أقلام ثقافية

شدري معمر علي: الخلطة السرية للكتابة

عندما تقرا كتبا بعينها مرات ومرات ويشدك الكاتب بقوة أسلوبه وبجاذبية خاصة لا تعرف سرها تتساءل في قرارة نفسك: لماذا ينجح كاتب في جذب القراء ويفشل آخر؟ ..

أتذكر منذ سنوات وانا في مراهقتي في سن السابعة عشرة عندما وجدت على رف مكتبة مدينتي كتابا سميكا بني اللون يحمل صورة العقاد من 702ص بعنوان " في صالون العقاد كانت لنا أيام " للكاتب الكبير أنيس منصور رحمه الله  استهواني الكتاب وأبحرت في محيطه حتى انهيته وبين الفينة والأخرى ولفترات أعيد قراءته حتى وصل عدد القراءات إلى خمس.

وبدات رحلة البحث عن كتب أنيس منصور هذا المثقف الموسوعي الذي يجمع بين الصحافة والأدب والفلسفة والترجمة والدين وعشق الأسفار..

وأدمنت قراءة زاويته اليومية بالأهرام "مواقف" وعرفت بعد السنوات من خلال قراءة سيرة المبدعين الكبار الذين أثروا في الإنسانية بأعمالهم الخالدة أن للكتابة المتألقة الكونية التي تتجاوز الإيديولوجية الضيقة، خلطة سرية تتمثل في هذه التوابل منها:

أولا: التدريب على الكتابة اليومية مهما كانت الظروف ..

ينصح الكاتب الأمريكي ستيفن كينج الكاتب ألا يجلس لينتظر الإلهام حتى يأتيه من أجل أن يستعد لإمساك قلمه، ولابد عليه أن يدرب نفسه على الكتابة يوميًا وبشكل منتظم مهما كانت الظروف والعوائق..

فعلى الكاتب الجاد أن لا ينتظر الإلهام بل عليه أن يجلس أمام مكتبه ويشرع في الكتابة، يكابد ويصارع من أجل إيجاد فكرة جميلة يقيدها على دفتره او حاسوبه اوشاشة هاتفه...

ثانيا: الكتابة الجيدة تتطلب قراءة واعية مثمرة متنوعة وهذا ما تميز به أنيس منصور وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم واحمد رجب ونجيب محفوظ ومصطفى محمود فالتنوع في القراءة بين أدب وفلسفة وتاريخ ودين يثري ثقافة الكاتب ويجعله يتميز عن غيره من الكتاب الأقل قراءة وثقافة..

ثالثا: الخبرات الحياتية والرحلات والأسفار والانفتاح على العالم يثري ثقافة الكاتب ويمده بمادة ثرية مشوقة وهذا ما تميزت مقالات أنيس منصور فسرد تجاربه ورحلاته وخبراته الحياتية وما يحدث في العالم من مواقف غريبة محيرة للعقل فهذا ما يجعل القارئ ينجذب لقراءة المقال ومتابعة الكاتب في كل ما يكتبه..

ثالثا: الصفاء الذهني والروحي والتفرغ للكتابة، فالكاتب المحترف صاحب الاسلوب الجذاب يعطي الوقت الكافي لأعماله الإبداعية تتضج على نار هادئة فلا يتسرع في النشر وحب الظهور والشهرة الكاذبة لهذا لا نستغرب أن نجد كتابا كبارا عالميين الذين تحصلوا على جائزة نوبل تستغرق أعمالهم سنوات حتى تظهر للنور وتنال الشهرة ويكتب لها الخلود.. 

فالكاتب الكولومبي  غارسيا ماركيز قضى سنوات طويلة في التفكير في « مائة سنة من العزلة « و« وقائع موت معلن « قبل كتابتهما

والروائي الأميركي الذي انهى حياته بالانتحار أرنست همنغواي أعاد كتابة آخر صفحة من روايته « وداعا للسلاح « 39 مرة...

رابعا : الكتابة بلغة راقية شفافة تخاطب العقل والقلب ينتقي فيها الكاتب كلماته فلا حشو ولا غرابة ولا مفردات بعيدة عن العصر مدعمة بالحكمة وفلسفة الحياة وهذا ما اشتهر به أنيس منصور من آراء عميقة حول الحب والمرأة والسعادة

وكمثال على ذلك قوله:

-'الفرق بين الحب الفاشل والحب الناجح أن الأول يؤلمك شهرا، في حين أن الثاني يؤلمك مدى الحياة".

-"الحياة مثل البصل، قشرة تحت قشرة وفي النهاية لا شيء إلا الدموع ".

-" لقد وُلدنا وسط غابات من علامات الاستفهام، فتركناها وراءنا غابات من علامات التعجب ".

هذه بعض توابل الخلطة السرية للكتابة سيدة المقام لا يقدر عليها إلا أولو العزم من المبدعين الذين تركوا كل شيء وراءهم وتفرغوا لها وفي محرابها تفجرت مواهبهم فلونوا العالم بجمال أفكارهم فكانوا قيمة مضافة في هذه الحياة.

***

الكاتب والباحث في التنمية البشرية

شدري معمر علي

في المثقف اليوم