آراء

مزهر جبر الساعدي: صفقة التطبيع.. إبعاد السعودية عن الصين أم بداية لشرق أوسط جديد؟

وكالة “بلومبرغ” الأميركية، اشارت، في مقالٍ لها، نشرته، في 11 من اغسطس الجاري؛ الى ان الضغط والجهود التي يمارسها المسؤولون الامريكيون على الرياض؛ تهدف الى دفع الرياض، عن طريق تقديم المغريات لها، بالاستجابة لطلباتها؛ من أجل “إنجاز صفقة إسرائيلية – سعودية”، (التطبيع بين اسرائيل والسعودية) هي بهدف تقييد اقتراب السعودية من الصين. الوكالة اوضحت بما مفاده؛ ان واشنطن سوف تقوم بتقديم تنازلات عديدة؛ لتمهيد الطريق لتعاون الرياض مع واشنطن، من اجل التوصل الى اتفاقية امنية قوية. الوكالة بينت في ذات المقال؛ الى ان واشنطن يتعين عليها دفع التكلفة؛ لمنع سقوط السعودية في مدار الصين. وايضا؛ ان لا تكون هناك للصين فرصة في اقامة قواعد لها في المملكة العربية السعودية. ان هذا ليس صحيحا، لأن اسرائيل، لها علاقات قوية جدا، في جميع الحقول مع الصين، ولم تسبب هذه العلاقة القلق الامريكي منها، بل انها ما كان لها ان تكون لولا ان هناك غض نظر من الامريكيين. لأنهم يدركون ان علاقة اسرائيل مع الصين لم تكون ولن تكون على حساب العلاقة بين اسرائيل وامريكا؛ لأنها علاقة مصير وحماية ودعم من جانب امريكا لجهة اسرائيل. كما ان علاقة اسرائيل مع روسيا، هي في ذات او في نفس علاقة اسرائيل مع الصين. ان المسؤولين الامريكيين يتفهمون تماما هذا التوجه الاسرائيلي واهدافه الاستباقية للتطورات المقبلة في الذي يخص حلحلة القضية الفلسطينية؟.. وموقف الدولتين في هذه الخانة المستقبلية، بما تحمل من مقايضات ومساومات بين الدول الكبرى واسرائيل ودول المنطقة العربية في وضع الحلول للصراع العربي الاسرائيلي. كما ان الصين ليس في وارد سياستها على الاقل في الامد المنظور وربما ابعد من هذا الامد؛ اقامة قواعد او غيرها في المنطقة العربية ومنطقة الخليج العربي تحديدا؛ لأنه هذا التوجه او هذه السياسة تؤثر على متانة علاقتها مع ايران. سياسة الصين المعلنة بوضوح؛ من انها تقف على مسافة واحدة من جميع دول المنطقة، كما انها تريد ان تكون وهي كذلك؛ طرفا في الحوار البناء وتسوية الصراعات والخلافات بين دول المنطقة العربية وجوارها الاسلامي، وليس طرفا في الصراعات في المنطقة العربية وجوارها الاسلامي. ان هذه السياسة الصينية؛ تتوافق تماما مع إدارة الصين لعلاقاتها وشركاتها مع جميع الدول في المعمورة وليس في المنطقة العربية وجوارها. ان  هذه السياسة الصينية الاقتصادية والاستثمارية، وكما تعلن عنها الصين بوضوح تام؛ من انها تسعى الى شراكات، قائمة على قاعدة المنفعة المشتركة والمتبادلة. ان السعودية بقيادة اميرها الشاب، لن تتخلى عن علاقتها مع الصين مهما كانت الاغراءات الامريكية؛ لأزاحتها من مساحات التعاون مع الصين؛ في توطين التكنولوجيا المتقدمة وشراء الاسلحة ولو ان هذه الامر هو في مراحله الاولية، إنما الطريق الى توسعته وتعميقه وتطوره؛ مفتوح مستقبلا. الصين لا تفرض أي شروط مهما كانت على أي دولة شريكة او تتشارك معها في مشاريع الاستثمار المتبادل. إما امريكا فأنها تفرض شروطا، احيانا تكون شروطا قاسية وغير قابلة للتنفيذ؛ (في الذي يخص حقوق الانسان، والديمقراطية؟!..)، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وموقف الدول التي تربطها شراكة مع امريكا، من اسرائيل.. امريكا لم تعترض على علاقة المملكة مع الصين، وهي علاقة او بداية شراكة؛ بدأت منذ سنوات وليست هي أي هذه العلاقة بنت هذه الايام، كما هو حال علاقة اسرائيل مع الصين مع ان الفارق كبير بين علاقة السعودية مع الصين وعلاقة اسرائيل مع الصين؛ فعلاقة الاخيرة اكثر سعة وعمقا وتطورا، وبالذات في حقل التكنولوجيا المتقدمة، والسلاح والموانيء. ان سعي إدارة بايدن المحمومة، في التطبيع بين السعودية واسرائيل؛ ليس لأبعاد السعودية عن الصين، إنما، خلق بيئة اقتصادية وسياسية جديدة في الشرق الاوسط؛ تكون دولة الاحتلال الاسرائيلي؛ دولة طبيعية معترفا بوجودها من جوارها العربي ومن الجوار الاسلامي للمنطقة العربية؛ لتكون مستقبلا شريكا مهما وفاعلا في الشرق الاوسط الجديد. ان هذا الشرق الاوسط الجديد، المفترض؛ سوف يخدم المصالح الامريكية والاسرائيلية على الامد البعيد؛ وينتج عنه شراكات على اسس وقواعد جديدة؛ ربما تشترك فيها؛ الدول العظمى والكبرى المنافسة للغرب وامريكا واسرائيل، في مساومات ومقايضات، وتوافقات؛ على تقاسم مساحات النفوذ والشراكات، ولو بالإحياء المتبادل وليس الاتفاق المكتوب على الورق. ان هذه السياسة لو صارت واقعا على الارض؛ فأنها سوف تكون على حساب الشعب الفلسطيني وحقه الشرعي في دولة فلسطينية ذات سيادة. من وجهة النظر الشخصية؛ أن هذه السياسة الامريكية والغربية والاسرائيلية؛ بحكم الضرورة وحق الشعوب في الحياة والتطور والإرادة السياسية والاقتصادية؛ في اوطان حرة، ليس في اجسادها جروح تمس مسا عميقا سيادتها. عليه، فأن مساحات الشراكات والاستثمارات، بين دول المنطقة العربية وجوارها الاسلامي وبين الصين بدرجة كبيرة وروسا بدرجة اقل كثيرا عن الصين؛ سوف تتسع على حساب مساحات الشراكات والاستثمارات، الامريكية والغربية؛ للأسباب التي اوردتها في الذي سبق من هذه السطور. وبالعودة الى السعي الامريكي؛ لأبرام صفقة التطبيع بين اسرائيل والسعودية؛ فأن الأخيرة، من المستبعد جدا، ان لم اقل، ربما من المستحيل ان تُبرَم هذه الصفقة، قبل الانتخابات الامريكية، للسبب المعروف..

***

مزهر جبر الساعدي

في المثقف اليوم