شهادات ومذكرات

محمد بوفلاقة: مُختار نويوات القامة السّامقة.. سيرة مُتميّزة وعطاء لا ينضب

جمع العلاّمة مُختار الأحمدي نويوات العديد من الخصال التي لا تتوافر إلا للعلماء من بلاغة التواضع، والخلق الكريم، وطيب المعشر، وبرحيله فقدت العربية واحداً من أفضل عشاقها، حيث كان منهلاً ثراً للباحثين، والحقيقة أن الجامعة الجزائرية قد أُصيبت برُزء فادح بوفاته  يوم:02ماي2023م؛ فقد قدم خدمات جليلة للعلم والمعرفة في الجزائر منذ سنوات الاستقلال الأولى، وبرحيله خسرت اللُّغة العربية والجامعة الجزائرية أحد فرسانها الأفذاذ، وأحد كبار العلماء الأجلاء الذين قدموا خدمات جليلة للغتنا العربية؛ فالعلاّمة نويوات يعد قامة سامقة من قامات العلم والمعرفة، وأحد كبار علماء المغرب العربي الشوامخ الذين عشقوا اللغة العربية، وأفنوا حياتهم في خدمتها ودراستها، وسبر أغوارها؛ لقد كان الراحل صاحب ثقافة موسوعية، ترك بصمات راسخة في شتى ميادين المعرفة، وخلف عدداً من الآثار العلميّة الثمينة،  وتخرج عليه خلق كثير من الطلاب في اللُّغة العربيّة وآدابها، وقد نال عدّة شهادات تقديريّة وفخريّة، كما كرّمته هيئات علميّة وثقافيّة جملة مرّات.

ولا ريب في أن جهود العلاّمة مختار نويوات تستحق الإشادة والتنويه؛ اعترافاً بمكانته وتقديراً لخدماته الجليلة في حقول اللُّغة والأدب والثقافة الشعبية، واعتماداً على السيرة الذاتية التي كتبها الشيخ مختار نويوات بنفسه عن نفسه؛ فقد وُلد خلال عام:1930م بأولاد عديّ لقبالة في ولاية المسيلة، وعن بداياته يقول في حوار له مع مجلة: «النور»:« ولدت سنة:1930م، بدأت بحفظ القرآن الكريم وعمري 5سنوات حتى أتممته، وفي سن السادسة بدأ والدي موسى الأحمدي نويوات يُحفظني الشعر وفقاً لقدراتي الفكرية، وكانت لي ذاكرة قوية...دأب والدي على ذلك حتى منحني قوة حب الشعر العربي، وصرت لا أستطيع أن أقضي يوماً دون حفظ الشعر ومطالعة الدواوين، ثم توجهت لدراسة الفرنسية في برج بوعريريج، وتخرجت لأدرس الإعدادي في مدرسة قسنطينة أين حفظت المتون الأساسية من نحو والألفية والأدب والفقه والعروض والأدب الفرنسي والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والعلوم التجريبية، وبعدها انتقلت إلى معهد الدراسات الإسلامية». وعن فترة طفولته، يقول الشيخ مختار نويوات: «كنت أنظم الشعر في الصغر أنشره في جريدة البصائر، وكنت في تمرينات الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بالمدرسة أحفظ كل أدوار غيري من التلاميذ؛ حيث أسمع القصيدة مرة واحدة فأحفظها»، وقد حصل الشيخ مختار نويوات على شهادة الدراسات الإسلاميّة سنة:1951م من جامعة الجزائر، وشهادة اللّيسانس في الأدب العربيّ سنة:1954م، من جامعة الجزائر، وشهادة الدّراسات العليا سنة:1962م من جامعة الجزائر، وشهادة التّبريز من باريس عام:1963م، وقد نال الباحث(مُختار نويوات) «دكتوراه الدولة»في الآداب والعلوم الإنسانية من« جامعة السوربون: باريس4»، سنة:1981م، بعد إنجازه رسالة عن: « السَيِّد الحِميريُّ ومصادر شعره»، ويبدو أنه قد شغف بالسَيِّد الحميري ومصادر شعره؛ نظراً للمكانة التي حظي بها في تاريخ الشعرية العربيّة، حيث يُوصف بأنه: « شاعر مطبوع مُجيد مُكثر جداً من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وقد كان السيِّد الحميري وبشار بن برد أشعر المُحدثين له طراز من الشعر قلّما يُلحق فيه، ولشعره جزالة ومتانة ورونق معنىً، وقد وقف السيد الحميري شعره على مدح آل هاشم عامّة، ومدح عليّ وأبنائه خاصة: أخذ على نفسه أن ينظم فضائل الإمام علي شعراً، ومدح الحُسين، غير أنه هجا صحابة رسول الله وهجا عائشة زوج الرسول، من أجل ذلك هجر الناس شعره».ينظر: عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي، ج:02، ص:109.

عمل الشيخ مختار نويوات أستاذاً بالتعليم الثانوي ما بين سنوات: (1954- 1962م)، وكان مديراً بثانوية القدّيس أوغستين بعنّابة، واشتغل في الوقت نفسه مفتش آكاديميّة بعنّابة ما بين: (1962- 1965م)، وكلِّف بعدها بالتّفتيش العامّ البيداغوجي بوزارة التربية الوطنيّة، ما بين سنوات: (1965- 1981م)، وبعدها انتقل للعمل في قسم اللُّغة العربية وآدابها بجامعة عنّابة ابتداء من سنة:1981م، عن جٌهوده التربويّة، يقول: «دُرِّبت على فنّ التربية والتعليم بمعهد الدّراسات العليا ومدرسة المعلّمين ببوزرّيعة مدّة سنتين: (1949- 1951م)، ومدرسته في المرحلتين الثانويّة والجامعيّة، وباشرته مفتّشاً عامّا من سنة:1965م إلى سنة:1981م على مستوى القطر ثمّ على مستوى الشّرق، ونظّمت في تلك الفترة ما يربو على الأربعين ملتقى تربوياّ».

وبالنسبة إلى مراحل التّدريس بجامعة عنّابة، يقول الشيخ نويوات: «درّست في التدرّج العروض والنحو والصّرف، وفيما بعد التدرّج الأدب العربيّ لاسيّما الأدب الشيعيّ ودعائمه العقديّة، والأدب الصّوفيّ وأسسه، وتحليل الخطاب على الطرائق الحديثة بنماذج عربيّة ومعرّبة، ونظريّة الشعر عند أرسطو والأدباء الغربيّين لاسيّما الإيطاليّين والفرنسيّين إلى القرن السابع عشر، وأدب المسرح: نشأته ونماذج منه في المشرق العربيّ وفي الجزائر وتونس والمغرب الأقصى، والبلاغتين العربيّة والفرنسيّة(دراسة مُقارنة)».

وسيظل العلاّمة الأستاذ الدكتور (مختار نويوات) أحد رواد النهضة الثقافية بالجزائر، وأحد كبار المثقفين الموسوعيين الذين عرفتهم الجزائر بعد الاستقلال؛ فهو واحد من  الذين أسهموا بأعمال جليلة في سبيل خدمة العلم والثقافة والحضارة، وتشريح الأوضاع الثقافية والجامعية في البلاد؛ فلدى تشريحه للمشاكل الحقيقية في الجامعة الجزائرية، نجده يقول: «المشكلة الحقيقية في الجزائر هي أزمة قراءة التي ستقضي على كل آمال التقدم والازدهار ومواكبة العالم؛ بل إن أزمة المطالعة ستقضي على مستقبل الأجيال، والأستاذ هنا مظلوم ومثله الطالب؛ فهذا هو التعليم الذي تقترحه المدرسة الجزائرية والمتوسطة والثانوية وحتى الجامعة، والتي تخلفت عن اللُّغات ومنها العربية، وتخلت على قوة المطالعة التي تفطن وأدرك الكثيرون في العالم قدرتها على التنوير والتثقيف وبناء الحضارة؛ نحن بحاجة إلى تفعيل آليات القراءة بتوفير الكتب للأفراد بداية من الطفل، على أن تكون متوافقة مع سن الطفولة والميول الطبيعية لكل صغير؛ لصنع جيل صحي غير مريض، والجامعة تراكم للمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ونحن بحاجة أولاً إلى تغيير ثقافي نغرس من خلاله حب القراءة منذ الصغر، ثانياً أن يكون تعليماً حقيقياً للغات، وثالثاً استعمال اللُّغة العربية استعمالاً صحيحاً في التدريس؛ إذ يجب أن نسعى لأن تكون عربيتنا سليمة لكي نواصل البحث على وجهه الحقيقي، ولكي نسلم من كل هبات الريح».

ويعترف العلاّمة(مختار نويوات) في حوار مع مجلة: «النور» بأن الجامعة قد أعاقته كثيراً عن التأليف، حيث يقول: «في الحقيقة إن الجامعة قد أعاقتني كثيراً عن التأليف، فلطالما حلمت بتكوين إطارات بشرية تحمل المشعل في البلاد بعدنا، وقدمت كل ما أملك للجامعة، لكنها وقفت بيني وبين التأليف».

ومن أهم مؤلفاته النفيسة كتاب: «البلاغة العربيّة في ضوء البلاغات المُعاصرة- بين البلاغتين الفرنسيّة والعربيّة- »؛ الذي تطرق فيه إلى قضايا تكتسي أهمية كبيرة، وكشف النقاب في مقدمته عن أسباب تأليفه له والغرض من النهوض بدراسة مقارنة، حيث يقول: «للدّراسات المقارنة أهميّة كبرى في وضع الثقافات جنباً إلى جنب وإدراكها مستنيراً بعضها ببعض وفي مجال أوسع من مجالها منفردة، ونريد أن ندرس البلاغتين العربيّة والفرنسيّة متقابلتين متكاملتين تستمدّ كلتاهما من الأخرى ما هي في أمسّ الحاجة إليه وتمدّها بخير ما فيها من مادّة ومن تصوّر ومن وسائل تخدم الفكر وتغذّي المواهب وتوسّع المدارك. ونقدّم إلى الطالب العربيّ أيًّا كان موطنه هذه المُحاولة المتواضعة آملين أن يجد فيها ما يُوسّع أفقه وما يُعمِّق معرفته لأدبه؛ فالآداب لا تُدرك في حقيقتها إلاّ إذا وُضعت في ميدان أرحب وقورنت بمثيلاتها، وقد اخترنا البلاغة الفرنسيّة لأنّها صورة من البلاغة الأوروبيّة في عمومها، ولأن اللّسان الفرنسيّ أسهل علينا من غيره، واخترنا فنّ البلاغة لأنّ الدّراسات البلاغيّة نشطت في النصف الأخير من القرن العشرين، عُني بها عُلماء اللّسانيّات وبعثوها بروح جديدة وبتصوّرات زادت من حيويّتها وخصّوها ببحوث مستفيضة...، ونذكّر بأن دراستنا دراسة مقارنة، بكلّ ما للوصف في اللّغة الأدبيّة المعاصرة من إيجاب، وليست موازِنة بكلّ ما لهذا الوصف أيضاً من سلب».

كما حقّق وشرح وعلّق على ديوان ابن سِنان الخفاجيِّ، وقد نُشر تحقيقه هذا الذي تمّ بالاشتراك مع الدكتور نسيب نشاوي- رحمه الله- ، ضمن مطبوعات مجمع اللُّغة العربية بدمشق، وقد أنجز دراسة مستفيضة في مُستهله تحدث فيها عن ديوان ابن سنان والنسخ المعتمدة، وتحدث عن خصائص شعره، وحياته، وآثاره، وأسلوبه؛ حيث يقول في هذا الصدد: «أسلوب ابن سنان قديم جديد في مضمونه وفي شكله، في مادّته وفي تنوّع أشكاله؛ وذلك ما ضمن للشعر العربيّ السير بخطوات ثابتة لم تتنكر للقديم ولم تتجاهل محاسن الحديث». وقد ختم دراسته بالقول: «وصفوة القول إن ابن سنان شاعر مطبوع من فطاحل شعراء القرن الخامس، ظلّ مغموراً إلاّ عند مُعاصريه وذويه من الخفاجيّين، وعند المؤرخين لمدينة حلب، وقد ذكرنا عند الحديث عن آثاره بعض الأسباب التي يرجع إليها، في تقديرنا، إهمال هذا التراث الجدير بكلّ عناية في تاريخ الأدب العربيّ، ولعلّ في شرحنا وتحقيقنا له بعض الإنصاف لصاحبه».

كما صدر للشيخ (مختار نويوات) معجم ثلاثيّ اللُّغات، بعنوان: «الأساس في مصطلحات علم التشريح»، تحدث في تصديره له عن الأسباب التي دعته إلى إنجازه، حيث يقول: «بدأ اهتمامي بعلم التشريح الوصفيّ في الثمانينيّات من القرن الماضي حين كنت أدير مكتب التعريب في كليّة الطبّ بجامعة عنّابة، واشتدّ اهتمامي به يوم طُلب منّي أن أُشارك في تعريب المصطلحات الواردة في كتاب: (علم التشريح الطوبوغرافي)- خمسة مجلدات- لعبد الحفيظ الحلايدي أستاذ المادّة بجامعة الرّباط، ألّفه بمساعدة ثلّة من زملائه وقرّظه عدّة من علماء أوروبا، شاء الله أن أنجز في عدّة سنوات ما كُلِّفتُ به من عمل، وتطلّب منّي ذلك اقتناء مراجع عديدة من الشرق والغرب بلغة واحدة أو بعدّة لغات، ولما تّمت ترجمة المصطلحات بفضل جهود فرقة تنتمي إلى مختلف أقطار المشرق والمغرب طُبع الكتاب طبعة ثانية لم أطلع عليها، وبمصطلحات ثلاثيّة اللّغة؛ ذلك ما جعلني أتابع العمل في هذا المجال منذ أكثر من عشرين سنة، وبتشجيع من الأستاذ السعيد شيبان الذي زوّدني بمرجعين لم أكن أملكهما».

وقد نشر الأستاذ مختار نويوات العديد من المقالات في مختلف المجلات الثقافية والأكاديمية المُحكّمة في مختلف أقطار الوطن العربي، وألّف  مجموعة من الكتب المفيدة ناقش فيها قضايا متنوعة، ونذكر من بينها: « العاميّة الجزائريّة وصلتها بالفصحى»، و« تعريب مُصطلحات التشريح»، و«مصطلحات في علمي التشريح والفزيويوجيا»، كما قام بكتابة مُقدمات ثمينة لعدد من الكتب العربية المتنوعة من بينها كتب تراثية وكتب أكاديمية لباحثين جزائريين وعرب، ومن بينها مقدمته النفيسة لكتاب: « نهج البلاغة»للإمام علي.

وقد شهد بفضل العلاّمة مختار نويوات عشرات الباحثين والعلماء في المغرب العربي والمشرق، وهناك شهادات كثيرة اطلعنا عليها لا يتسع المقام لذكرها هنا، رحم الله أستاذنا العلاّمة مختار الأحمدي نويوات؛ الذي يُمثِّل قيمة ثقافية عالية وشخصية أدبية راقية، وهو باحث موضوعي جاد، ومسؤول تربوي ملتزم، كما أنه قلب ودود، ورجل نبيل ومتواضع.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة

كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

...................

أهم المراجع:

1- حوار مع الأستاذ الدكتور مختار نويوات، بعنوان: الرجل الموسوعة البروفيسور الأستاذ نويوات من قسم الأدب العربي:أزمة القراءة في المجتمع الجزائري قد تقضي على مستقبل أجيال كاملة، مجلة النور، مجلة إعلامية تصدر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الشهيد باجي مختار بعنابة، الجزائر، العدد:01، جانفي2011م، ص:6.

2- تكريم قامة الأستاذ الدّكتور مختار نويوات عُمر من المعرفة كلمات وشهادات، كتاب جماعي، منشورات المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر،2014م، ص:11.

3- مختار نويوات: البلاغة العربيّة في ضوء البلاغات المُعاصرة- بين البلاغتين الفرنسيّة والعربيّة- ، منشورات دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر،2013م، ص:17 .

4- ديوان ابن سنان الخفاجي: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن يحيى بن الحُسين، حققه وشرحه وعلّق عليه: مختار الأحمدي نويوات، ونسيب نشاوي، منشورات مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،1428ه/2007م، ص:91 وما بعدها

5- مختار نويوات: الأساس في مصطلحات علم التشريح: معجم عربيّ- فرنسيّ- أنجليزي، منشورات مخبر اللسانيات واللّغة العربية كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة باجي مختار، عنابة،2010م، ص: 1.

6- مختار نويوات: عن اللسان وفي البيان: مقالات وافتتاحيات، منشورات المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر، 2012م.

في المثقف اليوم