قضايا

منى زيتون: دراسة حالة من البيئات الشعبية المصرية

من الحالات الاجتماعية الهامة التي أتيحت لي فرصة دراستها عن قرب حالة فتاة حاصلة على مؤهل متوسط (دبلوم فني) ومخطوبة لشاب حاصل على الإعدادية. والحقيقة أن حالتها بها الكثير من الدروس المستفادة لواقع البيئات الشعبية المصرية.

بدايةً فالفتاة على درجة معقولة من الجمال، وعلى درجة من الذكاء، وفضلت دخول المدرسة المتوسطة تخفيفًا عن أسرتها لأن ظروفهم المعيشية غير متيسرة، ولا قدرة لهم على تحمل أعباء دراستها في الثانوية العامة والجامعة، وبعد انتهاء دراستها صار لها مشروعها الصغير؛ فهي تصنع وتبيع وتكسب من عمل يدها ما يكفيها.

أما خطيبها فضعيف الذكاء، لم ينل حظًا من التعليم، ولولا الغش المتكرر ما حصل على الإعدادية، وفشل تمامًا في استكمال دراسته المتوسطة، ولدى عائلته كُشك بسيط يبيع فيه بعض السلع البسيطة، وهو ينفق من المال في الكشك على ما يحلو له، وعندما تأتي بضاعة لا يوجد في خزانه الكشك مال كافٍ وتسدد هي الفرق من مالها، ولولاها لكان الكشك قد أغلق منذ فترة، فهو شديد الإسراف منذ أن خطبها.

ورغم أنه من الواضح لكل من له عين أن الفتاة أفضل منه وما كان ينبغي أن تقترن بمثله، إلا أنه هو يرى أنه كان يستحق من هي أفضل منها!

تقول الفتاة إنه لا يقوم من مكانه في الكشك لو كان أحد معه، فهو شخص كسول، ولكنه فجأة يهب واقفًا إذا حضرت فتاة جميلة متأنقة لتشتري منه، خاصة إن كانت تقود سيارتها؛ والسبب أنه يمني نفسه أن إحداهن قد تعجب به يومًا ما! لأن أمه الجاهلة ملأت عقله بأنه سيدنا يوسف زمانه! وصدق من قال: رحم الله امرئ عرف قدر نفسه.

ولما سألتها عن السبب الذي يجعلها ترتبط بشخص تافه وجاهل وأحمق مثله، أجابتني أنه في المناطق الشعبية المصرية يُربى أغلب الشباب بطريقة النفخ؛ فالأم الجاهلة تنفخ ابنها من صغره دون أي أسباب وجيهة؛ فلا أصل طيب ولا تربية ولا تعليم ولا مكانة اجتماعية ولا مال، ومع ذلك تجعله يعيش في وهم ويظن نفسه مميزًا وسيد الناس ويستحق أن يتزوج أميرة! فأغلب من في بيئتها من الشباب من النوعية ذاتها.

إضافة لذلك فهي فتاة تكسب مالًا يعتبر بالنسبة لوسطها الاجتماعي كثيرًا، ولو لم تقترن بشاب سيحوم حولها شباب المنطقة، وبحسب تعبيرها فإن كلباً واحداً أفضل من عشرة كلاب، ومن وجهة نظرها أن هذا الشاب له مصدر رزق فليس من المتلطعين على النواصي وما أكثرهم، وهو لا يطمع فيها بشكل مباشر، بل يبذخ على نفسه معتمدًا على أنها ستساعده وتسد الخلل في مصدر رزقه، وبالنسبة لاعتقاده أن فتاة من الطبقات الرفيعة في المجتمع ستُعجب به يومًا فالزمان كفيل بإفاقته من أوهامه، ومن ثم فهو أطيب وأفضل المتاح بالنسبة لها!

والسؤال الهام الذي ينبغي أن نسأله: لماذا قل انتشار شخصية ابن البلد العصامي الأصيل؟ وأصبحنا نرى في المقابل تزايدًا في أعداد شخصية النطع الذي يبحث عن امرأة تنفق عليه؟ وقد يرى نفسه فوق ذلك أفضل منها!

وبالنسبة لي فالإجابة تتلخص في طريقة التربية الوضيعة التي يتلقاها هؤلاء منذ صغرهم، والتي لا تسهم أبدًا في تحفيز ذواتهم وهو أمر لازم لكل إنسان ليرتقي، والسبب الثاني هو الفقر الذي شاع في المجتمع في الآن ذاته الذي زادت فيه تطلعات الناس وارتفع سقف أحلامهم.

***

د. منى زيتون

الأربعاء 9 أغسطس 2023

في المثقف اليوم