أقلام فكرية

باثولوجيا الثقافة.. الفاشل

سامي عبد العالالفشل أحد أشكال الحياة المعاصرة، وليس مجرد إخفاق شخصي يصف آحاد الناس. ومن سوء التقدير محاولة التفتيش عن جذوره في تفاصيل الأفراد وأعمالهم الخاصة. لأنَّ الفشل مسار عمومي يرسم خريطة الأنظمة المختلفة التي تحمل عناصر إخفاقها في باطنها. حيث تظل أبرز سمات العصر هي ابتلاع الإنسان في باطن الظواهر العابرة للمجتمعات والدول مفرّغةً إياه من المعنى ومن إنسانيته أحياناً. نظراً لأنَّ حياتنا الراهنة غدت حياةً معقدةً ومترامية الأطراف وتتطلب قدرات كثيرة في مواقع المسئولية. وبخاصة أنَّ أية مسئولية تفترض تنظيماً وتطويراً ليس بإمكان أي شخص أنْ يقوم بهما وحده.

يمكننا القول إنّه يوجد نظام فاشل لا أشخاص فاشلون، توجد آليات فاشلة لا أفعال فاشلة، يوجد نمط إدارة فاشل لا تصرفات فاشلة، توجد ممارسات عمومية فاشلة لا أعمال فردية فاشلة، توجد استراتيجيات فاشلة لا عقول فاشلة، يُوجد  توظيف فاشل لمعطيات معينة لا إرادة فاشلة. الأساس أنَّ الأنظمة المختلفة كفيلة بكشف الأخطاء التي قد يرتكبها الأفراد ومدى قدرتهم على مواكبة تطوراتها أم لا.

فلو ظهرت سلبيات أو عوامل فشل، فيجب مراجعة كامل النظام لا جزء من أجزائه، وعليه أنْ يصحح مساراته بنفسه. وإلَّا لما سُمي نظاماً عاماً، فقد نطلق على هذا الشيء أي اسم آخر إلَّا أنْ يكون كذلك. والفاشل من جهة التوصيف يعني: أنَّه لم يفهم معنى العمل العمومي وحقوقه وآلياته وكيف ينحج في ممارسة أدواره الفاعلة على هذا النطاق. أي أنه يفشل في أنْ يصنع من نفسه إنساناً كلياً وعمومياً بهذا المعنى الموضوعي.

منذ ظهور فكرة الدولة (ومؤسساتها) لايجب التحدث عن الفشل همساً كأنه حدث النفس إلى النفس. ذلك أن الدولة مبنية على نقيض الفشل الفردي الذي يناقض بالأساس فكرة المجال العمومي. كل ما ينتمي إلى هذا المجال العمومي يتعلم (في ذاته) آليات وطرائق تجنب الفشل الفردي. فلا توجد قرارات فردية ولا مفاهيم فردية ولا إجراءات إحادية ولا نتائج أحادية، هناك دوماً قدرتنا الديمقراطية الحرة معاً على إدارة الشأن العمومي وهناك عمل مؤسسي يُشكل نظاماً أو لا يكون من حيث المبدأ. وهذا الوضع يفترض النجاح دوماً، لكونه غير متوقف على رؤية وفكر الأشخاص ولدية كم وافر من المرونة في ضوء الرؤى المشتركة.

القضية الأكبر في ثقافتنا العربية هي عجزنا عن صناعة الإنسان العمومي القادر على فهم طبيعة المجال الفاعل فيه. نظراً لتراث الإخفاق طويل الأمر في بناء الأنظمة، دوماً يكون النظام لدينا مرهون بالأشخاص والأفراد لدرجة أنهم يصبحون الأهم والأكثر تأثيراً منه. إنَّ نمط الحاكم المطلق هو الذي يهيمن على العقول وعلى  شئون المجتمعات بضربةٍ واحدة. فهناك كاريزما وارادة الزعيم المطلق هما الأساس في أعقد المؤسسات وأصغرها. وهذه الفكرة ولّدت ظواهر عمومية من الجنس نفسه الذي يتوقف على الأفراد.

والفاشل بهذا المعنى يمثل نظريةً في ثقافةٍ مازالت ترى في الأفراد والنخب والطبقة الحاكمة ورجال السلطة هم الأولى بالإهتمام:

1- أن الثقافة بهذا المنحى تُفشِل نفسها بنفسها من مرحلة إلى أخرى، لكونها ترتد بما هو كلي (وينبغي أنْ يظل كذلك) إلى شكلٍّ فردي. وهذا هو السبب وراء الإستبداد والديكتاتورية القائمة على الفشل، نظراً لاختزال الشأن الجمعي في صورة حاكم أو مسئول أو نخبة مسيطرة أو طبقة أو عائلة أو جماعة.

2- الثقافة لدينا تسير بظهرها إلى غابر الزمن عكس العالم والمستقبل، فهي تعتبر الفرد مفتاحاً لكل الحلول وهو المخلص الأول لكافة المشكلات .. وهذا ما يخفق في النهاية. لأنَّ المُخلص هو النظام واستمراريته إلى نقطةٍ يراها هو دون غيره. بينما مجتمعات العالم ترى في الحياة وجوداً متداخلاً، بالتأكيد يعدَّ الفرد فيها مؤثراً، لكنه ليس مخلصاً.

3- أنَّ تضخم الفردية خطر على المجتمعات، لأنَّها كهف الأوهام التي تدمر كل شيء يقابلها. ومن الفردية يخرج كل نزوع مدمر لأي نظام عام.

وتلك قضية الفلسفة الرئيسة: حين تحاول أنْ تجعل من (إنسانيتناً الفاعلة) إنسانية كلية لا تجزيئية ولا قائمة على الأثرة وأخلاقيات الاستحواذ والهيمنة. إذن الفشل مركب هو الآخر، وله مستوىات من الفعل الجمعي غير المباشر. ولو كان الأمر عكس ذلك، أي لو كانت القضية قضيةً فرديةً، لتمت معالجة المشكلات على وجه السرعة بمجرد تغيير الأشخاص أو نقلهم من مكان لآخر. وهذا من جانب أول يفرض على الأفراد تطوير أنفسهم. وأمَّا من جانب آخر، فيضع الأنظمة الحاكمة أمام مسئوليات كبيرة يجب الاهتمام بها لا التلاعب بالأشخاص والأفراد.

كما أنَّ عوامل الثقافة أكثر تأثيراً مما نتوقع، لدرجة كونها تنشيء منظومات تتجاوز التاريخ وتعطي الأفراد مبررات قويةً للفعل والتصور. والفشل يتخفى في أكثر الأبنية عمومية، لأنه يترصد الثغرات والسلبيات التي توجد في جدار المجتمعات. وحين تترهل الثقافة ولا تقوي إرادة فاعليها على الإنجاز والإنتاج والعمل، فإن أفرادها يجدون منفذاً للهروب من المسئوليات.

ولعلنا ندرك أنَّ الإنسان كائن ثقافي بالمقام الأول، حيث تحول الثقافة  (تتوسط- تتشكل) بين المرء ونفسه. لكونها الأطول باعاً وتاريخاً، وفي الوقت عينه  تستبق الأحداث عن طريق التحولات الاجتماعية، فالثقافة لا تموت مهما كانت بعيدة النشأة والزمن. لكنها تظهر وتعيد إحياء جذورها وانباتها مرات لا تنتهي.

والفشل - بهذا المعنى - مقولة حول تعجيز الإنسان (بفعل فاعل) عن أنْ يكون إنساناً ناجحاً وفق القوانين والآليات المُتاحة. ولذلك ففي بعض الأنظمة الحاكمة يعبر الفشل عن هذا التحجيم لقدرات النظام وجوانبه الإنسانية. وبحكم أنها أنظمة مستبدة، فهي نوع من ممارسة الفشل في أغلب مرافق الحياة.

من تلك الزاوية، يكاد الفاشل كنموذج ثقافي أنْ يكون واضحاً وضوح الشمس. ولا يصح أن يتم تبادل مكانته على أساس شخصي. وإذا أردت أنْ تدرك هذا، فليس عليك إلَّا أن تلاحظ لعبة الكراسي الموسيقية في المجال العام، حين يتم نقل مسئول ثبُت فشله من موقع الي موقعٍ آخر أكثر خطورة. إمَّا أنْ يكون ناجحاً في موقعه الأول، وبالتالي يستحق زيادة نجاحه في موقع غيره، وإمَّا أنه قد أخفق ومن ثمَّ يستبعد لأسباب موضوعيةٍ. وعليه لابد من معرفة الأدوار التنظيمية التي أداها وكيف يمكن تلافيها في المستقبل؟

لقد بات الفشل صناعة من داخل الأنظمة الحياتية المختلفة في ثقافتنا العربية، ولذلك  ليس غريباً أنَّ كل من يتولى مسئوليةً هنا أو هناك ينتهي به الحال كمن سبقه بالضبط. فالفشل مقرر سلفاً أو بالأحرى ناجح سلفاً. ويحتاج لكي يتم الإفلات منه أنْ تتغير طبيعة الأنظمة ذاتها، وأن تكون ثمة قواعد وآليات جديدة لا قديمة. وأنْ توجد معايير تهتم بالإنسان في المقام الأول، وأن يكون النجاح المقصود غير فردي، كأنَّ الأشخاص هم خالقو هذا النجاح من عدم. وفي ثقافتنا العربية لا بد من وجود بديل واحد هو النجاح ولا شيء غير النجاح. الفشل رفاهية لا تملكها المجتمعات العربية، وكم كانت رفاهية الفشل بمثابة الخبز اليومي للعرب منذ وقت ليس بالقصير. لأن حياتنا العمومية باءت كثيراً بفشل الأنظمة وأفشلت كل شيء معها: شخصيات وموارد ومعطيات ومجتمعات.

على المجتمعات العربية إدراك أنه لا مجال للفشل الجمعي، لأنَّ الفشل مثله مثل الهزائم المصيرية في الحياة، هو هزيمة حضارية تتزعزع فيها الهوية والتاريخ والمستقبل. وأنَّ الفشل الجمعي هو أسوأ أنواع الفشل التي قد تمرُ به أمةٌ من الأمم. ذلك بفضل إدخال المجتمعات في دائرة جهنمية من إجهاض قدراتها وتبديد مواردها الإنسانية. ولذلك يجب تغيير أبنية الثقافة، بحيث تعتبر النجاح وظروفه وشروطه ومعاييره وتطويره أشياءً ضروريةً.

***

سامي عبد العال

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5704 المصادف: 2022-04-18 06:54:12


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م