قضايا

عبد الأمير كاظم زاهد: الاجتهاد في الفكر الاسلامي.. مقاربة مع الحداثة في الفكر المعاصر

لم يتوقف تيار التنوير في العالم الإسلامي عن تصحيح الظلاميات رغم الموجة السلفية التي تعصف بهذا الجزء من العالم، لأن في تراث المسلمين حزمة كبيرة من النزعة العقلانية لاسيما في الفكر الإسلامي الشيعي الذي ينطوي على خلفية تاريخية للاجتهاد الذي ينبني كمفهوم على العقلانية، والنزعة النقدية، ويعتبر البديل الاسلامي لفلسفة الحداثة في الفكر الغربي.

في أوربا مر أكثر من قرنين على انطلاق عصر التنوير، وسقطت قضبان العقل والخرافيات الظلامية  واعتبر التنوير في أوربا ضرورة لأن الثقافة والمعرفة الكنسية كانت معرفة طبقية غارقة في دوغماتية الاسطورة، ومسكونة في الطبقية، يكن التنوير أكثر ضرورة في عالمنا الاسلامي لأن مشروع النهضة في العالم الاسلامي لا يزال يعاني من مأزق الولادة منذ قرن أو يزيد ولأن التراث الاسلامي يحتضن تجارب تنويرية كبيرة، فلقد اطلق المسلمون العقلانية حتى القرن الرابع الهجري ليكتشفوا ويبدعوا ويخترعوا ويصنعوا المعجزات العلمية التي غيّرت حياة الناس، بيد ان المؤسف ان تلك التجارب لم تتحول الى اطروحات دينية وسياسية ولم تتأسس على شكل موجات للتحديث تكتسب شرعيتها من النص والضرورة وصيرورة التاريخ فظلت كأنها استثناء من الوضع الطبيعي (وأعني بها كمثال تيار المعتزلة) وفلسفة الشيعة الامامية في مجال العلوم والمعارف والكلام.

لقد قدم القرآن الكريم لقضية الأنسنة (آية تكريم الانسان) فقال: (وكرمنا بني آدم) وقدم آية عدم جواز الاكراه على المعتقد، وقدم ضرورة التعلم لكل انسان وقدم ضرورة تمتع الانسان بالحريات العامة، والحقوق الاساسية، كأصل من اصول الدين، وقدم الحديث النبوي والرواية عن آل البيت (ع) اروع النصوص في بناء الانسان وفي القيم الاساسية التي يجب أن يتحلى بها، واعطت انموذجاً رائعاً في التكافل والتضامن فلم يكن موضوع الانسنة مفهوماً اركونيا انما هو مفهوم اسلامي انطلق مع انطلاق النصوص التأسيسية للاسلام، وتزامن مع الشروح والتفسيرات..

ولعل اتفاقاً حاصلاً بين العلماء على ان ما ساد في عصور المسلمين حتى القرن الرابع من استبداد سياسي وديني، ليس من معطيات الاسلام الحقيقية، وليس من منابعه الصافية، انما كان تأويلاً ذرائعياً للنصوص بمايحقق مصالح الحاكمين والمستغلين.

وبالنتيجة: لم يكن الاستخدام العلمي للعقل في التجربة الاسلامية بعيداً عن متطلبات النص الاسلامي ولم يكن الخروج من هيمنة الارادات الاكليركية الى اشراقات الذات شيئاً غريباً على التصور الاسلامي وهذا لا يشابه حاضرنا.. أما ما ننطلق منه حالياً فهو من مصالح الطائفة او المذهب او الحزب او المرجعيات فانه الاستثناء الذي يماثل استثناء استبداد السلطة السياسي والديني في تجربة ربانية مثل تجربة الاسلام العظيمة.

لقد طرح الشيعة الامامية: العقل بوصفه المنتج للمعرفة العقائدية والحقوقية، ومنحوا العقل الانساني جميع الحمايات والضمانات التي تمكنه من مواصلة الانتاج المعرفي واعطوه مهمة نقد العقلانية ذاتها كأرفع مهمة وأصعب مهمة لعملية تصحيح دائمية للمسلمات والبديهيات، وجعلوا ذلك جزءاً من الايمان الديني الا ان التوقف الذي حصل في – مسارات التنوير الاسلامي – واختفاء مظاهر العقلانية التي أسس لها الشيعة قد حصل بسبب التدخل السياسي في العصرين الأموي والعباسي فيما هو فكري ومنهجي ومعرفي وقد تمثل في تحريم التعامل مع المنطق، وتحريم الاشتغال بالفلسفة، والغاء ممارسات الاجتهاد الفقهي، لاسيما في العصر السلجوقي الذي بدأ (447هـ) والذي امتد لقرون فرضت السياسة هيمنتها على المعرفة.

لقد أثر العامل السياسي على الفعل الحضاري في العالم الاسلامي بصورة عامة، وتردى الفعل الاجتماعي تردياً كبيراً وانحسر الفكر التنويري وانتشرت الظاهراتية والموجات النصية انتشاراً كبيراً، لكن ذلك كله بقي وسيبقى في نطاق الاستثناء.

في الخلاصة النهائية: نجد انه لا يمكن لأمة أن تصل إلى حضارة عظيمة بلا دين سماوي يحترم الفعل والممارسة العقلانية والنزعة النقدية وان اشكالية العلاقة بين النهضة والدين، والتراث والحداثة – هي مأزق الاجتهاد المعاصر -، ولابد من اكتشاف الرؤية التي تحقق لنا معطياته من خلال الدين نفسه.. ولاسيما الرؤية الشمولية للاسلام العظيم خاتم الاديان السماوية.

***

الاستاذ الدكتور

عبد الأمير كاظم زاهد

في المثقف اليوم