قراءات نقدية

علاء حمد: السياق والترابط النصّي في نصوص الشاعر المغربي المصطفى المحبوب

يتعلّق السياق والسياق النصّي بوحدات لغوية وأخرى دلالية، هذا إذا كانت الدلالة قد وضعت في منظور المعنى وتتحرّك على ضوء الفانوس الحركي، ومن هنا تكون المستويات التتابعية للوحدات اللغوية والوحدات الدلالية من خلال الدلالة الحسيّة ذات منحى نصّي معتمداً على علاقات البناء النصّي.

إنّ وحدات المستوى اللغوي تبدأ من الأدنى إلى الأعلى، ولكي تكون بتوضيح أوسع، هي مستويات الوحدات اللغوية الصغرى، والمستويات الكبرى، فالنصّ الذي اشتغل عليه الشاعر من خلال العلاقات اللغوية والدلالية والمبدأ الاستطيقي كمنظور فلسفي جمالي، يُعد وحدة لغوية كبرى متكئاً على علاقات ووحدات لغوية صغرى، لذلك نقول إنّ هناك المستوى الأدنى، وهو بداية النصّ انطلاقاً من الصفر كأدنى مستوى، وانتهاء بالنصّ الشامل كمستوى أعلى.

وأمّا وحدات المعاني، فهناك المعاني المتحوّلة، وذلك كلّما وضعت الكلمة في سياق معين، يتحوّل معناها، من المعنى الثابت إلى المعنى المتحوّل، وهو الشعرية ومعانيها التي ننظر بها، وفي الوقت نفسه، هناك المعاني الحسّية، وهي المعاني الداخلية والتي تؤثر على الحسّية الداخلية وحتى تؤدي أيضاً إلى تغيير التيار الشخصي، وهناك المعاني المجرّدة الاختلافية، وهي تتبع لغة الاختلاف وكيفية ظهور المتعلقات الذاتية في المنظور النصّي، وسوف نلاحظ ذلك من خلال الدخول إلى المساحة النصّية لدى الشاعر المغربي المصطفى المحبوب، وكيفية تداول الكلمات والعمل على توظيفها في معاني حسّية من جهة ومعاني متعلقة بلغة الاختلاف من جهة أخرى.

ندخل إلى الترابط النصّي من خلال السياق الذي أسّسه لنا الشاعر المغربي المصطفى المحبوب، والذي استطاع من خلال الدراية الفنّية أن يؤسس أبعاداً نسقية في المنظور النصّي، فهو لا يبتعد عن الأشياء مثلاً، ولا يبتعد عمّا تحمله الذات الحقيقية من محامل دلالية تؤدي وظائفها في المعاني وفي التأويلات ولا تفوتنا الوظائف اللغوية أيضاً، باعتبار وظيفة اللغة الدلالية الأثر والفعّالية في الترابطات النصّية، ويأتي الترابط بين الجمل من خلال علاقات تناسقية، وهو العمل الأكثر قرباً في المنظور النصّي.

مرتبك كالعادة

كأيّ عاشق

كأيّ متشرّد يتشدّق

قطع الإسمنت المخلوطة بقهقهاتٍ..

كأيّ متمرّد على طرق الفرح

متعالياً على كلّ التعاليم

المخلوطة بقطع الخبز..

من قصيدة: الحبّ نوزّعه بحرية – مصطفى المحبوب

**   

إنّ الوحدات اللغوية هي التي تربط الجمل والجمل المجاورة ببعض، ولكن هذا لا يكفي دون التناسق مع المعاني وكينونتها التواصلية، ويكون للنحو الفعالية في تأطير الترابط أيضاً.

مرتبك كالعادة + كأيّ عاشق + كأيّ متشرّد يتشدّق + قطع الإسمنت المخلوطة بقهقهاتٍ.. + كأيّ متمرّد على طرق الفرح + متعالياً على كلّ التعاليم + المخلوطة بقطع الخبز..

الجملة لدى الشاعر المغربي (المصطفى المحبوب)، جملة دالة بتركيبها، وهذا يعني أنّه تخطّى وتجاوز الأفعال الانتقالية والحركية بشكليها المكثف والحركي، فقد نابت الجملة عن حركة الأفعال، ولكن في الوقت نفسه؛ اشتقّ القول و(القول الشعري) مبادراته من خلال التوزيعات القولية الحسّية؛ فالجمل التي اعتمدها، تواصلية من خلال المعاني وهي تدلّ على نسق تركيبها ومنها مثلا:

كأيّ متشرّد يتشدّق = قطع الإسمنت المخلوطة بقهقهاتٍ... نلاحظ أن الشاعر استخدم التشبيه وهو النظرية التابعة لنظرية الاستعارة، ومن خلال هذه الجمل التي عبّر عنها كموضوع يؤدي إلى معنى استطاع أن يكون مع زمنية الحدث، وهو الحدث الآني.

هذه المرة

سأتلصّص على الملائكة

سأعطي الفرصة لقلقي لكي

يرسم طرقاً جديدة للخلاص

أمّا الحب فجميعنا نعرفه

ونوزّعه متى نشاء وبحرّية...

من قصيدة: الحبّ نوزّعه بحرية – المصطفى المحبوب

**

يحرص الشاعر المغربي مصطفى المحبوب على اللغة وتلذذها في المنظور النصّي، حيث أنّها تشكّل جملة من المفردات والجمل المركبة، لذلك فهي نسقية الاستعارة ومنهجها المتواصل، وهي المعنى الذي لا يظهر إلا من خلال علاقات نصّية من جهة وعلاقات زمنية انتقالية من جهة أخرى. ومن خلال المنظور اللغوي فهو الممثل الأول كسياق تواصلي أمام التأويل، وكذلك هو المساحة المعتمدة في مجموعة من الدلائل اللغوية الآنية وغير الآنية.

هذه المرّة + سأتلصّص على الملائكة + سأعطي الفرصة لقلقي لكي + يرسم طرقاً جديدة للخلاص + أمّا الحب فجميعنا نعرفه + ونوزّعه متى نشاء وبحرّية...

يقودنا الشاعر إلى المعنى القصدي، وهو المطلوب عندما نرغب أن نداخله من خلال النصّ وتوزيع الحبّ، هذه المفردة الذكية أصنّفها بمشاهد عديدة، فهي تتقبل التعدّدية وليست لزوما بالمعنى المتداول الذي يقودنا إلى الحبّ (حبّ المرأة فقط) وإنما حبّ المرأة وحبّ الرجل ومحبّة الأشياء، فالحبّ للجمالية لا نستطيع الاستغناء عنه، ولكن، وبما يحمله النصّ من دلالة حسّية وأخرى معنوية. تلتقي المساحة النصّية مع المعنيين، ويبقى المعنى الدلالي الحسّي هو النافذ، ويتميز بشيوعه أيضا.

ينقلنا الشاعر من الجملة الدالة إلى حركة الأفعال الدالة في هذه المرّة، وهو الفعل الحامل للمعنى ويمتثل أمام الجملة كمحرّك أساسي في المساحة النصّية، مثلا: أتلصّص، أعطي، يرسم، نعرف ونوزّع.

تتنوّع الأفعال بين الـ (أنا والـ هو والـ نحن) وقد أراد منها أن تكون مندمجة مع سياق الجملة الحركي، وهو المطلب الذي يبني من خلاله الوسائل القصدية، ليست الوحدات اللغوية هي التي تربط الجمل ببعضها، بقدر ماهي العلاقات النحوية التي تقوم بذلك أيضاً وكذلك الضمائر المتصلة.

السياق الدلالي:

السياق الدلالي أو المعنى الدلالي في السياق، ولكي نكون مع هذا المنظور، فإنّ هناك المعنى المعجمي وهو المعنى المركزي أو المعنى الوضعي الأصلي، كما أكّدت بعض المراجع على ذلك (المعنى الأساسي أو الأولى أو المركزي ويسمى أحيانا المعنى التصوّري أو المفهومي conceptual meaning، أو الإدراكي cognitive. وهذا المعنى هو العامل الرئيسي للاتصال اللغوي، والمثل الحقيقي للوظيفة الأساسية للغة، وهي التفاهم ونقل الأفكار. – علم الدلالة – ص 36 – الدكتور أحمد مختار). وهو المعنى المتصل بالمعنى المعجمي، أي أنّ هناك معنى أصلي للمفردة قبل تركيبها وتحويلها إلى معنى دلالي جديد حسب السياق الذي يحضن المعنى الدلالي.

أحلامي

تشبه بقايا خضار

ساقطة على الأرض..

ترفض الجلوس إلى جانبي

بمقهى الحي الفقير..

تمنيتُ أن تمسك

ولو مرة فنجان الحظ،

تضعه في الجهة المقابلة

لنافذة غرفتي المطلة على الشمس...!!

من قصيدة: أحلامي – المصطفى المحبوب

**

نبدأ قبل كلّ شيء بالمطابقة الدلالية للمعنى، والمطابقة (تعني الموافقة أو الاتفاق) وهي نفسها لدى النحاة، لتلتقي لدى المحدثين أيضاً؛ فالتعيين الدلالي يبدأ متعلقا بتعيين اللغة، ومن هنا تكون العلاقة، ليست فقط علاقة دلالية بالمعنى، وإنما هناك علاقة لغوية أيضاً.

أحلامي + تشبه بقايا خضار + ساقطة على الأرض.. + ترفض الجلوس إلى جانبي + بمقهى الحي الفقير.. + تمنيتُ أن تمسك + ولو مرة فنجان الحظ، + تضعه في الجهة المقابلة + لنافذة غرفتي المطلة على الشمس...!!

إنّ العلاقة التي تواجهنا هنا علاقة (سيمانتيكية) وهي العلاقة الدلالية بين الداخل النفسي، وما يدور من معاني خارج النفس، لذلك فقد لملم الشاعر الأشياء بكلمة واحدة وهي الأحلام، وهي المعنى الدلالي الخاص الذي لا نستطيع اقتحامه، ويشكّل عالماً بذاته، وخصوصاً علاقته بالذات الحقيقية التي لا تبتعد عن الأحلام. ومن هنا، فقد شبّه أحلامه بالخضار، أي أنّ نظرية الاستعارة كانت حاضرة مع كلّ حلم وظيفي من وظائف النصّ المكتوب، وقد شغل النصّ بعض التأويلات الواضحة، وهذا يعني أن الشاعر ابتعد عن الغموض وراح يغذي نصّه بحركة فعلية توضيحية.

أصبحتُ

لا أصدّق الفقراء

يتذمّرون في الظلام

يأكلون أي شيء

يتعلمون في الظلام

يمارسون الجنس في العتمة..

وحينما

تأتي أسراب القسوة

يرتدون لباساً جديداً

ويتسلّون بالتصفيق ...!

قصيدة: الفقراء - المصطفى المحبوب

**

عندما ننظر إلى السياق، لا نكتفي بالمواضع الدلالية، بقدر ما ندخل إلى مواضع التركيب اللغوي أيضاً ومدى احتواء الجملة على النوع الجمالي (الاستطيقي)، لذلك قسّم النقاد القول والقول المركّب إلى طبقتين، (فالأوّل مدلولات التراكيب، وبالمعاني الثواني؛ الأغراض التي يصاغ لها الكلام – التركيب اللغوي للأدب – 13). وفي المنظور الحديث هناك التركيب المختلف، وهناك القصدية، ويتجانسان في منظور القول والقول المتقدم، عندما نكون في المساحة الشعرية.

أصبحت + لا أصدّق الفقراء + يتذمّرون في الظلام + يأكلون أي شيء + يتعلمون في الظلام + يمارسون الجنس في العتمة.. + وحينما + تأتي أسراب القسوة + يرتدون لباساً جديداً + ويتسلّون بالتصفيق ...!

من أدنى محطة ينطلق الشاعر المصطفى المحبوب في تجسيد المعاني، فقد خصّ كلامه من خلال وحدة لغوية مفردة، لكنّها على صيغة جملة (أصبحتُ) والتي يثيرها الضمير المتصل (تاء الفاعل)، وممّا لاشكّ فيه أنّ الشاعر اعتمد القصدية في البنية النصّية، لذلك ينقلنا من لغة شعرية توضيحية إلى دلالة سياقية، حيث أنّ الدلالات التي اعتمدها هي المعاني بذاتها، وهي المنفذ اللغوي الذي اعتمده في تشكيل النصّ من جهة، والتفاعل القائم مع موضوع الإثارة من جهة أخرى.

لكي أكون أكثر وضوحاً عند الوظيفة التفاعلية، فقد صفّ الجمل شاعرنا خارج الترتيب المعرفي، وذلك لكي يغذي النصّ بمعرفة شعرية:

يتذمّرون في الظلام + يتعلمون في الظلام = يأكلون أي شيء

هذه الجمل تقودنا خارج التضليل والإبهام، بقدر ما كانت هي الإصبع الإشاري للتواصل النصّي وهي السياق المتواصل في الوقت نفسه كمهمّة تمتّعية أيضاً تُظهر المدلول الشعري.

نصوص قصيرة..

الحبّ نوزّعه بحرية

مرتبك كالعادة

كأيّ عاشق

كأيّ متشرّد يتشدّق

قطع الإسمنت المخلوطة بقهقهاتٍ..

كأيّ متمرّد على طرق الفرح

متعالياً على كلّ التعاليم

المخلوطة بقطع الخبز..

*

نعم سأحلم يوماً ما

لكنّي مازلت أفكّر

هل بإمكاني أن أجرم الحبّ

أم أترك كلّ شيء للصدفة...

*

هذه المرة

سأتلصّص على الملائكة

سأعطي الفرصة لقلقي لكي

يرسم طرقاً جديدة للخلاص

أمّا الحب فجميعنا نعرفه

ونوزّعه متى نشاء وبحرّية...

.................

أحلامي...!

أحلامي

تشبه بقايا خضار

ساقطة على الأرض..

ترفض الجلوس إلى جانبي

بمقهى الحي الفقير..

تمنيتُ أن تمسك

ولو مرة فنجان الحظ،

تضعه في الجهة المقابلة

لنافذة غرفتي المطلة على الشمس...!!

*

أحلامي

لا تزال تصاحبني

إلى الأسواق ودور السينما

والمحلات التجارية والفنادق..

أكثر من مرة حاولت

أن أشتري لها بيتا خاصاً

لكن راتبي بشكله البليد

يسقط مني كل مرة أفكر

في تناول طعام جميل...!

***

المصطفى المحبوب

المغرب..

......................

الفقراء ..!!

أصبحت

لا أصدق الفقراء

يتذمرون في الظلام

يأكلون أي شيء

يتعلمون في الظلام

يمارسون الجنس في العتمة..

وحينما

تأتي أسراب القسوة

يرتدون لباساً جديدا

ويتسلون بالتصفيق ...!

***

المصطفى المحبوب

المغرب

في المثقف اليوم