شهادات ومذكرات

علي حسين: عندما قررت الجلوس على مائدة الاخوات برونتي

لم أكن اتخيل يوما انني ساتحدث مع هذا الزبون الانيق، وان حواراً سيدور بيني وبينه عن الكتب، كان هذا الزبون كلما يدخل المكتبة ينهض صاحب المكتبة مرحبا، ويدعوه الى الجلوس، لياتي له بالكتب والمطبوعات التي صدرت حديثا كتب فرنسية او كتب تراث وبعض المجلات الثقافية، كنت اشعر دائما باهمية هذا الزبون الذي يملك وجها حضريا، جميل التقاسيم، الجبين مدور، العينان قويتان بارقتان، ابرز ما في وجهه الابتسامة الخفيفة التي تنم عن تواضع وطيبة، اناقته بسيطة لكنها ملفتة للنظر، الدهشة حين ينظر الى كتاب جديد هي كلمة السر المنتشرة بين ملامح الوجه والتي تفشي بأن صاحب هذا الوجه قارئ لا يستهان به . كان الدكتور علي جواد الطاهر من الزبائن الدائميين للمكتبة، ينقطع احيانا لأكثر من شهر او شهرين، ثم تجده امامك بابتسامته المحببة يقلب في الكتب.ذات يوم قال أنه عمل في مكتبه عندما كان طالبا في المتوسطة، وكانت مكتبة المدرسة، يفتحها صباحا، ويقف يلبي طلبات المستعيرين خلال فرص الاستراحة بين الدروس، ثم اضاف: كنت في تلك المرحلة مغرما بمجلة الهلال اجمع اعدادها، واقرأ باستمتاع روايات جرجي زيدان، العجيب ان الصبي عامل المكتبة  قال دون تردد: قرأت رواية " فتاة القيروان " لم استسغها . في تلك السنوات كانت روايات جرجي زيدان تباع بشكل جيد ونادرا ما يمر اسبوع دون أن يسالني احد الزبائن: هل عندكم روايات جرجي زيدان .يبتسم الدكتور الطاهر: وماذا يعجبك من الكتب . اجبت وبسرعة وكأنني انتظر هذا السؤال: سلامة موسى وطه حسين .

قال الطاهر: قرأت سلامة موسى عندما كنت في الثالث متوسط . كان اكتشافا بالنسبة لي، فتاثرت به كثيرا، وما زلت ارى أن اراءه كانت صائبة، حيث يدعو القراء الى العلم والمعرفة، واضاف اما طه حسين فقد شاهدته عن قرب وسمعته، وهو اقرب الكتاب الى نفسي، يتذكر الطاهر انه قرأ في المتوسطة كتاب طه حسين قادة الفكر:" فعجب ولم یّعجب، لطه حسين كیف یقرب البعید، ویدني القصي ویلينُ العصي فینتقل بك بين هوميروس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وكأنه ینتقل بك من صدیق إلى صدیق وانك لتألف هؤلاء الأصدقاء حتى حين لاتكون مالكاً لعناصر الائتلاف – علي جواد الطاهر من كتابه اساتذتي -

اخذت انتظر زيارة العلامة الطاهر الى المكتبة لاطرح عليه بعض الاسئلة عن الكتب، وكان الرجل لفرط بساطته يجيب ويحاورني وكاأني احد طلبته . ذات يوم سيدخل الدكتور الطاهر ومعه شخص آخر، نادرا ما كان الطاهر يرافق احدا في زيارته للمكتبة، لكن هذه المرة كان يبدو سعيدا وهو يفسح المجال للضيف الجديد للدخول، وقبل ان ينطق باسمه نهض صاحب المكتبة ليرحب بحرارة بالزائر وهو يقول للطاهر: الدكتور زبون قديم للمكتبه، لكنه تركنا وسافر. كان الضيف طويل القامة جسمه ممتلئ يرتدي نظارة طبية، ملامح وجهه صارمة، رفض الجلوس وقال انه يريد أن يتجول في المكتبة، بعد دقائق التقط كتابا من احد الرفوف وقال للدكتور الطاهر: هل تدري لقد زرت بيت عائلة برونتي وشاهدت الغرفة التي  كتبت بها هذه الرواية – كانت الرواية التي بيده جين اير لشارلوت برونتي - . اخذ يقلب بالرواية ويقول للأسف الترجمة غير كاملة، فالرواية في نسختها الانكليزية بجدود تسعمائة صفحة بالحرف الصغير، ثم اضاف منير بعلبكي مترجم جيد، يعرف مزاج القارئ ولهذا يبدو انه حذف بعض المطولات المملة .كان الضيف الجديد الذي اشاهده للمرة الاولى والاخيرة هو الدكتور صفاء خلوصي، صاحب الرأي الجريء والمثير عن اصول شكسبير العربية، قال الدكتور الطاهر انه قرأ جين اير، لكنها اتعبته باجوائها السوداوية والكآبة التي سيطرت على بطلة الرواية والشعور بالأسى والحزن .

منعني الخجل من ان احشر نفسي في الحوار . اتذكر غلاف رواية جين اير الذي يبرز من احد الرفوف، فتاة ترتدي معطفا وقبعة وسط غابة، يبدو في الصورة شاب وحصان، فيما الثلج يملأ المكان، والقمر يبدو ساطعا . لم اكن قد قرأت رواية جين إير بترجمة منير بعلبكي، لكني تعرفت على ملامح القصة وحياة المؤلفة من خلال سلسلة كتابي.. ومثل أي قارئ مبتدئ كنت متلهفا لمعرفة نهاية جين آير اقلب الصفحات على عجل بحثا عن مصائر الشخصيات وهل ستنتهي الرواية نهاية سعيدة ام حزينة وكئيبة مثل صاحبتها التي عرفت انها عاشت في بيت منعزل لقسيس يخدم الكنيسة .في هذا البيت الذي زاره الراحل صفاء خلوصي قضت شارلوت ايامها وحيدة وتعيسة .

تكتب فرجينيا وولف:" عندما نفتح كتاب جين آير لا نستطيع ان نخفي توقعاتنا في أننا سوف نقابل دنيا عتيقة من صنع خيالها، دنيا لا تتفق والعصر الحديث " - القارئ العادي ترجمة عقيلة رمضان -

حين توفيت جين اوستن في في ١٨ تموز عام ١٨١٧ عن واحد وأربعين. كانت شارلوت برونتي صاحبة الرواية الشهيرة " جين آير " قد بلغت عامها الاول – فيما ولدت اميلي برونتي التي ابدعت "  مرتفعات وذرينغ " بعد عام من ولادة شقيقتها شارلوت، وفي مطبخ البيت كانت اكثر الطقوس اهمية للشقيقات برونتي، هي قراءة اعمال جين اوستن حتى أن شارلوت برونتي كتبت انها قرأت  " كبرياء وهوى "  سبعة عشر مرة.، ومثل والد جين كان والد شارلوت يجلس في غرفته التي يعد فيها مواعظه الدينية التي يلقيها في الكنيسة حيث يعمل كاهنا، يهوى كتابة الشعر ويعيش في غرفته عيشه وصفتها اميل برونتي:" في توحد محموم محتد وعديم القدرة "   في اوقات الفراغ يقرأ باستمتاع ما كتبته ابنته شارلوت من صفحات رواية سيطلق عليها اسم " جين اير "، والغريب ان اسرة برونتي عاشت قصص حب لم تكتمل، فقد احبيت شارلوت استاذها المتزوج واخذت تراسله، الى ان ابلغها بضرورة التوقف عن ملاحقته برسائلها، وقد نشرت " جين آير "  عام 1847 وبعدها بعام نشرت رواية  شقيقتها اميلي روايتها الوحيدة " مرتفعات وذرينغ " وبينما كانت شارلوت تشعر دائما بان وضعها كامراة  جعلها في مرتبة اقل، لم تشعر اميلي باي احباط لكونها امرأة .

سادت صورة " شارلوت برونتي  " العانس التي تجلس في زاوية من غرفتها تكتب بقلم رصاص على اوراق ملونة، وكأنها نسخة مكررة من كاتبتها المفضلة " جين اوستن " التي حرّضتها على الكتابة عن الحب الذي  لا يجتاز حدود العقل، لتقدم الى القراء صورا فنية عن المشاعر الانسانية الدفينة،  فيما اختارت " إميلي برونتي "، عالما أخرا أكثر ثراء من اي حقيقة اجتماعية، لا يشبه عالم شقيقتها المشغول بالبحث عن الراحة في الخيال، وإنما عالم تسير فيه مدفوعة بعواطف جامحة، حيث تقودها طبيعتها الخاصة، لأنها امنت أن حياتها أمر يخصها لوحدها، لا علاقة له برؤى الخيال .

ولدت شارلوت برونتي في 21 نيسان 1816 في غرب انكلترا، وكانت الابنة الثالثة من بين ستة أطفال لربة البيت ماريا برانويل و القس من اصول ايرلندية باتريك برونتي. في عام 1820، انتقلت العائلة  إلى قرية هاوورث، حيث تم تعيين الاب مشرفا على كنيسة سانت مايكل . في الخامسة من عمرها توفيت والدتها بمرض السرطان، تاركة خمس بنات، ماريا وإليزابيث وشارلوت وإميلي وآن، وابنها برانويل، لتعتني بالعائلة خالتهم إليزابيث برانويل.

في الحوار الوحيد الذي استمعت فيه للراحل الكبير صفاء خلوصي، قدم وصفا للبيت الذي عاشت فيه عائلة برونتي، كانت غرفة الاب على اليمين حيث اختار لنفسه حياة منعزلة بعد وفاة زوجته، وقبالة غرفة الاب كانت غرافة الاخوات، وفي زاوية من البيت غرفة الاخ برانويل وكان يعشق الرسم، فكان يرسم بورتريهات لشقيقاته، وهناك المطبخ الذي يجتمع فيه الابناء لتناول الطعام، واجراء مسابقات ادبية بينهم، وفي المطبخ يتوسط موقد ناري تصفه اميل برونتي في احدى قصائدها:

" البيت عتيق

الاشجار جرداء

وبدون قمر تنحني القبة المضيئة

ولكن أي شيء عزيز على وجه الارض

يثير اللهفة والشوق كموقد بيت دافئ ؟ " .

عند قراءتي لجين آير وبعدها مرتفعات وذيرينغ مرة ثانية، كنت في ذلك الوقت احمل الكتب معي في كل مكان، على السرير، اثناء تناول الطعام، اوقات الاستراحة في المكتبة، واحيانا اخبئ رواية بين كتبي المدرسية، ومع كل رواية كنت اتخيل كيف كان مؤلفها يعيش، سرحت مرة مع اجواء بيت القس برونتي والسكون الذي يحيط به، والمطبخ الذي تجتمع فيه الاخوات حول مائدة الطعام، وكنت اسأل نفسي ترى بماذا كن يتحدثن، وأي الكتب كانت تستهويهن ؟  

في آب 1824، دخلت شارلوت ومعها شقيقاتها إميلي وماريا وإليزابيث إلى مدرسة بنات رجال الدين، وستخبرنا شارلوت برونتي من  أن الظروف السيئة في المدرسة أثرت بشكل دائم على صحتها ونموها البدني، وسرعت بوفاة  شقيقتها ماريا التي توفيت بمرض السل لتلحقها بعدها باشهر شقيقتها اليزابيت  بنفس المرض، مما اضطر الأب ان يمنع بناته من اكمال دراستهن .

في البيت قامت شارلوت بدور الأم والشقيقة الكبرى لأخواتها، في الثالثة عشر من عمرها كتب اول قصيدة لها، وقد شجعها والدها فانجزت خلال اعوام كتابة اكثر من 200 قصيدة، كانت تبعث بها الى المجلة التي تصدر في مدينتهم الريفية وبعد عدة محاولات قرأت اسمها مطبوعا على احد الصفحات، وجدت شارلوت في حياتها الرتيبة ملاذا خاصا، حيث يمكنها أن تتصرف وفقا لرغباتها وهوياتها المتعددة، إلا ان هذه الحياة الرتيبة جعلتها تعيش في صراع نفسي داخلي بين ولائها للدين الذي لا يبيح الشهوة الجنسية ويطالب بكبتها، وبين ولعها بالحب . وقد دفعها هذا الصراع أن تقرر كتابة قصص تشرح فيها حالتها، لكنها كانت تحتفظ بها في خزانتها الخاصة خوفا من اطلاع والدها القس على خيالات ابنته واحلامها الرومانسية، الامر نفسه كانت تقوم به اميلي إلا ان خيالاتها كانت اكثر جرأة . بعد اعوام قليلة ستقدم شارلوت لوالدها دفترا ضخما يحتوي على رواية بعنوان " الاستاذ " . وفي هذه الرواية تسلط الضوء على موضوع طالما شغلها، وهو علاقة الطالبة باستاذها، وهو يمثل انعكاسا على بعض جوانب حياتها، فقد احبت شارلوت برونتي معلماً بلجيكياً  درست عنده اللغات . كان المسيو إيجيه متزوجا ولديه اولاد، لاحظ موهبتها في الكتابة وشجعها، ففسّرت اهتمامه على انه نوع من انواع العشق . كتبت له العديد من الرسائل وفي واحدة منها ترجوه أن لا يغضب منها وتخبره بان قلبها الممتليء بالحب هو الذي يدفعها للكتابة، لكن الاستاذ، طلب منها ان تتوقف عن مراسلته .

قرر الاب ان يبعث بروايته ابنته " الاستاذ " الى احدى دور النشر، لكن جميع دور النشر رفضت طباعتها، ولم تطبع إلا بعد وفاة شارلوت برونتي بعامين .

عام  1846 نشرت الأخوات شارلوت وإيميلي وآن مجموعة مشتركة من القصائد تحت الأسماء المستعارة " كورير بل - إليس بل - آكتون بل" كتبت شارلوت حول استخدام الأسماء المستعارة ما يلي: " تجنبا للدعاية الشخصية، أخفينا أسماءنا الأصلية خلف الأسماء المستعارة: كورير بل - إليس بل - آكتون بل.اخترنا هذه الأسماء الغامضة رغبة منا في استخدام أسماء ذكورية حيث لم نكن نود أن نكشف عن هويتنا كنساء، لأنه في ذلك الوقت كان سيتم التعامل مع طريقة كتاباتنا وتفكيرنا على أنها (أنثوية)، كان لدينا انطباعا قويا أن مؤلفاتنا سيُنظر إليها باستعلاء، حيث لاحظنا كيف يستخدم النقاد في بعض الأحيان أسلوب المهاجمة الشخصية كوسيلة عقاب وأسلوب الغزل كمكافأة، وبالتالي لا يُعتبر ذلك إشادة حقيقية لأعمالنا " . – الروارنولد كيتل مدخل الى الرواية الانكليزية ترجمة هاني الراهب -

عام 1947 توافق دار النشر التي رفضت رواية " الاستاذ " على نشر رواية" جين آير " ولم تصدق أن القراء والنقاد سيهتون بها وستوضع روايتها  ضمن قائمة الكتاب الاكثر مبيعا، وعندما قرأ ت ما كتبته احدى الصحف من ان جين اير "  رواية من صميم روح شهدت الكثير من الكفاح والمعاناة والتحمل."، اغمي عليها وظلت لاسابيع تعتقد ان الامر مجرد خيال يدور في رأسها .

عندما قرأت لاول مرة رواية " جين اير " باجزائها الثلاثة الصغيرة، وجدتها رواية مملة، فيها امرأة مجنونة واخرى تعشق صاحب البيت، ومشاهد الحريق، وعندما عدت إليها بعد اكثر من 10 سنوات، في ترجمة منير بعلبكي، اكتشفت انها رواية طويلة، لكن صاحبتها تتقن سرد حكاية انسانة متمردة عنيدة تقترب من سيرة شارلون برونتي نفسها، فالفتاة جين تسرد لنا احداث حياتها منذ طفولتها حين نشأت في مدرسة تتبع الكنيسة، وتلتزم المدرسة بمبدأ اذلال الجسد للقضاء على أية شهوات قد تراود الفتيات . فالفصول الاولى من الرواية توضح لنا خلفية جين التربوية وتاثيرها على تكوين شخصيتها التي سوف تنضج فيما بعد . وتعكس براعة شارلوت برونتي في تصوير الظروف المحيطة بالشخصية وما يسود عالمها من تجاذب بين الحرية والكبت . كانت " جين آير " الطفلة التي مات والديها بمرض التيفوئيد وعمرها سنة واحدة، تولى خالها السيد ريد رعايتها، تعاني من قسوة زوجة الخال التي تعاملها كالخادمة، تلوذ الفتاة بزاوية هادئة لتعيش مع عالم آخر من خلال الكتب التي تقرأها، تعلقت برحلات جالفر "، عندما تدخل المدرسة ستجدها أسوأ من المنزل الذي غادرته. المعلمات قاسيات ومعقدات مثل زوجة خالها، الطعام رديء، الغرف باردة جدا، اللباس رث والأحذية خشنة .تكمل دراستها وتصبح معلمة. وفي وظيفتها الجديدة تتعرف على روشيستر المتزوج من امراة مصابة بالهستريا، تقع في حبه لكنها ترفض الزواج منه في اللحظة الاخيرة، تترك بيت روشيستر وترتبط بعلاقة مع صديق قديم تتفق معه على الزواج، لكنها ستهرب ايضا لتعود الى منزل روشيستر وقد تحول الى اطلال بعد نشوب الحريق فيه وموت زوجته واصابة روشيستر بالعمى فتقرر الزواج منه .

بعد أن أعدت قراءة جين آير، أردت أن أعرف من هي هذه الكاتبة التي خلقت هذا العالم المليء بالآسى والاحباط، يصف المقربين من شارلوت برونتي انها كانت امراة نحيفة صاحبة وجه محمر وفم كبير، وشرود دائم . كانت خجولة، لديها ولع خاص بالمقبرة الموجودة مقابل منزلهم . تكتب في يومياتها:" هل سأقضي أفضل جزء من حياتي في هذه العبودية البائسة  ؟ اجلس يوما بعد يوم مقيدة بالسلاسل إلى هذا الكرسي المسجون داخل هذه الجدران العارية الأربعة، بينما شمس الصيف المجيدة تحترق في السماء والسنة تدور في أغنى وهجها وأعلن في نهاية كل يوم صيفي أن الوقت الذي أفقده لن يأتي مرة أخرى؟ " .

في المقابل ظلت رواية اميلي برونتي " مرتفعات وذرينغ " التي صدرت عام 1848 توصف بأنها نتاج غريب، وفي المقدمة التي كتبتها شارلوت لرواية شقيقتها قالت انها رواية:" لفتاة ريفية لم تخرج خارج بيئتها الضيقة " .انها قصة حب غامض  او كما تقول فرجينيا وولف ان مرتفعات وذيرينغ فيها " حب لكنه ليس بحب رجال ونساء "، لقد قررت اميلي التي توفيت في الثلاثين من عمرها بعد ان اصيبت بمرض السل مثل شقيقاتها ان تعلن حربها على الحب الزائف . كانت تتمتع بشيء قليل من الجمال، طويلة بقوام نحيف، لم يكن لها الصبر لسماع المواعظ التي يلقيها الاب كل مساء، كانت خجولة تخاف السير بمفردها، وصفها اهل القرية التي عاشت فيها بأنها اشبه بالصبي منها الى الفتاة، وقد قيل عنها انها لم تكن تجد الراحة مع البشر وتفضل الاهتمام بالحيوانات . كتبت شارلوت تصف اختها اميلي بانها:" لم تكن تنشد التعاطف أو العون، وكانت ترفض أن يقوم احد بأية خدمة لها " – سومرست موم عشر روايات خالدة ترجمة سيد جاد – . فتاة عنيدة، تقوم في البيت باشق الاعمال، تعشق الطهي، وكانت تلاحظ دائما والكتاب في يدها حتى، واحيانا كانت تمسك ورقة تسجل فيها بعض الملاحظات، لم يكن احد في البيت يتخيل أن هذه الفتاة ستصبح روائية، وعندما انتهت من روتيتها "  مرتفعات وذرينغ " لم يدر ببال شقيقتها شارلوت أن اختها قد كتبت هذه الرواية المدهشة، وعندما نشرت الرواية بعد وفاة اميلي باشهر قليلة كتبت شارلوت مقدمة قالت فيها:" اميلي لا تسمح للقارئ بلحظة سعادة خالصة، فكل شعاع من الشمس إنما ينفذ من خلال كتل سوداء من السحب التي تنذر بالمطر،وكل صفحة مشحونة بكهرباء اخلاقية " .يكتب سومرست موم ان اميلي برونتي افصحت في روايتها عن اعمق اعماق غرائزها .:" لقد هبطت الى اعماق بئر الوحدة التي تعيش فيها " – عشر روايات خالدة -

عندما توفيت شارلوت برونتي في 21 نيسان عام 1855 بسبب مضاعفات الحمل، كانت قد وصلت تقريبا إلى عيد ميلادها التاسع والثلاثين. ولعل قراءة حياة شارلوت برونتي تعني كشف حقائق رواياتها. فقد استطاعت ان تكج حياتها  في نسيج قصصها. كانت امرأة قوية، لم تستطع  الأحزان أن تسحقها، لم تفسح المجال للحظة  يأس واحدة ان توقف مسيرتها، تقول فيرجينيا وولف في مقال نشرته في كتابها القارئ العادي – ترجمة عقيلة رمضان -: "ان شارلوت رقيقة جداً وذكية التفكير. وتضيف: نحن نقرأ شارلوت برونتي لشخصيتها الرقيقة، التي لها ملاحظات جميلة، تعبر عن شخصيتها، التي تحمل افكارا فلسفية . وتقدم لنا وولف شرحا لرواية جين آير حيث تصفها بانها:" مكتوبة عبر مشاعرها واخطائها ايضا. فهذه الرواية توصيف عن النمو الثقافي، كتبتها روائية ذكية، وهي تدفعنا الى ان ننتهي من قراءة الكتاب دون ان تعطينا فرصة للتفكير أو التردد، ولا تسمح لنا بان نرفع اعيننا عن صفحاته .. نستغرق في القراءة لدرجة انه اذا تحرك احد في الغرفة، فان هذه الحركة تبدو كأنها ليست في غرفتنا وانما في منزل جين . ان الكاتبة تمسك زمامنا بيديها وتدفعنا الى السير في طريقها لا نرى إلا ما تراه هي . ولا تتركنا لحظة ولا تسمح لنا بان ننساها " .. وعندما توفيت اميلي برونتي في التاسع عشر من كانون الاول عام  1848  كان مخطوط روايتها "  مرتفعات وذرينغ " يرقد الى جانب سرير شقيقتها شارلوت . كانت قد انتهت من روايتها التي تصفها فرجينيا وولف بانها اصعب من رواية جين اير .

لا اعتقد ان الذاكرة ستخونني عندما اقول انني قضيت اوقاتا ممتعة لكنها مشحونة بالتوتر مع جين آير، وشعرت بالأسى وانا انتهي من مرتفعات وذرينغ، ولم اشعر ان الاختين كتبتا روايات من الخيال، بل وجدت نفسي اتجول داخل بيت ال بونتي، كنت مغمورا في عالمهم الصغير، مستغرقا ذاتيا للغاية لأرى انني كنت وحيدا مثل جين، في الوقت نفسه تمنيت ان اعيش وسط البلاد التي تصفها اميلي برونتي في مقدمة روايتها  مرتفعات وذرينغ:" إن هذه البلاد الجميبة حقا،ولا اعتقد،باستطاعتي أن أجد مكانا في جميع إنجلترا يشبه هذا المكان بهلوه كليا من ضجيج الحياة الاجتماعية " .

اقنعت نفسي بأن قدري ان اتماهى مع شخصيات الاختين برونتي،لقد انشغلت كثيرا بصراعي الداخلي بأن أبدو مثل ابطال الروايات التي اقرأها، وما عدت اعرف من أنا .كُنت عالقا في الخيال .

***

علي حسين – رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

في المثقف اليوم