آراء

فرات المحسن: صناعة الإرهاب إعلاميا

يقينا أن العنف صفة مكتسبة وليس فطرة، وأن السلوك البشري يخضع لاشتراطات وتأثيرات أولها التربية الأسرية والمحيط الاجتماعي، ثم يأتي تأثير وسائل الإعلام التي باتت تشكل عامل حسم في الكثير من خيارات وتوجهات البشر.فلوسائل الإعلام وبالذات الأفلام والصور، خاصية فاعلة في التأثير على سلوك الأفراد. وباتت قطاعات الشباب الشريحة الأكثر ولعا من غيرها في التأثر والمشاركة والترويج لهذا النمط الإعلامي. وشكلت أفلام العنف والمطاردة والإثارة والرعب المجال الأرحب والأكبر للمشاهدة والتقليد. وأن الرغبة في مشاهدة هذه المناظر والأفلام يرتبط كليا بالموروث الاجتماعي ووضع الشخص بين أقرانه ووسطه الاجتماعي الاقتصادي ودرجة تعليمه. مما يجعل أبطال تلك الأفلام نماذج مختارة للمحاكاة من قبل المراهقين والشباب وبالذات المهمشين وذوي التعليم المتدني. فصورة البطل التي بات يفضل الشاب والمراهق تقليدها، دائما ما تكون بعيدة عن مظهر رجل عادي في سلوكه اليومي وهيئته . فهو ذو عضلات مفتولة بعيد عن الأناقة والهندام الحسن، مرن الحركة،سريع البديهية وردود الفعل، غير هياب أمام المحن والشدائد، مندفع ومغوار، ويأتي في مقدمة تلك الصورة الانطباع السحري عن البطل الباحث بضراوة عن الحقيقة ويقارع الظلم بشدة وجهادية فائقة.ولكن أي حقيقة هذه وما طبيعة الظلم الذي يحاربه، هنا يكمن الالتباس.

مع ظهور منظمة القاعدة وما تلاها من تنظيمات إرهابية اجتاحت بقسوتها وبشاعة جرائمها العديد من المناطق في الشرق، وروعت بتهديداتها وأفعالها العالم الغربي. إثر ذلك درجت معاهد الدراسات والبحوث في أغلب دول العالم على وضع قواعد بيانات ودراسات ذات طابع خاص تتعلق في البحث عن طبيعة استخدام التقنيات الحديثة لوسائل الإعلام من قبل تلك التنظيمات الإرهابية، والتي باتت تمثل في مستوياتها ومحتواها الإعلامي خطرا حقيقيا عابرا للحدود.ليصبح القلق جراءها عاما، بعد أن علمت سلطات العديد من تلك البلدان وبالذات الأوربية، بوجود أعداد ليست قليلة من مواطنيها كانوا ضمن المشاركين في عمليات القتال التي دارت رحاها ومازالت في أفغانستان وسوريا والعراق وغيرها من بقاع العالم. ووجدت تلك الدراسات أن  هناك ترويجا إعلاميا متقنا وبتقنيات حديثة، يوجه لقطاعات محددة من الشباب وبالذات الأوربي، لغرض دفعهم نحو الذهاب لما سمي بالجهاد في العديد من بلدان آسيا وأفريقيا .

ساعدت  شبكات التواصل الاجتماعي في تقديم العون الممنهج في الترويج لمغريات  تدعو الشباب للتوجه إلى أماكن القتال أو ما يطلق عليها، ساحات الجهاد والرباط. ودائما ما كانت تلك المواقع تبث صورا ومشاهدا لمقاتلي القاعدة أو طالبان وداعش والنصرة وباقي مثيلاتها، وهم فرحين بشوشين مبتسمين يتقاسمون الطعام في أماكن عامة أو وسط حلقات سمر داخل البيوت أو خلف السواتر، أو حين يخوضون غمار المعارك ويقتحمون ساحات الوغى، بقلوب صلدة وتضحية نادرة تصل حد الجود بالروح.كل تلك المشاهد تظهرهم كأبطال ملحميين في لقطات صورية من أفلام الحركة والعنف.

داعش وقبلها القاعدة وبعد أن أدركت أهمية وقدرة الصورة على تحريك الغرائز لدى الشباب المهمش والناقم، طورت تقنيات رعب لمشاهد متعددة الجوانب مثلما تتعدد

فيها طبيعة الرسائل الموجهة لجذب الشباب إلى ساحات القتال،وهي في هذا لعبت على وتر الرغبات المكنونة والمكبوتة لدى هؤلاء، واستطاعت توفير أجواء ورسائل تخاطب مزاج الشباب المتطير المتوتر المليء بشحنات الغضب والقلق ومشاعر الإحباط، والساعي لإيجاد منافذ يثبت فيها لذاته وجودها، وينفس عن نزعاتها التي تشكلت عشوائيا، وأصبحت بمرور الوقت عدوانية سادية جراء مقاربتها لأجواء العنف والجريمة التي تشاهدها يوميا في السينما والتلفزيون والألعاب الالكترونية وعلى صفحات اليوتيوب والانترنيت، وهذا ما تفصح عنه وقائع الجرائم التي ترتكبها مجاميع تلك المنظمات دون حسابات عقلية ومنطقية أو واعز إنساني وبعيدا عن أي روابط وأفكار تتعلق بالفطرة البشرية السوية.

مارشال كوري وهو مخرج أمريكي محترف للأفلام الوثائقية، أشار في مقابلة تلفزيونية مع CNN للأسباب التي تدفع المنظمة الإرهابية داعش للقيام ببث تلك الأفلام الدعائية التي تحوي دائما ما هو مرعب قائلا : أظن أنهم يحاولون إخافة الناس، فعمليات قطع الرؤوس والجرائم الأخرى، ترويجها يهدف إلى لفت انتباه الشباب والقول لهم بأنكم تستطيعون أن تكونوا جزءا من أفلام المغامرات هذه وتمارسونها على الواقع بدلا من مشاهدتها في فلم على شاشة التلفزيون، ألا تعتبرون هذا الأمر مشوقا ومدهشا؟ إذا لماذا لا تشاركون فيه؟ هيا إلى هناك.

في العديد من الأفلام كان هناك مقاتلون يطلقون النار بكثافة ويتقافزون بحركات رشيقة، في حين يقف جوارهم رفاق يلتقطون لهم الصور، وكان ليبدو هذا وكأن دافع الجميع المشاركة في فلم أكشن. ويجد المشهد هذا وبمختلف جوانبه المكانة الأوفر حظا بين أوساط الشباب، حيث يطرق بقوة على وتر رغبات هؤلاء.لذا يضيف المخرج مارشال قائلا بأن أفلام الدعائية التي تنتجها داعش تتمتع بتقنيات عالية رغم بساطة وزهد تكاليفها، ولكن هدفها عال ومهم للمنظمة إلا وهو بث الرعب لدى الخصوم وإخافة الناس وقبل هذا إغراء وتضليل الشباب.

في العديد من الوقائع أظهرت تلك المنظمات قدرات تقنية عالية في صناعة الأفلام واستخدام الفوتو شوب وعرض وترويج واستخدام وسائل، تبدو جاذبة للبعض من الشباب المرتبك المهمش القلق على مستقبله، والمحشو دماغه بالكثير من الأسئلة عن ما يدور من صراعات ومظالم في هذا العالم. ففي جانب حيوي من موضوعة المشاركة والذهاب للقتال، هناك من هو موقن بالجهاد الديني المفضي للشهادة والمثول سريعا بين يدي النبي محمد، ونيل مبتغاه من حور العين، ولكن في ذات الوقت تشير بعض الوقائع لكون العملية وفي البعض من جوانبها باتت بابا للارتزاق وصراع من أجل المصالح الدنيوية، ولا تخلو المغامرة فيها من جني مكاسب، حيث تحدث خلال تلك المعارك عمليات سلب ونهب واستيلاء على أملاك وحاجات وخطف واغتصاب نساء الطرف الأخر المخالف عقائديا.وتدار أيضا عمليات تهريب وبيع المقتنيات والموارد، مثل السيارات والآثار والنفط وباقي المعادن، وكذلك تكون للبعض فرصة نادرة لمغامرة مميزة في مواجهة الأخطار، وتجربة شجاعة يبحث الفرد من خلالها على تعزيز الثقة بالنفس وبقدراته في مواجهة مجتمعه وتحدي خصومه المفترضين.

العديد من البلدان التي تواجه  أزمات سياسية اقتصادية حادة، وتنتشر البطالة فيها بين أوساط الشباب بشكل واسع ومضطرد، ما يجعل الأفق مسدودا أمامهم وتنتابهم مشاعر انعدام الكفاءة الاجتماعية والاعتقاد بأنهم ضحايا لظروف ظالمة، عندها تصبح عوالمهم رخوة يسهل اختراقها من قبل مختلف المنظمات التي تعرض عليهم خدماتها لجذبهم نحو عالم المغامرة والشهرة والارتزاق قبل أي شيء أخر. ودائما ما كان هؤلاء صيدا سهلا واحتياطيا جاهزا للزج بهم في عالم الجريمة بمختلف أشكالها.

الكثير من الوقائع وفي العديد من المعارك أفصحت الصورة الموثقة، عن كون البعض من ما سمي  بالجهاديين، لم يكن يعني لهم الإسلام شيئا يقينيا أو طريقا للنجاة من الوضع الذي يعيشونه. ولم يكن حتى نافذة تفضي للإجابة على مجمل ما يدور في أذهانهم من قضايا ملتبسة، ولم يجدوا فيه الدافع الحقيقي لتخليصهم وإنقاذهم من الارتباك والحيرة اليومية، وإنما المغامرة وحدها كانت المحفز الأول والدافع لكسب الاطمئنان  والخلاص من القلق والتغرب،ولحظة فائقة القدرة لتفريغ شحناتهم العاطفية التي تسيطر عليهم وتربكهم ويعانون جراءها.وأن التربية الدينية أو العلاقة الروحية بالدين لم تكن دليلا مطمئنا، أو لها معنى خاصا يدفعهم للارتباط بتلك الأفكار الجهادية، وبدت تعابيرهم عبر رسائل نصية عديدة يسربونها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، تنبئ عن نوع آخر لا علاقة له بالتشدد الديني . فمنهم من يعلن بأن أخر ما يفكر فيه هو الإسلام، وإن الظلم عام وليس الإسلام وحده من يُظلم. والبشرية تحتاج من ينقذها مهما كان دينه، وآخر يقول الحرب مغامرة وربح وفير.منظر الذبح والدم مفرح ورسالة إلى الحكومات لتدرك وجودنا كأنداد.

وهكذا يبدو أن هناك قائمة طويلة من أشخاص تدفعهم رغبات شخصية للذهاب والقتال في أماكن توفر لهم قيمة اعتبارية ذاتية قبل أي شيء أخر. ومثلما الحديث يدور عن علاقة بعض المقاتلين بالأيدلوجيات وقربهم أو بعدهم عنها، فأن وقائع على أرض المعارك في العراق وسوريا أظهرت حقائق توثق زيف تلك العلاقة الفكرية.

فبعد احتلال مدينة الموصل العراقية والرقة السورية من قبل داعش وحلفائها ظهر أن ليس هناك صورة نمطية للعلاقة مع الأيدلوجية الدينية والتي تدفع الشباب للقتال مع المجاميع الإرهابية،بل اتضح أن وراء الأكمة الكثير من الأغراض والمنافع، وان المشهد له مسببات مثلما احتواؤه على قناعات عديدة ومختلفة في الكثير من مظاهرها ودوافعها. فقد عثر من بين قتلى تلك المنظمات من هو غير مختون وتلك حالة جسدية بعيدة عن أعراف الإسلام وتعاليمه، وربما قوة شكيمة وشراسة هذا المقاتل جعلت منه قائدا عسكريا، لا بل صيرته مفتيا شرعيا لمنطقة من مناطق القتال. كذلك أُسر في العراق شخص ياباني الجنسية أعترف بأن لا علاقة له بالدين الإسلامي ولا يعرف عن الإسلام غير الاسم، وما كانت دوافعه غير محاربة الأمريكان وقتال الظلم والظالم في العالم حسب ما أدعى، ومثله وجد روسي وصربي وفلبيني. وعرض التلفزيونان السوري والعراقي وقتذاك مقابلات لأسرى من تلك المنظمات، كانت جملهم مرتبكة وأعلنوا ندمهم وأدانوا الأفعال التي قاموا ومجموعاتهم بها، والندم هذا لوحده دليل واضح على تورطهم وارتباكهم وبعدهم عن ما يسمى بقضية الجهاد والتضحية في سبيل الدين والمبدأ ونيل أحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.ولم تكن الكثير من هواتف قتلى داعش وقبلها القاعدة خالية من الأفلام الإباحية والعاب القوة وكذلك ألعاب القمار والمراهنات، وحظيت قوات الجيش والشرطة في العديد من مواقع القتال على كميات من المخدرات وقناني الكحول التي كان مقاتلو المنظمات الإرهابية يتعاطونها. ولذا يبدو أن روح المغامرة لدى الشباب تتقدم باقي الرغبات، ولكن في النهاية لن تكون هي ما يفضي لإيقاف الغليان الداخلي ومشاعر الاضطهاد والكبت في أرواح هؤلاء، إن لم يجدوا من يساعدهم على تجاوز محنتهم بتوفير فرص العمل الشريف ومن خلال مناخ عام سليم يرفع عن حياتهم وحياة أقرانهم ومجتمعاتهم الغبن والقهر المسلط . 

***

فرات المحسن

في المثقف اليوم