شهادات ومذكرات

علي حسين: رحيل الاستاذ جميل نصيف وتنوير الثقافة

عندما قرأت خبر رحيل  استاذي الدكتور جميل نصيف التكريتي على صفحة الصديق هاتف الثلج هذا اليوم السبت 2/12/2023، تذكرت المرة الاولى التي قابلت فيها صاحب الابتسامة المتميزة والصرامة العلمية، وكنت قبل ان اقرأ خبر رحيله المؤلم في الغربة على سرير في احد مستشفيات لندن، اتابع اخباره واعرف انه يعاني من المرض ومن غياب الاحباب والاصدقاء، ومن  حنينه الى ضجيج قاعات الدرس التي كان فيها فارسا من الطراز الاول. وكنت اقول لبعض الاصدقاء ممن يعرفون قيمة وفضل الدكتور جميل نصيف على الثقافة العراقية: لماذا غابت عن حياتنا الثقافية اسماء كانت تشكل قيمة معرفية، والأهم لماذا النسيان لهذه القامات الكبيرة وعدم الإعلاء من شأن أفكارها ومبادئها، لتصبح مرجعية عامة لسلوكنا الثقافي والمجتمعي؟.

عرفت الدكتور جميل نصيف في نهاية السبعينيات، كنت آنذاك أعمل في مجلة الثقافة برعاية المعلم صلاح خالص، وكانت المجلة تنشر لي سلسلة حلقات عن مسرح يوسف العاني، وأتذكر انني في إحدى الحلقات اقتبست عبارة شهيرة كتبها الدكتور جميل نصيف عن يوسف العاني، واعتمدت أيضاً على دراسته المتميزة " نحو دراسة جادة للمسرح العراقي " كأحد المصادر المهمة التي تناولت تأثيرات المسرح الملحمي على المسرحية العراقية انذاك، وكان الدكتور جميل نصيف أول من قدم لقراء العربية الترجمة الكاملة للمؤلف المسرحي الالماني برتولد برشت " نظرية المسرح الملحمي "، وفي أحد الأيام أخبرني الدكتور صلاح خالص، إن جميل نصيف يسأل عني، وكأي شاب في بداية الطريق، أصبت بنوع من الخشية والرهبة، كيف يمكن لي أن أقف أمام استاذ بحجم جميل نصيف، لكنني في النهاية قررت أن أخوض التجربة، وذات يوم كنت أهِمْ بدخول ساحة كلية الفنون الجميلة، فإذا أنا أمام الدكتور نصيف بقامته الفارعة وأناقته المتميزة، وما إن اخبرته باسمي حتى وضع يده على كتفي وقال لي: تعال معي الى غرفة الاساتذة، حيث كان آنذاك يدرس مادة النقد المسرحي، لأجد نفسي استمع الى شخصية ساحرة امتزجت فيها الرؤية الانسانية، مع جمالية فنية متميزة وهو يحاول أن يصحح خطواتي الأولى في كتابة النقد المسرحي، ويعلمني درساً في كيفية مخاطبة القارئ بلغة مفهومة ذات دلالات واضحة. .. كنت اصيغ السمع الى الدكتور المعلم وهو ينبهني الى اسماء مهمة في الادب المسرحي يجب ان ترافقني في رحلتي، سوفوكليس، راسين، كورني، ابسن العظيم، جان انوي واقتباساته المهمة عن المسرح الاغريقي، جان جيرودو، نشيخوف وبساطته العميقة .. وذات يوم سيهديني الاستاذ نسخة من كتاب ارسطو فن الشعر كانت النسخة بترجمة شكري عياد، وكنت احتفظ بنسخة من الكتاب بترجمة عبد الرحمن بدوي، وسألت الاستاذ ذات يوم ما الفرق بين الترجمتين، فقال لي ان ترجمة شكري عياد بها اضافات نقدية كتبها المترجم حول تاثير كتاب ارسطو على البلاغة العربية، واضاف هذا لايعني ان ترجمة بدوي غير جيدة، بالعكس فهي ترجمة جيدة بحدود انها منقولة عن الترجمات العربية التي قام بها الفارابي وابن رشد وابن سينا لكتاب ارسطو .

جميل نصيف من جيل يؤمن بان مهمة المثقف، هي بالاضافة المستمرة التي يقدمها للحياة العامة، وإن الاستاذ الجامعي يجب أن لاينغلق على نفسه داخل اسوار الجامعة منعزلاً عن قضايا المجتمع وأحلامه في التقدم والرقي، وإن دراسة الأدب أو الفن لا معنى لها ما لم تضع في الإعتبار الدور الاجتماعي الذي يسهم به الأديب والفنان في الارتقاء بالحياة، وان الاستاذ الجامعي هو من يمتد برسالته الابداعية التنويرية خارج نطاق الدرس الجامعي مشيعاً قيم الحرية في المجتمع، متحدياً التقاليد الجامدة، ويبدو إن ذلك هو السبب الذي جعل الحياة الثقافية والاجتماعية تتأثر آنذاك بطروحات أساتذة كبار من امثال علي الوردي وسامي عبد الحميد وصلاح خالص وعلي جواد الطاهر وجواد علي وكاظم حيدر ومدني صالح وجبرا إبراهيم جبرا وإبراهيم كبة ومحمد سلمان حسن، وكنا نعرفهم ونتأثر بكتاباتهم المختلفة في الصحف والمجلات حتى قبل أن نعرف انهم يمارسون مهنة التدريس .

كانت طريقة جميل نصيف في كتابة النقد المسرحي، هي أول ما شد انتباهي اليه، كما كانت دقته في اختيار عباراته التي تبقى عالقة في الذهن لاتنزلق الى النسيان بسهولة، اتاحت لي كقارئ أن أتمثلها وأتمكن من تحديد مقاصدها، قال لي ذات يوم اقرأ جيدا كل ما يتعلق بالدراما الاغريقية التي كان يصفها بانها اشبه بالملمحة التي تنفع لكل عصر ومكان .

ولعل نظرة شاملة لمؤلفات جميل نصيف سنجد نوعاً من التنوع يغني ويعمق مجال الدراسات النقدية، فمابين موسوعته الشهيرة " نظرية الأدب " الادبية، ومروراً بدراسة مسرح ابي خليل القباني وتقديم المسرح الملحمي الذي اشتهر به الالماني برتولت بريشت و"المذاهب الادبية " " و" في سبيل الواقعية " وترجمة الدراسات الحديثة عن بوشكين وبيلينسكي، ومقالاته التي كان ينشرها في المجلات والصحف العراقية والعربية تكشف الأصل في الفعل الابداعي عند جميل نصيف وهو طاقته الخلاقة التي تجمع مابين التراث والمعاصرة، ولا زلت أتذكر دراسته القيمة والموسعة عن كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة وفيها استعرض بالنقد الدراسات العربية الحديثة عن هذا الكتاب التراثي وقارنها بأحدث دراسة ظهرت باللغة الروسية للمستشرق الارمني اوهانسيان . وقد سألت الدكتور جميل عن العلاقة بين دراسة التراث والسعي لترجمة أحدث مدارس النقد العالمي فأجاب: " لاأظن إن على الناقد أو دارس الآداب والفنون أن يفضل فناً من فنون الأدب على الأنواع الأخرى، كما أن عملي استاذ جامعي يفرض عليَّ ان لا أقف عند نوع معين من الأدب، بل إن تطور قراءاتي مرتبط بتطور حياتي مع تطور نموي الفكري، هناك في التراث العربي نقاط مضيئة كثيرة علينا دراستها وتقديمها للقارئ، وهناك حقيقة يجب أن نعرفها إنه لاخلق فني من دون أصالة، أعني بها أصالة التعمق في تراثنا القديم " .

أما أهم المعاني التي تقدمها لنا تجربة جميل نصيف فيرتبط بالطريق الطويل الشاق الذي قطعه الاستاذ الجليل على مدى ما يقارب ستة عقود في مجال الكتابة في عزم ومثابرة لايمكن لاي مؤرخ منصف لتاريخ الأدب العراقي إلا الوقوف أمام قدرة هذا الاستاذ بما أنجز وما حقق وما فتحه من أبواب مغلقة في الدراسات المختصة بالمسرح أو الأدب المقارن أو في مجال النظريات النقدية الحديثة وخصوصاً المدرسة الروسية التي كان أبرز أعلامها باختين وكان لجميل نصيف فضل السبق في تقديمه للعربية من خلال كتابه الشهير " شعرية دستويفيسكي "

لم يكن هذا العمق بعيداً عن النزعة الاشتراكية التي يؤمن بها جميل نصيف ويحاول أن يقدمها من خلال دراساته النقدية او ترجماته، رغم انه يرفض أن تتسم هذه الكتابات والترجمات بعداً ايديولوجياً:" قد اختلف مع التسميات التي توضع لمنهج الواقعية الاشتراكية، حيث يسميه البعض المنهج الايديولوجي، انا مؤمن بالواقعية الاشتراكية، لكني مع تنوع الأساليب والأشكال الادبية، فالمضمون الجديد يحتاج بالتأكيد شكلاً جديدا يتلاءم معه، والفنان والاديب وهو يواجه مظاهر الحياة عليه أن يتسلح بالقدرة على الكشف الخلاق لنواحي الحياة هذه، وأن يساهم في تغيير نمط حياة الناس ".

غاب الاستاذ والانسان الذي أمضى عمره يحفر في الثقافة  مثل عالِم آثار، وربما لايجود زمان العراق كثيراً باساتذة ومثقفين وطنيين بمنزلة الاستاذ جميل نصيف كاتبا ومترجما ومثقفا تنويريا، لم يكن فيها الاستاذ مجرد مثقف على الهامش،  وإنما كان نموذجا انسانيا يفيض علما ومهنية ومحبة للجميع.

***

علي حسين – رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

في المثقف اليوم