شهادات ومذكرات

نصيف فلك: مات سامي العامري وبقي حبه يركض!

كل شيء عند سامي ينضح بالشعر، وكل ما يلمسه ينمو قصيدة. عرفته ونحن نركض هاربين من مخيم "كرج" بطهران، وسامي مثل عصفور يتلفت مذعوراً من كل وجه بشري. يتكسر تحت أقدامنا جليد الخوف، ونعانق مناخاً أبيض، حيث الوفر والأشجار والجبال ورؤوس البشر. تركنا الأهل في بغداد ينوحون متناثرين، يبحثون عنا في صور وأسماء الشهداء والمفقودين والأسرى، ولكن ضباط وحداتنا العسكرية يعرفون أننا هاربون، حين قرأوا ما كتبناه على أخمص بنادقنا: يا بني لو دارت المعركة، ورأيت أن جبانها يكر وشجاعها يفر فاعلم أن في الأمر ريباً.

هكذا كان يهيم في شوارع برلين، يصرح بفم الكون بعد سقوط صنم بغداد: "أنقى من الهواء دخان طاغية يحترق"!

ما أسعدك وأنت بلا أرملة، ولا يتامى. بقيت هارباً من زواج يفسد بيضاتك في كهوف درب التبانة. نهشتك الغربة بأنياب ومخالب السعالى حتى توزعت أشلاؤك في مدن المنافي، وها أنت تجمعها قطعة قطعة، لتموت بكامل وطنك، وترتاح.

بيني وبينك، حسناً فعلت وأنقذت نفسك من هذا النزيف الصاخب، وأنت ترى بغداد سبية الميليشيات، والأحزاب، وكلاب دول الجوار المسعورة تتناهش بلدك، ولا تجرأ أن تقول: (أخ)، لئلا يزعل القادة السياسيون فيوبخونك: أخجلتنا مع الجيران.

أحسدك يا سامي على نعمة الموت، فالحياة غدت فخ صبيان: أن أبقى طوال عمري ألوك حذاء عدوي، فلا أستطيع رميه ولا ابتلاعه. هكذا هي الحياة، فخ، فردة حذاء قديم لعدوك لا يفارق فمك. بل حتى فرحة سقوط صدام فخ أمريكي.

كنا نجلس في مقهى القدر، عند حافة العالم، ونلعب شطرنج الخلاص، ونغيب عن الزمان والمكان فأقول: الشعر هو أن تعجز عن قول ما تريد قوله، أن تطير اللغة وتتلاشى كلماتها وتتبخر فلا يبقى سوى روح الكلمات، وأشباح وأطياف بهذه الأرواح والكلمات المخفية، يمكن صياغتها إلى لغة أخرى مشعة، فتتكشف هنا القصيدة.

يقفز سامي ويضحك ممداً فوق الغيوم، ويقول: الشاعر العبقري هو الذي لا يعرفه أحد، ولا ينطق ويكتب حرفاً واحداً، يعيش بأحاسيسه وروحه وعقله، وبلا مبالاة يمسك حصاة ويصنع منها مركبة فضائية.

عن يقين شفاف مثل جنح فراشة كنت أعرف يا سامي أن لن يرثيك أحد سوى اثنين أو ثلاثة من الخلان،  ممن تلمسوا روحك فأزهرت أيديهم. كنت تخاف من أن تنفيك عصابة (سالاري) في مخيم كرج بطهران الى (سمنان)، فتموت وأنت حي، ويعشوشب الصبر على قدميك. كنا نحصي الجميلات الفاتنات في شوارع طهران، نتزاحم على عيونهن كي نحظى بنظرة، وتحط عصافير الغرام في أعشاش وجهينا، ودائماً نفوز بخسارة الوقت، الوقت الضائع سلفاً من جيوب حياتنا الممزقة. نتراهن على أي فتاة أجمل هذا اليوم، نحن الجياع الى نظرة شفقة من عيون لا تعبأ بكل ما حولها، ودائما نخسر الرهان في ابتسامة شامتة تفقأ عيوننا فلا نرى سوى الحب الجالس هناك بثياب رثة، تحت عمود الكهرباء في شارع "ناصر خسرو"، حب يستجدي أغنية تسقط من تقب القلب. نرى نساء بوجه صباحي، ونساء ربات بيوت، ونساء بوجه مسائي، ونساء عفيفات بوجه مريم العذراء، مع وجوه نساء مغريات تشع أجسادهن بالرغبة والإغواء، هل نحظى بامرأة تكتنز بكل هذه الوجوه؟

وبقينا نزوغ ونتملص من عصابة "سالاري"، تساعدنا كل أنواع الطيور في طهران، التي تعرف ما تحت الجُبة، وما يحدث تحت القبة، وجميع من سقط في فخ العمامة لن يخرج الا مشنوقاً، يتدلى بين السماء والأرض.

واليوم فزت بالرهان، أن لا يرثيك سوى اثنين من الخلان، وكذلك سوف أفوز غداً بالرهان على موتي حيث يتزاحم جمهور غفير من  اللامبالاة، وهذا جل أمنياتي، هناك في سرير القبر. توسَّد يا أخي نعمة التراب الوثير، واحلم بقصيدة تتزين كل ليلة على مرأة القمر، وتنام في النهار بأحضان الشوارع، قصيدة شهرزاد الأبد، لا تشيخ ولا تموت، يومياً تحكي لنا عن حبيبة سيزيف وهي تسقط من قمة اللذة إلى سفح الهيام، ويحملها بالقبلات المتلاحمة المتلاهبة حتى الوصول إلى قمة اللذة. هكذا تحلم بالقصيدة وأنت تتملص من أطفال التراب الصاخبين حولك، والمتشبثين بأذيال روحك.

آنذاك أدركت وأنا أرى سامي بأن الشعر: هو ذلك الطفل المدفون بحصى عالم الكبار، وما يزال يكافح للخروج، وإنقاذ نفسه، لاحتضان روحه حتى يكتمل لم شتات الذات.

أحسدك يا سامي وأنا مطعون أترنح، وقد شربت كأس الفقد حتى الثمالة، أقول: حسناً فعلت، فالقبر أرحم من جنة العلَّاسة والعيارين، الذين يتجارون بالأعضاء الداخلية للثقافة. لا أحد منهم يصحو في الصباح ليرى خلايا الفقراء ينبشون المزابل، ويتبعثرون في مساطر العمالة التي شبعت مفخخات وأحزمة ناسفة، فأمريكا جعلت العراق مكباً لمزابل الإرهاب. لا يصحو العلَّاسة والعيارون إلا بعد الظهر، وفي الليل يطوفون سكارى حول جيفة اللغة.

آخ يا سامي! لم تشبع من وجه أمك بغداد يوم كنت ملاحقاً من ضباع البعث، ويوم شوه وجهها الأنذال بتيزاب الدين، والقومية، وحرية أمريكا العنقودية والمنضبة. مسكين! جئت تركض من برلين، يغطي جسدك وعينيك عشب الحنين، وتحمل بيدك بلسم الحب، لكنهم صادروه، واقتلعوه بأول سيطرة جهادية.

ركضنا العمر كله يا سامي، وحين وقفت تسترد أنفاسك انفجر تحت قدميك لغم الفراق، فبقيت وحدي أركض على إيقاع الفناء، أسمع وقع خطاي في دمع القمر، ودائماً ينبع شبحك حين أتعب، فيلكزني حتى لا أتوقف. يضحك، ويحثني على الركض، ويهمس: كل وقوف موت، الجميع يركض من الذرَّة الى المجرَّة. يذوب سامي على جلدي ويدخل مساماتي، وأسمع آخر صيحة مع ضحكة: الحب ركض أبدي.

***

نصيف فلك

روائي وشاعر من العراق

في المثقف اليوم