أقلام حرة

السيادة والزلزال

أكتشف المهندسون الذين درسوا البنايات التي صمدت والتي سقطت في الزلزال الأخير في تركيا وسوريا، إضافة للأسباب المتوقعة من غش البناء، سببا غريبا وحاسما في تحديد مصير البناية!

اكتشفوا أن الكثير من تلك البنايات قد أجريت عليها "تعديلات" من قبل مالكها بعد البناء، ومنها "قص الأعمدة" في الطابق الأرضي، لتكوين قاعة واسعة خالية من الأعمدة الوسطية، لتأجيرها كمحلات كبيرة أو ربما قاعات اجتماعات الخ، فتدر عليه أرباحا إضافية.

ومما لا شك فيه أن المهندسين لم يضعوا تلك الأعمدة عبثا، ويصرفوا عليها حديد التسليح والسمنت، لكن المالك يجهل ذلك أو تغافل عنه لكسب المزيد من المال والراحة. ولعله لم يكن واثقا من عمله في البداية، وربما حذره أحد معارفه من ذلك وأخبره أن العمود ضروري لتأمين صمود البناية.. لكن الإغراء دفعه للتجربة. فقص عمودا في البداية، وانتظر، فلم يحدث شيء! وقص الثاني ولم يحدث شيء وقص كل ما اراد قصه، وبقيت البناية واقفة، وكسب قاعته الكبيرة وايجارها، وذهب سعيدا بفكرته "العبقرية" مقتنعا انه حصل على مكافأة لـ "جرأته" و "براغماتيته" وعدم استماعه لـ "شعارات" المهندسين الفارغة. ألم تثبت البناية بوقوفها أن ما يقولونه "كلاوات"؟ هكذا فكر.

وطبعا، حين جاء الزلزال، تساقطت بنايته كلها من أول اهتزاز! وتبين أن ما اسماه "الشعارات" كانت أشياءا حقيقية وخطيرة الأهمية، وأن تجاهلها كلفه بنايته كلها وحياة الكثير من مؤجريها وتعويضهم وربما اودعه السجن زمنا طويلا! لا شك انه ندم، حين لم يعد ينفع الندم.

هل كان صاحب البناية مغفلا جدا؟ هل كان متخلفا عقليا؟ ليس بالضرورة. فقد فعل ما يبدو شيئا معقولا يمكن أن يفعله أي انسان. قص عمودا، فلم يحدث أي شيء. ثم قص الثاني وهكذا.. ما أدراه، وهو ليس مختصا، أن هذا الفعل "البريء" سيسبب كل تلك الكارثة، وأن "خللا لا يرى" قد حدث في هيكل البناية؟

هكذا أيضا يبدو فعل "التخلي عن السيادة"! إنه "قص لعمود" بناية البلد، وإحداث خلل خطير في هيكله واضعاف شديد ينتظر أية هزة ليسقطه! إنه أيضا "لا يرى"، وهو أيضا يبدو "مفيدا" وبلا تكاليف! لقد تنازلنا عن جزء من سيادتنا فلم يحدث شيء، بل عم الهدوء شوارعنا بعد التظاهرات العنيفة المخربة. ثم قصصنا عمودا آخر وتنازلنا عن سيادة أخرى، "فلم يحدث شيء" بل رضي عنا "المجتمع الدولي" وصار يدللنا. وقصصنا عمودا آخر، فانخفض سعر الدولار، ومازال العراق موجودا، ونحن نتمتع بفوائد كل عمود نقصه! أليست "السيادة" إذن من تلك "الشعارات الفارغة" وعلينا ان نهملها ونتمتع بفوائد "قصها"؟

هذا تقريبا ما لمح اليه السوداني في تسجيل فيديو حين أكد بأن المواطن العراقي صار يعي أن الحكومة التي تفيده هي التي تقدم "الخدمات" وليس "الشعارات"، وأن المواطن سيوجه خياراته الانتخابية وفق ذلك "الوعي" الجديد! وبالطبع فـ "الشعارات" التي يقصدها السوداني هي السيادة التي هو متهم مع الإطار الذي جاء به، ببيعها كما لم تفعل أية جهة سياسية في العراق قبله. كان يقص "الأعمدة" وفي كل مرة يدعونا الى نسيان القلق والالتفات إلى جمال "القاعة" الواسعة والاستفادة الممكنة منها لسكانها.

هل يجب ان يكون المواطن احمقا لكي يمر عليه هذا التلاعب؟ لا أبدا.. إنه يرى الدولار يهبط، ومازال العراق قائما، فما ادرى هذا المواطن غير المتخصص بالسياسة، أن "خللا لا يرى" قد حدث في هيكل بلاده؟ وأنه زرع فيه قنبلة موقوتة تنتظر أية هزة لينهار؟

هل ينطبق مثال أعمدة البناية على فكرة سيادة الوطن، أم ان التشابه ضعيف وشكلي؟

هناك بعض الفروق المهمة واهمها أن "الزلزال" حدث "حيادي".. من الطبيعة.. قد يحدث وقد لا يحدث، وقد تبقى البناية حتى نهاية عمرها دون ان تتعرض له. أما تسليم سيادة البلد إلى دولة معادية له وداعمة لأعدائه (وليست دولة حيادية) وسبق لها ان صنعت له الكوارث المتعمدة مثل داعش، يجعل الأمر أخطر بكثير من حالة "قص الأعمدة" و "احتمال" حدوث الزلزال. إن من "يشتري" سيادتنا على بلدنا، ينوي الاستفادة من ذلك، باستعمالها لتدميرنا! إن تسليم السيادة لعدو، هو "قص الأعمدة" و"الزلزال" معا في صفقة واحدة! لذلك فهي أخطر بكثير جدا. إنها ليست "احتمالا" لانهيار البلد، بل خطوة كبيرة "أكيدة" باتجاهه ان لم نلحق الأمر بسرعة.

الفرق الآخر هو أن السوداني ليس "صاحب البناية" رغم أنه المتحكم بقرار قص الأعمدة فيها، بل هو اشبه بدلال تم توكيله مؤقتا للتصرف بها. وهنا أيضا الحالة أخطر. فقد يمكن اقناع صاحب البناية بخطورة قص الأعمدة وتكاليفه الكبيرة المدمرة له، أما الدلال المكلف بمهمة مؤقتة، فيكون قد استلم نسبته وذهب، ولن يخسر شيئا إن سقطت البناية على من فيها.

إن تسليم سيادة البلد، أخطر من قص أعمدة البناية!

ليست السيادة سوى "القدرة على اختيار الاتجاه" لبلدك لكي يتعامل مع الأحداث فيقلل الخسائر في العواصف ويستغل الفرص في الظرف المؤاتي. إنها قدرة البناية ان تختار ان تميل الى اليسار أو اليمين عندما تحدث الهزة، لتتجنب السقوط. ولكن عندما يسلم هذا "الخيار" إلى من يضع لنفسه هدفا اسقاط البناية، فأن مصير تلك البناية السقوط الحتمي!

لقد تداول الناس حكمة جميلة بعد زلزال سوريا - تركيا، تقول: "الزلزال لا يقتل الناس.. (خلل) البناء هو الذي يقتل"!

***

صائب خليل

في المثقف اليوم