آراء

تشرين كانت البداية

عامرة البلداويتأسفوا على ساحة مبنى البرلمان عندما تحولت الى سوقا لبيع الأسماك والأطعمة وسادت في محيطه الفوضى ..لهؤلاء اقول، عندما رفع شعار (ماكو وطن ماكو دوام)، عندما هجم تلاميذ صغار على مدرسة بنات ليمنعوهم من الدوام وحاصروا المديرة والمدرسات، عندما هاجم احد المتظاهرين مديرية الصحة وأجبر المدير العام على كتابة استقالته، عندما شارك طلاب وطالبات المدارس المتوسطة والأعدادية في مظاهرات تشرين (من اجل منحها الزخم وزيادة الأعداد) وهم لم يبلغوا سن الثامنة عشر وهو السن الرسمي الذي يؤهلهم للمشاركة في الفعاليات السياسية، لم يعترض في حينها اي احد ومن كان يعترض بصوت خافت كان يجابه بأشد انواع اللوم والتوبيخ لأنه يقف ضد المطالب الحقة للشعب وان الوضع لن يتغير والفساد لن يتوقف والأصلاح لن يتم الا بدعم ثورة تشرين المباركة . في حينها دعمت الأمم المتحدة هذه الثورة بكل ثقلها فقد نزلت (جينين بلاسخارت) الى ساحة التحرير وتجولت بالتكتك في ساحة التظاهر ولعلها نسيت هي وكل منظمات الأمم المتحدة التي تقود حملة مناهضة العنف ضد المرأة وتعتبر (الزواج المبكر)(*) أحد مظاهر العنف وان من أهم نتائج هذا الزواج هو منع الفتاة من التعليم وترك مقاعد الدراسة !!! في حينها عندما اعترضنا على غلق المدارس ومشاركة الطلاب والطالبات في التظاهرات باعتبارهم (اطفال) حسب تعريف الأمم المتحدة للطفل (بأنه كل شخص (ذكر او انثى) لم يبلغ سن الثامنة عشر من العمر) اسكتونا بعبارات السخرية والتهكم، حيث كانت موجة عارمة يراد لها ان تصل الى مداها، وفي حينها اعتبروا ان استقالة رئيس الوزراء وأعلان موعد لأنتخابات مبكرة وتشريع قانون انتخابات جديد وتأسيس مفوضية انتخابات جديدة مكاسب تلك الثورة ..نعم انها كانت مكاسب ..لكن بعد ماحصل لم يعد هناك اي ضمان لعدم تكراره مرة اخرى بل وأشد واكثر تأثيرا ..لأن الثورة والأصلاح وكل هذه الشعارات ليست حكرا على تشرين بل يمكن رفعها في اي وقت ومن قبل الجميع ..ان الألتزام الذاتي والمانع النفسي قد كسر في تشرين لذا علينا ان نتوقع كل شيء .. التظاهر حق لاشك في ذلك ولكن هل شاهدتم التظاهرات في كل دول العالم هل اوقفت السير او قطعت شارع او اغلقت مدرسة او مؤسسة تقدم خدمات او اي مقر حكومي .. اذكركم عندما اسقطت الأنتخابات الرئيس الأمريكي السابق (ترامب) وقام مناصروه بأقتحام مبنى البرلمان، اعتبر الأمريكيون ذلك اليوم يوم حزين لأنتهاك رمز الديمقراطية وشعروا بالخطر من ان تتسع تلك الفوضى وبالرغم من ان السلطات الأمنية سيطرت على الأوضاع خلال ساعات وأخرجوا المتظاهرين من المبنى وأعادوا كل شيء الى مكانه الا ان تلك الحادثة ستبقى في عمق ذاكرة المجتمع الأمريكي بل في العالم اجمع نقطة سوداء في تاريخ التداول السلمي للسلطة .. وبالرغم من الفرق الكبير بين الحادثتين من حيث الأسباب والمبررات لكن أعود فأقول ان ماحصل في تشرين سيتكرر كثيرا ولن يهدأ هذا البلد حتى لو تم حل البرلمان وانجزت انتخابات مبكرة جديدة، طالما اننا لانملك مقياسا عادلا ومعيارا يحترمه الجميع ولايتخطوه بأي حال من الأحوال .. وطالما ان القوانين وحتى الدستور يفسر حسب الأمزجة وحسب مايناسب المصلحة الآنية، ولم يعد بعيدا او صعبا او خطرا ان يتعرض القضاء للأهانة والأساءة والأقتحام وغيرها من مظاهر كسر الحواجز والأعتبارات الذاتية التي تبنى في المجتمعات كجزء من ثقافتها وأسس أمانها المجتمعي.

***

عامرة البلداوي

12 آب 2022

...............

(*) لايعني كلامي هذا اني اشجع (الزواج المبكر) بالعكس، بل هو مجرد مثال اتخذته للتعبير عن ازدواجية المعاييرالذي طال حتى المنظمات الدولية

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5820 المصادف: 2022-08-12 02:02:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5864 المصادف: الاحد 25 - 09 - 2022م