قراءات نقدية

توفيق رفيق التونجي: إطلالة على معجزة جلال زنكَابادي

لاغرابة إنْ كان الشعر البوّابة الكبرى لولوج العالم الرحيب للأدب الإبداعي بكل مجالاته لجلّ المبدعين الذين كتبوه أو أحبوا سماعه وقراءته؛ مادام الشعر الحقيقيّ مغامرة لإقتحام العوالم اللامطروقة واللامرئيّة، بل حتى الهلاميّة التكوين في أعماق خالقيه، ولاعجب إذا لمْ يفقه الفقهاء مدياته وأسراره،وإذا عجز العلماء عن حصر أبعاده وأعماقه بقوانينهم الرياضية واستقصاءاتهم الفيزياويّة ومعادلاتهم الكيمياويّة، شأنهم شأن الضالعين في نشدان الميتافيزيقيا...

أجل..لأن الصور الشعرية تجسّد إستلهام الشاعر للأصوات الخفيّة الموسوسة في أذنيه، والجمل والعبارات شبه الطلسميّة الآتية من مجاهيل الكون الأكبر وأغوار روحه، حيث تندسّ في قلبه ووجدانه وعقله؛ فتسومه سوء العذاب مؤرّقةً إيّاه في آناء الليل والنهار، لاتغمض له عين ويقرّ له قرار إلاّ إذا باحت بها ألسنة قصائده، مهما كلّفه البوح من عسف و قمع ونبذ...لاسيّما إذا كان شاعر حبّ بمعناه الإنساني الرحيب والعميق ، ومناهضاً للحرب بشتى صنوفها ومشتقاتها مثل شاعرنا جلال زنكَابادي (1/12/1951- كردستان العراق) والذي إلتقيته عبر قصائد مجموعته (ها هي معجزتي!) لقاءً تعجز الكلمات عن وصفه؛ فمددت يدي الملهوفة من قطبنا الشماليّ المنجمد عبر الأثير لأصافحه بحرارة لهيب بابا كَركَر مكبّراً فيه مبدعاً دؤوباً صموتاً منتبذاً خلوته الزاخرة بكنوز الرؤى ، منذ أن إندلعت نار الشعر في روحه ذات يوم من أيّام مطلع 1963 عام ابتلاء بلاد الرافدين بوباء الفكر القومي السلبي من العفلقيين وامثالهم، اقول  منذئذ ذاك اليوم راح شاعرنا اليافع يحلّق بين الأرض والسماء ملاحقاً معشوقته الحلميّة ؛ ليضفر جدائلها ويهنأ هنيهات في حضن حنوها .ولكن قارئي العزيز وتحت ظروف النظام الفاشي لمْ يبق لشاعرنا إلاّ أنْ يتعزّى بعدّ النجوم ويستأنس في ليالي السّهاد المديدة بلمعانها القصيّ  مناجياً معشوقته المكبّلة محرّضاً إيّاها في قصيدة مؤرّخة بـ (1965):

" تمرّدي

تمرّدي

مثل السّكارى

عربدي

.........................

...........................ِ

يا حلمَ ماضيّ، حاضري وغدي

يحسدُكِ النّصارى والإسلامُ في تعبّدي!

فلْـتدركي تودّدي

ولْتنبذي تشرّدي

هيّا بنا نمتزجُ في ألذ آياتِ التوحّدِ"

لكنْ هيهات أن تستجيب فارسة أحلامه الأسيرة وراء قضبان التقاليد البالية؛ فيحثه صمتها على التساؤل في(1966):

" حتى مَ

أحلم  بحوارنا المنتظر:

- أين أنا؟

- في نبضي الملهوف

- وأين نبضك؟

- في قلبك/هودجي

- مرحى

ما ألذّ تيهي

في روحك/كهفي؟!"

إلاّ أنّ نداءات هذه القصيدة وشقيقاتها الأخرى تظلّ بلا صدى من قلب معشوقة مجبولة بالخيال تتراءى في رؤيا شاعرنا الفتى، حتى أوائل سبعينات القرن الماضي؛ إذ تظهر فارسة أحلامه ملفعة سمات البحر في قصيدته ( يا لك من بحر!/1972):

" لابحر

في كردستان

ولي بحار!

فوقتي

بحرٌ من القارِ

وعشقيِ

بحرٌ بلاضفاف

بلْ قدري أنْ تكوني بحري الأعمق من البحرِ

فيا لكما من صنوين

في الجمال، المكر، البخل والإختيال

إذْ طالما يهتاج كغوره  قلبكِ

ويغضب كوجهه وجهكِ...

كمثله تتلقّـفين... ولاتمنحين بيسر!

ياه!

ما أخطرك!

لكَمْ يروّعني وسعك، عمقك وتصخابكِ !

أيتها الزاخرة بالكنوز والأهوال!

يا منْ اختطفَ سحرُكِ القرصان قلبي الغرير

وراح يمزّقه

شـ

ذ

ر         مـ

ذ          ر

وكل ذنبه عشقك الأخطر من الخطر!

فحتّى مَ يظلّ قلبي المسحور

يغرق في أغوارك ظمآناً

أما تشهدينه يغطّ

يستغيثُ:

" وكيف منجايَ وقد حفّ بي

بحرُ هوىً ليس له شطُّ؟!" *

بيت ممّا غنّته جارية حسب(أمالي الزجّاجي).

إذنْ فقد بزغت في قصائد الشاعر زنكَابادي معشوقة واقعيّة  سرمدية من لحم ودم وأعصاب ومعاناة وطموحات، حيث حصل بينهما إصطفاء متبادل قائم على التكافؤ بكلّ أبعاده العاطفيّة والفكريّة والإجتماعيّة ؛ فتبتديء قصة حبّ حقيقيّة تحيق بها الظروف اللامؤاتيّة؛ فتشوبها العذابات والأوجاع والمكابدات المريرة رهن (ديجور الإغتراب) بأجوائه المضادّة للحب، من حرب الإنسان ضدّ نفسه وضدّ أخيه الإنسان، حتى الحروب والخصام مابين القوميّات والعقائد الدينيّة والمذاهب والطبقات والأحزاب، ففي قصيدته (ماوراء الأحلام/1974) يقول:

" مابرحتُ عنكِ

أبحث

ماوراء سبعة بحار

وأنـــــت في

روحي!

لم تزلي

تبحثين عنّـي

ماوراء سبعة جبال

وأنا

في قلبكِ!

فمتى

ســـــــــــــــــتجدنا

هذه القصيدة في حضنها

ماوراء الأحــــــــــــــــــلام

وتنيرُ ديجورَ اغترابنا المستديم

في الأقاليم السبعة

وتكونين عروسَ لياليَّ وأصباحي؟!

وبعدها يتضح لنا بترميز حروفيّ اسما العاشق والمعشوقة (ج ، خ) وعلى مسرح قصّة حبّهما وهو ضفاف نهرسيروان (ديالى) في قصيدة (هيولى حرفين/1974):

" ظلَّ حرفا الـ (ح) والـ (ب)

مـ          فـ          تـ        ر       قـ        يـ    ن

آلاف السّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنين

حـتّـى اسـتحال قلبُـكِ

تحت الـ (ح) نقطةً

وقلبي فوقه نقطةً

و تحت الـ (ب) اندمجت النقطتان

ثمَّ راحت هيولى الإســــــــــــمين

تـجـهـــــــرُ بكلِّ الّلـغاتِ:

- ها قد إكتملت

دائرةُ نـــــورِ الحبِّ

كعناقِ الشَّـرقِ والغــــربِ

وتســـــرمدت؛

لِيَـــتَـبَـدَّد ســــــلطانُ الـزَّمان

فـــــطوبى لـمـلحــمةِ حرفينِ

على ضـــفافِ(ســــيروان) "

ثمّ راحت قصائد شاعرنا تتخذ كياناً ومساراً إنسانيّين، شأنه شأن الشعراء: لويس آراغون، ناظم حكمت وعبدالوهّاب البياتي، حيث تمتزج ثيمة الحبّ مع الهموم والشجون البشريّة، وتستحيل الحبيبة رمزاً للبلاد والثورة والحريّة والجمال وتصبح قصيدة الحبّ قصيدة مقاومة حافلة بهجو واقع الإغتراب والإستلاب والحلم بالثورة المغيّرة في آن واحد، فلنرَ في قصيدة (وردتي المستحيلة) بأيّ طريقة تصويريّة ترميزيّة وتناصيّة يجيب الشاعر عن تساؤل حبيبته:

" * حسناً .. إنّما أينَ ولو رسالة ....؟!

ومنذا كانَ سيحملها؛

فهدهدي قد شَنَقتهُ الفاشيّة

والريحُ تتيـــــــــــــــــه

والغيومُ تمطرُ متلاشيةً

والبلابلُ تغارُ منّي؟!"

ثمّ يطالعنا الحوار الآتي؛ لمّا تتساءل حبيبته:

" * ألم ترَ كيفَ شابت ذوائبك في غيابك عنّي ؟

بلى؛ مادام غبارُ الفاشيةِ يطغى" ..

ومن ثمّ  يتفرّد خطابه الشعري مغايراً للسّائد المألوف في محتواه و مبناه كليهما. حيث يقول انك تلتمّس في شعري تضاريس مختلفة جدّاً عن خطابات مشاهير شعراء الحب القدامى والمحدثين؛ فالشاعر الأشهر نزار قبّاني (مثلاً) يخاطب خطاباً إغوائيّاً نسوة كثيرات عابرات عديمات الملامح فكلّ واحدة منهنّ في عرف قبّاني مجرّد أنثى مشتهاة لتنضاف كرقم إلى قائمة المدجنات ؛ فيعنى بوصف مظهرها من أزياء و عطور وأصباغ شفاه..ولايني يصدر إليها أوامره الذكوريّة السّلطانيّة، بل يتهدّدها ويتوعّدها بالويل والثبور؛ إذا لمْ تستجب لنزواته، كجارية من جواريه العديدات، ومع ذلك عدّه (النقّاد الأفذاذ!) شاعراً محرّراً للمرأة وهو في الحقيقة داعية لتحريضها على الإنفلات الغرائزي البهيميّ حتى يتيسّر استغلالها واستعبادها من بعد!

في حين نرى ان شاعرنا الكردي زنكَابادي يخاطب حبيبته بصفتها إنسانة مساوية للرجل في كلّ شيء، وليست مجرّد أنثى مشتهاة، فيخاطبها بخطاب مختلف في أغلب قصائده، ومنها (يا أجمل من الجمال!/ 1984) وشتّان ما بين خطابيّ الشاعرين:

" ماكنت حلماً ماوراء الآفاق ولا

ملاكاً مافوق السماء

إنك لمجبولة بحقائق الدم/الثرى

لاقامة البان عندك،لا

الشعر الحريريّ،لا

عيون الغزلان،لا

شفاه من الياقوت،لا

أسنان من الدرّ،لا

حظوة،لا

عقارات ولا

أرصدة؛ لذا

فقد إصطفتك روحي

خابية للعسل الأزليّ لسنا الصلصال لخمرة اليقين المحال

أنّـى تميسي في عروق أشعاري

مبهمة كأوج الموت

تطفحين

بجوهر النار بزهو نخيل (خانقين)، بجموح الذرى،

بغرابة غابة عذراء،

بحكمة القلب، بسورات الصعلكة، بصبوة فراشة حرونة،

بكبرياء الدمع وبسالة الغجر؛

فتومض روحك التي إصطفتني

شامخة خلل اليباب تنوء بأوجاع الغرباء اللامرئيين

وتباريح وهواجس وأحلام شعب أجمل من الجمال!"

وفي القصيدة نفسها يرصد الشاعر زنكَابادي غياب الحبّ الحقيقيّ رغم شيوع المزيد من المظاهر الزائفة الخدّاعة ، والتي يستنكرها ويدينها على لسان العشق الحقيقيّ المتمرّد الرافض لواقع العهر والعسف الممارس ضد العشّاق الحقيقيين تحت وطأة الكابوس الفاشي:

" أوقفنا العشق  في موقف الزيف

وخاطبنا:

- أمن أجل الجثث الفاتنة الفريدة

أم أشباحها العجفاء

كل هذي الأغاني اللافحة كل هذي الحكايا المؤججة

كل هذي الأشعار المحتدمة

كل هذي الرقصات العاتية

وكل هذي الأنبذة الساطعة بينما

تسمل أرواح العشاق الفقراء

على مرأى ومسمع من العنادل،الأشجار،الفراشات والأنهار؟!

فلتبددا عن الروح كل غشاوة كي تنتزعا

من محارتها لؤلؤة الحب وإكسير اللافناء

وتكونا ملتحمين كاللام والألف

في صرخة الـ (لا) "

ولنرَ بأيّ عمق وشفّافيّة يستحضر ويجسّد شاعرنا مشهداً إيروتيكيّاً إنسانيّاً مغايراً جدّاً لأغلب الشعراء والكتّاب المأسورين داخل دائرة حيونة الإيروتيكيّة، والعاجزين عن بلوغ السموّ بها سموّاً إنسانيّاً:

" وكان أن إقتحمنا  برزخ الخوف والحيرة

وامتزجنا كالماء والخمرة

نمحو(الواو) مابيننا ومابين الصحو والسكرة

بلغة مشبوبة الأبجدية/التخوم تغار منّا

حتى الأحرف المشددة

كلما نسرِ في لحظة مباركة فوق الأبد

تدوس جثة الزمن/ تترى فيها أبهى المواسم

يوحدنا سطوع عنفوانها الفسيح كعناق الـ (سين) والـ (جيم)

يدثرنا لظى جسدينا الشفّافين كانعتاق الأفق ينفضان

عن المستقبل غبار العصور المهلهلة

والحكم البائدة والقصائد الخؤونة حتى

يستئصلا زمهرير الدساتير/ يختزلا العمر  في لحظة مارقة

تعصف بعسف الخرائط والتقاويم لحظتئذ

نشيّد ملكوت الوصل رحيباً كعين الله

عميقاً كمرآة الجنون ضاجاً كالنحل

دان كالثريا/ ناء كسرير(بروكروست) حتى

نشهد الفجر حتى في روح الليل ناثراً شقائقه المقموعة

ثم لن تتحلّقنا الوجوهُ  جماجم مطفأة بعيون منخورة! "

إلاّ أنّ خطر الفاشيّة يحيق بمباهج ملكوت هذا العشق ، فلايلبث أن ينقض النسر على قلب المعشوقة التي لعبت دور بروميثيوس، ولكنّ روح المقاومة لن تندحر وتظلّ متأجّجة، ومع ذلك يتأسّى الشاعر لغياب الشهود الحقيقيين:

"   .........واملكوتاه!

واملكوتاه!

واملكوتاه!

ماانفك النسرُ ينقضّ على قلبك المليح

مادمت إنتزعت نار الحبّ...وها أنذا

أنحني كالخنجر و(الراء)

مابين النار والرمضاء

وذا هو غيابك الأقسى من اللاجدوى

مدية تتخبّط في قلبي فتغشى عينيّ غمامةٌ شعواء

كشقاء معلّميّ الأرياف المجهولة يستبيحني النشيج حتى

تستحيل روحي دمعة وآهة لكنما

تظل قصائدي المستميتة تتشبّث بمدى صوتك الأرجوانيّ

كـ

يد الغـ

ر

يق

في الر

مق ال

أخ

ير

يا أقرب من قلبي

يا أبعــــــــــــــــــــــد من نجمة

مهما

ترمّدت شموسنا،مهما

تحجّرت رياحنا،مهما

توحّلت مرايانا،مهما

تعربد الرساميل والسرابيل،مهما

يتناهشنا زعيق الديسكو،مهما

نرسف في الزمن الجذام

لعلّ شفرة الحقيقة تنهض من أفق صلباني

للروح أبجدية جديدة تجتاز أهوال العشق

لئلاّ نظل محض هوام وديدان

يستحيل قلبانا مومياءين نظلَّ نستغيث بالمحال

وتخذلنا اللغة المهذارة

فأيّ رعبٍ

حيث تزهق أظلاف حرائر(الستربتيز) النسوة الفارهات،البغايا المصونات،

حمأة الفنادق المعصومة والطقوس الشمطاء

روحينا الغريبتين في يوتوبيا العميان

بل ما أرعب إذ الشهود

صمٌّ

بكمٌ

عميان

وشعارير خصيان!"

ولكنْ حتى لو استطاعت الأنظمة الفاشية أينما تواجدت ان تحطّم العشاق الحقيقيين (وهم عشاق الوطن في الوقت نفسه) تبقى  دوما عاجزةً عن دحرهم، أي ليس في مقدور تلك الأنظمة  أن تهزم أرواحهم وتقضي على مبادئهم، ولقد طرح المبدع العظيم ارنست همنجواي  مثل هذه الثيمة في روايته الرائعة (الشيخ والبحر) وعندها يتناهى إلى أسماعنا صوت العاشق المقاوم راسماً مشهد الخلود الحقيقيّ المتاح للإنسان بصفته كائناً غير خالد جسديّاً:

" يامَنْ  ألفت خطاكِ دربي الذي

ليس متاهة

إنّـا اجترحنا معجزة الطين الذي

طالما يلتهب في الإشراقة القصوى

ويخبو، لكنما اللهيبُ

يتسرمد في أحشاء هذه القصيدة

فآه لو أن شهاب اللحظة الساطعة

يتأبّد قاهراً ديجور الأبد

وإذ العشق لايخون

سنكون

حيث لايفنى الجسد،

لاتتعفّن الروح

يا أجمل من الجمال حتى الأبد!"

وهكذا يسترسل شاعرنا جلال زنكَابادي ويقول بينما يطرح أغلب الشعراء والشواعر والكتاب والكاتبات (من دعاة تحرير المرأة! وهم في الحقيقة دعاة تعهيرها وتسليعها واستعبادها) بهوس شبه سعاري يطرحون دعاوى الإيروتيكيّة القاهرة لماهيّة الإنسان ومنها حرّيّة حيونة ممارسته للجنس ، بل وقوننة شواذ اللواطة والسحاق، وكلّها يؤدّي إلى دمار الجنس البشري وضياعه بسبب التفكك العائلي والإنحطاط الإجتماعي والأمراض الفتاكة الناتجة عن الإنفلات الجنسي الميكانيكي الذي يخلو من أيّ ضوابط ، بل من أيّ عاطفة وفكر إنسانيين، ولنا المثل السّاطع في الغرب(المتقدّم المتحرر!) نجد شاعرنا جلال زنكَابادي يتفرّد في خضم هذه اللجة بطرح إيروتيكيّة مغايرة تنطوي على القيم الإنسانيّة التي تسمو بالإنسان على أرومته الحيوانيّة، في العشرات من القصائد، حيث تحققت في آن واحد معجزته( البسيطة جدّاً /المعضلة جدّاً) لكونها مستندة إلى جوهر المساواة الحقيقيّة بين الرجل والمرأة، لا إلى القشور التي يتشدّق بها ذوو الشعارات البرّاقة في هذا المضمار، و ها هو في قصيدته(حلم لايذوي/1975) يتقشّف حدّ الإكتفاء بالحلم الطازج المؤبّد المسعد حتى أكثر من (المسيس/ النيك) ويقصد الشاعر الممارسة العابرة للجنس:

" أما تشهدينَ قلبي العفريتَ جارحَ الأشواكِ، كيف

تجرحُهُ  وردتُـكِ  بطيشِ كنوزِها، يناجيكِ:

-ما أسعدني إنْ تهبيني حلماً،لا

نظرة

نظرةً،لا

بسمة

بسمةً،لا

وردة

وردةً،لا

قبلة

قبلةً،لا

عناقاً

عناقاً،لا

مسيساً.......!

فماءُ يمّكِ  يعطّشني أكثرَ من أكثر،إنّما

لاأسعدَ منّا إنْ إستحالَ حلمُنا

في بحبوحةِ المستقبلِ كوكباً لايذوي!"

قارئي الكريم لانبالغ ولانجافي الحقيقة؛ إن قلنا بأنّ كلّ قصيدة من القصائد الإحدى والستين، التي تضمّها  المجموعة الشعرية (ها هي معجزتي!) المكتوبة خلال السنوات الأربعين(1965-2005) تستحقّ مقالة أو دراسة مستقلّة، ولكني أتساءل مع الشاعر  أين النقّاد الحقيقيّون المنصفون؟! فهذه المجموعة المعجزة حقاً لمْ تحظ (حسب متابعتي واطلاعي واستفسلري من الشاعر نفسه) بسوى عرض خبري للشاعر حسين علي يونس في جريدة (الإتحاد) الغرّاء (العدد2261 الأحد 8/11/2009) رغم صدور الديوان عن(دار الجمل) منذ مطلع صيف 2009.

ها هنا يعزي الشاعر الأسباب الموجبة لذلك قائلا:  ولاعجب في ذلك؛ مادام(نقادنا!) منشغلين بالإنحيازات الإخوانيّة والمحاباة والنفاق لكسب ودّ وعطايا ذوي المناصب والنفوذ و رضا الشواعر الدلّوعات عارضات الأزياء والكاشفات عن أوسع مساحة من مفاتهنّ الجسديّة. فنراهم يدبجون المقالات والدراسات عن هذا (الإمبراطور العاري) أو تلك(الإمبراطورة العارية).

بينما يتم تجاهل مثل هذه المجموعة الفريدة،التي تؤسس فعلاً أسلوبا لشعريّة جديدة، لاسيّما في المجال الإيروتيكيّ(الصوفيّ الحسّي) بثيماتها الإنسانيّة ولغتها وإزاحاتها الدلاليّة وصورها الشعريّة وطابوغرافيّة كلماتها على الصفحات وتدويراتها ودراميّتها وتناصاتها وبلاغتها الجديدة ووو...

وفي هذا الزمن العصيب الذي تشهده بلاد الرافدين؛ ولاغرو في ذلك، فالشاعر جلال زنكَابادي العصاميّ النشأة والموسوعيّ الثقافة النادر المثيل في مشاهد الثقافات المعاصرة، فهو متعدد الأوجه أدبيّاً(شاعر، مترجم وناقد وباحث) بل قاريء نهم لعيون الشعر العالمي ببضع لغات شرقيّة وغربيّة.

لعلّ خير مانختتم به هذه المقالة التعريفيّة بهذه المجموعة الشعريّة هو أوّلاً: إهداؤه المؤثر جدّاً والشبيه بقصيدة نثر في حدّ ذاته: " إليك يا نِعْم الحبيبة، الصديقة، الرفيقة، الحليلة، الأخت والأم؛ فلولاك لما أدركتُ رحموتَ الحبّ في رهبوتِ الصّلبان المعقوفة وأهوال الحروب والإحترابات، ولما صمدتُ وقاومت؛ بلْ  لما كانت هذه القصائد وغيرها...وأنتَ "يا مانح الحكمة للتراب"*أمن العدل والإنصاف أن تجازيها بالسرطان؟!(*للشاعر الهندي خسرو دهلوي، بتصرّف)

وثانياً: (برولوغ المجموعة) أي قصيدة(هـــــــــــــــــاهيَ معجــــزتي!/2005) والتي تعدّ مع (صوى= 13بيتاً مقتبساً من شعراء أغلبهم من المتصوّفة) بمثابة مانيفستو فلسفة الحب عند شاعرنا زنكَابادي،الذي يطرح معجزته كإنسان بسيط عاشق(بلا معجزات وكرامات منسوبة إلى الأنبياء والأولياء..) في زمن الحرب والدمار، ونكتشف أنّ معجزته الحقيقيية في نهاية المطاف ما هي إلاّ حبّه ومعشوقته الإنسانة النوعيّة:

" أبــــــــــداً لمْ

أشـــــــــــــعوذْ، لـمْ

أســــــــــحرْ، لمْ

أكشــــــف الغــــــيوبَ، لمْ

أمــــــــشِ على الـمـاءِ، لمْ

أحـلّـــقْ

في الهـــــواءِ، لمْ

ينبــــثقْ

من موطيء قـدمي نبـعٌ، لمْ

أســـتمطر الحــلوى في الصّــــحراءِ، لمْ

تنـطوِ أكنـــــافُ الأرضِ لــــي؛

كي أجــــوبَ الـمشـــــرقين والـمغــربينْ

في طرفــةِ عين، لمْ

يســـــتحل الـرّمــــلُ في كفَّيَّ

دنانــــــيرَ، لمْ

تـخاطــــبـني الـوحوشُ والطّـــيورُ، لمْ

يتناثر الحديدُ عـن ســـــاقيّ

كالـعجــــينِ، لــــمْ

يشـــــع الـنّــــورُ

من أطــــرافِ أناملـي، لـمْ

أسخّر الجان والغيلان، ولم

تبعثْ نفخـتي ولو نحلةً ميِّتة، إنّـــــــما

عشـــــــقتكِ ليــــــسَ إلاّ؛

فاســـــــتحلتُ

قلباً يحتـضـــــنُ كلّ الكـــــون،

يقارع الصّـــــلبانَ الـمعقوفة؛

حـتّـى تـرنّــمتْ قـلـــوبُ الـعشّــــاقِ الآتين

بملـحمــةِ أحلامي:

طــوبى لـمعشـــــوقتكَ الـمــــعجزة؛

إذْ إجتثّتْ معك (ر) الحربِ.."

فكمْ يا ترى قارئي الكريم ستدفع البشريّة من تضحيات جسيمة؛ حتى تجتثّ (ر) (الحرب) ليعمّ الحبّ؟!!!

وعن تساؤلي الأخير: - " هل انتهت قصائد الحبّ لديك بنشر هذه المجموعة؟" أجابني قائلا:

" كلاّ ؛ فهذه المجموعة قد لاتتعدّى نصف قصائدي في الحب ( باللغتين الكردية والعربية) منذ بداياتي شبه الناضجة(1965) حتى الآن "

شكرا لشاعرنا الذي أخذنا في غفلة من الزمن الرديء الى سياحة وسفر عبر الكلمة الطيبة في روح الإنسان الخالد في كلمات المحبة والتسامح من اجل حياة كريمة خالية من الخصومات والمنازعات والحروب عالم تسوده محبة الإنسان لأخيه الإنسان تحت ظلال حب (الوطن) المعبود.

***

أجرى اللقاء: د. توفيق رفيق التونجي

.........................

أشارات:

ها هي معجزتي! جلال زنكَابادي

منشورات دار الجمل/ بيروت-بغداد، ط1/2009

في المثقف اليوم