 آراء

صالح الطائي: النقد التطوعي البنائي

لا أعتقد أن المنتج الثقافي ممكن أن يزدهر في بلد ما إذا لم يكن هناك جهاز رقابي ثقافي تخصصي تطوعي يهتم بتقييم ما يكتب وينشر، والإشارة الجادة إلى مدى التقويم الذي يحتاجه ليكون منجزا جديرا بالقراءة، وذلك للتمييز بين الغث والسمين، وتشجيع المثمر على الانتشار، والحد من انتشار ما لا ثمر نافع له، وأنا هنا لا أقصد الجهاز الرقابي الرسمي (الحكومي) القمعي مثل دوائر رقابة المطبوعات التي تهتم بمصالح النظام على حساب الذائقة والمنفعة الجمعية، بل أقصد النقد التقويمي الذي يتبنى النقاد من خلاله تفكيك الإصدارات كل حسب تخصصه العلمي والمهني؛ من حيث الفكرة والفائدة والأسلوبية والبناء، وأثر المنجز على علاقة الناس ببعضهم ومدى إسهامه في ترصين الوحدة الوطنية وبث ثقافة القبول والتعايش والسلام، ونشر الثقافة والمتعة السامية. 

أما إذا بقيت الحال كما هي عليه اليوم في العراق من الانفلات غير المسؤول حيث تقيء المطابع ودكاكين النشر التي تسمى تجاوزا على المنطق السليم والواقع والحقيقة باسم (دور نشر) ربما عشرة أو عشرين نسخة في أفضل الأحوال من هذا المطبوع البائس أو ذاك المطبوع التافه تحت عنوانات تجنيسية مليئة بالتهكم، بعضهم يضعوها في خانة الرواية وهي لا تمت للرواية بوصل، وبعضهم يضعوها في خانة القصة، وهي لا تمت للقصة بصلة قرابة، وبعضهم يضعوها في خانة الشعر تحت مسميات شعر النثر أو الهايكو وغيرها وهي لا تربطها أي علاقة بأي نوع من أنواع هذه الأشعار، بل هي في واقعها إهانة لهذا الفن الإبداعي الجميل.! إذا بقي الأمر كما هو عليه فإن حالة الانفلات الثقافي هذه إذا ما بقيت دون تقويم وتقييم ومراقبة ونقد بناء، وهي أساسا لا علاقة لها لا بالنمو الثقافي، ولا بتثقيف الأمة، ولا في السعي لتوسعة أفق الفكر الجمعي، فإن ذلك يضعنا في عين الخطر، ويؤكد أن ما ينتظرنا من تدمير فكري وثقافي أخطر كثيرا من الانفلات السياسي الذي نعاني من مخرجاته اليوم.

من هنا أرى ان احجام النقاد عن تناول جميع أجناس الكتابة بالدراسة والتفكيك والتمحيص وتبيان نقاط القوة والضعف فيها ومدى الفائدة المرجى تقديمها للمجتمع من خلالها، والابتعاد عن المجاملات الفارغة التي لا تمت للنقد بصلة، فإن النقاد أنفسهم يسهمون في تدمير الذائقة الجمعية بامتياز.

والواقع أنا لا أعتقد أن بيننا من يمكن أن يطرح رواية مثل الشيخ والبحر أو البؤساء أو الأخوة كرامازوف أو الأم؛ مع أننا نمتلك كافة الأدوات والإمكانيات الفكرية واللغوية، ولكن هذا لا يعني عدم المحاولة لتقديم روايات وقصصا وأشعارا بل وبحوثا وكتبا تخصصية تستقي مقوماتها من بيئتنا ومحيطنا الاجتماعي وثقافتنا الجمعية تتماهى مع ذائقة المتلقي العراقي والعربي.

***

الدكتور صالح الطائي 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5679 المصادف: 2022-03-24 09:32:06


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5824 المصادف: الثلاثاء 16 - 08 - 2022م