قضايا

إلياس مرقص.. فيلسوف ماركسي في عباءة النقاد

محمود محمد علييعد إلياس مرقص (1927 --1991) أحد المثقفين العرب البارزين الذين كانت لهم مساهمات لافتة وجريئة ومتعددة الجوانب في الفكر العربي المعاصر. وبالتحديد في الفكر السياسي، وكان، إلى جانب صديقه ياسين الحافظ، من النفر العربي القليل الذي حاول أن يقيم وشيجة متينة بين القومية العربية والنظرية الماركسية. وكان هذا المشروع المعرفي والسياسي جريئًا بمعايير ستينيات القرن المنصرم وسبعينياته: هذه الحقبة التي شهدت صعود أفكار اليسار والكفاح المسلح والتحرر الوطني

علاوة علي أنه يعد أيضا من أهم وأشهر المفكرين السوريين العروبيين، الذين حاولوا إيجاد وحدة بين التيار الماركسي والقومي العربي أو كما يقال إنجاز الماركسية المُعرّبة، وإن بصيغة مختلفة عما كان حاول إنجازه مفكرون كعصمت سيف الدولة،ونديم البيطار القادمين من التيار القومي العربي، لكن مع إفراد حيز مهم للجانب النظري من حيث أسبقيته على كل ممارسة سياسية (التطبيق) الذي يخترق كل جوانب العمل القومي العربي نحو الاشتراكية؛ بل ولعلى لا أبالغ إذا قلت إنه من بين أكثر المفكرين العرب المعاصرين عمقاً في قراءة ماركس، وفى الانتماء إلى أفكاره.

لقد قرأ الياس مرقص الماركسية لا بطريقتها الطقوسية أو المدرسية أو المسلكية أو الذرائعية، بل باعتبارها منهجًا حيًّا وقابلًا للنقد؛ لقد قرأها بعقل منهجي-نقدي للوضعية السائدة، ولعلّه كان أكثر "ماركسية" من الماركسيين الرسميين الذين حملوا صولجان الماركسية ولبسوا قبعاتها، لكنهم ظلوا خارج صومعتها وبعيدين عن روحها وجوهرها وملكوتها ؛ وهو في الوقت ذاته، من أكثر المفكرين الماركسيين العرب تجاوزاً لبعض مفاهيم ماركس مما شاخ وفقد علاقته بالعصر الجديد. إلا أن تجاوز الياس هذا لبعض مفاهيم ماركس هو تجاوز معرفي.. وكان هذا التجاوز يشكل، بالنسبة إليه، نوعاً من الوفاء لمنهج ماركس المادي الجدلي، الذى استشرف فيه ماركس مستقبل العالم، استناداً إلى قراءته لتاريخ البشرية منذ أن صار للبشرية تاريخ.

ذلك أن الياس مرقص كان، منذ بدايات حياته الفكرية والسياسية، يرى فى الماركسية طريقه إلى الحرية، حريته هو وحرية بلاده، سواء من خلال انتمائه الأول إلى الشيوعية عندما كان يتابع دراسته الجامعية فى بلجيكا، أم فى المرحلة التى أصبح فيها عضواً فى الحزب الشيوعي السوري، بعد عودته إلى الوطن. ولعل ذلك هو الذى جعله يبدأ حياته الفكرية والسياسية مشاكساً. وكانت مشاكسته تنبع من اعتراضه على ما كان يعتبره سائداً في الأحزاب الشيوعية من فهم خاطئ ومشوه لأفكار ماركس، ومن فهم خاطئ ومشوه للممارسة السياسية باسم الاشتراكية، استناداً إلى مرجعية ماركس، ومن عجز لدى الأحزاب الشيوعية في تجديد فكرها وتجديد سياساتها وفق منهج ماركس المادي الجدلي. وكانت تلك المشاكسة تشير إلى أنه كان، فى قراءته المبكرة لماركس خصوصاً، ولهيغل ولفلاسفة التنوير في أوروبا في شكل عام، قد بدأ يشق طريقه كمشروع عالم وفيلسوف، وكمشروع قائد سياسي في الوقت عينه. وكانت وجهته، منذ البداية، تتلخص ففي محاولته الجادة للربط في نضاله الاشتراكي بين الفكر والممارسة. إذ كان يعتقد أن الممارسة من دون فكر تستند إليه هي خبط عشواء، وأن الفكر من دون ممارسة هو تجريد فكرى لا يحقق تقدماً. وكان، في موقفه هذا، أميناً لماركس فى الربط بين الفكر والممارسة كشرط ضروري لنقل الفكر من التجريد النظري إلى الواقع

ولقد كانت مشاكسته تنبع من اعتراضه على ما كان يعتبره سائداً في الأحزاب الشيوعية لأفكار ماركس، ومن فهم خاطئ ومشوه للممارسة السياسية باسم الاشتراكية، استناداً إلى مرجعية ماركس، ومن عجز لدى الأحزاب الشيوعية في تجديد فكرها وسياساتها وفق منهج ماركس المادي الجدلي. وكانت تلك المشاكسة تشير إلى أنه، في قراءته المبكرة لماركس خصوصاً، ولهيجل ولفلاسفة التنوير في أوروبا بشكل عام، قد بدأ يشق طريقه كمشروع عالم وفيلسوف، وكمشروع قائد سياسي في الوقت ذاته. وكانت وجهته، منذ البداية، تتلخص في محاولته الجادة للربط في نضاله الاشتراكي بين الفكر والممارسة، إذ كان يعتقد أن الممارسة من دون فكر تستند إليه هي خبط عشواء، وأن الفكر من دون ممارسة هو تجريد لا يحقق تقدماً. وكان، في موقفه هذا، أميناً لماركس في الربط بين الفكر والممارسة، هذا الربط الذي كان، بالنسبة إلى ماركس، شرطاً ضرورياً لنقل الفكر من المجرد إلى الواقع.

ولهذا  فقد عنون «النقد» عدداً من المؤلفات السجالية الكبرى لإلياس مرقص، كما شكّل النقد مضمون سائر مؤلفاته، سواء تعلق الأمر بالفكر أم بالسياسة، وبالشيوعية أم بالقومية أم بالفلسفة؛ وقد كان كتابه الضخم «الماركسية والشرق - 1968» في نظري يعد من أول كتبه النقدية، بينما كنا نخرج من الوجودية ونطرق باب الماركسية على إيقاع هزيمة 1967. قبل ذلك التمع بخاصة كتاب إلياس «نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري - 1966»، ومثله كتاب «نقد الفكر المقاوم: عفوية النظرية في العمل الفدائي - 1970». وفي هذا السياق جاءت المعارك الفكرية التي خاضها إلياس مرقص مع صادق جلال العظم وناجي علوش وبسام طيبي وآخرين.

نعم لقد كان الياس مرقص من الذي امتشقوا سلاح النقد بوصفه وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف السامية وفقًا لمنهجه الجدلي القائم على البراكسيس وليس المنهج التجريدي، في حين ضاع ماركسيون مجتهدون وناقدون حقيقيون في منظومة البيروقراطية الحزبية ولفّهم النسيان بعد الصمت، سواءً بقوا داخلها أم اعتبروا خارجها، وتحملوا صنوفًا من الأذى والهوان بسبب آرائهم واجتهاداتهم. والأمر لا يقتصر على الشيوعيين العرب، بل أن الأنظمة التي حكمت باسم الشيوعية ارتكبت مجازر وأعمال إبادة حقيقية لا تقتصر على الإدارات الحزبية أو الملاكات والكوادر المتقدمة أو النخب الثقافية والفكرية فحسب، بل شملت جميع من يُشك بولائه، ومن الأمثلة على ذلك محاكمات ستالين الشهيرة في الثلاثينات، حيث أطاح برؤوس كبيرة اتُهمت بالعمل لصالح الأجهزة المعادية وفي مقدمتهم بوخارين الذي كان يسميه لينين "محبوب الحزب" فقد أعدم هو وابنه بالتهم الملفقة نفسها، والحال ذاته حصل في البلدان الاشتراكية السابقة، ناهيك عن الثورة الثقافية في الصين 1965-1976 والتي جسّدت ازدراء الفكر والثقافة لصالح السياسة الأنانية الضيقة الأفق.

ولم يكن الياس مرقص حزبيًا مسلكيًا وتقليديًا يتلقى الأوامر والتعليمات الحزبية وينفذها بحذافيرها ويستلم المطبوعات ويوزعها ويسدد الاشتراكات الشهرية ويجمع التبرعات فحسب، بل كان صاحب رأي ومجتهد وله وجهات نظر بما يحصل. وكانت ومضاته الفكرية ولمعاته الاجتهادية قد أخذت تتغلغل إلى المنظمة الحزبية في اللاذقية، حيث كان قد تلقى دروسه الأولى في الشيوعية خلال دراسته في بروكسيل يوم كان طالبًا يدرس علم الاجتماع والتربية، وخلال دراسته ارتبط بعلاقة مع طلبة سوريين شيوعيين يدرسون في بلجيكا، وحين عاد إلى سوريا في العام 1952 وعمل مدرسًا للفلسفة في مدينة اللاذقية (مسقط رأسه) انضم رسميًا إلى الحزب الشيوعي السوري-اللبناني في العام 1955.

وخلال وجوده القصير برز كمثقف متميز وقد تمكن من إحداث جدل ونقاش للتجديد والتغيير في المنظمة الحزبية في اللاذقية، الأمر الذي اعتبرته اللجنة المركزية بقيادة خالد بكداش خروجًا على التقاليد الحزبية وقواعد التنظيم اللينيني وأوامر القيادة "الستالينية"، ولعلّ ظاهرة مثل تلك تعتبر من الكبائر التي قد تؤدي إلى إحداث تصدّع في خط التفكير السائد، لذلك اتُّخذت الإجراءات السريعة والعاجلة ضدّه احترازًا بما يمكن أن يحصل من تفشي واستشراء هذه الظاهرة، فقررت القيادة حل اللجنة المنطقية وتأسيس قيادة جديدة لها تابعة للتوجيهات البيروقراطية والمركزية الصارمة كما أخبرني الياس مرقص بطريقته الفكاهية وابتسامته المحبّبة، وحين سألته والنتيجة ماذا حصل؟ أجاب كان لابدّ من طرد هذا "المشبوه" المتسلّل إلى صفوف الحزب والذي يريد تخريبه، لاسيّما محاولته إضعاف الثقة بالقيادة التاريخية، وهذا ما حصل في العام 1957، وما زاد الطين بلّة كما يقول أن ثمة ملاحظات كانت قد تبلورت لديّ بخصوص المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي 1956، وكنت قد عبّرت عنها على شكل أسئلة انتقاديه، تمّ اعتبارها نوعًا من التشكيك بمكانة بلد لينين وحزبه البلشفي الذي كان خالد بكداش يردّد أن مقياس شيوعية الشيوعي تتحدّد بمدى إخلاصه للاتحاد السوفييتي وحزبه الشيوعي.

والجدير بالإشارة والتنويه، هنا، أن إلياس مرقص كان يظهر جهده الكبير في إعادة صياغة المفاهيم الماركسية، حرصاً منه على تصحيح مسار الفكر العربي، وتحريره مما ساد فيه من تشويهات، بعضها عن عمد وبعضها عن جهل. إذ كان يحاول الياس بجدارة العالم إعادة تحديد معانى المفردات السائدة. فمفردتا الحداثة والتحديث مثلاً تحتاجان، بالنسبة إليه، إلى إعادة تأسيس. والمطلوب، كما يقول: ليس التحديث بل التأسيس. لعل النقص ليس نقص الحداثة، بل نقص الأساس. ويتابع فى الشأن ذاته: فى صيغة تحديث الفكر العربي ليس فقط كلمة تحديث بل أيضاً كلمة فكر نفسها يجب أن تكون موضع سؤال ... ما الفكر؟ لهذه الكلمة أكثر من معنى، لحقيقتها أكثر من مستوى، ولفكرتها أكثر من اتجاه، فأى فكر نقصد؟

ثم يتساءل الياس عن معنى محدد لكلمتى عربى وفكر عربي، فيقول فى كتابه العقلانية والتقدم: عربى كلمة فى تحديث الفكرالعربى يجب أن لا تتضخم، أن لا تتحول إلى إله- صنم، فى الوعى الصاحي. إن هذا الوصف عربى يعنى أن الفكر الذى نحن معه أو ضده هو فكر بشر عرب ومفكرين عرب.

ويتابع الياس، على هذا المنوال، ثورته لتصحيح المفاهيم لإعطائها معناها الواقعي، ولإخراجها من الصنمية التى أعطيت لها. فيعطى لمفردة الثورة معنىً علمياً، مختلفاً عن السائد المعمم فى تحديد معنى الثورة وأهدافها. ويقول فى العلاقة بين الثورة والتقدم: ثمة فرق بين فكرتيّ الثورة والتقدم. والمقابلة بين هذين المفهومين لا بد منها، لا سيما وأن الوعى العربى السائد، بمدارسه المختلفة والمختلطة، يعيش فى العصر الأول: الثورة. التقدم يضحى به على مذبح الثورة، مثلما التاريخ يضحى به لصالح طبيعة انحطت إلى فطرة، إلى شىء ما ذاتى نفسي، قد يكون العدالة أو المساواة أو الحرية أو الشعب أو الجماهير الخ... أو باختصار إلى شىء إطلاقي، صادق أو كاذب. ومن غير الممكن تحديد أين ينتهى الصادق ويبدأ الكاذب. هذا الوعى اللامفهومى واللا إطلاقى يعشق مثله الأعلى الأزلى (أى الأزلي- العابر) عشق قائد تاريخى للقومية العربية وللرسالة الخالدة....

هذا هو إلياس مرقص، المفكر والعالم والسياسي. نحن بحاجة إلى قراءة تراثه. كم نحن بحاجة إلى أمثاله في حياتنا المعاصرة، التي يسود فيها الاستبداد والظلامية بصيغها المختلفة، وتنطفئ فيها شعلة الحرية والتقدم والعقلانية، وتتراجع فيها وتتخلف حركة اليسار بمدارسها وتياراتها المختلفة، وتفقد دورها الطليعي المفترض. وإني لأجد في الكلمات التالية لإلياس مرقص أفضل خاتمة لهذا الحديث السريع الذي أستذكر فيه هذا المفكر العربي الكبير. فهي كلمات لا تحتوي على النقد وحسب. بل هي تشير إلى المهمة التي لها الأولوية في تاريخنا العربي المعاصر، مهمة بناء الدولة بالمعنى القانوني، والمؤسساتي للدولة الحديثة، دولة الحق التي صارت تعرف به في حياتنا المعاصرة. يقول إلياس في كتاب حوار العمر تحت عنوان سمو الدولة: في العصر اليساري، في عصر عبد الناصر وبعد عبد الناصر، في الستينات والسبعينات انتشر في صفوف اليسار موقف معاد للدولة ولفكرة الدولة ولمفهوم الدولة. هذا الموقف كان سيئاً وخطيراً. وإذا لم نفند هذا الموقف وندحضه ونحذفه فهو خطير وخطير. هناك أناس يقولون إن الدولة أكلت المجتمع عندنا. وفي رأيي أن السلطة والتسلط والاستبداد هي التي أكلت المجتمع. ويجب أن نميّز الدولة من المجتمع بفكرة أخرى مفادها أن الدولة الحقة والحقيقية والحقوقية هي التي لديها الاستعداد، بموجب كيانها كله، أن تدافع عن مواطن، عن فرد إزاء الجماعة، وإزاء المجتمع، وإلا فإن المجتمع ينحط إلى جمهور، والشعب ينحط إلى جمهور. ومن هنا يجب أن نؤيد فكرة سمو الدولة.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

.......................

المراجع:

1- الياس مرقص: الماركسية السوفياتية والقضايا العربية، دار الحقيقة للطباعة والنشر، 1973،.

2-نبيل سليمان: إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي، الشرق الأوسط، منشور يوم الأربعاء - 17 جمادى الأولى 1440 هـ - 23 يناير 2019 مـ رقم العدد [ 14666]

3- كريم مروَّة : الياس مرقص 1991-1929، الأهرام، منشور يوم السبت 24 من ذي الحجة 1435 هــ 18 أكتوبر 2014 السنة 139 العدد 46702

4-أنظر : إلياس مرقص شعلة التقدم والعقلانية، ملاحق الخليج، منشور يوم 9 أبريل 2008 12:47 مساء.

5-عبد الحسين شعبان: إلياس مرقص: مُثقّفٌ قرأ الماركسية بطريقة غير طقوسية، الصحيفة،، منشور يوم السبت 10 أبريل 2021 .

6- طلال نعمه (حوارات) : إلياس مرقص حوارات غير منشورة / المركز العربي ودراسة السياسات، 1011.

7- إلياس مرقص: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5779 المصادف: 2022-07-02 03:10:56


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5874 المصادف: الاربعاء 05 - 10 - 2022م