قراءات نقدية

صالح الطائي: جواباً على رسائل أميرة من سلالة الآلهة

قراءة في كتاب رسائل إلى أميرة من سلالة الآلهة للدكتور علاء الحلي

على مدى اكثر من ستين عاما قرات كثيرا من الكتب والدواوين والقصص والروايات والدراسات، بعضها كانت قراءات منهجية، فرضت عليَّ من قبل المعلمين في الابتدائية والمدرسين في الإعدادية والاساتذة في الجامعة، وبعضها كانت انتقائية تتبع رغباتي المدفونة في اللاوعي، وخلال كل هذه السنين، وجدت بعض المواد التي وقعت بين يديَّ بإرادتي، او وُضعتْ بينهما عنوة وكأنها لوح شوكولاتة سويسري شهي، ما إن تبدأ بقضمه وتذوب عصارته بين فكيك حتى تشعر بلذة تنقلك إلى عوالم أخرى بعيدا عن واقعك مهما كانت منغصاته، وتحلق بك في أجواء رياض المتعة ورفاهية الفكر حيث تتألق الجمل وكأنها قلائد نحتت من أحجار كريمة، ونظمتها يد فنان بارع يعرف كيف يخلق الجمال ويقدمه لك ليغير مزاجك نحو الأحسن، ويُحسِّن شعورك، ويمنحك طاقة إيجابية. ووجدت بعضها الاخر وكأنها نحتت من جلاميد صخر قاس، تجرح كفيك إذا تعلقت بها، وتنحدر بك نحو الاسفل بعيدا عن قمم المتعة، فتشعر وكأنك تغرق في أكداس غبار نقلته اليك عاصفة صحراوية هوجاء. وبين هذا وذاك، وجدت بعضها الآخر عديمة اللون والشكل والرائحة، لا تشعرك بوجع ولا بفرح ومتعة، وهي مجرد ملهاة فارغة، تشعر بعد الانتهاء منها بندم كبير على الوقت الذي قضيته معها.3966 علاء الحلي

ولقد كان هذا الشعور يلازمني باستمرار، لم أنجح بالتخلص منه؛ لا عندما اقتني كتابا ما فحسب، بل وحتى حينما يهديني أحد الاصدقاء كتابا من تأليفه، فأضطر عادة الى قراءته او تقليب صفحاته بعمق خوف ان يطلب رأيي فيه إذا التقينا مجددًا، كان شعورا يتحكم بطاقتي الإيجابية ويحدد مساراتها ويقلص خياراتها.

هذا الشعور الذي يسعدني أحيانا ويحزنني أحيانا أخرى، كان قد تأجج في داخلي وانا استلم نسخة من كتاب (رسائل إلى أميرة من سلالة الآلهة) الذي اهداه لي صديقي الدكتور علاء الحلي، ولأننا اتفقنا أن نلتقي مجددا بأقرب فرصة، وجدتني منساقا للبدء بتفحصه حتى قبل أن نفترق، لأكون مستعدا للتحدث عنه، فشعرت لحظتها وكأن مبخرة تتصاعد منها نسمات وعي تأسرك فلا ترغب بفراق أجوائها قربتها يد معطاءٍ إلى أنفي، حينها استعجلت الرحيل على أمل أن أختلي بالكتاب في مخدعي بعيدا عن محيط الطوارئ ومؤثرات الفوضى،  واذا بي اجد عالما زاخرا بوهج من نوع خاص، عالمٌ تشعره يلفح وجهك بغرور، ويغور عميقا ليدغدغ شغاف قلبك، ويدغدغ مشاعرك كالسحر.

ولأني قارئ نهم، لي أسلوبي الخاص بالتعامل مع الكتب، قررت بداية أن أؤدي طقوسي الخاصة بقراءة الكتب العزيزة على قلبي قبل أن أحضن هذا الكتاب، ففي عقيدتي أن بعض الكتب تكاد تكون مقدسة، تتطلب قراءتها استعدادا نفسيا وعقليا وجسديا، مع استحضار جميع الحواس وتفعيلها لتؤدي مهامها بدقة توصلك الى شواطئ المتعة، متعة أن تكتشف من خلال الكلمات والأسطر معجمية تعيد لك ترتيب معاني مفرداتك المتناثرة على أديم الفوضى لتعطيها تنغيما آخر أبعد ما يكون عن النوتات الموسيقية المعروفة، نوتات لا تعرف النشاز  ولا تحتاج الى مايسترو يضبط إيقاعها، فهي بحد ذاتها إيقاعا يشبه تغريد البلابل في صباح ربيعي.

أول ما استوقفني بالكتاب ذلك الإهداء العذب بشطريه الرجالي والنسائي، ففي شطره الرجالي تلمس وفاءً يترجم معنى الإخوة: "إلى صديقي الفخم رواد الجبوري الشاهد الوحيد على جميع انتصاراتي وانكساراتي". وفي شطره الأنثوي تلمس لوعة من نوع عذري: "إلى رَحيل: تلك التي أحببتها بالنيابة عن كل الذين لم يعرفوها في هذا العالم".

غير ذلك، جاءت آراء الأصدقاء في مقدمة الكتاب لتضفي عليه وهجا إن لم يكن بحاجة إليه فهو قد زاده بهاء، وكانت الوقفة الأولى مع الأخ والصديق العزيز الدكتور علي الطائي الذي كتب عن أدب الرسائل موضوعا توضيحيا أورد فيه خلاصة تنامي وتطور هذا الفن منذ العصر الجاهلي مرورا بعصر البعثة المشرفة ثم العصرين الأموي والعباسي، مشيرا إلى أسماء من برز في هذا الفن وأبرز الرسائل التي كتبت، ليختم بالتحدث عن فن الرسائل في العصر الحديث، ثم توجيه الدعوة للنشء الجديد ليهتموا بهذا الفن الذي كاد أن يندثر، وبعدها اعلن عن مشاعره الحقيقية وهو يقرأ هذا الكتاب ولتكن خلاصة رأيه: "اتت هذه الرسائل متميزة بدقة المعاني وبحسن التوظيف وبراعة السبك كأنها طوع قلمه، إذ كلما قرات سطرا منها تاقت العيون والعقل الى السطر التالي مترقبة بشغف الملهوف".

أما الوقفة الثانية فكانت مع الناقد والأديب الصديق كامل الدليمي وقد جاءت مكملة لما بدأه الدكتور علي الطائي في حديثه عن أدب الرسائل، حاول الدليمي من خلالها أن يثبت بالدليل بأن فن كتابة النثر كان موجودا منذ العصر الجاهلي وأنه تطور بتطور حياة العرب ولاسيما بعد البعثة المحمدية وقيام ونشوء الحضارتين الأموية والعباسية، ليبدأ بعد ذلك في استيضاح متن الكتاب ومضمونة، وليخرج بنتيجة لخصها بقوله: "لم أكن أدري حين قرأت باهتمام بالغ وشغف كبير أن يكون ما كتبه علاء الحلي بهذه الأطر الفنية الناضجة، ولكن الذي جعلني الى وضع هذه المقدمة لهذا الفيض الأدبي المؤنق هو العمق العاطفي والمعرفي الذي شكل رصيدا دقيقا للكثير من المعاني الإنسانية التي تحملها هذه الرسائل".

رحلة مع المتن:

من المؤكد أنها ليست بالمهمة السهلة؛ أن يتبنى الناقد تفكيك نص فلسفي تمت صياغته بأسلوب أدبي، وفق أسلوب فن كاد أن ينقرض هو فن المراسلات، إذ جمع الحلي في مادة الكتاب ومضمونه بين تخصصه الأكاديمي الفلسفي، وذائقته الأدبية، وأكاديميته التطبيقية، وثقافته الأسرية والمجتمعية ذات الجذور الغائرة في عمق المجتمع، وما أكتسبه من معايشته لبلد كان من أجمل بلدان العرب (لبنان) على مدى عقد كامل، وتجربته الحياتية بكل إشكالياتها وتعقيداتها ليخرج بنتيجة تسحر الألباب.

إن من المتعارف عليه أن الكتابة ليست بطرا، ولم تكن في أي مرحلة من مراحل سيرورتها بطرا، حتى عندما كانت مجرد رموز صورية مسمارية، بقدر كونها حاجة يقينية لابدية، فرضتها مطالب العيش وتعقيدات الحياة لتحفظ حقوقاً، ثم لتترجم هذه الحقوق، ثم لتتحول إلى مرآة تعكس كوامن معاناة الإنسان الذي تأبط الوجع منذ أن وعى وأدرك جسامة وخطورة أن يكون إنسانا في دنيا التوحش والدونية والهمجية والعبث، ولاسيما بعد أن أدرك أن خير وسيلة لتفريغ أوجاع الروح هي البوح بها ولو في بطن بئر في صحراء التيه، وكم من مرة سعى العقلاء الذين أوجعهم ثقل ما يحملون إلى بوادي النسيان الأبدي، لا لتجارة ولا لمكسب ولا للقاء حبيب، بل ليجدوا الفرصة للبوح بما في كوامن أنفسهم للريح وذرات الرمل، ليتشظى دون أن يعثر عليه أحد.!

هذا بالضبط ما أراد الحلي الإشارة إليه بقوله: "لقد وجدت نفسي معنيا بالكتابة كأولئك الذين عاشوا بالكلمة وللكلمة ومن الكلمة.... ولذا سوف نظل نكتب ونكتب حتى إذا فرغنا من الكتابة ولم يبق شيء آخر نكتبه؛ ربما سنحترق او ننتحر بملء ارادتنا الخاوية من دون اي تردد! فهكذا فعل الكثيرون من قبل". (ص:34)

إن تمجيد الكتابة كونها الوسيلة الوحيدة لتدوين المضمر الذاتي (ص: 38) يبدو مثل الكتابة نفسها تماما، فالكتابة مجدٌ كان غاية المأمول قبل أن يتحول إلى الإسفاف المعاصر الذي خلقه الخواء الفكري، فالكتابة كانت ثورة حقيقية، وضعت قدم الإنسان على قاعدة صخرية صلبة مكنته من الانطلاق بتسارع مهول أوصله لما هو عليه اليوم، وهو ما أراد الحلي التأكيد عليه بقوله عن الكتابة: "وذلك النهر يا عزيزتي ما زلنا نكتشفه في كل يوم، ونغترف من معينه، فما أروع أن يحترق كاتبٌ في عملية مكتوبة لكي يشرب الآخرون من تجاربه" (ص: 38)

وربما لهذا السبب دون غيره، أورد الحلي في كتابه المنمق هذا أحاديث عن تجارب العمالقة من أدلاين فيرجينيا وولف إلى ستيفان تسفايغ وإرنست منغواي وخليل حاوي وفلاديمير ماياكوفسكي ورينيه فيلهلم وبول توماس مان وتيوفل غوتيه وفان خوخ وبول غوغان وكافكا، اتخذهم كلهم شواهد على حقيقة ما أراد إيصاله بأمانة مطلقة. وبرأيي أن مجرد إيراد هذا العدد الكبير من الأسماء في رسالة واحدة؛ فيه دلالة عميقة على موسوعية الكاتب وجرأته في طرح أفكاره دون وجل من الإكراهات التي قد تواجهه في مجتمع يعبد الأمية ويعشق الجهل، مجتمع تتحكم به القبائلية والدين والموروث العتيق المتآكل وشراهة البدوية السابتة فينا منذ الأزل، مجتمع أدمن رسم الخطوط الحمراء، وكان أول المتنازلين عنها دون إكراه، وقد وضحت غايته هذه من خلال قوله مخاطبا (رحيل) ومن خلالها مخاطبا جميع المعترضين الحقيقيين والمحتملين: "وكل الذي أريده منكِ هو أن تتحملي طريقتي في هذه الرسائل فقط، لأن الدرب إلى قلبك وعر جدا ومعوج، فقد لا أصل إليك بالسرعة الممكنة كما تتصورين" (ص: 47.) وهذه ترجمة حقيقية لوجع العبثية التي يستشعر هواجسها المثقف الذي يُجابه بالصد دون النظر إلى صدق نواياه.

وهذا ليس تخمينا فجا، إذ تبدو العبثية واضحة، يؤطرها يأس من تغير الحال للأحسن مع بواكير رسائله المأزومة، هذا ما يستشف من قوله: "حين يجد المرء نفسه مرغما على كتابة ما يحسه.. فذلك يعني انه يقف أمام خيارات صعبة، تجبره أن يكون مشلولا بكل تفاصيله المرئية واللامرئية من دون أن ينظر إلى باقي الأشياء الأخرى، ربما لأنه مؤمن جدا أن التفاصيل الماضية لا تصلحها كتابة الرسائل أبدا" (ص: 48.).

بدت جميع رسائله التي ناف عددها على اثنين وعشرين رسالة، حتى مع توهج لواعج الحب بين ثناياها، ولمسة الحب التي تطغى على أجوائها المشحونة بالحركة، والنابضة بالحياة وكأنها محاولة لانتقاد العالم.. الحياة.. الكون.. الوجود.. السلطة.. تقليدية التدين.. الوطنية الزائفة.. النفاق السياسي والديني والقبلي، وأشياء كثيرة أخرى، ولذا وصفها بأنها رسائل فزعة (ص: 231.) كيف لا وهو يؤمن بأن الفقراء ينامون ممتلئين بالكلام الذي لم يقولوه بعد (ص: 80.) ويرى أن السؤال يكون أحيانا غولا؟ ولكن ذلك لم يمنعه من التحدث عن حقيقة الأسماء والتاريخ منتقدا الذي طوع آلة الدين لصالح مكاسبه الأخرى (ص: 96.) ساعيا بكل ما أوتي من قوة من أجل انقاذ الإنسان من هشاشته وضعفه لأنه لم يخرج بعد من (الطور الجاحظي) المستهلك، لأنه وضع الكتاب والفكر جانبا والتزم بالدعاء للدين بالنصر وعلى الكافرين بالويل (ص: 126ـ 127.) ولم يردعه من أن يمجد حراك الشباب من خلال رسائل عن "قيود تحت نصب الحرية" (ص: 144.) و(أغداق من بعض نخيل تشرين) (ص: 154.) و(فتنة الأعراب القديمة) (ص: 168.) و(المضحون في الأرض) (ص:208.). وفي الختام اجتمعت خلاصة مضمون الكتاب تحت عنوانين مشاكسين مهمين:

الأول: كان توطئة تحت عنوان "حين تكون الرسائل شاهدا على موت ساعي البريد" (ص: 34.) وهو العنوان الذي افتتح الكتاب به، وكأنه يستشف موقف بعضهم مما سيقول.

والثاني: كان خاتمة تحت عنوان "انطلاق ساعي البريد إلى وجهته" (ص: 230.)، وابتدأه بقوله: "في ختام هذه الرسائل؛ التي سأبعثها بيد ساع لا أعرفه، لا أضمن لك يا عزيزتي أنه سيصلك عما قريب، فربما سوف يحترق في خضم هذا المستحيل الباذخ، ولا يرجع مرة أخرى، إذ لا مطر على سطح الشمس، ولا وجود لرذاذ بارد هناك" (ص: 230.)

أما تقييمه لعمله فقد أوضحته تلك الالتفاتة المبهمة التي ختم بها السطر الأخير من حكايته بادئا بكلمة (ربما) بكل ما تحمله هذه الكلمة النافرة من فخامة ورهبة وحيرة ودهشة وانبعاث واستشراف لمستقبل مجهول غير مضمون: "ربما سأكتب لك ثانية، وربما لن أكتب أبدا، ولكني مؤمن جدا يا حبيبتي أنك مبهرة تستحق كل هذا العناء" (ص: 233).

فهل تستحق الحياة منا كل هذا العناء؟ إنه سؤال غير تقليدي والجواب عليه نسبيا لا تتفق الآراء بشأنه، ولكن الشيء المؤكد أن الحياة لو لم تكن تستحق كل هذا العناء لما برز فيها حملة المشاعل الذين يحرقون أنفسهم لينيروا للآخرين دروب حياتهم.

وآخر ما أريد التنويه عنه رأيي في أنه تبقى هناك حاجة ملحة لمثل هذه النتاجات الناضجة والضاجة بهمس كالصراخ، ليس لإحياء أحد فنون الكتابة التقليدية، وأقصد به فن المراسلات الذي كاد أن ينقرض فحسب، فذلك أمر مفروغ منه، وحاجة لابدية أعتقد أن جميع الأدباء معنيين بها، بل ولضخ دفقات من الجمال في حياتنا المعقدة المليئة بالإخفاقات والمنكدات والانكسارات والهزائم، وحسنا فعل الدكتور الحلي في تناوله هذه المهمة الصعبة في هذا الوقت بالذات.

صدر الكتاب عن دار النخبة للطباعة والنشر في جمهورية مصر العربية عام 2022، بواقع 233 صفحة حجم 20× 14 بغلاف جميل تزينه صورة امرأة بأجنحة وكأنها ملاك يقف في روض تحيط به فراشات الأمل وأوراق بعثرتها الريح، فجاء متوافقا مع المضمون.

***

الدكتور صالح الطائي

في المثقف اليوم