قراءات نقدية

ثامر الحاج امين: ضريبة الانتماء الصادق في رواية (منازل العطراني)

ما يميز الرواية السياسية عن غيرها من الروايات ويكشف عن نوعها هو الموضوع السياسي الذي يلعب فيها دورا محوريا ورئيسيا، واذا كان القسم الأكبر من الأعمال الروائية لا يكشف عن هوية الرواية الا بعد ان يطوي القارئ صفحات طويلة منها ويغور في اعماقها فان بعض الروايات تأخذ القارئ الى عالمها مباشرة متجاوزة التمهيد والمقدمات وهو ما لمسناه في رواية (منازل العطراني) لمؤلفها الكاتب جمال العتابي والصادرة عن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2023، فمنذ السطور الاولى تجد نفسك امام رواية سياسية بامتياز حيث ترد فيها (السجن، المتظاهرين، سيطرة الإنقلابيين على السلطة، المجلس العرفي) وهي مفردات تنتمي الى عالم السياسة كما تكشف عن تاريخ احداثها الذي يعود الى السنوات الاولى من ثورة تموز 1958، فشأنها شأن العديد من الروايات السياسية التي تتناول قضايا المجتمع الحساسة مثل الحرية والسجن والسلطة والعدالة الاجتماعية  ترصد رواية (منازل العطراني) سيرة عائلة عراقية ثورية تختار طريق الحرية المحفوف بالمخاطر والعذابات سبيلا لتحقيق أمالها بالعيش الكريم، وبسبب هذا الخيار تعيش رحلة عذاب مضنية تستغرق نحو عقد من الزمن يمتد من 1958 الى 1968 تتحمل العائلة خلالها صنوفا من المعاناة الاجتماعية والنفسية والمضايقات السياسية وتدفع ذلك ضريبة انتماءها الوطني الصادق والمبدئي، فالأب " محمد الخلف " معلم شيوعي نزيل سجن الكوت بتهمة شتم الزعيم والتحريض على التمرد ضده ينتهي به الحال الى السجن بعد محاكمة غير عادلة يرفض فيها المساومة على شتم رموز انتمائه السياسي مقابل الافراج عنه ويستغل الفوضى التي أعقبت انقلاب شباط 1963 ليهرب من السجن ويتلقفه من الشارع " صالح كيطان " ــ صديق قديم ــ لتبدأ من بيت الصديق رحلة الاختباءات المتعددة.

.يظهر البطل "محمد الخلف" شخصية وطنية يسارية تتحلى بالهدوء والحكمة، كما انها وبسبب مبدئيتها تظهر ايضا شخصية عنيدة عصية على الترويض، فـ " محمد الخلف " يفضل ان يعيش مطاردا ومتخفيا عن انظار السلطات على ان يستسلم للظلم، وبسبب موقفه المبدئي يعيش سلسلة من الاختباءات تبدأ من السجن عام 1959 وهو اختباء قسري مرورا بالاختباءات الطوعية في بيت صديقه "صالح كيطان " الذي تلقفه من الشارع بعد هروبه من السجن ثم في بيت "زامل" الرجل الذي قام بإيصاله الى بيت "نوار الناهض" زوج شقيقته "رضية" في قرية العطرانية التي يتخذ منها لاحقا لقبه الجديد ثم مختبئا خلف هوية مزورة للعمل امين مخزن في شركة في الرمادي وتمتد فترة اختباءه لمدة تقارب العقد من الزمن وهو عمر احداث الرواية الذي يبدأ من تموز 1958 الى تموز 1968 حيث تسرد الرواية خلال هذه المدة الاحداث والتقلبات التي مرت بها الحياة السياسية العراقية ممثلة بانقلاب شباط 1963 وانقلاب تشرين من نفس العام ثم حركة حسن سريع وقطار الموت وتشكيل القيادة المركزية التي تتخذ من الاهوار ساحة لممارسة نشاطها وصولا الى تموز 1968 .

خلال أحداث الرواية يكشف المؤلف عن التربية الراقية التي نشأت عليها العائلة بسبب الافكار التقدمية التي تربت عليها ومنها المشاركة الجماعية في اتخاذ القرارات المهمة وكذلك الواقعية التي يتحدث بها الابن الأكبر " خالد " مع والدته بخصوص حاجات المرأة وأهمية الرجل في حياتها عندما يظهر حماسه لعودة والده الى احضان العائلة في قوله (ثمة سبب اخر لهذا الاجراء أمي، من غير المنطقي ان نهمله، هو طيف الزوجة الذي يظل عالقا في وجدان الرجل، ولا يبارحه لحظة واحدة، المرأة لا تغادر قلبه ص102) وتظهر ايضا في طبيعة الحوار الطويل الذي يدور بينه وبين ابيه عن فكرة التضحية والدافع الذي يجعل المرء يموت من أجل فكرة، حيث يكشف الحوار عن مستوى عالي من القيم والتربية الوطنية سادت حياة هذه العائلة .

كما تقدم الرواية "محمد الخلف" بطلا ايجابيا يتسم بالواقعية فهو ينتقد اساليب واخطاء الجماعة السياسية التي ينتمي اليها بعيدا عن التعصب والشعارات فهو خلال فترة اختباءه في بيت اخته التي دامت عام كامل يقوم بتعليم الأطفال القراءة والكتابة ويرسم ويدوّن يومياته في أوراق يتركها في بيت اخته والتي تكشف عن مواقفه السياسية وآراءه بالأحداث التي عاشها ومنها قوله (أخطاؤنا السياسية والميدانية أسهمت في تبدد الآمال وفشل التجربة ص 118) ولكنه في مكان اخر من هذه الاوراق يكشف عن صلابته وثباته على المبدأ الذي يبقى مؤمنا بأفكاره وأمينا عليها مستعينا بقول غاندي (يمكنك ان تقيدني، او تقوم بتدمير هذا الجسد لكنك لن تنجح في احتجاز ذهني) .

لقد قدم لنا المؤلف عائلة تمثل جبلا من المعاناة والصبر، فبسبب موقف الأب السياسي واختباءه اضحى وضعها المعيشي مزريا، فالابن الأكبر خالد انقطع عن الدراسة خشية الاعتقال وظل جليس البيت بعيدا عن عيون العسعس ومحسنة البنت الكبرى انصرفت للخياطة ليل نهار بأجور توفر بعض الاحتياجات اليومية للعائلة، عامر الابن الاصغر يلف الأزقة في دراجته منذ الصباح الباكر يبيع الصمون قبل الذهاب الى المدرسة اما عادل الصغير فتولى بيع السمسمية والأشد حزنا في تضحيات العائلة وما انتهت اليه من مصير محزن هو استشهاد " خيون " ــ عم العائلة ــ في الاهوار جراء مواجهة مع السلطة وكذلك اختطاف الابن "عامر" ومعاناة البحث عن مصيره وموت الام " زهرة " كمدا جراء ما عانته من ضغوطات نفسية وما واجهته من تحديات نالت من صحتها وقوتها .

واللافت للنظر في هذه الرواية هو انك لا تشعر بانها التجربة الأولى في ميدان الرواية لكاتب عرفناه مبدعا في مجال التدوين والنقد الفني فقد نجح الكاتب في تقديم رواية واقعية ذات بنية فنية عالية وبناء محكم رسم فيها المؤلف معالم شخصياته بدقة مقنعة وحافظ على السياق التاريخي الذي كان مليء بالصراعات الايدلوجية .

رواية (منازل العطراني) هي مرآة للمتغيرات الساخنة التي طفت على سطح الواقع السياسي العراقي خلال عقد من الزمن وحققت أهم هدف تنشده الرواية السياسية ذلك هو التحريض فهي رواية تستنطق الضمير الانساني  وتقود القارئ الى التعاطف مع تضحيات ومعاناة عائلة عراقية دفعت ثمنا باهضا بسبب ايمانها بقيم التحرر والانعتاق . 

***

ثامر الحاج امين

في المثقف اليوم