شهادات ومذكرات

قدري أبو حسين.. سيرة عطرة لرجل دولة

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا ذكرى وفاة قدري أبو حسين محافظ حلوان الأسبق، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا الوطني العظيم، فهو الذي قام بتأسيس حزب "مصر بلدى" فى 2014، وهو الذي سعي بالتنسيق مع مجموعة من الأحزاب، لتشكيل تحالف انتخابي تحت مسمى ائتلاف الجبهة المصرية، وهو الذي خاض انتخابات البرلمان الماضية ضمن تحالف أحزاب الجبهة المصرية وتيار الاستقلال ولقب بـ"صانع التحالفات"، وهو ذلك الرجل العظيم الذي قدم خلال مرحلته الطويلة في حياته الكثير من العمل الوطني والسياسي تخللها العطاء والانجاز في جميع المواقع التي تحمل فيها المسئولية، وكان حسه وشعوره الوطني حاضراً مما جعل الجميع يثني علي سيرته العطرة.

وكان قدري أبو حسين قد شغل منصب رئيس مجلس مدنية أخميم بمحافظة سوهاج، حتى تولى سكرتير عام محافظة أسيوط، ومن ثم عُين في منصب نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، حتى شغل منصب محافظ حلوان بعدما وافق قرار رئاسى بإنشائها فى 17 أبريل 2008 . وقد قالت الصحفية اللامعة "ياسمين مبروك" في مقال لها بجريدة الفجر بعنوان (محطات بارزة في حياة الراحل "قدري أبو حسين" محافظ حلوان الأسبق) : " كان أبو حسين، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، وهو ما أهله لاختياره كمحافظ لحلوان بعد حازم القويضي... رشحه حازم القويضي، لإكمال مسيرته بعد تركه لمنصبه، كمحافظ لحلوان.. تم تعينيه كمحافظ لحلوان في فبراير 2010 أي قبل أقل من عام من ثورة 25 يناير.

كان قدري أبو حسين رجلاً وطنيًا وعاش مخلصًا في أداء عمله، والمناصب التنفيذية التى تولاها، كما كان نموذجاً رائعاً فى العمل التنفيذي والسياسي والحزبي وبذل أقصى الجهد لخدمة الوطن والشعب، وقد وصفه النائب الأستاذ  مصطفي بكري (في مقال نشره في جريدة السبوع) بأنه صاحب القلب الطيب الجسور اللين السياسي المخضرم وواحد من أهم رجال المحليات فى مصر.. إنه قدري أبو حسين الأخ والصديق والإنسان عرفته منذ سنوات طوال اقتربت منه، وعندما تولى منصب محافظ حلوان دائرتي الانتخابية، اقتربت منه كثيرا شاهدته عن قرب لم يتغير لم يتبدل أنه نفس الإنسان البسيط المتواضع ابن الصعيد، الذى يفتح لك صدره ويترك مكتبه لاستقبالك ويصر على أن يوصلك إلى باب الأسانسير وهو لا يتوقف عن إسداء كلمات الترحيب التى تبدأ بكلمة "يا مرحبًا بابن العم" وتنتهي بأجمل كلمات الوداع... كان دوما يفخر بأنه صعيدي وكانت أحلى لحظات حياته عندما يجلس وسط جمع من أصحاب العمم البيضاء ويحتسي معهم الشاي على الطريقة الصعيدية... وكان مكتبه مفتوحاً للجميع منذ الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من المساء كأنها "قعدة عرب" على "المسطبة" فى حواري أخميم (أخميم التي أحبها وأحبته)، سوهاج التي قضى فيها أجمل سنوات عمره لذلك أحبه السوهاجية من المغتربين فى القاهرة بذات درجة حبهم له فى المحافظة واختاروه رئيسا لجمعيتهم".. فى عام 2013 بدأنا سوياً جنبا إلى جنب فى تأسيس جبهة مصر بلدي مع اللواء أحمد حمال الدين، تجولنا فى المحافظات، كانت كلماته تخرج من القلب ولم يكن يعرف لغة الزيف أو النفاق... كان صافياً نقياً ودوداً، كريماً، إنساناً، يمتلك قلب طفل، وعقل الرجال الكبار.. وإذا ذهبت إلى زيارته فى منزله أو مكتبه، ينتفض على الفور، جهزوا الغدا يا ولاد، .. اخترناه رئيسا لحزب مصر بلدي فقد كان الأجدر، والأكثر حنكة... تحمل المسئولية بشجاعة وعزيمة، ظل على ثوابته ومواقفه حتى اللحظات الأخيرة في حياته، لم يكن فقط عم السوهاجية فى القاهرة وغيرها، بل كان رمزًا لكل أبناء الصعيد. وعندما كنا نلتقي في إفطار جمعية أبناء سوهاج، أو أبناء قنا فى القاهرة، كنا نسمع منه أحلى الكلمات التي تعيد إلينا أشياء كثيرة افتقدناها في غمرة الحياة فى القاهرة.. رحل صاحب الضحكة الصافية من القلب، والذى تسمع صوت قهقهته عن بعد، فتقول أنه قدري أبو حسين الذى لا يعرف سوى لغة التفاؤل في حياته رغم قساوة الحياة وظروفها.. رحل الرجل الذى كان مهموما بأهله، ساعيا إلى حل مشاكلهم من أخميم إلى قلب القاهرة، وداعًا أيها الأخ والصديق والإنسان، وداعًا يا رمزنا الذي ستبقى فى ذاكرة كل من عرفوك واقتربوا منك، سلامُا على روحك الطاهرة إلى أن نلتقي".

وفي مقال نشرته " د. سامية أبو النصر" بعنوان "وداعا قدرى أبو حسين" بجريدة الأهرام، قالت : " لست من الشخصيات التي تنعى كل من تعرفه، ولكننى أفضل بين الحين والآخر أن أكتب عن بعض الشخصيات الذين تأثرت بهم وأثروا في حياتي، وهذا احتراما وتقديرا لهؤلاء الشخصيات الذين كان لهم عظيم الأثر فى حياتى، وها هو الوزير قدري أبو حسين، محافظ حلوان الأسبق، حيث اقتربت من هذا الرجل الخلوق رحمة الله عليه فى الفترة الأخيرة، عقب تأسيسه حزب مصر بلدى بعد ثورة 30 يونيه وكان له دوراً كبيراً فى دعم ركائز هذه الثورة.... عرفته شخصية صعيدية من الطراز الأول، حيث إنه ابن بار من أبناء سوهاج ورئيس جمعية أبناء سوهاج. كان يعشقها حتى أنه فى أواخر أيامه فضل البقاء هناك، وكان شخصية خلوقة محبة لتراب هذا الوطن، وبرغم أنه كان سياسي محنك إلا أنه لم يكن يوماً يعرف لغة المؤامرات أو التحالفات المشبوهة (السياسة غير النظيفة) وعندما قررت خوض المعركة الانتخابية الانتخابات التكميلية لحدائق القبة عام 2016 كان من المشجعين والداعمين لى، وكنت أشعر معه بمشاعر حب الأب لابنته وكيف كان داعماً ومشجعاً ومناصراً، حيث كان يقدر عمل المرأة للغاية.... وكان دائماً مهموماً بقضايا وطنه، قلقاً من تولى غير الأكفاء المناصب القيادية، وكان يقلقه فساد بعض المسئولين في المحليات، ولما لا فهو الرجل الذى قضى كل عمره في المحليات... وداعا صاحب القلب الطيب العاشق لوطنه، الذى كان لا يعرف الخصام مع أحد.. الطيب في غير ضعف.. المتسامح مع نفسه ومع الآخرين.. رحل ابن الصعيد الذى عاش ومات مناضلاً من أجل أن تعيش بلاده حرة كريمة.

تحية طيبة لابن بلدي الحبيب قدري أبو حسين  الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً لرجل الدولة الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله قدري أبو حسين، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

في المثقف اليوم