أقلام ثقافية

شمس الدين العوني: عن تجربة الفنانة التشكيلية د. سنية خليفة

من فكرة التلوين المفعمة بالأعماق وما دل اليها وعليها تكمن الرغبة في الذهاب عميقا حيث الرسم مجال قول بالشواسع وما يعتمل بها من أحاسيس دالة منها تنشأ العملية الجمالية حيث القماشة وهنا مساحة مفعمة بما تشير اليه الكينونة من خيال وحلم وهواجس هي عين السؤال المقلق والمولد قبالة القماشة وما تقترحه من تفاعل بين الذات والأثر..بين الرسام والمنجز..و هكذا...

من هنا نمضي الى تجربة عملت صاحبتها على المواءمة بين هو فضاء محلوم به للرسم وذات تبدي حيزا من حميميتها في حالة ضاجة بالاحساس وفق شغف تشكيلي يعي العلاقة الوظيفية ضمن فضاء القماشة بين الخطوط والألوان والأشكال من جهة وبين العواطف والمشاعر والأحاسيس كفعل مضاف من ناحية أخرى وصولا الى العمل الفني في نسق به الكثير من التدفق والعمق والصدق..انها لعبة التمازج بين عناصر شتى للمحصلة التي هي العمل الفني بروح من جمالية التعاطي...و التناول.3538 الفنانة سنية

انه الفن في جانب من صلته بالوعي ضمن تجربة جمعت بين الموهبة وما هو علمي أكاديمي ونعني تجربة الفنانة التشكيلية الدكتورة سنية خليفة بن الحاج مبارك التي تنوعت مشاركاتها الثقافية والعلمية فضلا عن التشكيلية من معارض متعددة آخرها المعرض الثنائي " لقاء " برباط سوسة الأثري بولاية سوسة صحبة الفنانة التشكيلية والدكتورة أسيا الكعلي والذي لقي حضورا ومتابعة مميزة من قبل الفنانين وطلبة الفنون الجميلة بسوسة ومن أحباء الفنون التشكيلية بصفة عامة.

و سنية خليفة بن الحاج مبارك، أستاذة مساعدة للتعليم العالي بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة، وفنانة تشكيلية محترفة متحصّلة على شهادة الأستاذية في الفنون التشكيلية اختصاص رسم وشهادة الماجستير في جماليات وممارسات الفنون المرئية " من المعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة، وشهادة الدكتوراه في العلوم الثقافية اختصاص " مسرح وفنون العرض" من المعهد العالي للفن المسرحي بتونس.و تتراوح مسيرتها العلمية والفنية بين البحث الأكاديمي حيث أنّ لها عدة مشاركات في ندوات علمية وطنية ودولية، وبين ممارسة فن الرسم حيث أنها عضوة في اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وعرضت مع نقابة الفنون التشكيلية والرابطة التونسية للفنون التشكيلية، كما كانت لها جملة من المعارض الشخصيّة ومشاركات في عدة معارض جماعية وثنائية منذ سنة 2004.

تعتمد في جلّ رسوماتها تقنية الرسم الزيتي ولها عدّة أعمال تستعمل فيها التقنيات المجمّعة لدمجها وتحقيق ملامس مختلفة في محاولة للذهاب بعيدا باللون والمادة والولوج إلى دواخلهما...و عن مجال اشتغالها الجمالي تقول "...عمليّة الرسم هي خاضعة بالضرورة لجدليّة التداخل والتخارج، تجربة الرّسم هي المرآة العاكســة والمجمّعة لجملة من الانفعالات، والأحاسيس يضاف إليها جدوى اختيار التقنية المستعملة،فتعاملي مع المادة اللونية والملمسيّة يكــون باعتماد التقنيات الأكثر مواءمة لبث الهـــمّ التشكيلـــي وتوصيل جلّ الهواجس والأفكار، هي عمليّة تخريج لما يسكنني ويرجّني.مغامرة الرّسم هي دائما ما تكون رحلة مضنية في البحث والنبش في الداخل، فاللوحة التشكيليّة أو عالم اللوحة التشكيليّة، هو مزيج بين عالم الفنـــان وعالم القماشـــة المرسومة، ويعني هذا أنّ تعاملي مع فضاء اللوحة هو تعامل لا يخلو من حميميّة وحدسيّة، إنّه المكان الحاضن والمازج بين الخطوط والألوان والأشكال وأيضا بين المشاعر والأحاسيس الأكثر تدفقا وعمقا...".

هكذا هي في رؤيتها الفنية التي تواصل القول بشانها "...إنّ المحمول الجمالي هو بالضرورة ذاتيّ، فهو نابع من عمق أعماق الروح.إنّ رسوماتي ما هي إلا مراحل ومسافات أقطعها في مراوحة بين الذاتي والموضوعي، فبالإضافة إلى الهواجس الذاتية، يستفزني واقع الأشياء، إذ يمثل بالنسبة لي حقلا خصيبا أستقي منه موضوعاتي وتيماتي، ولكن بمنظور يستجيب للواقع الجمالي والدّلالي الذي أرنو إليه.التجربة التشكيليّة الذاتيّة هي جدليّة تخضع بالضرورة للقيود الموضوعيّة، فتجسيم لون أو شكل أو خط، أو إحداث كتلة، هو يعود لعوامل ذاتيّة وأخرى موضوعيّة.إنّي أميل في اختيار الألوان الأكثر شفافيّة والخطوط الأكثر مرونة وحركيّة وانسيابيّة، بحثا عن الحرية والإطلاقيّة، وقد يلعب عامل الصدفة في تجربتي دورا هامّا، فقد يحصل في عمليّة سكب الألوان وما يرافقها من عنف وحركيّة الحصول على مؤثرات لونيّة وملمسيّة ما كنت أقصد تجسيمها منذ البدء، فتحصل هنا عملية المزج بين القصديّة والعفويّة،حيث أنّ تحصّلي على مؤثر لوني أو كتلة ملمسيّة معيّنة يجعلني أبني عليه رؤية ما ويكون قادحا لتجسيد أشكال أخــرى تحفزني وتجعل أعمالي أكثر تطوّرا وأكثر ثراء وعمقا.فالعمليّة البحثية والمسار الإنشائي الذي تسير فيه رسوماتي، ليست في قطيعة مع ما يدور في عجلة الفنّ.فهي مواكبة ومتأثرة بالضرورة بالبيئة المعاصرة، فأعمالي ترتبط بالفنّ الآنـــي Art Actuel لكنها فـــــي ارتباط وانسجام مـــع ذاتيتــــي وكينونتي. مساري الإنشائي هو إذن مسار تجريب وبحث متواصل على مستــــوى اللون والشكل وكذا التكوينة. هو طريق أشقه وهو واقع أوجده بالعجينة اللونيّة وجلّ التقنيات التي تمكنني من الحصول على ملامس معيّنة.في عمليّة التجسيم أستحضر تيمة ما، لكن المؤثرات اللونيّة والملمسيّة المتحققة بالصدفة أو بعامل الآنيّة، تجعل أعمالي تتخذ منعرجات أخرى ما كنت فكرت فيها مسبقا، فجلّ لوحاتي تخضع لعامل الانفتاح والتجديد وتنحو نحو التجريد، إذ برغم العناصر التشخيصيّة التي تؤثث فضاء القماشة، فكلّ لوحة من لوحاتي هي في الحقيقة تجلية للغائر في ذاتي، وهي عرض جماليّ وإجماليّ لمقتطعات من الواقع المعيش.السّطح المدهون هو ذاك المزج المذهل بين العميق والمظلم والمشرق الناصع.أعمالي إذن، هي مساحات قاتمة وهي بقع لونيّة مشبعة بالضوء. الخطوط المجسّمة هي آثار دالة على عمليّة الحفر والتنقيب في الذات العميقة وتلمّس الباطن ومظهرته.فعمليّة تنضيد الألوان ما هي إلا محاولة لترجمة الأفكار المتراكمة وبث الشحنة الانفعالية والحسّ الفنّي.مساحة القماشة تجعل كل ذلك يتمرأى في سياق بصريّ جمالي، قابل للقراءة والتأويل إنه التجلي المذهل للمــــرئي واللامرئي...".

تجربة الفنانة التشكيلية الدكتورة سنية خليفة بن الحاج مبارك من الثراء بحيث على المتأمل في اللوحات أن يتقرى باطنها وحركة أحوالها في الشكل والتلوين والتخييل وهكذا فان العملية الفنية لديها تختزن كل هذا الثراء المعرفي والذاتي من حيث الرغبة والحلم والوعي خاصة بالفعل الفني في صلته بأعماق النفس البشرية وهي ترنو الى ما به تسعد الذات وهي ترى العالم علبة تلوين.

***

شمس الدين العوني

في المثقف اليوم