آراء

شولتس ورحلة البحث عن الأمل في الصين

رغم الإجراءات الاحترازية التي تتخذها السلطات الصينية ضد جائحة كورونا، انهى المستشار الألماني شولتس زيارته إلى العاصمة الصينية بكين، وهي الأولى لزعيم من مجموعة السبع إلى الصين منذ ثلاث سنوات، وصفت بأنها نوع من الاختبار للعلاقات بين الغرب والصين بعد سنوات عديدة من التوتر المتزايد، خصوصا وإنها تأتي أيضا بعد إعادة أنتخاب الرئيس الصيني شي جين بينغ مؤخرًا لولاية ثالثة في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني.

وعقد الاجتماع في ظل قيود صارمة بسبب COVID، والغرابة إن شي بينغ، التقى بالمستشار بدون قناع، لكن في نفس الوقت لم يصافحه، بالإضافة إلى ذلك، وبعد وصوله إلى الصين، اضطرت طائرة المستشار الألماني للسفر على الفور إلى كوريا الجنوبية (من غير شولتس)، ووفقًا لمصدر حكومي ألماني، " لكان على الطاقم القديم البقاء في الحجر الصحي في بكين"، ومن الواضح أن هذا لم يتم تضمينه في خطط زيارة السياسي الألماني ليوم واحد.

ومن جهة نظر المستشار الألماني فإن للزيارة عدة أسباب منها، الأول، هو التغيير في الصين الذي يجبر الغرب على تغيير علاقته معها، والثاني، العقل العالمي، وهو تغيير العالم بأسره، و كما أشار شولتس، لا يوجد بلد الآن" الفناء الخلفي "لبلد آخر ... هنا، في عالم متعدد الأقطاب، تظهر مراكز قوة جديدة، " (وهذا اعتراف صريح بظهور عالم جديد متعدد الأقطاب)، ونحن نسعى إلى إقامة وتوسيع الشراكات معها جميعًا"، لأن الصين "بقوتها الاقتصادية ... ستلعب دورًا رئيسيًا على المسرح العالمي في المستقبل"، وحتى في ظل الظروف المتغيرة، تظل الصين شريكًا تجاريًا وتجاريًا مهمًا لألمانيا وأوروبا -–" لا نريد الانفصال عنها"، والاشارة الى رغبة المانية في إنهاء الخلاف، وكذلك حقيقة أنه ذهب إلى بكين "كأوروبي" (إشارة إلى أنه سيمثل مصالح المجتمع الأوروبي بأكمله).

المستشار الألماني أولاف شولتس ذهب إلى الصين على خلفية الإعداد الواضح للأنغلوساكسون للحرب معه، وكان الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني قد أدليا، في الآونة الأخيرة، كصاعقة زرقاء وسط سماء صافية، بتصريح غير متوقع حول استعدادهما لحرب تجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي بدأ الأوروبيون الغربيون يدركون شيئا فشيئا أن الدور المعدّ لهم هو دور الغذاء، وأن واشنطن كانت تستخدم أزمة الطاقة لنقل جزء من الإنتاج الأوروبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإفلاس من يرفض الانتقال.

علاوة على ذلك، فبالنسبة لألمانيا، فإن الأمور، وكما يشير المحلل السياسي الكسندر نازاروف، تتجه نحو كارثة جيوسياسية، نحو الانهيار النهائي لمحاولات بناء الرايخ الأكبر على حساب روسيا والتوسع شرقا، وهو ما تسعى إليه البلاد منذ 100 عام، فقد اشترت ألمانيا موافقة بقية أوروبا على إنشاء الاتحاد الأوروبي، ولكن لم تعد هناك أموال لدعم هذا المشروع، فالتضخم يدمّر اليورو ورفاهية جميع الأوروبيين، بما في ذلك الألمان.

وبشكل عام، فإن تذبذب شولتس غير المثمر (تارة إلى شبه الجزيرة العربية وتارة إلى الصين) هو المرحلة الثالثة لقبول ما لا مفر منه (الإنكار ثم الغضب ثم المساومة ثم الكساد ثم القبول)، وفي الوضع الراهن، فإن محاولات الألمان لمقاومة واشنطن تذهب سدى، وسوف تسحق، فالولايات المتحدة الأمريكية قادرة على إنقاذ أوروبا، ولكن لفعل ذلك، يتعين على ماكرون و شولتس، الزحف نحو واشنطن على ركبتيهما، وعلاوة على ذلك، سيتعين عليهما الموافقة على إرسال جنودهما للقتال من أجل المصالح الأمريكية، أولا مع روسيا في أوكرانيا، ثم مع الصين، وعموما، ليس ذلك سوى واحد من السيناريوهين الأكثر احتمالا، ومن الممكن أيضا حدوث سيناريو بتغيير النخب وانسحاب أوروبا من اللعبة، ولكن كي يحدث هذا، يجب أن تكون نجاحات روسيا في أوكرانيا أكبر، وموقفها وسياساتها أكثر حزما وصرامة.

إن زيارة المستشار إلى بكين جاءت أيضا مع تصاعدت التوترات مؤخرًا بعد نقاش ساخن حول محاولة من شركة الشحن الصينية العملاقة كوسكو المملوكة للدولة لشراء حصة 35٪ في مشغل إحدى المحطات الأربع في ميناء هامبورغ، وبضغط من بعض أعضاء الحكومة اقتصر حجم الاستثمار على 24.9٪.بعد أن سمحت السلطات الألمانية لشركة صينية مملوكة للدولة بالاستحواذ على حصة في محطة ميناء هامبورغ، وبالمناسبة، ان الصين كانت أكبر شريك تجاري لألمانيا للعام السادس على التوالي العام الماضي، حيث ارتفعت التجارة بأكثر من 15٪ مقارنة بعام 2020، وفقًا للإحصاءات الرسمية، وبلغت الواردات الصينية من ألمانيا والصادرات إلى ألمانيا مجتمعة نحو 245 مليار يورو في عام 2021.

كما وأثارت الصفقة المحتملة مخاوف في ألمانيا من أن العلاقات الوثيقة مع الصين ستترك البنية التحتية الحيوية تحت ضغط سياسي من بكين، وستفيد الشركات الصينية بشكل غير متناسب، لكن ماذا عن ألمانيا؟ دعنا نعود إلى حقيقة أن البلاد تنزلق إلى الركود، وفي هذه الحالة، من غير المرجح أن تكون برلين قادرة على هز القارب مع بكين في الوقت الذي تكافح فيه لإنعاش اقتصادها المتعثر، وتفسر هذه الحقيقة بعد ذلك سبب اصطحاب شولتس معه إلى الاجتماع بوفد يصل إلى 12 من "جبابرة" الصناعة الألمانية، ومن بين هؤلاء، الرؤساء التنفيذيون لشركة فولكس فاغن ودويتشه بنك وسيمنز وشركة الكيماويات العملاقة في حيت تخلف ممثلو BASF عن الحضور، حيث كان من المفترض أن يجتمعوا مع الشركات الصينية خلف أبواب مغلقة، وقال ليساندرا فلاتش، مدير مركز الاقتصاد الدولي لشبكة CNN Business، إنه إذا عزل الاتحاد الأوروبي وألمانيا نفسيهما عن الصين، فسوف يؤدي ذلك إلى "خسائر كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي" للاقتصاد الألماني.

وعلى الرغم من اعتراضات الشركاء في الاتحاد الأوروبي ومخاوف الولايات المتحدة، بالإضافة الى ان الاتحاد الأوروبي يمر بأوقات عصيبة الآن، وان الأزمة الاقتصادية والغذائية وغيرها من المشاكل البلدان تجبر على البحث عن جميع أنواع الخيارات للتخفيف من هذه الظروف، وينبغي أن يكون هذا هو التركيز، فقد عانت ألمانيا في هذا الصدد، وربما أكثر من عانى كما تقول " رويترز " هي ألمانيا التي تنزلق تدريجياً إلى الركود، حيث كان هناك أيضًا قلق من أن مصالح أكبر اقتصاد في أوروبا لا تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمصالح بكين.

كما تتزايد الضغوط على برلين بسبب مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، وفي رسالة مفتوحة قبيل الزيارة، حث ائتلاف من 70 منظمة لحقوق الإنسان شولتز على "إعادة التفكير" في رحلته إلى بكين، وخاطبو شولتس " ان دعوة وفد تجاري ألماني للانضمام إلى زيارتك ستُعتبر دليلاً على أن ألمانيا مستعدة لتعميق العلاقات التجارية والاقتصادية على حساب حقوق الإنسان والقانون الدولي"، وجاء في مذكرة أصدرها المؤتمر العالمي للإيغور، أن برلين "تضعف اعتمادها الاقتصادي على قوة استبدادية واحدة فقط لتعميق اعتمادها الاقتصادي على أخرى".

ان زيارة المستشار الألماني الى الصين قد تجلب بعد النقاط على الورق الذي يمكن توقيعه، إلا أن محنة أوروبا لن تتغير بأي شكل من الأشكال، لأن الصين بالطبع ستأخذ كل ما يقدمه لها الأوروبيون، لكن ذلك سيكون نهاية ما يمكن أن تشارك به في الجبهة الأوروبية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، فليس لدى الصين ما تقدمه لأوروبا، ووفقا لميزان المصالح، ووفقا لهيكل الاقتصاد ذاته، فإن الصين ليست حليفا، وإنما منافسا لأوروبا، التي تحتاج إلى حليف في المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن يكون لها من تعتمد عليه، لذلك يبقى الأمل الاخير أمامها، وهو الصين.

***

بقلم: الدكتور كريم المظفر