 نصوص أدبية

قضية مؤلمة

صحيفة المثقفتأليف: جيمس جويس

ترجمة: علي ماجد شبو


عاش السيد جيمس دوفي في ضاحية شابيليزود (ضمن ضواحي مدينة دبلن) لأنه كان يرغب في العيش بأبعد مقدار ممكن عن المدينة التي كان مقيماً فيها، ولأنه وجد جميع ضواحي دبلن الأخرى لئيمة، وحديثة، ومدّعية. عاش في منزل كئيب وقديم، ومن نوافذه كان بإمكانه النظر الى معمل التقطير المهجور، أو النظر صعوداً مع مجرى النهر الضحل الذي بنيت عليه مدينة دبلن.

كانت الجدران المرتفعة لغرفته، والعارية من فرش الارضيّة، خالية من الصور. وكان، هو بنفسه، قد اشترى كل قطعة من الأثاث في الغرفة: سرير حديدي أسود، ومغسلة حديدية، وأربعة كراسي من القصب، ورف للملابس، وسطل للفحم، وطاولة ومكوى، وطاولة مربعة ثبّت علىها مكتب مزدوج. وفي الكوّة، تم صنع خزانة كتب برفوف من الخشب الأبيض. كان السرير مغطّى بمُلاءة بيضاء تعلوها سجادة سوداء قرمزية تغطي السرير حتى القدم. فوق المغسلة، هناك مرآة يد معلقة، وخلال النهار يقف مصباح أبيض مظلل كزخرفة وحيدة للرف.

تم ترتيب الكتب على الرفوف الخشبية البيضاء من أسفل إلى أعلى وفقا للكتاب الأكبر. ففي واحدة من أدنى الرفوف تقبع المجموعة الكاملة لكتب ووردزورث "1 ،  وهناك نسخة من التعليم المسيحي، مخيط في غطاء قماش من النوع الذي يستعمل لتغطية دفتر الملاحظات، يقبع في نهاية واحدة من الرفوف العلوية. كانت أدوات الكتابة موضوعة، دائما، على المكتب. وعلى سطح المكتب وضع مخطوطة ترجمة المسرحية التراجيدية "مايكل كريمر" لجيرهارت هوبتمان، وتعليمات لإدارة المسرحية كتبت بالحبر الأرجواني، وحزمة قليلة من الأوراق التي رُبطت معاً بدّبوس نحاسي. في هذه الأوراق يتم تسجيل عبارة من وقت لآخر، وفي لحظة سخرية، تم لصق عنوان إعلان عن الفاصوليا الصفراء على الورقة الأولى. عند رفع غطاء المكتب تفلت رائحة من عطر خافت -- العطر المنبعث من الأقلام المصنوعة من خشب الإرز الجديدة، أو من زجاجة علكة، أو من تفاحة قد تكون وضعت هناك ونُسيت.

كان السيد "دوفي" يمقت أي شيء يُدل على إضطراب جسدي أو عقلي. ولعل طبيب من القرون الوسطى كان ليوصفه بكئيب المزاج أو زحليّ (من زحل).  وجهه، الذي حمل حكاية سنواته كاملة، كان لونه، من لون شوارع دبلن: بنيّ. على رأسه الطويلة والكبيرة، إلى حد ما، نمى شعره الأسود الجاف وشارب أصهب لا يغطي تماما فمه، غير الودود. كما أعطت عظام خده طابعاً قاسياً لوجهه؛ ولكن لم يكن هناك قسوة في عيونه التي تنظر إلى العالم من تحت حاجبين أصهبين، نظرة تعطي الانطباع بأن الرجل في حالة تأهب لتحية الآخرين، تحية غريزية تعويضية، ولكن غالباً ما يكون هذا الإنطباع محبطاً. عاش على مسافة قصيرة من جسده، خاصة فيما يتعلق بأفعاله الخاصة التي كان ينظر اليها بريبة من طرف عينه. كان لديه عادة تأليف سيرة ذاتية غريبة، دفعته إلى أن يؤلف في ذهنه من وقت لآخر جملة قصيرة عن نفسه تحتوي على موضوع في صيغة الشخص الغائب وفي صيغة الماضي. إنه لم يعط الصدقات أبداً إلى المتسولين وكان يسير بحزم، حاملاً نظرته العسليّة الجريئة.

كان يشغل لسنوات عديدة وظيفة أمين صندوق لبنك خاص في شارع باجغوت. كان يأتي كل صباح من شابيليزود بالترام. وفي منتصف النهار يذهب إلى مطعم دان بيرك ويأخذ غداءه -- زجاجة من الجعة وصينية صغيرة من رقائق المعجنات.  في الساعة الرابعة ينتهي من عمله. ثم يذهب لتناول عشاءه، في مطعم صغير، في شارع جورج، حيث يشعر بأنه في مأمن من مجتمع شباب دبلن الذهبي، وحيث أن هناك قدر من الصدق في فاتورة المطعم. كان يمضي أمسياته إما أمام بيانو مالكة منزله أو بالتجوال حول ضواحي المدينة. حبه لموسيقى موتسارت دفعه في بعض الأحيان إلى الذهاب الى الأوبرا أو حضورحفل موسيقي: كان هذا هو "التبذير" الوحيد في حياته.

لم يكن لديه رفاق ولا أصدقاء، ولا كنيسة ولا عقيدة. عاش حياته الروحية دون أية مشاركة مع الآخرين، فقد كان يقوم بزيارة أقاربه في أعياد الميلاد، كما كان يرافقهم إلى المقبرة عندما يلقوا حتفهم. وقد أدى هذين الواجبين الاجتماعيين من أجل الحفاظ على ماء الوجه، ولكنه لم يتنازل عن أيّ شيء آخر يتعلّق بالأعراف التي تنظم الحياة المدنية. لقد سمح لنفسه بالأعتقاد بأنه في ظروف معينة سوف يحطم هذه الحلقة الحديدية، ولكن، نظراً الى ان هذه الظروف لم تبرز أبدا، فقد تدحرجت حياته بشكل رتيب - حكاية بلا مغامرة.

في إحدى الأمسيات وجد نفسه جالساً بجانب سيدتين في صالة مستديرة، صالة كبيرة بقليل جداً من الناس وصامتة، تبعث على نبوءة مؤلمة بالفشل. جالت السيدة التي كانت تجلس بجانبه، بنظرها مرة أو مرتين إلى الصالة المهجورة ثم قالت:

“كم هو مؤسف ان تكون هذه الصالة فقيرة من الناس هذه الليلة، سيكون من الصعب جدا على الفنانين الاضطرار إلى الغناء لمقاعد فارغة."

لقد أتخذ من هذه الملاحظة كدعوة إلى الحديث. وفوجئ أنها بدت محرجة قليلاً، وفي أثناء حديثهما، حاول تثبيت هذه السيدة بشكل دائم في ذاكرته. عندما علم أن الفتاة الصغيرة بجانبها كانت ابنتها، قدّر بأنها أصغر منه بسنة أو نحو ذلك. وجهها، الذي ينبأ عن وسامة، ظلت ذكية، كان بيضاوي الشكل مع ملامح ملحوظة بقوة. كانت العيون زرقاء داكنة جدا وثابتة. بدأت نظراتهم بلمحات جريئة، ولكنهما إرتبكا بسبب ما بدا إنه نشوة من بؤبؤ العين الى القزحية، كاشفةً للحظة طبيعتها ذات الحساسية المفرطة. فأعاد بؤبؤ العين تأكيد حاله بسرعة، وتَوارت هذه الطبيعة الحساسة، نصف المكشوف عنها، مرة أخرى تحت نفوذ الحكمة والحصافة، كما إن معطفها الفرو كان يشكّل حضناً ممتلئاً بشكل ما، أطاح بجموح التحدي بشكل أكثر تأكيداً.

إلتقى بها مرة أخرى بعد بضعة أسابيع في حفل موسيقي في أيرلسفورت تيراس، وإغتنم اللحظات التي تحول فيها إنتباه إبنتها لتصبح أحاديثهما حميمية. لقد ألمحت مرة او مرتين الى زوجها، لكن نبرتها لم تكن من شأنها ان تجعل الإشارة تحذيراً. كان إسمها السيدة سنيكو، وكان جدّ جد زوجها قد قدم من مدينة ليجورن. أما زوجها فهو يعمل قبطاناً لسفينة تجارية تبحر بين دبلن وهولندا. ولديهم إبنة واحدة.

قابلها للمرة الثالثة عن طريق الصدفة، ووجد الشجاعة لتحديد موعد معها. كان هذا أول لقاء من عدة لقاءات حدثت بينهما. كانا يلتقيا دائماً في المساء، وأختارا أكثر الأماكن هدوءً للتنزه معاً. ومع ذلك فقد كان للسيد دوفي نفور من الدروب المُخاتلة، ووجد أنهم مجبرون على الالتقاء خلسةً. فقام بإجبارها بأن تطلب هي منه الذهاب الى منزلها. شجّع الكابتن سنيكو زياراته، معتقداً أن طلب يد إبنته كانت هي السبب. فقد كان قد نبذ زوجته بشكل تام من قائمته للملذات الى الحدّ الذي لم يكن يشك فيه بان شخصاً آخر من الممكن ان يهتّم بها. ونظراً لان الزوج غالباً ما كان بعيداً عن البيت، وكذلك كانت الإبنة في الخارج تُعطي دروساً في الموسيقى، توفّر للسيد دوفي العديد من الفرص للإستمتاع، إجتماعياً، برفقة السيدة. لم يَخوضا، لا هو، ولا هي، بأي مغامرة من هذا القبيل من قبل. ولم يكن أيّاً منهما مدركاً لإية غرابة في ذلك. وهكذا، شيئاً فشيئاً كان يربط أفكاره بأفكارها. إستعار منها كتباً، وزودها بالأفكار، ثم شاركها حياته الفكرية. وقد إستمعت هي الى كل ذلك.

في بعض الأحيان، وفي مقابل ماكان يعرضه من نظرياته، كانت تكشف بعض الحقائق عن حياتها. وبإهتمام الأمهات، تقريباً، حثته على أن يدع طبيعته تتفتح على أكمل وجه. فقد أصبحت ككاهن الاعتراف بالنسبة اليه. أخبرها بإنه، لبعض الوقت، ساعد في إجتماعات الحزب الإشتراكي الإيرلندي، حيث شعر انه شخصية فريدة وسط مجموعة من العمال الواعيين، المجتمعين في حجرة علوية كانت مضاءة بشكل غير فعّال بمصباح زيتي. ولكن عندما إنقسم الحزب الى ثلاثة أحزاب، بثلاثة زعماء، وثلاث مقرّات توقف عن حضور جلساته. وقال ان مناقشات العمال كانت خجولة للغاية وقد كان إهتمامهم بمسألة الأجور مفرطاً. لقد شعر بأنهم كانوا متميزين وواقعيين بشكل متزمت، وإنهم مستاؤون من الدقة المتناهية، في المناقشات، والتي تحتاج الى وقت فراغ، وهو ترف ليس في متناولهم. أخبرها بأنه يعتقد بإنه سوف لن تكون هناك أي إحتمالية لثورة إجتماعية تقع في دبلن لعدة قرون قادمة.

سألته لماذا لايكتب أفكاره، فأجابها بسخرية حذرة: لماذا يكتب؟ أيكتب للتنافس مع مُمتهني صناعة العبارات اللغوية، العاجزين عن التفكير بشكل متتابع لمدة ستين ثانية؟ أم ليُخضع نفسه لإنتقادات الطبقة المتوسطة متحجرة الحس، والتي عهدت بصيانة أخلاقها الى رجال البوليس، وبفنونها الجميلة الى مقاولين.

كان يذهب كثيراً الى كوخها الصغير خارج دبلن، وغالباً ما كانا يقضيان أمسياتهم بمفردهم. وبينما بدأت تتشابك أفكارهما شيئاً فشيئاً، إنطلقا بالحديث عن مواضيع أقل بعداً عنهم. فقد كانت رفقتها مثل تربة دافئة على أرض ساحرة. في كثير من الأحيان سمحت للظلام ان يهبط عليهما، وأمتنعت عن إضاءة المصباح. فالغرفة المظلمة السرية، وعزلتهما، والموسيقى التي مازلت تصدح في آذانهما، كلها وحدّتهما. هذا الاتحاد منحه سمواً، وأزال الحواف الخشنة من شخصيته. وسبغ العاطفة على حياته العقلية. في بعض الأحيان، كان يفاجئ نفسه وهويستمع الى نبرات صوته. كان يعتقد بأنه سيرتقي، في عينيها، الى مكانة ملائكية. ففي الوقت الذي إرتبطت طبيعة رفيقته به بشكل متوهج، سمع صوتاً غريباً ومجهولاً ولكنه تعرّف إليه: إنه صوته هو، يلحّ على الوحدة، تلك التي لايمكن علاجها لروحه التي قالت له: لا يمكننا ان نعطي أنفسنا فنحن ملك أنفسنا. كانت نهاية هذه الخطابات هي تلك الليلة التي أظهرت خلالها السيدة سينيكو كل إماءة من إماءات الإثارة النادرة. فقد أمسكت يده بحماسة وضغطتها على خدّها.                   

كان السيد دوفي متفاجئاً جداً لإن تفسيرها لكلماته خيب أمله. لم يزرها لمدة أسبوع، ثم كتب إليها طالباً منها مقابلته. ولأنه كان لا يرغب في ان تكون المقابلة الأخيرة مضطربة من تأثير خراب اعترافاتهم، طلب ان يجتمعوا في متجر الكيك الصغير بالقرب من باركجيت.

كان الطقس خريفياً بارداً، ولكن على الرغم من البرد، فقد تجوّلا في طرقات الحديقة صعودا وهبوطاً لمدة ثلاث ساعات تقريبا. واتفقا على قطع التواصل فيما بينهما، ثم قال إن كل ارتباط هو ارتباط مرهون بالحزن. عندما خرجا من الحديقة سارا في صمت نحو الترام، ولكن، هنا بدأت هي، ترتجف بعنف لدرجة أنه خوفا من انهيار آخر من جانبها، فقد ودّعها بسرعة وتركها. وبعد بضعة أيام تلقى طرداً يحتوي على كتبه وموسيقاه.

مرت أربع سنوات. عاد السيد دوفي فيها إلى أسلوب حياته الرتيب. غرفته لا تزال تحمل شاهدا على تشتت عقله. بعض القطع الموسيقية الجديدة تثقل على حامل النوتة الموسيقية في الغرفة السفلى، وعلى رفوفه رُصف مجلدين لنيتشه: "هكذا تكلم زرادشت والعِلم البهيج". ونادراً ما كان يكتب في حزمة الأوراق الموضوعة على مكتبه. كتب في إحدى جمله بعد شهرين من مقابلته الأخيرة مع السيدة سينيكو: "الحب بين الرجل والرجل مستحيل لأنه يجب ألا يكون هناك اتصال جنسي، والصداقة بين الرجل والمرأة مستحيلة لأنه يجب أن يكون هناك اتصال جنسي". لقد بقي بعيداً عن الحفلات الموسيقية لئلا يقابلها. توفي والده، وتقاعد رفيقه الأصغر من العمل في البنك.  ولا يزال هو يذهب كل صباح إلى المدينة عن طريق الترام وفي كل مساء كان يسير عائداً إلى منزله من المدينة بعد ان يكون قد تناول العشاء باعتدال في شارع جورج وقرأ جريدة المساء كحلوى لما بعد الطعام.

في إحدى الأمسيات بينما كان على وشك وضع لقمة من لحم البقر والملفوف في فمه، توقفت يده. وتسمّرت عينيه على فقرة في جريدة المساء التي كان قد وضعها أمامه مسندة على إبريق الماء. أعاد لقمة الطعام الى طبقه، وقرأ الفقرة بانتباه. ثم شرب كوبًا من الماء، ودفع طبقه جانباً، وطوى الجريدة ووضعها أمامه بين مرفقيه وقرأ الفقرة مرارًا وتكرارًا. بدأ الملفوف بترسيبه الشحوم البيضاء الباردة على طبقه. جاءت الفتاة لتسأله فيما إذا كان عشاؤه غير مطبوخ بشكل صحيح. فأجابها بانه كان جيدا جدا وتناول بضع لقيمات منه بصعوبة. ثم دفع فاتورة الحساب وخرج.

سار بسرعة خلال شفق نوفمبر (تشرين الثاني)، وعصاه القوية المصنوعة من خشب البندق كانت تضرب الأرض بانتظام، وكانت أطراف الجريدة تظهر بإختلاس من الجيب الجانبي من معطفه الضيق. وعلى الطريق الموحش الذي يؤدي من باركغيت إلى شابيليزود تباطأت وتيرته. كانت عصاه تضرب الأرض بشكل أقل تأكيداً، وتكثفت أنفاسه التي كانت تُصدر بشكل غير منتظم صوت تنهّد، تقريباً، مكثفة مع الهواء الشتوي. عندما وصل إلى منزله، صعد على الفور إلى غرفة نومه، وأخذ الجريدة من جيبه، وقرأ الفقرة مرة أخرى على الضوء المتساقط عبرالنافذة. قرأه ليس بصوت عال، بل بتحريك شفتيه كما يفعل الكاهن عندما يقرأ الصلوات السرية. هذه هي الفقرة:

" وفاة سيدة في محطة "سيدني بريد" للقطارات.

قضية مؤلمة.

اليوم في مستشفى مدينة دبلن، أجرى نائب الطبيب الشرعي (في غياب السيد ليفيريت) تحقيقاً بشأن جثة السيدة إميلي سينيكو، البالغة من العمر ثلاثة وأربعين عاماً، والتي قتلت في محطة "سيدني بارك" مساء أمس. وأظهرت الأدلة أن السيدة المتوفاة، بينما كانت تحاول عبور خط السكة الحديدي، أصطدمت بمحرك القطار البطيء في الساعة العاشرة والقادم من كينغستاون، مما أدى إلى إصابتها بجروح في الرأس وبجانبها الأيمن، أدت إلى وفاتها.

- وذكر جيمس لينون، سائق المحرك، أنه يعمل في شركة السكك الحديدية منذ خمسة عشر عاما. وعند سماعه صافرة الحارس، قام بتشغيل القطار، ثم بعد مرورثانية واحدة أو أثنين قام بإيقافه استجابة لصرخات صاخبة. كان القطار يسير ببطء.

- وقال السيد ب. ديون، وهو حمّال يعمل في السكك الحديدية، إنه بينما كان القطار على وشك الإنطلاق، لاحظ امرأة تحاول عبور خط سكة الحديد. ركض نحوها وصرخ، ولكن قبل أن يتمكن من الوصول إليها، كانت قد إصطدمت بمقدمة المحرك وسقطت على الأرض.

- محلّف “هل رأيت السيدة وهي تسقط؟"

- الشاهد. "نعم."

- وشهد الرقيب في الشرطة (كردلي) أنه عندما وصل، وجد المتوفية ملقاة على رصيف المحطة ميتة، على ما يبدو.  وقد نقل الجثة إلى غرفة الانتظار، ريثما تصل سيارة الإسعاف.

- الشرطي رقم 57 أكدّ ماذكر.

- وأكّد الدكتور هالبين، وهو مساعد جراح مقيم في مستشفى مدينة دبلن، أن المتوفية أصيبت بكسر في ضلعين سفليين، وأصيبت بكدمات شديدة في الكتف الأيمن. وكذلك فإن الجانب الأيمن من الرأس قد أصيب عند السقوط. ولم تكن هذه الإصابات كافية للتسبب في وفاة شخص عادي. حدث الموت، في رأيه، على الأرجح بسبب الصدمة والفشل المفاجئ بأداء القلب.

- وأعرب السيد هه. ب. باترسون فينلي، باسم شركة السكك الحديدية، عن أسفه العميق عن الحادث. وكانت الشركة قد اتخذت دائما كل الاحتياطات لمنع الناس من عبور خطوط السكك إلاّ عن طريق الجسور، سواء من خلال وضع إشعارات في كل محطة أوعن طريق استخدام بوابات زمبركية واضحة عند مستوى التقاطعات. وكانت السيدة المتوفية معتادةً على عبور خطوط السكك في وقت متأخر من الليل من رصيف إلى أخر، وبالنظر الى بعض الظروف الأخرى للقضية، فإنه لا يعتقد أن مسؤولي السكك الحديدية هم الملامون.

- كما أدلى القبطان سينيكو، من ليوفل، سيدني براد، وهوزوج المتوفية، بشهادته. وذكر أن المتوفاة هي زوجته. ولم يكن في دبلن وقت وقوع الحادث لأنه لم يصل إلاّ في صباح ذلك اليوم من روتردام. وكانا متزوجين لمدة اثنين وعشرين عاما وعاشا بسعادة حتى قبل نحوعامين، عندما بدأت زوجته في التطرّف بسلوكياتها.

- الآنسة ماري سينيكو قالت، أن والدتها، مؤخراً، كانت معتادة على الخروج ليلاً لشراء المشروبات الروحية وهي كانت شاهدة على ذلك، وكثيراً ما حاولت ثنيي والدتها وحثها على الانضمام إلى إحدى الجمعيات العلاجية المتخصصة. وذكرت بإنها لم تكن في المنزل إلا بعد ساعة من وقوع الحادث.

- وهكذا، أصدرت هيئة المحلفين حكماً وفقا للأدلة الطبية، وبرّأت لينون من كل اللوم.

- وقال نائب الطبيب الشرعي انها قضية مؤلمة للغاية، وأعرب عن تعاطفه الكبير مع القبطان سينيكو وابنته. وحث شركة السكك الحديدية على اتخاذ اجراءات صارمة لمنع احتمال وقوع حوادث مماثلة في المستقبل. ولا لوم هناك على أي شخص."

رفع السيد دوفي عينيه عن الجريدة، وحدّق من نافذته على المشهد المسائي الكئيب. لازال النهر يكمن بهدوء بجانب معمل التقطير المهمل، ومن وقت لآخر كان يُضاء نور من بعض المنازل على طريق "لوكان".

- يا لها من نهاية …!

أثارت رواية موتها كلها ثائرته، كما أثار غضبه لانه يعتقد بأنه كان قد تحدث إليها دائماً بما يتمسك به هو كمقدّس. إن الجمل المبتذلة، وعبارات التعاطف التافهة، والكلمات الحذرة من المراسل الصحفي الذي نجح في إخفاء تفاصيل موت مبتذل وعادي تسبب في آلام بمعدته. لم يكن ذلك مجرد انها أحطّت من نفسها، بل وأحطّت منه أيضاً.  فكّر في المسالك القذرة من رذالتها، البائسة والمتعفنة. رفيقة روحه…!  فكّر في الصعاليك العُرج واللذين رآهم يحملون العلب والزجاجات الفارغة ليملأها نادل الحانة.

- ياالله، ما هذه النهاية …!

من الواضح أنها كانت غير مؤهلة للعيش، دون أي هدف قوي، فريسة سهلة للعادات، وهذا واحد من أسباب الخراب الذي بُنيت علية الحضارة. ولكن، كان بإمكانها أن تنحدر عميقاً …! هل كان من الممكن أنه خدع نفسه بها تماماً؟ لقد تذكّر إنفجارها تلك الليلة، وفسّرها بأقسى المعاني مما فعل في أي وقت مضى.  إنه لم يجد صعوبة الآن في تصديق المسار الذي اتخذته.

عندما خفت الضوء، وبدأت ذاكرته في الطواف، أعتقد أن يدها لمست يده. وإن الصدمة التي سببت آلام معدته في أول مرة، إنها الان تهاجم أعصابه. لبس معطفه وقبعته بسرعة وخرج. وعلى عتبة الدار، إستقبله الهواء البارد وتسلل عبر أكمام معطفه. وعندما وصل إلى المقهى العام عند جسر شابيليزود، طلب شراباً ساخناً.

قام مالك المقهى بخدمته بتملّق، ولكنه لم يجرؤ على الكلام. كان هناك خمسة أو ستة عمال في المقهى يناقشون قيمة الملكية لأحد السادة في مقاطعة كيلدار، كانوا يشربون، على فترات، من كؤوسهم الكبيرة ويدخنون، ويبصقون، في كثير من الأحيان، على الأرض، وفي بعض الأحيان، كانوا يسحبوا نشارة الخشب بأحذيتهم الثقيلة فوق بصاقهم. كان السيد دوفي جالساً على كرسيه يحدّق في وجوههم دون أن يراهم أو يسمعهم. بعد فترة خرجوا، وطلب هو كأساً أخرى من مشروبه الساخن. ثم جلس لفترة طويلة.  كان المقهى هادئاً للغاية. وبدأ المالك، مسترخياً، بقراءة صحيفة هيرالد والتثاؤب. وبين الحين والآخر كان يسمع صوت حفيف الترام على طول الطريق الموحش في الخارج.

وبينما كان جالساً هناك، ويعيش، عبرحياته، معها، ويستحضر، بالتناوب الصورتين اللتين تخيلهما الآن، أدرك أنها ماتت، وأنها لم تعد موجودة، وأنها أصبحت ذكرى. بدأ يشعر بالقلق. وتساءل في نفسه ماذا كان يمكن له أن يفعل. وقال انه لا يمكن أن يسلك معها مهزلة الخداع، وقال انه كان من غير الممكن أن يعيش معها بشكل معلن. لقد فعل ما بدا له هو الأفضل. كيف يُلقى اللوم عليه؟ الآن، وبعد أن رحلت فهم مدى الوحدة التي كانت عليها حياتها، حيث كانت تجلس ليلة بعد ليلة وحيدة.  ستكون حياته وحيدة أيضاً، حتى يموت هو أيضاً، ويزول من الوجود، ويصبح ذكرى – هذا إذا كان هناك أحداً سيتذكره.

تجاوزت الساعة التاسعة عندما غادر المقهى، كان الليل بارداً وكئيبًا. دخل المتنزه من البوابة الأولى وسار بجوار الأشجار الهزيلة. ومشى عبر الأزقة الكئيبة حيث كانا قد سارا قبل أربع سنوات. بدت وكأنها بالقرب منه في الظلام، وفي لحظات، بدا وكأنه يشعر بصوتها يلمس أذنه، ويدها تلمس يده. تجمّد في مكانه وأصاخ السمع. لماذا حجب الحياة عنها؟ لماذا حكم عليها بالإعدام؟ شعر بطبيعته الأخلاقية تتهاوى إلى أشلاء.

عندما وصل الى قمة المرتفع، توقف ونظرعلى إمتداد النهر نحو دبلن، إشتعلت الأضواء بشكل أحمر ومضياف في الليل البارد. نظر إلى أسفل المنحدر، وفي قعره، في ظل جدار الحديقة، رأى بعض الشخوص البشرية ممدّدة. فأحسّ بإن الحب المنبثق عن الفساد والسريّة مَلأهُ باليأس، وبشعور ان استقامته تتآكل في حياته، وأحسّ بأنه كان منبوذاً من مباهج الحياة. لأنه يبدو أن إنسانةً واحدةً أحبته إلاّ أنه حرمها من حياتها وسعادتها: فقد حكم عليها بالعار، موت العار. كان يعلم أن المخلوقات المضطجعة في الأسفل، جوار الجدار، كانت تراقبه وتتمنى رحيله. لا أحد يريده، فهو كان دائماً منبوذاً من مباهج الحياة. أدار عينيه إلى النهر الرمادي اللامع، الذي يمتدُّ متعرّجاً على طول الطريق نحو دبلن. ورأى وراء النهر، قطار البضائع يتدحرج من محطة كينغسبريدج، مثل دودة برأس ناري، يتلّوى في الظلام، بعناد وبجهد. مرّ ببطء بعيدا عن الأنظار، ولكنه لايزال يسمع في أذنيه صوت المحرك المُجهد يكرر حروف إسمها.

عاد بطريقه الى الوراء، وإيقاع المحرك يقصف في أذنيه. بدأ يشك في حقيقة ما تُخبره الذاكرة. توقف تحت شجرة، وسمح للإيقاع أن يموت بعيدا. لم يتمكن من أن يشعر بها بالقرب منه في الظلام، ولا بصوتها يلمس أذنه. انتظر بضع دقائق وهو يُصيخ السمع.  لم يسمع شيئاً، كان الليل صامتاً تماماً. إستمع مرة أخرى:

 صمت تام.

 أحسّ بأنه كان وحيداً.

***

.....................

1- وليم ووردزورث (1770-1850) شاعر إنجليزي ساعد في نشوء الحركة الرومانتيكية الانجليزية.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5285 المصادف: 2021-02-23 06:29:36


Share on Myspace