شهادات ومذكرات

طه جزاع: ذكريات «علوان أبو شرارة»

ربما لم يسمع بهذه الكنية أحد من أبناء الأجيال الصحفية الجديدة، بل من المؤكد أنهم لم يطلعوا على سخريته يوم كان يكتب في سنوات العشرينيات الصاخبة مقالات نارية صريحة وجريئة تحت الاسم المستعار «علوان أبو شرارة»، غير أن الاسم الصريح لأبي شرارة لا يخفى على أحد في عالم السياسة والدبلوماسية العراقية، فهو من أشهر وزراء الخارجية في أصعب الحقب التاريخية التي مر بها العراق في مسيرة استقلاله عن بريطانيا وصراعه الطويل معها، ومنها استلامه لحقيبة الخارجية في وزارة رشيد عالي الكيلاني. ويوم رحل موسى الشابندر «علوان أبو شرارة « في العام 1967 عن عمر ناهز السبعين عاماً، فإن أثمن ما تركه من إرث ذكرياته البغدادية التي اتسمت بالصدق والعفوية لكونه الشاهد الحي على الكثير من الأحداث الجسيمة التي مرت على بغداد وهي تنتقل من سيطرة العثمانيين إلى البريطانيين يوم 11 آذار 1917، بل وفاعلاً في مسارات الدبلوماسية العراقية بين الاحتلال والاستقلال .

وقد تهيأت الفرصة لتلك الذكريات أن تخرج إلى النور بداية التسعينيات من القرن الماضي بتقديم السياسي والبرلماني العراقي فيصل الدملوجي، بعد أن أعدها ولده محمود الشابندر لتصدر في لندن وقبرص عن دار رياض الريس بعد مضي ما يقرب من خمسين عاماً على تدوينها من قبل والده، ومضي ما يقرب من ربع قرن على رحيله، ومثلما كان «الصحفي» والكاتب المشاكس علوان أبو شرارة ساخراً في مقالاته الصحفية، كان الدبلوماسي موسى الشابندر طريفاً في ذكرياته البغدادية التي لم تخلُ من سخرية ودعابة تدل على روح بقيت متوهجة حتى الرمق الأخير على الرغم من الاجحاف وأنواع الدسائس التي يتعرض لها عادة السياسي العراقي، ومنها سنواته نزيلاً في سجن أبي غريب، تلك السنوات التي اختمرت فيها فكرة كتابة ذكرياته البغدادية. ولعل من أهم الأحداث التي شهدها الشابندر في مطلع شبابه وهو في العشرين من عمره سقوط بغداد، ووصفه للمخاوف التي عاشها أهل بغداد في الأيام التي سبقت دخول الجيش البريطاني، حين أخذت الطائرات تحوم فوق بغداد وتقذف عليها ذات يوم القنابل التي اصابت محلات مختلفة أطراف السراي والقشلة : «وكانت الأخبار متباينة والشائعات متعددة. ولكن مما لاشك فيه أن الجيش التركي كان بانسحاب مستمر أمام التقدم البريطاني.. وكان الخوف في قلوب الناس على أشده. خوف من الأتراك المنسحبين وخوف من الجيوش البريطانية الفاتحة وأشد من كل ذلك خوف من العشائر المحيطة ببغداد خلال الفترة بين الانسحاب والاحتلال .. لأن الشائعات أخذت تدور بأن بعض العشائر أخذت تهاجم بغداد وتسلب وتحرق. وليلة 10/11 آذار/ مارس 1917  حوالي منتصف الليل سمعنا انفجاراً قوياً هز الدار هزاً فأفاق النائمون في هلع كبير وأخذ الأولاد في البكاء والامهات تصيح واستولى الخوف على الجميع وكان ذلك انفجار مخزن العتاد التركي في باب الطلسم وهذه علامة بأن الأتراك تركوا بغداد» وقد أعقب ذلك أعمال الفرهود، وما تعرض له والده وهو شخصياً من أذى على يد الانكليز جعله يقول: كنا حانقين وناقمين على تصرفات الأتراك ومظالمهم فأرانا الله على يد الاحتلال الإنكليزي ما يجعل « ظلم» الأتراك برداً وسلاماً. وفي مثل هذا المستوى من الوصف التفصيلي المثير للأحداث يسرد الشابندر ذكرياته البغدادية منذ طفولته حتى نهايات الأربعينيات من القرن العشرين، ومنها صفحات الحرب العظمى ونشوء الدولة العراقية وتنصيب الملك فيصل الأول، وبداية عمله السياسي وانطباعاته وعلاقاته مع رجال عصره أمثال نوري السعيد وتوفيق السويدي ومزاحم الباجه جي وطه الهاشمي ومحمد علي جواد ورستم حيدر والوصي عبد الإله وغيرهم. ومن ذلك أيضاً وصفه للفيضان الذي اجتاح بغداد في خريف عام 1914 وهدم السدود فدخلت المياه إلى أطرافها ووصلت إلى محلة السنك: «وكان أهل بغداد باضطراب شديد والتجأ كثير من الناس إلى صوب الكرخ خوفاً من الغرق».

لكن من أكثر الصفحات إيلاماً في ذكريات الشابندر، تلك المتعلقة بسجنه في أبي غريب منذ العام 1944، فهو وبعد أن يستعرض عمله الدؤوب وتضحياته لخدمة بلده، وتمثيله العراق في عصبة الأمم وفي العديد من العواصم الأوروبية، وما لقاه من جزاء ومعاملة سيئة في سجن عراقي، يقول نصاً: نعم أنا الآن في بغداد، في العراق، في « أبي غريب» في هذه الغرفة الموحشة من هذا البناء الموحش، سجيناً، والسجن انفرادي، وهذا الباب مغلق... وهذا الحارس يتمشى في الممر المظلم ذاهباً وعائداً أمام الغرف، هل هذا حلم مزعج أم حقيقة مرّة .

يكتب الشابندر: وإن كان معتقل « داخو» لطخة عار على جبين الشعب الألماني فإن سجن « أبي غريب» بالنسبة إلى العراق سيكون له نفس العار على موجديه .

وتلك كانت من نبوءات علوان أبو شرارة ! .

***

د. طه جزاع – أستاذ فلسفة

في المثقف اليوم