آراء

حكومة عقائدية!

توطئة: في (9 نيسان 2022) قال السيد نوري المالكي.. يجب أن تكون الدولة والحكومة مقدسة. وفي اليوم نفسه قال السيد احمد الصافي النجفي.. الكتل السياسية لا تستجيب لدعوات المرجعية.

مقولتان متضادتان في يوم واحد لرئيس حزب الدعوة وممثل المرجعية الدينية، وعنهما تساءلنا في منشور: العراقيون.. بمن يصدّقون ؟

وبنفس اليوم تساءلنا بمنشور آخر، ماذا يعني السيد المالكي بقوله:

(ان العراق بحاجة الى حكومة عقائدية، وان الحكومة الجديدة يجب ان تكون نزيهة وقوية في الدفاع عن مصالح الشعب).

اين ترى مشكلة المالكي والشعب العراقي متعدد الاديان والقوميات والعقائد؟ واين ترى مطالبته بحكومة نزيهة وقوية في الدفاع عن مصالح الشعب، وقد ترأس حكومتين ثمان سنوات؟.

*

من عادتنا أننا نستطلع رأي أكاديميين ومثقفين واعلاميين في قضايا فكرية وسياسية مثل هذه، اليكم والى السيدين احمد الصافي النجفي ونوري المالكي.. نماذج منها:

* الحاج قاسم التميمي: ألم تقرا ياسيد نوري كيف بنيت الدول ومن بناها! عن اية عقيدة تتكلم؟.ألم تسمع عن ماليزيا، سنغافوره، الهند، الصين، تركيا.. لا علاقة لها باية عقيدة.انت تقول ما لا تعي وتحمل عقلية ثارية.

* مضر الموسوي: عن اي عقيدة يتحدث وقد حكم العراق بعقيدة الطائفية والشيطنه والاستغلال، واعترف نهارا جهارا بفشله، ولم يندم على ما فعل، ولم يصحح مسيرته او يغير نهجه.رجل يتخبط وينتهز الفرص ويراوغ.. بدد المليارات بمشاريع فاشلة واخرى للفوز بالانتخابات.

* عادل مطشر: اعتقد انه يحاول ان يقول اشياء مختلفة، ربما لا يفهم ولا يعي ما يقول بدقة، فمن باب يدعو لحكومة الاغلبية ومن ثم يصر على التوافق ليشترك الجميع، ثم حكومة عقائدية.. لا ادري بعقيدة واحدة ام بمجموعة عقائد كي تتسق مع التوافق الذي يصر عليه بعد ان امضى ثمان سنوات اعترف في نهايتها بالفشل الذريع علانية وعلى الفضائيات!

* د. سلام جياد: ان فرعون استخف قومه فاطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين.العلة ليست بالمالكي بل بالشعب الخانع الذي تم تدجينه وقبوله بالمهانه.

* حكمت سليم: ما الذي يقصده بإقامة حكومة عقائديه؟والجميع يعرف بأن العقائديه عند المؤمن المالكي وفكر حزب الدعوه مرتبطه بظهور المهدي المنتظر، اي يجب أن تكون هذه الحكومه عقائديه تهيئ الظروف لاستقبال جيش المهدي ولا تهمها المشاريع والخدمات.

* مظفر المنصور: المالكي مسؤول الاول عن كل الفساد والفقر وعدم وجود خدمات واعمار وبناء ومشاريع وعمران وتبليط وتنظيم.. اي عقائدية وانتم حولتموها طائفية قوية وجعلتم العراق تابعا لايران ضعيفا وسوقا لبضائعها!

* د. أمل المخزومي: الحقيقة مصالح وضحك على الشعب، وتخدير اعصاب هذا الشعب الجائع المسكين.كفى ظلما لأطفال العراق والعيد قادم وذنب الطفل ودمعته برقابكم جميعا.

* عطية شلال: مصالحهم تجعلهم متناقضين، لأن للمرجعية رأى فيهم دعتهم اكثر من مرة الى انقاذ البلد وهم غير مبالين لها.

* محسن الخفاجي الحلي: المرجعية الدينية بما تمتلك من ثقل ديني عليها أن تقف مع الشعب المغلوب على أمره بسبب ظلم وفساد الاحزاب الحاكمة التي تدعي التدين والعدل، ولايكفي أن تكررعبارات غير واضحة بنقد الحكومات المتعاقبةوعدم استقبال الساسة.. والآن كأنها استغلت جائحة الوباء فرصة للابتعاد عن أزمات وهموم الفقراء.. وفي القرآن الذي هو دستور المسلمين آية تجاهلها الطرفان الحكّام والمرجعية.. والتي تقول (قفوهم فهم مسؤولون)!

نسخة منه للطرفين.. اينكم من كتاب الله.. مع جل احترامنا للمرجعية.

الحكومة العقائدية.. لا تصلح للعراق

في مراجعتنا للأدبيات الأسلامية وجدنا ان العقيدة تعني اصطلاحا الإيمان الجازم، والحُكم القاطع الذي لا شكَّ فيه، فهي ما يؤمن به المسلم ويتَّخذه مذهباً ويربط قلبه وضميره به ويتّخذه ديناً، وتُسمّى عقيدة سواءً كان هذا الاعتقاد صحيحاً أم باطلاً، فيما تعني في الاصطلاح الشرعي.. الامور الدينية التي يجب على الفرد الايمان بها بقلبه وبيقين لا يتطرق له الشك.

ولا نريد الأستطراد، ففيه تكثر الاجتهادات والاختلافات بقدر ما نريد الوصول الى ان العقيدة هي الأساس الذي يقوم عليه الدِّين، فيما الأيديولوجيا هي الاساس الذي تقوم عليه السياسة.. والفرق كبير بين العقيدة بمفهومها الديني والأيديولوجيا بمفهوم علم الاجتماع السياسي.

مشكلة المالكي

في مقولته هذه تحديدا(حكومة عقائدية) يتحدث السيد المالكي وكأن الأربعين مليون عراقي كلهم مسلمون فيما هم متعددو الأديان والعقائد، وانهم كلهم عرب فيما هم متعددو القوميات، وأنهم كلهم شيعة فيما هم متعددو الطوائف والمذاهب.. وعقلية قائد سياسي كهذا لا تختلف عن عقلية حاكم دكتاتوري او رئيس حزب حاكم يريد فرض فكر وعقيدة حزبه على الناس.. كما فعل صدام في نهجه بـ(تبعيث العراقيين).

والرجل متناقض، فهو يدعو الى تشكيل حكومة( نزيهة تخدم مصالح الشعب).. فيما انعدام النزاهة في عهد حكمه (2006 - 2014 )هي اسوأ وأقبح ما شهده العراق بتاريخه السياسي.. نسوق له ولكم ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست بعددها الصادر في (23/ 9/ 2008) بان 13 مليار دولار من اموال الاعمار في العراق اهدرت او نهبت عبر مشاريع وهمية وعناصر فاسدة في الحكومة العراقية، فيما نسبت الاذاعة البريطانية ( بي بي سي في 28 /9/ 2008 ) الى لجنة تخصصية في حكومة المالكي، وجود ثلاثة الاف حالة فساد مالي موثقة بادلة قاطعة. وباعترافه هو في كلمته امام مجلس محافظة بغداد في( 20 /9/ 2008 )قال المالكي بالنص: (كثيرا من المسؤولين قد اثروا كثيرا)، واعلن عبر الفضائيات ان لديه ملفات للفساد (لو كشفها لانقلب عاليها سافلها)، ولأنه لم يكشفها فأنه يعد خائن امانة وفق العقيدة الاسلامية التي توجب على الراعي ان يكون مؤتمنا على اموال الرعية.

وتتعدد تناقضات الرجل وأسوأها أن اقواله لا تطابق افعاله(*).

المرجعية

المتابع لمواقف المرجعية يخلص الى انها ما كان لها موقف ثابت، مثال ذلك انها نصحت السياسيين ثم توقفت عن نصحهم بعد ان (بح صوتها) ثم عادت تنصح ثم توقفت.

وبين خطابين للمرجعية في شهرين، حصل تحول كبير في موقفها من الطبقة السياسية. ففي (10 مايس 2019) القى الشيخ عبد المهدي الكربلائي في اول يوم جمعة من شهر رمضان دعى فيها الى الصبر واللجوء الى الله والاعتقاد (بأن لي ربّ قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات). وفي جمعة (9آب 2019) القى الشيخ احمد الصافي خطبة فيها تساؤلات من جزع ونفد صبره.. عن اموال بـ(أرقام مرعبة).. اين ذهبت؟.. ختمها بتساؤل استفهامي كبير: هل من مجيب؟).

ان العراقيين، والشيعة بشكل خاص، كانوا يرون الخلاص على يد المرجعية، وانهم وصلوا بعد صبر (19) سنة الى نتيجة هي: ان المرجعية قد خذلتهم.. وهذا يعني سيكولوجيا: ان الانسان الذي يفقد آخر وسيلة للخلاص من موقف او محنة يعيشها يصل الى اليأس وحالة العجز التام.. وأنهم وصلوها واسلموا امرهم الى الله. فيما يرى البعض أن نفس المرجعية طويل، وانه سيكون لها موقف مشهودا يسجله التاريخ، وهو بالضد من موقف كثيرين يرون ان مصالح وامتيازات المرجعية مرهونة ببقاء حكومة شيعية بهوية اسلامية، وان الحال سيبقى على حاله الى يوم يبعثون!

ولا تعجب ان ظهر السيد المالكي بعد ايام يدعو لتشكيل حكومة تقدمية (فيها شيوعيون!) كان حزبه قد وصفهم بأنهم كفره وزنادقه.. وأن تعلن المرجعية انها غسلت يديها نهائيا من السياسة والسياسيين، وتعود لتبارك او ترفض من سيتم ترشيحه لرئاسة الحكومة الجديدة!

***

ا. قاسم حسين صالح

......................

ملحوظة:

* للمزيد عن شخصية السيد نوري المالكي، في كتابنا (الشخصية العراقية في نصف قرن).. وللمزيد عن المرجعية، في كتابنا (العراقيون بين حسينيين وتشرينيين).

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5699 المصادف: 2022-04-13 03:43:52


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م