوتن: بناء نظريات واضحة. حاول بناء أفضل نظرية ممكنة حول الوعي أو العمل التطوعي أو الاستخدام الإبداعي للغة، أو أي شيء نتحدث عنه. المعجزة التي أدهشت جاليليو وأرنولد - وما زلت تذهلني، لا أستطيع أن أفهمها - كيف يمكننا، مع بعض الرموز، أن ننقل للآخرين الأعمال الداخلية لأذهاننا؟ هذا شيء يجب أن يفاجأ به حقًا ويحتار به. ولدينا بعض الفهم عنها، لكن ليس كثيرًا.

عندما بدأت العمل على تاريخ اللسانيات - الذي كان قد نسي تمامًا؛ لم يعرف أحد عن ذلك - لقد اكتشفت كل أنواع الأشياء.

أحد الأشياء التي صادفتها كان عمل فيلهلم فون همبولت المثير للاهتمام. أحد الأجزاء التي اشتهرت منذ ذلك الحين هو تصريحه بأن اللغة " تستخدم وسائل محدودة بلا حدود. غالبًا ما يُعتقد أننا قد أجبنا على هذا السؤال بحوسبة تورينج والقواعد التوليدية، لكننا لم نفعل ذلك. كان يتحدث عن الاستخدام اللامحدود، وليس القدرة التوليدية. نعم، يمكننا فهم جيل التعبيرات التي نستخدمها، لكننا لا نفهم كيف نستخدمها.

لماذا نقرر أن نقول هذا وليس شيئًا آخر؟ في تفاعلاتنا الطبيعية، لماذا ننقل الأعمال الداخلية لعقولنا للآخرين بطريقة معينة؟ لا أحد يفهم ذلك. لذلك، يبقى الاستخدام اللامحدود للغة لغزا، كما هو الحال دائما. يتم اقتباس حكمة هومبولت باستمرار، لكن عمق المشكلة التي تصوغها لا يتم التعرف عليه دائمًا.

أندريا مورو: على الأقل بصفتنا لغويين يمكننا الاستمرار في فعل ما قلته لنا ذات مرة، لاستخدام شعار جان بابتيست بيرين، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء الفرنسية، هو الاستراتيجية الأساسية للعلم: أي تقليص ما هو مرئي ومعقد إلى ما غير مرئي وبسيط. وبشكل أكثر تحديدًا، في علم اللغة، نحتاج إلى البحث عن مجموعة بدائية محدودة من العناصر المنفصلة التي تدخل في الحساب والعمليات الأساسية التي تجمعها لتوليد مجموعة لا نهائية محتملة من التعبيرات اللغوية. في مقدمة منشورك البارز " محاضرات حول الحكومة والالتزام " في عام 1981، اقترحت أن يكون جدول الأعمال النحوي مشابهًا لجدول الأصوات. كانت الفكرة هي التخلي عن التصنيف الكلاسيكي للقواعد اللغوية بما في ذلك، على سبيل المثال، تكوين الأسئلة، والتخمين، وما إلى ذلك، والنظر إليها كنتيجة لتفاعل كيانات أكثر تجريدًا. على سبيل المثال، أصوات اللغة عبارة عن حزم من المزيد من الميزات المجردة - وهذا يعني الفرق بين الأصوات إليها بالحرفين " f " و " v " في حالة الأحرف الصفيرية وغير الصفيرية، وهي تشبه جزئيًا الاختلاف بين أصوات " s " و " z " في " see and zee "، والتي تُسمى تقليديًا " غير صوتية " مقابل الأصوات " الصوتية ". لذا، فإن الأصوات " f " و " s " ليست كائنات متجانسة ولكنها نتيجة لتجميع ميزات مشتركة أصغر، ومن حيث المبدأ، يتم إنشاء جميع أصوات اللغة من خلال تجميع ميزات متقابلة مثل هذه. مع بناء الجملة، فإن هذا " البحث البسيط "، كما أطلقت عليه في منتصف التسعينيات، هو في الواقع أكثر تعقيدًا وطموحًا: من الواضح أن العثور على العناصر البدائية والعملية التجميعية للقواعد النحوية أو المبادئ أكثر صعوبة من الأصوات، نظرًا لأننا لا نستطيع حتى الاعتماد على الحقائق المادية أو المفصلية (وفي الواقع فإن الحقيقة الفيزيائية والتعبير الوحيدة غير المتنازع عليها فيما يتعلق باللغة، أي خطية الإشارة، لا علاقة لها تمامًا بالصياغة). تم تجميع جوهر هذا النهج الثوري في بناء الجملة بأناقة في اقتباسك: " هذه " القواعد " (السلبية، النسبية، تكوين السؤال، إلخ) تتحلل إلى عناصر أكثر جوهرية من الأنظمة الفرعية للقواعد والمبادئ. يمثل هذا التطور انفصالًا كبيرًا عن القواعد النحوية السابقة أو من القواعد التقليدية التي تم تصميمها جزئيًا عليها. إنه يذكرنا بالانتقال من الصوتيات إلى الميزات في علم الأصوات في مدرسة براغ. " 12

غالبًا ما تصف هذا التغيير الحاسم في النموذج بأنه يأتي من نوعين أساسيين من الحقائق: التشابه الكبير للقيود النحوية عبر اللغات، على الرغم من تنوعها الظاهر، والتشابه الكبير في عملية اكتساب اللغة من قبل الأطفال في جميع اللغات، على الرغم من الشخصية الذاتية. قد يتطور إدراك التعقيد المختلف المزعوم بين اللغات. الحل الوحيد الذي يمكن أن يأمل في التقاط هاتين الحقيقتين بطريقة موحدة هو ذلك الذي اقترحته: أولاً، هناك مجموعة فريدة من العناصر البدائية (إلى جانب التعسف السوسوري) (فيردناند دو سوسور) وعمليات اندماج أساسية بسيطة؛ ثانيًا، ينتج عن تفاعل هذه العناصر البدائية والمبادئ نظامًا معقدًا للغاية يسمح بدرجات معينة من الحرية المقيدة، والتي ربما تكون مرتبطة فقط بالعناصر البدائية نفسها، والتي يشار إليها تقنيًا باسم " المعلمات". " التنوع المذهل الذي ندركه كبالغين بين اللغات هو تأثير الاختلافات الصغيرة في مثل هذا النظام المعقد الفريد، ولكن لا ينبغي أن يكون مفاجئًا تمامًا، طالما يتم النظر إلى اللغة من منظور بيولوجي. في الواقع، يجب أن يذكرنا بالأحرى بتلك التي لوحظت عبر مجالات الكائنات الحية، حيث تكون الأنواع المختلفة من الحيوانات، على سبيل المثال، نتيجة للترتيب والكمية المتنوعين لعدد قليل من " الأحرف " في تسلسل نفس جزيء البوليمر (DNA). يولد جميع الأطفال مجهزين بنفس المجموعة الأساسية من العناصر البدائية والعمليات التي يمكن أن تنتج أي لغة؛ شاهد حقيقة أن لغة الوالدين لا تؤثر على الطفل إذا نشأ الطفل في مجتمع يتحدث لغة مختلفة. هذا هو التوصيف الرسمي " للعقل الجذعي " عند الرضيع عندما يتعلق الأمر باكتساب اللغة ويختزلها إلى مجموعة من المتغيرات المختارة من قبل البيئة التي تصبح ثابتة باعتبارها القواعد النحوية النهائية للطفل. بمعنى آخر، يمكن اعتبار القواعد التوليدية هي الحد من تأثير التجربة على بنية اللغة.

جنبًا إلى جنب مع هذا النوع من الأدلة، لدعم " وجهة النظر المندلية " للغة، ربما يمكنني إضافة خبرتي الخاصة في المجال التجريبي. بدون هذا النهج الجديد في علم اللغة، لن يكون هناك أمل في استكشاف الارتباطات العصبية الحيوية في بناء الجملة ثم الوصول إلى توصيف " العقل الجذعي". إن التصنيف التقليدي بعيد جدًا عما نعرفه عن آليات الدماغ الفعلية لاستخدامه كدليل لفحص الشبكات العصبية الحيوية الفعلية. من ناحية أخرى، لم نصل إلى مستوى مُرضٍ من التجريد (حتى الآن)، لكن هذا هو نفس الموقف الذي يواجهه كل علم تجريبي، نموذجيًا في الفيزياء. ومع ذلك، يبدو الآن أن بعض الخصائص الحاسمة لهذه العمليات قد تم تحديدها بشكل معقول، مثل قدرتها على التطبيق لعدد غير محدد من المرات (ما نشير إليه، من الناحية الفنية، " العودة ")، و " العمياء "، أي أو غير مألوف أو شخصية أو دور عدم الاستقرار باعتباره الإنزيم الأساسي لازدهار " رقاقات الثلج من الكلمات " التي نسميها الجمل، لتوظيف استعارة جميلة استخدمتها لوصف اللغة ككل. على وجه الخصوص، فإن دور الهياكل " غير المستقرة " في مشروع الحد الأدنى المرتبط بمفهوم التناظر يذكرني بكلمات آلان تورينج.

في سياق مختلف، أثناء محاولته تقليل أنواع التشكل في علم الأحياء إلى تفاعل عناصر بسيطة قليلة، اعتبر عدم الاستقرار محركًا أساسيًا: " يُقترح أن يكون هناك نظام... على الرغم من أنه قد يكون متجانسًا تمامًا في الأصل، إلا أنه قد يطور لاحقًا نمطًا أو هيكلًا بسبب عدم استقرار التوازن المتجانس، والذي يتم تشغيله عن طريق الاضطرابات العشوائية.... لقد وجد أن هناك ستة أشكال مختلفة بشكل أساسي يمكن أن يتخذها هذا. وبالمثل، قد تكون بعض الجوانب الأساسية لمجموعة متنوعة من الهياكل النحوية نتيجة لعدم الاستقرار النسبي الناجم عن توليد بعض الأنماط الأساسية التي تنطوي على التناظر. 14

يذكرني هذا التشريح الرائع للغات البشرية أحيانًا بإحساس عايشته في طفولتي، عندما كنت أتحدى كل المحظورات، نظرت سرًا إلى الجانب الخفي من المفروشات في المتاحف. لقد أسعدني أن أدرك أن بقع اللون التي تظهر على الجانب المرئي، وتشكل مثل هذه الصور المتقنة، لم تكن سوى خيوط داخل القماش وخارجه بطريقة تشكل روابط غير متوقعة بين أجزاء مختلفة من التصميم. إن كشف الهياكل النحوية الشجرية المضغوطة في التسلسلات الخطية الأبسط المخادعة للكلمات، مع ملاحظة الالتواء واللحمة المخفية، يعطيني الإحساس نفسه ويقودني إلى استنتاج مفاده أن ما يلعب دورًا فقط في التفسير يمكن القول إنه موجود.

سؤالي الآن هو: ماذا تتوقع أن تكون الخطوات التالية نحو هذا البحث عن الحد الأدنى من مكونات اللغة ومن أجل منظور أفضل لهذا الجانب الخفي من اللغة؟

نعوم تشومسكي: إن توقع مستقبل البحث العلمي هو المغامرة في مياه مجهولة، وربما حتى مهمة حمقاء. ربما ستأتي بعض الأفكار الجديدة الرائعة، وتفاجئنا جميعًا. ولكن مع مراعاة ما نفهمه الآن بشكل أو بآخر، تتبادر إلى الذهن بعض الاحتمالات الصعبة.

الأولى هو توسيع النموذج اللغوي العصبي الذي طورته إلى مجالات جديدة. إن الاعتماد على البنية، وهو خاصية أساسية لها عواقب بعيدة المدى، و راسخة جيدًا على أسس مفاهيمية وتجريبية، وقد امتد الآن إلى علم اللغة العصبي. هناك مطالبون آخرون في وضع مماثل. لقد تحدثت عن قيود المنطقة، الموجودة في العديد من المناطق.

من المفترض أن يكون لديهم أصل مشترك، ربما في بعض المفاهيم الخاصة بالحد الأدنى من البحث. إذا نظرنا إلى أبعد من ذلك، فإن تقييد البحث يتم تعليقه خارج المنطقة المحلية، كما أظهرت التحقيقات الأخيرة. ويثير تقييد البحث في مجال التهجير، وهو المجال الرئيسي للتحقيق في تطبيقه، التساؤل عن سبب حدوث النزوح على الإطلاق - ليس فقط التهجير ولكن أيضًا "إعادة البناء" التلقائي، حقيقة أنه في جمل مثل " ماذا هل رأى يوحنا " نحن نفهم " ماذا " كهدف " يرى ". هل هناك ارتباطات عصبية يمكن أن تلقي بعض الضوء عليها مواضيع حية جدا؟

و بمجرد طرح الأسئلة، يتبادر إلى الذهن العديد من الأسئلة الأخرى على الفور. على سبيل المثال، هل يمكن لاستقصاء علم اللغة العصبي أن يلقي الضوء على العديد من الأسئلة التي تنشأ حول الإنشاءات في الموقع مع تفسيرات وخصائص متشابهة ولكن بدون إزاحة (أو إزاحة جزئية)، أو حول البقايا التي خلفتها الإزاحة الدورية المتعاقبة؟

يطرح السؤال الأعمق حول سبب حدوث الإزاحة موضوع التناظر الديناميكي المضاد الذي قمت باستكشافه بعمق، على وجه الخصوص، كعامل يحفز النزوح. هنا تنشأ أسئلة كثيرة جدا. لماذا تعتبر هذه الهياكل " غير مستقرة " وتتطلب الإزاحة؟ كيف يتفاعل عامل الإزاحة مع اعتبارات أخرى تم اقتراحها، من بينها نظرية الحالة المجردة لفيرغنو وتحديد الفئات (وضع العلامات)؟ هل يمكن إلقاء الضوء على بعض المعضلات العديدة التي تنشأ من خلال الاستقصاء اللغوي العصبي؟

حتى وقت قريب، كان يُنظر إلى الخاصية في كل مكان لعملية الإزاحة وإعادة الاعمار على أنها تعقيد إشكالي للغة الطبيعية، على عكس العملية المتوقعة لضم عنصرين معًا - غالبًا ما يشكل عدم استقرار يجب التغلب عليه عن طريق الإزاحة. لدينا الآن سبب وجيه للاعتقاد بأن العكس هو الصحيح، لأسباب تتعلق بالحد الأدنى من شروط البحث التي تظهر بشكل بارز في المنطقة. الاعتبارات التي تنشأ تشبه إلى حد كبير تلك التي ذكرتها فيما يتعلق بالمعلمات والسمات المميزة لعلم الأصوات في براغ.

وفي العلم عمومًا، حيث إنه يسعى إلى تحقيق الأهداف الواردة في عبارة بيرين الحادة التي نقلتها. لماذا، على سبيل المثال، توجد هذه العناصر الكيميائية، وليس غيرها، وما هي المكونات الخفية التي تتكون منها؟

طوال الوقت، هل يمكن تصميم الاستفسارات اللغوية العصبية لتقديم رؤى حول الألغاز العديدة التي تظهر بمجرد أن نحاول تجاوز الوصف إلى التفسير الحقيقي؟

نادرًا ما تبدأ هذه التأملات في تتبع خيط واحد من تعقيدات اللغة. تكثر الألغاز والتحديات، وربما حتى الألغاز التي تتجاوز نطاق إدراكنا المعرفي. لقد سافرنا بعيدًا عن الأيام التي كان يبدو فيها أن هناك إجابات لكل شيء تقريبًا. وهي علامة جيدة.

يذكرني الوضع الحالي بعنوان مجموعة من المقالات تكريما لأحد أبرز الفلاسفة المعاصرين، وصديق مقرب حتى أيامه الأخيرة، سيدني مورجنبيسر: كم عدد الاستشارات التي قدمها؟ 15

أندريا مورو: حان وقتنا الآن. اسمحوا لي أن أشكركم على هذه المحادثة الشيقة للغاية. أشعر ببعض الحنين إلى الماضي عندما كان بإمكاننا القيام بذلك شخصيًا، ولكن باسم منظمي المهرجان ليتاتورا دي مانتوفا والجمهور، دعني أشكرك على كل ما قلته والوقت الذي كرسته لنا. كانت هذه محادثة رائعة، بالنسبة لي، لنا جميعًا.

شكراً جزيلاً.

نعوم تشومسكي: من دواعي سروري: من الرائع التحدث إليكم.

***

توكسون وبافيا، يوليو 2021

...................

المصدر

The Secrets of Words Noam Chomsky and Andrea Moro The MIT Press Cambridge, Massachusetts London, England © 2022 Valeria Chomsky and Andrea Moro

Notes

The Secrets of Words

1. Logic Methodology and Philosophy of Science: Proceedings of the 1964 International

Congress, ed.Yehoshua Bar-Hillel (Amsterdam: North-Holland, 1965).

2. Eric Lennenberg, Biological Foundations of Language (New York: Wiley, 1967).

3. Karl S. Lashley, “The Problem of Serial Order in Behavior,” in Cerebral Mechanisms in

Behavior, ed. L. A. Jeffress, 112–146 (New York: Wiley).

4. B. F. Skinner, Verbal Behavior (New York: Prentice Hall, 1957); Noam Chomsky, “A Review

of B. F. Skinner’s Verbal Behavior,” Language 35 (1959): 26–57.

5. M. Musso, A. Moro, V. Glauche, M. Rijntjes, J. Reichenbach, C. Büchel, and C. Weiller,

Broca’s Area and the Language Instinct,” Nature Neuroscience 6 (2003): 774–781.

6. M. Tettamanti, H. Alkadhi, A. Moro, D. Perani, S. Kollias, and D. Weniger, “Neural Correlates

for the Acquisition of Natural Language Syntax,” NeuroImage 17 (2002): 700–709.

7. Lenneberg, Biological Foundations of Language, 2.

8. Andrea Moro, The Raising of Predicates (Cambridge: Cambridge University Press, 1997);

Andrea Moro, A Brief History of the Verb To Be (Cambridge, MA: MIT Press, 2018).

9. Noam Chomsky, Il mistero del linguaggio: Nuove prospettive (Milan: Raffaello Cortina

Editore, 2018).

10. Alan M. Turing, “Computing Machinery and Intelligence,” Mind 59 (1950): 433–460, 442.

11. John 1:14. See Joseph Ratzinger, Introduction to Christianity, 2nd ed., trans. J. R. Foster

(San Francisco: Ignatius Press, 2004), 176.

12. Noam Chomsky, Lectures on Government and Binding (Dordrecht: Foris, 1981), 7.

13. Alan Turing, “The Chemical Basis of Morphogenesis,” Philosophical Transactions of the

Royal Society of London, Series G: Biological Sciences 237, no. 641 (1952): 37–72.

14. Andrea Moro, Dynamic Antisymmetry (Cambridge, MA: MIT Press, 2000); Noam Chomsky,

Problems of Projection,” Lingua 130 (2013): 33–49.

15. How Many Questions? Essays in Honor of Sidney Morgenbesser, ed. Leigh S. Cauman,

Isaac Levi, Charles D. Parsons, and Robert Schwartz (Indianapolis: Hackett, 1983).

 

 

- الشعر شعران؛ شعر يكتب الحدَث، وشعر يكتبه الحدَث.

- كلما كان تأثر الشاعر بالحدَث أو المناسبة كبيرا كلما قل التكلّف في الألفاظ وقلّ وضوح الصنعة في القصيدة.

- الشعر يخلّص الإنسان من جفاء المشاعر الذي يخلّفه انخراطه في عالم المادة وطغيانها.

- إذا تحدّث الطب إلى الكتابة، فهو حديث ثناء عليها، وإذا تحدّثَت الكتابة إلى الطب فهو حديث فيه بعض العتاب.

- على الأدباء ألّا يتعجّلوا النشر، فلكل شيء وقته.

محمود الفخراني

د. محمود الفخراني؛ طبيب من فئة المخضرمين، وشاعر من أبناء الخليل البررة، وكاتب ذو رسالة جادة تلامس سقف قضايانا العربية والإسلامية. وُلد عام 1955 في قرية تمي الأمديد بمحافظة الدقهلية التي ارتقت اليوم إلى مدينة ومركز، وتخرّج في كلية طب المنصورة عام 1981، ثم اختار تخصصا لطيفا ضرب به عصفورين، وهو تخصص التحاليل الطبية والباثولوجيا الإكلينيكية؛ إذ منحه أولوية السفر والعمل بالمملكة العربية السعودية لربع قرن (1992-2016)، كما منحه فسحة كافية لمواصلة قرض الشعر الذي بدأه في سنّ العشرين. صدر له حتى الآن ثلاثة دواوين، ودراسة أدبية بعنوان (الارتقاء في فن الغناء)، إضافة إلى إبحار مطوّل في الشوقيّات من ثلاثة أجزاء يصدر قريبا، عدا عن مؤلَّفات إسلامية قرآنية بعضها صدر وبعضها على قوائم الانتظار. ورغم أن أرحاما عدّة تجمع بيننا من حيث المولد والنشأة في المركز والمحافظة ذاتها، وكذلك من حيث الجامعة والكليّة والمهنة؛ إلا أنني تعرّفت عليه مؤخّرا عبر الكوكب الأزرق واستضفتُه في صفحة أقلام بيضاء ضمن مجلة الديوان الأدبية الشهرية، ومن خلالها نبتَت بذرة هذا الحوار المنفتح على الطب والأدب والحياة..

***

* في محاولة مضنية لتعريف الشعر، هل تراه مشاعر تخلق اللغة اللائقة بها، أم على قول إمبرتو إيكو: لغة تخلق المشاعر؟

- الشعر شعران؛ شعر يكتب الحدث، وشعر يكتبه الحدث. أما الشعر الذي يكتب الحدث؛ فهو الشعر الذي يحاول به الشاعر أن يترجم الحدث ساعة وقوعه، أو يحيي به مناسبة أو يعرض من خلاله لفكرة مرت بخاطره أو اقتنع بها، والحدث قد يكون حدثا عاما يؤثر في المجتمع من حوله ويتأثر الشاعربه بالقدر الذي يتأثر به الآخرون، وقد يكون حدثا خاصا بالشاعر، وكذلك المناسبة، قد تكون مناسبة عامة أو خاصة، وفي كل الحالات يحاول الشاعر أن يعبّر عما يشعر به نحو هذا الحدث أو تلك المناسبة، وكثيرا ما يجد صعوبة في العثور على استهلال للقصيدة المزمع تأليفها، حتى إنه يكتب ويمحو ما كتبه عدة مرات حتى يعثر على البيت الذي يرضيه، ثم يواصل تأليف القصيدة بالصعوبة نفسها، لذلك تظهر الصنعة الأدبية في القصيدة جلية، فبعض الكلمات يفرضها الوزن وبعضها تفرضه القافية، وكلما كان تأثر الشاعر بالحدث أو المناسبة كبيرا كلما قل التكلف في الألفاظ، وقل وضوح الصنعة في القصيدة، وهذا ما نسميه بشعر المناسبات. أما الفكرة التي يحاول الشاعر أن يصوغها شعرا، فغالبا ما يكون تأثره بها كبيرا، حتى إنه في ساعة صفاء يجد نفسه يتحدث عن هذه الفكرة شعرا، فتخرج القصيدة مترابطة الأفكارعميقة المعاني، وإن لم تبرأ تماما من التكلف اللفظي والصنعة الأدبية، وهو ما نسمّيه بالشعر الفكري، أي أننا نستطيع القول بأن الشعر الذي يكتب الحدث هو ما ينطبق عليه قول من قال إن الشعر هو مشاعر تخلق اللغة اللائقة بها، أما الشعر الذي يكتبه الحدث فهو ما نسميه بالشعر الوجداني وفيه تتضح التجربة الشعرية، وتتضح في كل بيت بل في كل كلمة من كلمات القصيدة، فالتجربة تشترك مع الشاعر بقسط كبير في عملية الإبداع الذي هو سمة ظاهرة في الشعر الوجداني، يتضح ذلك في جزالة اللفظ وتسلسل الأفكاروتدفق المشاعر، فالشاعر يعيش التجربة بكل كيانه، حتى أنها تلح عليه في صحوه وفي نومه فتنصهر بداخله في بوتقة الإبداع لتخرج في صورة قصيدة تؤثر في نفس سامعها أو قارئها بمجرد تلقيها، هذا الشعر لا تكلُّف فيه ولا ركاكة، ولا تتضح فيه الصنعة الأدبية، ولكن الألفاظ تتجاور في سلاسة وتدب فيها روح الإبداع، وهذا هو الشعر الذي ربما ينطبق عليه قول إمبرتو إيكو: إن الشعر لغة تخلق المشاعر.

* برأيك، ما الذي يمكن أن يقدّمه الشعر لإنسان العصر المفتون بالعلم والهائم في بحر التكنولوجيا؟

- الشعر يمثل عاملا رئيسا في حدوث التوازن النفسي الذي هو مطلب كل إنسان لكي تسير حياته دون منغصات فكرية أو انحرافات نفسية، بما يبعثه في النفس من سكينة، وبما يثري به خياله، وما يتركه من أثر في وجدان المتلقّي وفي فكره وخواطره، هذا لمن يهوون قراءة الشعر أو سماعه، ذلك لأن هناك من لا يتقبلون لغة الشعر ولا يقبلون على قراءته لأسباب كثيرة أهمها أن لغة الشعر أصبحت غريبة على الأسماع في هذه الأيام، ومما لا شك فيه أن لافتتان إنسان العصر بالعلم وانخراطه في عالم المادة تأثير كبير على مشاعره، واعتقادي أن الشعر يخلص الإنسان من جفاء المشاعر والأحاسيس الذي يخلفه انخراطه في عالم المادة وطغيانها، ويعطي الروح مساحة أكبرللانطلاق في عالمها من السمو والارتقاء.

* كيف تصف اللحظة الزمانية والمكانية والنفسية التي تهجم فيها على أوراقك البيضاء بغْية تحويلها إلى قصائد؟

- هي لحظة الإبداع التي لا توصف بالكلمات، فالشاعر يتحوّل فيها إلى كائن أكثر شفافية ويحلّق في سماوات الإبداع التي تأخذه بعيدا عن معطيات الواقع، ولا يشعر الشاعر بروعة هذه اللحظة إلا حينما يعود إلى واقعه، ولكن عزاءه في فقدها، ما يلتقطه من آيات إبداعه التي تتمثل في الأبيات التي يجدها بين يديه.

* في ضوء ديوانك الأوّل (أوهام مسافرة)، والذي تمحْور حول الاغتراب، بم أفادتك غربة ربع قرن عن الوطن والأهل؟

- لا شك أن اغترابي عن الوطن قرابة ربع قرن أفادني من الناحيتين المادية و الفكرية، فاستطعت ترتيب أفكاري أو قل إعادة ترتيبها بما يتلاءم مع معطيات الواقع وما تفرضه ظروف العيش، وكان من نتاج ذلك، البدء في تأليف عدة كتب في مجالات مختلفة أقوم الآن بوضع اللمسات الأخيرة عليها تمهيدا لطباعتها، أمّا ديواني (أوهام مسافرة) فإليه يرجع الفضل في محاولاتي تجنب الآثار السيئة للغربة ما استطعت إلى ذلك من سبيل.

* في حوارك الداخلي المتشظِّي بين الطبّ والكتابة، ماذا يقول كلاهما للآخَر؟

- إذا تحدّث الطبّ إلى الكتابة، فهو حديث ثناء عليها، إذ أنقذته من تقوقعه داخل نفسه فانطلق في عالم أرحب ووجد فيها متنفسه الحقيقي. وإذا تحدّثَت الكتابة إلى الطب فهو حديث فيه بعض العتاب من الظلم الذي وقع عليها منه، إذ لم يترك وقتا للانطلاق إلا نادرا.

* من خلال نشاطك كمقرر للجنة الشعر بالنادي الأدبي في قصر ثقافة المنصورة أثناء مرحلة الشباب، ما الذي ينقص المؤسسات الثقافية الرسمية للقيام بدورها الفاعل؟

- ينقصها التنظيم وتوفير وسائل مواصلات خاصة بكل قصر من قصور الثقافة لتسهيل تبادل الزيارات بين أعضاء النوادي الأدبية، ومساعدة الأعضاء على نشر إبداعاتهم.

* كثيرا ما يتحوّل الشعراء إلى كتابة الرواية، ولكنك اتجهت مؤخَّرا إلى الكتابة والنشر في الدراسات القرآنية، فما الذي جرى للشامي حتى صار مغربيا؟!

- الحقيقة أن وجودي بالسعودية بمفردي مدة طويلة، أتاح لي فرصة قراءة القرآن وختمه مرات عديدة، فأُخذت بأسلوبه البديع وشدّتني لغته الراقية التي لا ترقى إليها لغة أخرى، فبدأت في تسجيل أفكار كانت تدور بعقلي وأنا أتابع القراءة، وكثيرا ما كنت أقصر الختمة على فكرة معينة، وكنت أسمّي هذه الختمة: «ختمة تأملية»، وبالطبع ساعدني الحاسوب والباحث الأليكتروني في القرآن على ذلك كثيرا، فجمعْت هذه الأفكار في مواضيع تضمّنتْها الكتب التي انتهيت هذا العام بفضل الله وتوفيقه من كتابتها ومراجعتها، وبقي أن تجد طريقها للنشر، وبالفعل قمت بطبع كتاب «أنبياء الله ورسله .. رؤية قرآنية»، في إحدى دور النشر قبل عامين تقريبا، والله أسأل أن يتم طبع هذه الكتب في أقرب وقت وأن ينفع بها الإسلام والمسلمين.

* بين 1955 وهو تاريخ مولدك، وبين 2022م وهو العام الذي يظلّل الحوار بسمائه، ما أبرز المتغيرات التي عايشتها وتودّ رصدها على صعيدَي الطبّ والشّعر؟

- على صعيد الطب لا نستطيع أن ننكر التطوّر الهائل الذي حدث في مجاليْ التشخيص والعلاج وخصوصا جراحة المناظير، وغيرها من الجراحات الأخرى، أما في مجال تخصصي؛ «تحاليل طبية» فالتطور سريع جدا لا نستطيع رصده في هذه العجالة، ويكفي أن نقول إن الاختبار الذي كان يستغرق عمله حوالي ساعة أصبح الآن يتم عمله في عدة دقائق، بل إن هناك أجهزة تقوم بعمل عدة اختبارت مجتمعة تصل إلى ثلاثين اختبارا في أقل من ساعة. أما على صعيد الشعر فقد اتسعت رقعته اتساعا ملحوظا وكثرت النوادي الأدبية التي يرتادها الشعراء بصفة يومية، وقد التقيت بشعراء كثيرين في هذه النوادي ولكن قليلين منهم من اقتنعت بشاعريته، المشكلة أنّي لا أتذوق بل لا أقرأ إلا الشعر الذي يأخذ الشكل المتوارَث للشعر أما ما يسمّونه بالشعر الحر أو قصيدة النثر أو ما إلى ذلك فلا أجدني مرتاحا إليه. أيضا لاحظت طغيان العامية على الفصحى، فبين كل عشرة شعراء، شاعر واحد يكتب بالفصحى أو اثنان وعلى الأكثر ثلاثة!

*بالعودة إلى تخصصّك الدقيق في الطب وهو التحاليل الطبية، هل كان اختياره ضرورة شعرية تتيح المزيد من التفرّغ للأدب والكتابة؟

- لا .. لم تكن رغبتي في التفرغ للأدب والكتابة سببا لاختيار التحاليل الطبية لتخصصي، فقد اخترت هذا التخصص بعدما عرفت أن أطباء التحاليل مطلوبون للعمل بالسعودية أكثر من غيرهم، وقد كان كل همّي وقتئذ تحسين وضعي المادي، وقد أتاح لي هذا التخصص الانطلاق في عالم الأدب والشعر وإشباع رغبتي في الكتابة.

* أفردْتم للشوقيات ثلاث مؤلّفات قيد الطبع، أما كان الأطباء الشعراء أوْلى بهذا الانتقاء، وذلك على قاعدة الأقربون أوْلى بالمعروف؟ أم للإمارة حُكم نافذ لا يُردّ؟

- أحمد شوقي شاعر العصر الحديث، نهل من معين شعره أكثر الشعراء الذين جاؤوا من بعده، بل من الشعراء الذين عاصروه أيضا، ولقد قرأت ديوان شوقي المسمَّى بالشوقيات في سنّ مبكرة، وحينما أخذني الشعر في عالمه في ثمانينيات القرن الماضي وددْت لو قدّمت بعض قصائد شوقي بشكل يلائم العصر الحديث بعدما أصبحت لغة الشعر غريبة على الأسماع،  وفي مطلع العقد الأول من القرن الحالي وضعت هذه الفكرة موضع التنفيذ، والحمد لله انتهيت الآن من كتابة ثلاثة أجزاء من كتاب عنوانه «النسائم العطرات في شرح صفوة الشوقيات»، وآمل أن أكتب أجزاءً أخرى إذا أتيحت لي الفرصة، أما من الشعراء الأطباء فقد قرأت ديوان إبراهيم ناجي وقدمت قصيدة الأطلال وقصيدة القيثارة ضمن كتابي « الارتقاء في فن الغناء»، وسوف تكون لي دراسة في شعره في الأعوام القادمة إن شاء الله.

* يشكو الكُتّاب مرّ الشكوى من سوق النشر ومتاعبه، ما تجربتكم بهذا الخصوص؟

- سوق النشر أصابه الكساد نتيجة لعزوف الناس عن القراءة بصفة عامة وقراءة الشعر بصفة خاصة، وزاد من هذا الكساد وجود بدائل كثيرة للتسلية واكتساب المعارف، وباستثناء ديوان (أوهام مسافرة) الذي تم طبعه ونشره في الهيئة المصرية العامة للكتاب، قمت بطبع ديوان (اغتراب وارتقاب) وديوان (انطلاق وقيود) على نفقتي الخاصة، وأعدت طباعة ديوان أوهام مسافرة) على نفقتي الخاصة أيضا، أمّا كتاب (أنبياء الله ورسله .. رؤية قرآنية) فقد تم طبعه في إحدى دور النشر، ولكن على نفقتي أيضا، وقد كلفني ذلك الكثير لعدم درايتي بالتعامل مع أصحاب دور النشر، فلم أنج من استغلالهم ولا أبالغ إذا قلت جشعهم.

* بالتفاتة إلى ما يقرب من سبعين عاما مضت، ما وصيتك لأولادك وأحفادك من الأطباء والكُتّاب منهم على وجه الخصوص؟

- وصيتي للأطباء منهم أن يختاروا التخصص المناسب لقدراتهم، ولا يمارسوا المهنة إلا بعد أن يتمكنوا من ممارستها ويعرفوا أسرارها ما استطاعوا إلى ذلك من سبيل، أما الأدباء فعليهم أن يكونوا صادقين مع أنفسهم في كل ما يكتبونه، مع الإلمام بكل قواعد اللغة العربية إلماما تاما، ولا يتعجلوا النشر، فلكل شيء وقته.

**

أجرِي الحوار: د. منير لطفي

في 22-10-2022

* المؤسسة الدينية الفقهية ترى في نفسها مؤسسة مصدرة للحقيقة.

* العالم العربي يعيش على وقع مأزق خانق وعلى وقع هزيمة شعواء

باحثة وأكاديمية تونسية متخصصة في اللغة والحضارة العربية (أديان مقارنة)، مهتمة بالنصوص المقدسة. تشغل منصب أستاذة التعليم الثانوي المميز. لها مجموعة من المنشورات، من بينها: "داود في الثقافة العربية: الثوابت والتحولات" سنة 2008 و"العشق في النصوص المقدسة" سنة 2018 و "اللذة في النص الديني المقدس".

نناقش معها علاقتها بتخصصها "علم الاديان المقارن" ومستقبل البحث العلمي في تونس وتأثير الايدولوجيا على عمل الباحث..

* لنبدأ من تخصصك في علم الاديان المقارن واختيارك لهذا الموضوع دون غيره؟

- تخيرت علم الأديان المقارن لثلاثة أسباب أجملها في النقاط التالية

أولها..ندرة هذا التخصص خصوصا في جامعاتنا التونسية إذ تكاد تكون كلية الآداب بالقيروان المؤسسة الجامعية الفريدة التي احتضنت هذا الاختصاص بعد كلية الآداب والإنسانيات بمنوبة.

ثانيها..الرغبة الملحة في كنه جوهر معتقد الآخر المغاير دينيا لتبين معاقد النسب ومواطن الاختلاف بين الديانات والمعتقدات.

ثالثها..أنه علم الإنسان، إذ هو العلم الذي يعرف المرء على قيمة الدين في حياته ومرتكزاته. وما أحوج المرء إلى معرفة ذلك في عالم متناحر، خصوصا وقد فاته أن يؤمن أن الدين يوحد أبناء الأمة ولا يفرقها.  4522 زهرة الثابت

* قراءة النص الديني هل مازالت قاصرة عن ايصال المفهوم الحقيقي للمعنى الكامن في النص؟

- لا.. قراءة النص وخصوصا من وجهة نظر مقارنة إنما تجاوزت هذا الإطار إلى أفق أرحب فجعلت النص الديني نصا يحتمل التأويل ونصا ينفتح على القراءات المتعددة للنص الديني، إيمانا بأن الحقيقة مفهوم صلف لا يمكن محاصرته خصوصا في نصنا القرآن الكريم لسر إعجازي في النص ذاته. لقد باتت قراءة النص الديني وسيلة لكنه فكر الآخر المغاير دينيا.

* علي أي أساس تتم قراءة النص وتفسيره؟

- قديما كان الفقهاء لا يفسرون النص إلا بتنزيله في سياقه التاريخي والتفسير إما أن يكون بظاهر النص أو بباطنه، حتى بتنا نميز بين تفسير نقلي وآخر عقلي وقد أتاح التفسير النقلي للمفسر الفرصة للاستنارة بالإسرائيليات والأساطير والأخبار والأحاديث بصحيحها وربما موضوعها لأن النص التأسيسي كان نصا ملغزا صامتا في العديد من المواضع فكان لا بد من سد هذا الفراغ في نص القرآن الكريم بالاستعانة بمثل هذه النصوص الروافد حتى باتت هذه التفاسير بحاجة إلى المراجعة وإعادة النظر. بل بات من الضروري توسل مناهج علمية حديثة في مقاربة النص الديني كالمنهج التحليلي والمنهج التفكيكي والمنهج السيميائي والمنهج المقارني وغيرها من المناهج الحديثة.

* هل يستوجب على المثقفين في هذه المرحلة تغيير أدواتهم أو استعادتها من جديد وإعادة بنائها نقديا؟

 - نعم صار من الأهمية بمكان أن يغير المثقفون أدوات التعامل مع النص الديني خصوصا في هذا الزمن الذي نخر الإرهاب فيه جسم الأمة العربية باسم الدين لسوء فهم للنص ثبتت معالمه المؤسسة الدينية الفقهية التي ترى في نفسها مؤسسة مصدرة للحقيقة.

* كل بيئة تخلق فكرًا يناسبها أم انها تتبنى فكرا من خارجها ما هو الممكن وغير الممكن في هذا الموضوع؟

- الفكر بنظرنا هو وليد البيئة الحاضنة له ولكن لا نرى ضيرا في الانفتاح على الفكر المغاير لأن الآخر قدرنا ولا مهرب لنا منه ولا ضير أيضا أن نستفيد من هذا الفكر المغاير بما يتماشى وهويتنا العربية الإسلامية. وبما يخدم مصالح الأمة.

* ما مستقبل البحث العلمي في تونس سواء كان عن طريق ما تقدمه المؤسسات والمراكز او البحاثة كأفراد؟

- يبدو لي أن البحاثة التونسيين يخطون خطوات جادة في مجال البحث ودليلي على ذلك بعض العناوين المنجزة واللافتة سواء في مجال الأدب أو الحضارة أو حتى العلوم والجوائز التي أحرز عليها بعض التونسيين المبدعين (جائزة كاتار للرواية الأزهر الزناد مثلا..). مما يشي بأن مستقبل البحث العلمي واعد رغم عديد العقبات التي تواجه الباحث من نحو ندرة بعض المراجع وخصوصا باللسان الأجنبي أو قلة الموارد المرصودة لنشر الأبحاث أو تجهيز بعض مراكز البحث خصوصا بالمؤسسات الجامعية.

* ماهو مصدر التابوهات وهل للمجتمع التونسي تابوهات خاصة به؟

- التابو أوالمحرم إنما يتخلق داخل النص الديني المؤسس أي داخل نص القرآن فأنت لو تقفيت أثر الآيات القرآنية لوجدت أن المحرم ظل ملازم للحلال، وأن عبارة "حرمت عليكم" قد تواتر حضورها في النص بصورة كثيفة لأن الحلال لا يستقيم إلا بإزاحة الحرام. ثم صارت المؤسسة الدينية الفقهية هي المسؤولة عن التحريم ليصبح بعد ذلك القانون هو مصدر التحريم. والمجتمع التونسي له تابوهاته التي أقرها القرآن أولا وعززها التشريع القانوني ثانيا.4521 زهرة الثابت

* التحرر من الايدولوجيا لدى الباحث إلى اي حد يكون مهما وأساسيا؟

- الإيديولوجيا هي الأفق الذهني الذي "يجد الفرد فيه كل العناصر التي يركب منها أفكاره في صور متنوعة .. هي مرتعه الذهني والمنظار الذي يرى به ذاته ومجتمعه والكون كله" كما يقول عبد الله العروي، والإيديولوجيا اخترقت كل مجالات الحياة حتى صرنا نتحدث عن إيديولوجيا سياسية وإيديولوجيا ثقافية وإيديولوجيا دينية وإيديولوجيا اقتصادية وغيرها. وعليه إذن فهي الظل الملازم للمرء وقدر المفكر. ولكن التحرر من الإيديولوجيا ضروري في البحث العلمي حتى نأمن دراسة علمية موضوعية، ولن يكون ذلك يسيرا ما لم يتخلص الباحث من انطباعاته الذاتية وما لم يختبر معارفه بتوسل منهج من المناهج العلمية الحديثة.

* الثقافة العربية دائما ما تصنع أصنامها ليتحول باقي من يعملون في الحقل الثقافي إلى عبيد لهذه الأصنام هل تحررت الساحة التونسية من هذه الأصنام أم أنها مازلت تدور في فلكها؟

- الإنسان هو الذي يصنع الصنم إما لانبهار بكاريزما شخص ما أو لإحساس بضعف يخفيه بين جوانحه فيرغب رغبة ملحة في طلب الأمان الذي لا يجده بنظره إلا في هذا الصنم الذي يخلقه، وصناعة الصنم هو مأزق كل الشعوب العربية وهو ليس صنم ثقافي بالأساس فلكل مجال صنمه الخاص به غير أننا نزعم أن حرية التعبير التي أقرها الدستور في تونس بعد ثورة الربيع العربي قد أسهمت إلى حد ما في التحرر من سلطة هذا الصنم.

"فلا يوجد برأينا "صراطات مُستقيمة"، ولكن توجد تأويلات مُتنوعة لفهم النص الديني المُقدس تفرضها معطيات الواقع السياسي والبيئي والاقتصادي والثقافي " علي المرهج

* علي أي أساس تتم قراءة النص وتفسيره؟

- نصنا القرآني نص صالح لكل زمان ومكان، وديننا الحنيف دين يسر وليس دين عسر، وأعتقد أن قراءة النص وتفسيره وفهمه ينبغي أن تراعى فيه مصالح الأمة، فيكون التفسير يسيرا واضحا خادما للإنسان في حياته الدنيا لا سيفا مسلولا على الرقاب.   

* راهن الهزيمة العربي الذي نعيشه في كل مجالات النهضة ومنذ سنوات الا من حل لتجاوزه؟

- العالم العربي بأسره يعيش على وقع مأزق خانق وعلى وقع هزيمة شعواء تفاقمت وطأتها خاصة بعد ثورة الربيع العربي المزعوم وراحت ضحيتها الأوطان والشعوب التي تراجعت القهقرى جراء تكلس في العقل العربي وعجز في القدرة على التفكير فضاعت قيمة الإنسان وبتنا نعيش التناحر والفتن والتكفير والتقتيل جراء سوء فهم للنص والحل لتجاوز وضع الهزيمة هذا بنظري إنما رهين مصالحة للإنسان مع ذاته ورهين إعادة الاعتبار إلى إنسانية الإنسان ولن يتسنى لنا ذلك إلا بالتعامل المرن مع النص وتوظيفه لخدمة الإنسان. لا بد من فتح عقلي جديد يؤمن بالإنسان أولا وأخيرا ويؤمن بقيم التسامح والتحابب وقبول الآخر المغاير دينيا حتى نأمن غائلة العدوانية. إضافة إلى أن الحاجة إلى بناء فكر منفتح على تجارب الآخر والإفادة من سر تقدمه تغدو حاجة أكيدة لا شك للأخذ بأسباب الحضارة.

***

حاورها: محمد القذافي مسعود / كاتب وصحفي مستقل من ليبيا

أجرى الحوار: ديفيد بارسامين

ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف

***

بينما كنت أقرأ مقابلة اليوم بين ديفيد بارسامين من راديو ألترنتيف و نعوم تشومسكي الرائع، الذي يبلغ الآن 93 عامًا ولا يزال كثيرًا في عالمنا، كان لدي نوع من وميض "الذاكرة". تساءلت عما كان سيفكر فيه توم إنجلهارت في العشرينات من عمره في هذا الكوكب الأكثر تطرفًا إذا صح التعبير، كما هو الحال في إحدى روايات الخيال العلمي التي قرأها بشغف، قد تم نقله لأكثر من نصف قرن في المستقبل لهذا الكوكب الأمريكي جدا. وأنت تعرف بالضبط البلد الذي أعنيه.

من المسلم به أن توم لم يفكر في أمريكا في الستينيات - وقبل كل شيء حرب بلاده المروعة في فيتنام - أي شيء يتباهى به. ومع ذلك، كيف سيشعر ليجد نفسه في أرض يعتقد معظم أعضاء حزب رئيسي واحد، على أساس لا شيء، أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت "مسروقة" بكل معنى الكلمة ؛ بلد مليء بشكل متزايد بالميليشيات المتطرفة ؛ شخص قضى أربع سنوات مع رئيس مجنون ومهووس وينوي على ما يبدو خوض مواجهة مرة أخرى ضد جو بايدن الذي سيبلغ 82 عامًا في عام 2024. نحن نتحدث عن مرشح يمكن أن يحول الولايات المتحدة إلى دولة فاشية في حال فوزه - أو حتى ادعى بطريقة ما خسارته في الانتخابات. (بصراحة، عند الحديث عن الماضي، لماذا لم تفعل كل تلك بيج ماك وبرغر ويند؟)

وهذا، بالطبع، سيكون مجرد مقدمة لكوكب - ننسى الحرب التي لا تزال مستمرة في أوكرانيا وسط مخاوف متزايدة من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يفكر في استخدام الأسلحة النووية لأول مرة منذ إخراج هيروشيما وناغازاكي في عام 1945 أسبوعًا بعد أسبوع، وشهرًا بشهر، الأخبار تزداد سوءًا. لا يهم كثيرًا ما إذا كنت تتحدث عن موجات الجفاف والحرائق والفيضانات والعواصف وذوبان الجليد، وارتفاع منسوب البحر، سمها ما شئت، لأنه في هذه الأيام يبدو أنه لا يوجد رعب قد نحلم به لا يمكن أن يصبح حقيقة.

في مثل هذا السياق، اسمحوا لي أن أقدم الشاب توم إنجلهارت إلى الفرسان الأربعة في نهاية العالم في القرن الحادي والعشرين، وأترك الأمر لنعوم تشومسكي، الذي قابله ديفيد بارسامين الرائع في كتابه الجديد، ملاحظات حول المقاومة، ليخبرنا أين، في مثل هذا العالم، قد لا يزال الأمل يكمن.

 ديفيد بارسامين: غالبًا ما يوصف ما نواجهه بأنه غير مسبوق - وباء، وكارثة مناخية، ودائمًا ما يكمن في مركز الصدارة، الإبادة النووية. ثلاثة من الفرسان الأربعة في سفر الرؤيا.

نعوم تشومسكي: يمكنني أن أضيف أمرًا رابعًا: التدمير الوشيك لما تبقى من الديمقراطية الأمريكية وتحول الولايات المتحدة نحو دولة استبدادية للغاية، وفاشية أيضًا، عندما يعود الجمهوريون إلى مناصبهم، وهو ما يبدو مرجحًا . هذه أربعة خيول يمكن أن يمتطيها أي مجنون.

وتذكر أن الجمهوريين هم حزب الرفض، الملتزم بالسباق إلى تدمير المناخ مع التخلي عن يد كبير المدمرين الذين يعبدونهم الآن مثل نصف الآلهة. إنها أخبار سيئة للولايات المتحدة والعالم، بالنظر إلى قوة هذا البلد.

 ديفيد بارسامين: أصدر المعهد الدولي للديمقراطية والانتخابات للتو تقرير حالة الديمقراطية العالمية لعام 2021 . ويقول إن الولايات المتحدة بلد "تتراجع فيه الديمقراطية".

نعوم تشومسكي: هذا الأمر شديد الخطورة. إن الحزب الجمهوري يكرس نفسه علانية - حتى أنه لم يتم إخفاء رغبته في تقويض ما تبقى من الديمقراطية الأمريكية. إنهم يعملون بجد على ذلك. منذ أيام ريتشارد نيكسون، أدرك الجمهوريون منذ فترة طويلة أنهم حزب أقلية في الأساس ولن يحصلوا على أصوات من خلال الإعلان عن التزامهم المنفتح على نحو متزايد برفاهية المتعصبين وقطاع الشركات. لذلك فقد قاموا منذ فترة طويلة بتحويل الانتباه إلى ما يسمى بالقضايا الثقافية.

بدأ الأمر بإستراتيجية نيكسون الجنوبية. لقد أدرك أن دعم الحزب الديمقراطي لتشريعات الحقوق المدنية، مهما كان محدودًا، سيفقدهم الديمقراطيين الجنوبيين، الذين كانوا عنصريين متطرفين بشكل علني وصريح. استفادت إدارة نيكسون من ذلك من خلال إستراتيجيتها الجنوبية ملمحة  بمهارة، إلى أن الجمهوريين سيصبحون حزب التفوق الأبيض.

في السنوات اللاحقة، تناولوا قضايا أخرى. إنه الآن التعريف الافتراضي للحزب: لذلك دعونا نجري على مهاجمة "نظرية العرق الحرجة" - ما يعني ذلك! إنه مصطلح تغطية، كما أوضح المتحدثون باسمهم، لكل شيء يمكنهم حشد الجمهور عليه: تفوق البيض، والعنصرية، وكراهية النساء، والمسيحية، وحقوق مناهضة الإجهاض.

في غضون ذلك، تعمل القيادة، بمساعدة المجتمع الفيدرالي اليميني، على تطوير الوسائل القانونية - إذا كنت تريد أن تسميها كذلك - لكي يضمن الجمهوريون، حتى بوصفهم حزبًا أقلية، أنهم سيكونون قادرين على السيطرة على جهاز التصويت ونتائج الانتخابات. إنهم يستغلون السمات غير الديمقراطية جذريًا المبنية في النظام الدستوري والمزايا الهيكلية التي يتمتع بها الجمهوريون كحزب يمثل المزيد من السكان الريفيين المتناثرين والسكان القوميين البيض المسيحيين تقليديًا. باستخدام مثل هذه المزايا، حتى مع وجود أقلية من الأصوات، يجب أن يكونوا قادرين على الحفاظ على شيء مثل القوة شبه الدائمة.

في الواقع، قد لا يدوم هذا طويلاً إذا تولى دونالد ترامب، أو أحد نسخه، الرئاسة في عام 2024. ليس من المحتمل إذن أن الولايات المتحدة، ناهيك عن العالم، ستكون قادرة على الهروب من تأثير المناخ و التدمير البيئي هم ملتزمون بالتسريع.

 ديفيد بارسامين: لقد رأينا جميعًا ما حدث في واشنطن يوم 6 يناير. هل ترى احتمال انتشار الاضطرابات المدنية؟ هناك العديد من الميليشيات في جميع أنحاء البلاد. أدلى النائب بول جوسار، عن ولاية أريزونا العظيمة، والنائبة لورين بويبرت، من ولاية كولورادو العظيمة، من بين آخرين، بتصريحات تهديد تحرض على العنف والكراهية. الإنترنت مليء بنظريات المؤامرة. ماذا يجب أن نفعل؟

نعوم تشومسكي: إنه أمر خطير للغاية. في الواقع، ربما يعتقد ثلث الجمهوريين أو نحو ذلك أنه قد يكون من الضروري استخدام القوة "لإنقاذ بلدنا"، على حد تعبيرهم. "أنقذ بلدنا" له معنى واضح. إذا لم يفهم أحد ذلك، فقد أصدر ترامب دعوة للناس للتعبئة لمنع الديمقراطيين من إغراق هذا البلد بإطلاق سراح المجرمين من السجون في أراض أخرى، خشية أن "يستبدلوا" الأمريكيين البيض وينفذون تدمير أمريكا. نظرية "الاستبدال العظيم" - هذا ما تعنيه عبارة "يسلب بلدنا" ويتم استخدامها بشكل فعال من قبل العناصر الفاشية البدائية، وترامب هو الأكثر تطرفاً والأكثر نجاحاً.

ما الذي يمكننا فعله حيال هذا؟ الأدوات الوحيدة المتاحة، شئنا أم أبينا، هي التعليم والتنظيم. لا توجد طريقة أخرى. إنه يعني محاولة إحياء حركة عمالية أصيلة من النوع الذي كان، في الماضي، في طليعة التحركات نحو العدالة الاجتماعية. كما يعني تنظيم حركات شعبية أخرى، والقيام بجهود تثقيفية لمكافحة الحملات القاتلة المضادة للقاحات الجارية الآن، والتأكد من وجود جهود جادة للتعامل مع أزمة المناخ، والتعبئة ضد التزام الحزبين بزيادة الإنفاق العسكري الخطير والاستفزازي. الإجراءات ضد الصين، والتي يمكن أن تؤدي إلى صراع لا يريده أحد وينتهي به المطاف في حرب نهائية.

عليك فقط الاستمرار في العمل على هذا. لا توجد وسيلة أخرى.

 ديفيد بارسامين: يوجد في الخلفية التفاوت الشديد، وهو خارج المخططات. لماذا الولايات المتحدة غير متكافئة إلى هذا الحد ؟

نعوم تشومسكي: حدث الكثير من هذا في السنوات الأربعين الماضية كجزء من الهجوم النيوليبرالي على أمريكا والذي شارك فيه الديمقراطيون أيضًا، ولكن ليس بالقدر الذي شارك فيه الجمهوريون.

هناك تقدير دقيق إلى حد ما لما يسمى نقل الثروة من أقل 90٪ من السكان إلى أعلى 1٪ (في الواقع، جزء منهم) خلال العقود الأربعة من هذا الهجوم. وقدرت دراسة أجرتها مؤسسة راند أنها تقترب من خمسين تريليون دولار. وهذا المبلغ ليس بنسات - وهو مستمر.

خلال الوباء، أدت الإجراءات التي تم اتخاذها لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار إلى زيادة إثراء قلة قليلة. لقد حافظوا أيضًا على الحياة لكثير من الآخرين، لكن الجمهوريين مشغولون بمحاولة تفكيك هذا الجزء من الصفقة، تاركين فقط الجزء الذي يثري القليل جدًا. هذا ما يكرسونه من أجله.

خذ على سبيل المثال، مجلس التبادل التشريعي الأمريكي. هذا يعود لسنوات. إنها منظمة يمولها قطاع الشركات بأكمله تقريبًا، مكرسة لضرب الدول في نقطة الضعف في النظام الدستوري. انه سهل جدا. لا يتطلب الأمر الكثير لشراء أو دفع الممثلين التشريعيين على مستوى الولاية، لذلك عملت مجلس التبادل التشريعي الأمريكي هناك لفرض تشريعات من شأنها تعزيز الجهود طويلة المدى لأولئك الذين يسعون إلى تدمير الديمقراطية، وزيادة عدم المساواة الجذرية، وتدمير البيئة.

وأحد أهم هذه الجهود هو حمل الولايات على إصدار تشريعات لا يمكنها حتى تحقيقها - وبالتأكيد ليس معاقبة - سرقة الأجور، التي تسرق مليارات الدولارات من العمال كل عام من خلال رفض دفع أجور العمل الإضافي وكذلك من خلال أجهزة أخرى. كانت هناك جهود للتحقيق في الأمر، لكن قطاع الأعمال يريد إيقافها.

النظير على المستوى الوطني هو محاولة التأكد من أن مصلحة الضرائب لا تلاحق غش ضرائب الشركات الثرية. في كل مستوى يمكنك التفكير فيه، هذه الحرب الطبقية من جانب السادة، وقطاع الطرق أصحاب الشركات، والأثرياء للغاية تحتدم بشدة. وسيستخدمون كل الوسائل الممكنة لضمان استمرارها حتى ينجحوا في تدمير ليس الديمقراطية الأمريكية فحسب، بل إمكانية البقاء كمجتمع منظم.

 ديفيد بارسامين: يبدو أن قوة الشركة لا يمكن إيقافها. طبقة من الأثرياء - جيف بيزوس، وريتشارد برانسون، وإيلون ماسك - يطيرون الآن إلى الفضاء الخارجي. لكنني أتذكر شيئًا قالته الروائية أورسولا ك. لو جوين قبل بضع سنوات: "نحن نعيش في الرأسمالية، ويبدو أن قوتها لا مفر منها". ثم أضافت: "وكذلك حق الملوك الإلهي".

نعوم تشومسكي: وكذلك العبودية. وكذلك الأمر بالنسبة لمبدأ أن المرأة ملكية، والذي استمر في الولايات المتحدة حتى السبعينيات. وكذلك فعلت القوانين المناهضة للتأليف بشدة لدرجة أن النازيين لن يقبلوها، والتي استمرت في الولايات المتحدة حتى الستينيات.

كل أنواع الرعب موجودة. بمرور الوقت، تآكلت قوتهم ولكن لم يتم القضاء عليها تمامًا. ألغيت العبودية، لكن بقيت مخلفاتها في أشكال جديدة وشريرة. إنها ليست عبودية، لكنها مرعبة بما فيه الكفاية. إن فكرة أن النساء لسن أشخاصًا لم يتم التغلب عليها رسميًا فحسب، بل تم التغلب عليها أيضًا إلى حد كبير في الممارسة العملية. لا يزال، هناك الكثير لتفعله. كان النظام الدستوري خطوة إلى الأمام في القرن الثامن عشر. حتى عبارة "نحن الشعب" أرعبت حكام أوروبا الاستبداديين، حيث كانوا قلقين للغاية من أن شرور الديمقراطية (التي كانت تسمى آنذاك بالجمهورية) يمكن أن تنتشر وتقوض الحياة المتحضرة. حسنًا، لقد انتشرت بالفعل - واستمرت الحياة المتحضرة، بل تحسنت.

لذا، نعم، هناك فترات من التراجع والتقدم، لكن الحرب الطبقية لا تنتهي أبدًا، ولا يلين السادة أبدًا. إنهم يبحثون دائمًا عن كل فرصة، وإذا كانوا هم المشاركون الوحيدون في الصراع الطبقي، فسنشهد بالفعل تراجعًا. لكن ليس عليهم أن يكونوا كذلك، أكثر مما كان عليه الحال في الماضي.

 ديفيد بارسامين: في كتاب الماجستير في البشرية، لديك مقال، "هل تستطيع الحضارة البقاء على قيد الحياة بفعل الرأسمالية القائمة؟" تكتب، "الديمقراطية الرأسمالية القائمة بالفعل -  باختصار (تُلفظ" محطمة ")" غير متوافقة جذريًا "مع الديمقراطية وتضيف أنه" يبدو لي أنه من غير المحتمل أن تنجو الحضارة من الرأسمالية القائمة بالفعل والديمقراطية الضعيفة بشدة التي تستمر معها. هل يمكن للديمقراطية الفاعلة أن تحدث فرقا؟ إن البحث في الأنظمة غير الموجودة يمكن أن يكون مجرد تخمين، ولكن أعتقد أن هناك سببًا للاعتقاد بذلك ". قل لي أسبابك.

نعوم تشومسكي: بادئ ذي بدء، نحن نعيش في هذا العالم، وليس في عالم ما نود تخيله. وفي هذا العالم، إذا فكرت ببساطة في الجدول الزمني للتعامل مع التدمير البيئي، فهو أقصر بكثير من الوقت الذي يكون ضروريًا لإجراء إعادة تشكيل مهمة لمؤسساتنا الأساسية. هذا لا يعني أن عليك التخلي عن محاولة القيام بذلك. يجب أن تفعل ذلك طوال الوقت - العمل على طرق لرفع مستوى الوعي، وزيادة التفاهم، وبناء أساسيات المؤسسات المستقبلية في المجتمع الحالي.

في الوقت نفسه، يجب أن تتم الإجراءات لإنقاذنا من التدمير الذاتي في الإطار الأساسي للمؤسسات القائمة - بعض التعديلات عليها دون تغيير جوهري. ويمكن القيام بذلك. نحن نعلم كيف يمكن القيام بذلك.

في غضون ذلك، يجب أن يستمر العمل على التغلب على مشكلة  الديمقراطية الرأسمالية القائمة بالفعل، والتي في طبيعتها الأساسية هي عقوبة الإعدام وأيضًا هي غير إنسانية للغاية في خصائصها الأساسية. لذا، دعونا نعمل على ذلك، وفي نفس الوقت، نتأكد من أننا نوفر إمكانية تحقيقه من خلال التغلب على الأزمة العاجلة التي نواجهها.

 ديفيد بارسامين: تحدث عن أهمية وسائل الإعلام التقدمية المستقلة مثل الديمقراطية الآن! والإنصاف والدقة في إعداد التقارير . واسمحوا لي أن أقول، راديو الترناتيف ؟ الناشرون مثل فيرسو و هيماركت و الشهريين و ريفيو و  سيتي لايتس و ذا نيو بريس . و مجلات مثل جاكوبين و ذا نيشن و ذا بروغريسف و إن ذس تايميز المجلات عبر الإنترنت مثل ذا توم ديسباتش و  ذا انترسيبت و شير بوست. محطات الراديو المجتمعية مثل كيجنو و دبايو ام ان اف و كي بي اف كي. ما مدى أهميتها في مواجهة الرواية المؤسسية المهيمنة؟

نعوم تشومسكي: ما الذي سيواجهونه أيضًا؟ إنهم هم الذين يعلقون الأمل في أننا سنكون قادرين على إيجاد طرق لمواجهة هذه التطورات الضارة والمدمرة التي نناقشها.

الطريقة الأساسية، بالطبع، هي التعليم. يجب أن يفهم الناس  ما يحدث في العالم. يتطلب ذلك أن تقوم  وسائل بنشر المعلومات والتحليلات، وفتح فرص للنقاش، والتي لن تجدها، في الغالب، في الاتجاه السائد. ربما في بعض الأحيان على الهامش. لم تتم مناقشة الكثير مما كنا نتحدث عنه على الإطلاق، أو بشكل هامشي فقط في وسائل الإعلام الرئيسية. لذلك، يجب تقديم هذه المحادثات للجمهور من خلال هذه القنوات. لا توجد وسيلة أخرى.

في الواقع، هناك طريقة أخرى: التنظيم. من الممكن، وفي الواقع، من السهل إجراء برامج تعليمية وثقافية داخل المنظمات. كان هذا أحد المساهمات الرئيسية للحركة العمالية عندما كانت مؤسسة نابضة بالحياة وحيوية، وأحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الرئيس رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر مصممين على تدمير العمالة، كما فعل كلاهما. كانت تحركاتهم الأولى هي شن الهجمات على الحركة العمالية.

كانت هناك برامج تعليمية وثقافية جمعت الناس معًا للتفكير في العالم وفهمه وتطوير الأفكار. يتطلب الأمر تنظيمًا للقيام بذلك. القيام بذلك بمفردك، كشخص منعزل،  أمر صعب للغاية.

على الرغم من جهود الشركات لهزيمة النقابات، كانت هناك صحافة عمالية نشطة ومستقلة في الولايات المتحدة في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وصلت إلى الكثير من الناس، وأدانت "الكهنوت المشترى"، كما أطلقوا عليه، لدى الصحافة السائدة. استغرق الأمر وقتًا طويلاً لتدمير ذلك.

هناك تاريخ في الولايات المتحدة لصحافة عمالية تقدمية نابضة بالحياة تعود إلى القرن التاسع عشر، عندما كانت ظاهرة رئيسية. يمكن ويجب إحياء ذلك كجزء من إحياء حركة عمالية فاعلة ومتشددة في طليعة التقدم نحو العدالة الاجتماعية. لقد حدث من قبل ويمكن أن يحدث مرة أخرى. ووسائل الإعلام المستقلة هي عنصر حاسم في ذلك.

عندما كنت طفلاً في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي، كنت أقرأ إيزي ستون في فيلادلفيا ريكورد . لم تكن الجريدة الرئيسية في فيلادلفيا، لكنها كانت موجودة. في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، كان بإمكاني قراءته في صحيفة نيويورك تايمز، التي كانت مجلة مستقلة. إن ذلك يحدث فرقا كبيرا.

في وقت لاحق، كانت الطريقة الوحيدة لقراءة ستون هي الاشتراك في رسالته الإخبارية. كانت تلك هي وسائل الإعلام المستقلة في الخمسينيات من القرن الماضي. في الستينيات، بدأت تلتقط بعض الشيء مع مجلة  رامبارتس، والبرامج الإذاعية مثل داني شيشتر على WBCN في بوسطن، وغيرها من البرامج المشابهة.

واليوم، يستمر هذا في جميع أنحاء البلاد. تلك التي ذكرتها هي قوى من أجل الاستقلال والتفكير.

 ديفيد بارسامين: هناك عدة إشارات إلى أنطونيو جرامشي في اثنين من أحدث كتبك، عواقب الرأسمالية وأزمة المناخ والصفقة الخضراء العالمية الجديدة - على وجه التحديد، في تعليقه، "تتمثل الأزمة بالتحديد في حقيقة أن القديم يحتضر والجديد لا يمكن أن يولد. في هذا الفاصل تظهر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعراض المرضية ". في الوقت الحالي، على الرغم من ذلك، فإن اقتباسه الذي أود أن تخاطبه هو: "تشاؤم الفكر، وتفاؤل الإرادة." تحدث عن أهميته اليوم ومعنى ذلك الاقتباس.

نعوم تشومسكي: كان جرامشي ناشطًا عماليًا يساريًا بارزًا في إيطاليا في أواخر سن المراهقة، أوائل عشرينيات القرن الماضي. كان نشيطًا جدًا في تنظيم مجموعات العمال اليساريين. في إيطاليا، تولت الحكومة الفاشية زمام الأمور في أوائل العشرينات من القرن الماضي. كان من أولى أعمالها إرسال جرامشي إلى السجن. وقال المدعي العام أثناء محاكمته: علينا إسكات هذا الصوت. (هذا يعيدنا بالطبع إلى أهمية الإعلام المستقل). لذا، تم إرساله إلى السجن.

أثناء وجوده هناك، كتب دفاتر السجن الخاصة به . لم يتم إسكاته، رغم أن الجمهور لم يتمكن من قراءته. واصل العمل الذي بدأه، وفي تلك الكتابة كانت الاقتباسات التي استشهدت بها.

في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، كتب أن العالم القديم ينهار، بينما العالم الجديد لم يقم بعد وأنهم، في غضون ذلك، يواجهون أعراضًا مرضية. كان موسوليني أحدهم، وهتلر آخر. احتلت ألمانيا النازية تقريبًا أجزاء كبيرة من العالم. لقد اقتربنا من ذلك. هزم الروس هتلر. ولو لم يحدث ذلك، من المحتمل أن يكون نصف العالم تحت إدارة ألمانيا النازية. لكنها كانت قريبة جدا. كانت الأعراض المرضية واضحة في كل مكان.

إن القول المأثور الذي نقلته "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة" الذي اشتهر، جاء من الفترة التي كان لا يزال قادرًا على نشرها. في روحه، يجب أن ننظر إلى العالم بشكل معقول، دون أوهام، وأن نفهمه، ونقرر كيف نتصرف، ونعترف بأن هناك نذرًا قاتمة. تحدث أشياء خطيرة للغاية. هذا هو تشاؤم الفكر. في الوقت نفسه، علينا أن ندرك أن هناك طرقًا للخروج، وفرصًا حقيقية. لذلك، لدينا تفاؤل بالإرادة، بمعنى أننا نكرس أنفسنا لاستخدام جميع الفرص المتاحة - وهي موجودة بالفعل - أثناء العمل للتغلب على الأعراض المرضية والانتقال نحو عالم أكثر عدلاً ولائقًا.

 ديفيد بارسامين: في هذه الأوقات المظلمة، يصعب على الكثيرين الشعور بأن هناك مستقبلًا مشرقًا في المستقبل. تسأل دائما، ما الذي يمنحك الأمل؟ وعلي أن أسألك نفس السؤال.

نعوم تشومسكي: الشيء الوحيد الذي يمنحني الأمل هو أن الناس يكافحون بشدة في ظل ظروف قاسية للغاية، أشد بكثير مما نتخيل، في جميع أنحاء العالم لتحقيق الحقوق والعدالة. إنهم لا يفقدون الأمل، لذلك نحن بالتأكيد لا نستطيع ذلك.

والآخر هو أنه ببساطة لا يوجد خيار أخر. البديل هو القول، حسنًا، سأساعد في حدوث الأسوأ. هذا خيار واحد. والآخر هو أن أقول، سأحاول أن أبذل قصارى جهدي، ما يفعله المزارعون في الهند، وما يفعله الفلاحون الفقراء والبؤساء في هندوراس، والعديد من الآخرين مثلهم في جميع أنحاء العالم. سأفعل ذلك بأفضل ما أستطيع. وربما يمكننا الوصول إلى عالم لائق يشعر فيه الناس أنه يمكنهم العيش بدون خجل. عالم أفضل.

هذا ليس خيارًا كبيرًا، لذلك يجب أن نكون قادرين على القيام به بسهولة.

***

.........................

* ديفيد بارسامين: هو مدير راديو أولترنانيف في بولدر، كولورادو

 (www.alternativeradio.org).

* نعوم تشومسكي: أستاذ علم اللغة في جامعة أريزونا وأستاذ فخري بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بتأليف العديد من الكتب والمقالات حول الشؤون الدولية، ولا سيما حول إسرائيل وفلسطين.

* محمد عبد الكريم يوسف: كاتب ومترجم سوري، ألف ٤٠ كتابا في المجالات التقنية في النفط والغاز والإدارة وترجم عشرات المقابلات لنعوم تشومسكي وجوزيف ناي وهنري كيسنجر ونعوم شهاب ناي. له أيضا مايقارب من ثلاثة الاف مقال منشور في الصحافة العالمية بالعربية والانكليزية والفرنسية.

 

الصفحة 4 من 4