قراءات نقدية

فطنة بن ضالي وعطر بائع الورد.. قراءة في مجموعة: وجد لا ينتهي

فطنة بن ضالي شاعرة مغربيّة تتشكل القصيدة عندها بعفوية وسلاسة تقترب من سلاسة جريان مياه الأنهار، وهي إذ تدخل لعالم قصيدة النثر من بوابة القصيدة العموديّة فذلك يمنحها قوة ورصانه إبداعيّة يجعل من قوة الصورة وجمال الإيقاع، وإن كان داخلياً، حاضراً فضلاً عن اعتمادها أدوات الكتابة الشعرية من قوة المفردة وجمال الصورة وإيرادها الأساليب البلاغيّة على اختلاف أشكالها .

وفي مجموعتها الشعريّة الجديدة (وجدٌ لا ينتهي) سعت الشاعرة إلى إبراز شهادة إجادتها للقصيدة العمودية من خلال تصدّر المجموعة بعدد من القصائد العمودية قبل أن تورد قصائد النثر، وهذا ما لا يتوفر للكثيرين ممن كتبوا قصيدة النثر، وكأنها بذلك تريد أن تلفت عبر موسيقى القصائد العموديّة العالية الانتباه إلى قدوم صاحبة الجلالة الهامسة بالمعنى وأقصد قصيدة النثر .

4222 وجد لا ينتهي فضلة بن ضاليوإذا كانت انطلاقة المجموعة بأربع قصائد عمودية هي (ظمأ، عهد الهوى، عيناك، وأنا القصيدة) فإن الانطلاقة الحقيقيّة لها كانت عبر قصائد النثر التي احتلت مساحة واسعة من المجموعة حيث انحازت الشاعرة إلى الموسيقى الداخليّة الهامسة بدل الموسيقى الخارجيّة العالية وانتقلت من التركيز على الشكل البنائيّ للقصيدة إلى ترصين المعنى الكامن فيها باستثناء قصيدة (همس الخليل) التي عادت فيها إلى الوزن الخليليّ وذلك انسجاما مع الحالة الشعوريّة والعاطفيّة المتفجرة التي دفعتها لكتابة القصيدة، فللحالة الشعوريّة حقّ التعبير عن الإيقاع الذي تختاره وبشكل عفوي .

ومن المؤكد أن صلة الشعر بالموسيقى صلة قديمة تصل إلى جذور نشأته، حيث لاقت الموسيقى في الشعر العربيّ قديما وحديثا اهتماما يتعلق بالميزان الذي إستنبطه الفراهيدي وببعض التجديدات الموسيقيّة اللاحقة والتي تتمثل بالتجديد الحاصل على يد نخبة من المجددين في العصر العباسي وهم: " بشار بن برد، وأبو نواس، وأبو تمام، والمتنبي" وصولاً إلى ما تحقق على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السّياب من كسرٍ لرتابة القصيدة العموديّة بتطوير حذر في إيقاعها وإيجاد نوع من التنوع في موسيقاها وتجاوز طغيان الشطرين ووحدة القافية،

ومع تطور أشكال الكتابة الشعريّة ظهرت القصائد التي تبتعد عن نظام الأوزان الخليليّة وأخرى قطعت صلتها بالإيقاع التقليديّ لتبرز قصيدة النثر كشكل من الأشكال الجريئة للقصيدة العربيّة ومنذ أكثر من خمسين عام على يد أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط .

فطنة بن ضاليولذا فأن تحول شاعرتنا فطنة بن ضالي يأتي منسجما مع تحولات الشعر وإدراكا منها لأهمية التجديد في كتابة القصيدة المعاصرة، ولذلك فقد سعت بشكل أو بآخر إلى اعتماد اشتراطات قصيدة النثر في أغلب قصائد ديوانها الجديد حيث استمدت المقومات الإيقاعيّة لقصائدها من نظام العلاقات الداخليّة التي تؤسس بنية النصّ الشعريّ ممثلة بعلائق الأصوات والإنسجامات الصوتيّة والمعاني وتسلسل وتدفق الصور الشعريّة في القصيدة وفق إيقاع جمالي يرتكز على طاقة المفردة الإيحائيّة والتوازي والتكرار والأصداء المتوالدة عنها مما يشكل إيقاعاً شعريّا ً موسيقيّاً متفرداً وهامسا ً يدعونا إلى تأمل المعنى عبر الصور التي رسمتها الشاعرة والذي تجسد مع قصيدة (على الهامش) حتى نهاية المجموعة وإن كانت المسحة الغنائيّة التي برزت في قصائدها العموديّة ما زالت تطلُّ برأسها وكأنَّها بائع الورد الذي حينما يعود لبيته يبقى شيءٌ من العطر عالقا بين طيات ثيابه .وتتجسد هذه الغنائيّة حتى في عنونة القصائد التي جاء أغلبها من كلمتين مثل (حين تعود، دون تعليق، أنتِ فيض، همس الخليل، هاج الشوق، رباعية الذكرى، إليك أمي).

وللدخول إلى عالم قصيدة النثر عند الشاعرة الدكتورة فطنة بن ضالي ارتأيت الدخول إليها من خلال قصيدتيها (إليكِ أمي، ورباعيّة الذكرى).

فقد سعت في هاتين القصيدتين إلى أشتغالات مهمة في اعتماد الرمز وتوظيفة لترصينهما بشكل جيد، حيث اعتمدت في إليك أمي عقارب الساعة للتعبير عن الزمن، وتوقفها مع رحيل أمها هو توقف للزمن تماما كما في استخدامها رمزي الليل والنهار في القصيدة:

" تبرأت الساعة

من العد والحساب

وتسمرت على الحائط

بلهاء عقاربها ..

وجُنَّ الليل في النهار

لما أبتلع الوادي ماءهُ "

وللجذور بوصفها أصل الثبات نصيب من الرمزيّة في هذه القصيدة فلا ثبات للكون بأكمله دون الجذور بمعناها الماديّ والقيميّ، ويستمر الرمز في التدفق في هذه القصيدة متجسداً بالرموز القريبة من بيئة الشاعرة فقد استخدمت رمز الصّبار للتعبير عن قساوة الحياة والجَلد والصّبر والمعاناة التي عانتها أمها في معترك الحياة، فالصّبار وإن كان في شكله الخارجيّ ما يثير التوجس والخوف من إبرهِ لكنَّ قلبه ماء وما القسوة التي يبديها إلا للحفاظ على نقاء قلبه .

" والكون بعدك بقايا

دون جذور ..

احتار الصبار

في صبرك "

وتأتي شجرة الأركان الشجرة المباركة لدى المغاربة لتأخذ نصيبها في هذه القصيدة من الرمزيّة لتكون هذه الشجرة شاهدة على نقاء سريرة الراحلة وما قدمته للحياة من عطاء تشهد له شجرة الأركان ليضيء كما تضيء الطبيعة بألوان قوس قزح ...

" .. وأشهرت أشجارُ " الأركان "

وجهكِ ....

لقوسِ قزح

حَمِي الربيع

هل سيأتي كلّ عام ليودعك "

وهي ولمنح المتلقي فرصة التماهي مع المعنى وتشكلاته فقد عمدت في قصيدتها (إليك أمي) إلى توظيف التناص القرآني من خلال تضمين جملة فار التنور الواردة في الآية الأربعين من سورة هود في القرآن الكريم:" حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ"

لكن الشاعرة هنا وظفت الآية بمعنى مجيء أمر الله برحيل أمها، لا بنجاتها في الركوب في السفينة إذ لا راد لأمره سبحانه .

" يفارقُ النعمانُ شاماته

وتتناوبُ نوائحُ الطلحِ على الأشجانِ

حتى تُجَنّح شوكه

(فار التنور)

(وأخرجتِ الأرض) مالديها

وعويل السماوات

بالهطولِ

يبطيءُ الشروقَ على الفلاة ِ "

كما عمدت الشاعرة إلى التناص القرآني ثانية وفي نفس المقطع حينما قالت:(وأخرجت الأرض) وهي بذلك تشير إلى الآية الثانية من سورة الزلزلة (وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا...) لتشير في هذين التناصين إلى جسامة الحدث الذي زلزل كيانها وهو رحيل أمها لتنوء هي بالطوفان الذي اجتاحها إذ يرى المفسرون في أخرجت الأرض أثقالها ناشىء عن انشقاق سطحها فتقذف ما فيها من معادن ومياه وصخور وذلك بسبب الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها أسافل والعكس، وأرادت الشاعرة هنا أن تقول: إنَّ ما حصل لها برحيل أمها هو ذات التفجر العنيف الذي يحدث في الأرض وكما رسمته الآية الكريمة .

وفي قصيدة (رباعية الذكرى) التي هي امتداد لقصيدة (إليك أمي) تتناص الصورة الجديدة مع الصورة السابقة التي أوردناها آنفاً والتي .. تقول فيها "وأشهرت أشجار الأركان وجهك لقوس قزح ..." وكأنها تسترجع ملامح وجه أمها الراحلة عبر شجر الأركان وقوس قزح، وهاهنا عند تنفس الصبح في الجزء الأول من الرباعيّة :

" وجهك المضيء يتراءى

حينما يتنفس الصبح

في الحقل

هناك صامتاً

لم أقل أنك غادرت القرية "

وهنا تصبح جملة (لم أقل أنّك غادرت القرية) لازمة تتكرر لثلاث مرات مانحة النصّ بعداً سايكولوجيا تؤكد من خلاله رفضها لفكرة رحيل أمها وإنكاراً لها ولتعبّر عن وجودها في كلِّ أشكال الحياة من تنفس الصبح وشجر الأركان والدفلى والزرع والحمام والأغصان ووشوشة القبرات وإنْ أوردت كلَّ هذه الأشياء في حالة انكسار وحزن على الرحيل . لكنَّ هذه الأشياء باقية تذكّر بها لتعود مع مجيء الربيع:

" هنا على وجه الأديم

وجذور أشجار الأركان

ترتوي من عطر صبرك

تزهر ... تثمر

تحييك مع كل شروق

في الحقول يخضر المكان

ويعود الربيع "

وهنا يتحول الموت والفناء والغياب إلى ولادة بعد أنْ ارتوت جذور الأركان من عطر الأم لتعلو شجرة الأركان سامقة بالقيم التي تعلو مع كلِّ شروق، ولتكون هذه الشجرة رمزاً حيّاً وزاخراً بالعطاء على الأرض .

إنَّ مجموعة (وجد لاينتهي) وإنْ جاءت بعنونة (رومانسيّة) وبعدد من قصائد العمود التي أجادت نظمها الشاعرة إلا أنّها تنبئ بولادة شاعرة قصيدة نثر ممتازة على ضفاف الأطلسي تسعى وبدأب للغة التكثيف واعتماد المفارقة الشعريّة لإدهاشنا بما تكتب .

***

د . سعد ياسين يوسف

..................

* ورقة نقدية قدمت خلال الاحتفاء بتجربة الشاعرة بن ضالي في صالون أركانة بتاريخ 14-6-2022

* (وجد لا ينتهي) مجموعة شعريّة، فطنة بن ضالي، المغرب، فضاء فنون، ط1، 2022