 قضايا

هل كان سقراط الحكيم فيلسوفا نبياً؟

في محاورة الدفاع الشهيرة لأفلاطون، يعلق سقراط (469 ـ 399 ق.م.) نفسه على الحالة: "سمعتموني كثيرًا أشير لأصوات داخلية وعلامات تأتي إليَّ. نعم، معي منذ طفولتي، وهذا الصوت يمنعني دائمًا من القيام ببعض الأشياء، لكنه لم يأمرني أبدًا بفعل شئ" .. هذه الحالة التي عرفت بـ "جني سقراط" خضعت لعديد من التأويلات، بينها طرح اعتبرها دليل نبوته.. فهل كان سقراط فيلسوفًا أم نبيًا؟.. وما سر الصوت الداخلي؟.. هل كان حقًا وحيًا إلهيًا؟

ولذلك رأينا في سنة 2013 نشرت جريدة الحياة مقالة تحت عنوان "فلاسفة... أم رسل؟" وفيها استشهد "فهد الزغيبى" بحديث شريف عن أبى ذر الغفاري فيه "قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً"، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمّ غَفِير"، قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: "آدم"... انتهى الحديث، وفى القرآن الكريم لم يذكر سوى أسماء 25 ما بين رسول ونبي "عليهم الصلاة والسلام" أجمعين.

وقال "الزغيبى" فى مقالته قرأت أن الحديث الوارد أعلاه ضعيف، ولا أعلم حقيقةً عن مدى صحته لكنى تساءلت عن بقية الأنبياء والرسل الذين لم يذكرهم الله عز وجل في كتابه لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، وتساؤلي كان يقول: من هم وأين كانوا؟ ولماذا لم تتواتر أخبارهم على أقل تقدير بين الأمم الذين عاشوا فى عصرهم؟ إلى أن تابعت حلقة من برنامج "العلم والإيمان" للراحل الدكتور مصطفى محمود، بعنوان "الأديان"، وطرح سؤالاً كالآتى" هل يوجد أنبياء غير الأنبياء المعروفين فى التوراة والإنجيل والقرآن؟ واسترسل قائلاً إنه من المحتمل وجود الكثير من الأنبياء الذين بتقادم العهد اختلطت رسالاتهم بالكثير من التحريف".

وأضاف "الزغيبى" أنه استحضر الكثير من أسماء الفلاسفة الذين كانت رسائلهم توحيدية، وتساءلت هل كانوا فعلاً أنبياءً ورسلاً؟ ليقطع على الدكتور مصطفى محمود هذا التساؤل، ويقول: إن أرسطو كان يرى أن الله خلق كل شئ، وأفلاطون كان يسمى الله مثال الخير.

لكن هناك آراء أخرى كانت ترى عكس ذلك وتذهب إلى أن النبوة والرسالة لا تُثبت لأحد من الناس إلا بنص من القرآن الكريم أو السُّنة النبوية الصحيحة، ولذلك لما أخبرنا الله تعالى بأسماء وأخبار جمع من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، فإنه جلَّ وعلا خاطب نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام بأنه سبحانه استأثر بعلم أسماء وأخبار عدد من الرسل.

بينما ذهب الدكتور عبد الرحمن الصالح إلى أن لقمان هو نفسه الفيلسوف سقراط (399 ق م)، واعتمد في ذلك على أدلة منها: شَكلُ سقراط، بإلقاء نظرة على تمثال سقراط والاطلاع على أوصافه يبدو الشبه الظاهر بين اشتقاق كلمة لقمان (عظيم اللقمة) وبين هذا الرجل، الأصل الاجتماعي لسقراط والصورة التي رسمها المفسرون لتخيلهم للأصل الاجتماعي للقمان.

كذلك اشتهار لقمان في التراث العربي بالحكمة واشتهار سقراط بذلك حتى إن أرجح الأقوال في استخدام فيلسوف أي محب الحكمة يعود إلى سقراط، فقد قالها تواضعاً حين قيل له أنت حكيم فقال لا بل محب للحكمة (فيلسوف).

ومسوغات القول بأن لقمان هو نفسه الفيلسوف سقراط (399 ق م) تتجسد على النحو التالي:

1- شَكلُ سقراط. بإلقاء نظرة على تمثال سقراط والاطلاع على أوصافه يبدو الشبه الظاهر بين اشتقاق كلمة لقمان (عظيم اللقمة) وبين هذا الرجل.

2- الأصل الاجتماعي لسقراط والصورة التي رسمها المفسرون لتخيلهم للأصل الاجتماعي للقمان.

3-اشتهار لقمان في التراث العربي بالحكمة واشتهار سقراط بذلك حتى إن أرجح الأقوال في استخدام فيلسوف أي محب الحكمة يعود إلى سقراط، فقد قالها تواضعاً حين قيل له أنت حكيم فقال لا بل محب للحكمة (فيلسوف(.

أما لماذا لَقمنَ القرآن الكريم سقراط، فمسألةُ تعريب واستخدام لغوي وتراثي على معهود العرب في خطابها ولا ريب، مثلما قالت التوراة عن رسوّ سفينة نوح على (أراراط) وقالت ملحمة جلجامش البابلية قبل التوراة عن الجبل (جبل نصير) وقال تعالى "واستوت على الجودي"، وكلها مجهولة المرجع لمن كتب في التفسير وما له إلا التخمين،

فإطلاق القرآن اسم لقمان على سقراط جائز لغة وواقعاً.

لكن البعض يرفض أن يكون لقمان هو سقراط، بحجة أن لقمان كان حكيما وسقراط كان فيلسوفا، وهناك فرق بينهما، حيث يمكن تعريف الفيلسوف أنه الرجل العاقل المتميز بالحكم السليم على الأمور، وأما الحكيم فهو الرجل الواعي ذو البصيرة والمتميز بالحكمة المقرونة بالخبرة. وتهتم الفلسفة بالأمور الأساسية الوجودية، والقيم، والمبادئ، والعقل، واللغة، وتديرها بنهج نقدي منظم يعتمد على الحجة المنطقية والعقل، ومن أبرز الفلاسفة العظماء الذين ابتكروا النظم الفلسفية إيمانويل كانط، وديفيد هيوم، وجورج هيجل، وكارل ماركس.

وكانت الفكرة الأساسية المتفق عليها بين الفلاسفة العظماء أن الحكيم يمكن أن يكون فيلسوفًا، لكن ليس كل فيلسوف يمكنه أن يكون حكيمًا؛ إذ يمارس الحكيم أساليب التنمية الذاتية والسعي لتحقيق التوازن والانسجام والكمال البشري، ويهتم بعلاقة نفسه بالبشر الآخرين، وعلاقة البشر بالنظام الأعظم لكل الأشياء، أما الفيلسوف فيعتقد أنه طالب الحكمة الأبدي، أي الشخص الذي يبحث عن الحقيقة ليقترب منها لكنه في النهاية لا يستطيع الوصول لها بالشكل الكامل، إذ كان ذلك مخصصًا لله فقط..

والفرق بين الحكيم والفيلسوف من حيث آراء العظماء قال الألماني إيمانويل كانط في التفريق بين الفلاسفة والحكماء: "لا يحتاج الفيلسوف إلى الاتصال بأي شيء أو بأي شخص، ولا يجب أن يكون شخصًا صالحًا أخلاقيًا (كما يفعل القديسون) أو يثبت نفسه كعضو جدير في المجتمع (كما يفعل الحكماء)، وليست شخصية الفيلسوف الأخلاقية معبودة؛ بل تستند مزاياه فقط إلى الجدة والطعن في الحجة التي يقدمها".

وأظهر الفلاسفة اليونانيين نفورًا من الحكماء وحكمتهم واتهموهم بالنفاق، فمثلا كان أفلاطون فخورًا بكونه فيلسوفًا، ووصف الحكماء بأنهم يمتلكون إحساسًا زائفًا بالإلهام الإلهي ويعانون من وهم حول وضعهم الأسطوري، كما وصف أفلاطون الحكيم بأنه شخصية متلاعبة للغاية؛ ومن وجهة نظر الفلاسفة، لم يبحث الحكماء عن الحقيقة ولم يهتموا كثيرًا بها؛ مثل نبي كاذب يبحث عن مكان مرتفع يمكن منه أن ينشر آراءه الخاطئة وينشر تعاليمه الخاطئة.

وإذا نظرنا لحالة سقراط فيمكن القول بأنه يمثل نموذج للفيلسوف النبي، حيث كانت أثينا آنذاك ترسف فى أغلال الوثنية، وقد اتخذ من الفلسفة عملًا غير مأجور، يرشد به الناس إلى طريق الصواب، فأخذ يصول ويجول بالمناقشات الفكرية والحديث عن الأمور الوجودية والاجتماعية، الأمر الذى لم يعجب السفسطائيين والكثيرين من أهل أثينا الغارقة فى الضلال، لذا قرروا التخلص منه بمحاكمته كان ذلك فى عام 399 ق.م، وكان هو فى السبعين من عمره.

ووقف ميلتوس يتحدث للحاضرين وعلى رأسهم القضاة عن مفاسد سقراط فى المجتمع الأثينى وتبعه فى ذلك مدعيان آخران هما ليكون وأنتيوس، ومبرر أنتيوس فى ذلك أنه كان له ابن ومن تلامذة سقراط، وتأثر بفكره وانشغل عن صنعة أبيه الذى كان يعمل بتجارة الجلود.

وكان الأثينيون يشعرون بعلو قدر سقراط، وبدا لهم كمصدر إزعاج، ليس للسلطات فحسب، بل للآباء الذين رأوا أبناءهم يخرجون عن طاعتهم، ويلحقون بالمعلم، لذا طالبوا بإعدام سقراط والتخلص منه، وبعد انتهاء المدعين الثلاثة من كلامهم جاء دور المتهم، وكان المتبع فى تلك المحاكمات حينها أن يتولى المتهم أمر الدفاع عن نفسه، وإن كان غير قادر على ذلك فإن محترفاً يقوم بتلقينه ماذا يقول، ويجب أن يستغرق نفس الوقت الذى استغرقه الادعاء لا أكثر.

بدأ الدفاع برد سقراط على التهم الموجهة إليه وتفنيدها بأسلوب فلسفى، ومن ثم رفضها ثم بالانتقال للهجوم على من يدعون العلم وهم جهلة لا يفقهون شيئًا، وأوضح أنه أعلم الناس، لأنه يعرف أنه لا يعرف.

غير أن أثينا اعتبرت سقراط مصدر إفساد للشباب، لأنه يدفعهم للتفكير. وبعد إدانته تجرّع الرجل السم راضيًا، بل عندما سعى تلاميذه لإنقاذه رفض الرجل فرصة الحياة كيلا يشق عصا الطاعة والاحترام للدولة ومؤسساتها ومجتمعها، وكان سقراط أثناء محاكمته قد قال كلمات خالدة أوردها تلميذه النجيب أفلاطون دافع بها عن نفسه ومما جاء فيها: «... يمكننى القول إن الموت عطيةٌ، فهو أمر من اثنين: إما أن الميت سيفنى ولن يشعر بأى شىء، أو كما يُقال فإن الموت يعد انتقالاً للروح من مكان لآخر، فلو كان الموت هو موت كل الأحاسيس مثل النوم الذى لا حلم فيه، فسيصبح الموت مكسبًا كبيرًا.. ولكن لو كان الموت انتقال الروح إلى عالم آخر يعيش فيه الأموات كما يُقال، فما هى الهبة الأفضل من ذلك أيها القضاة؟!

أيها القضاة، لا بد أن تسموا بآمالكم حول طبيعة الموت، وأن تتأملوا هذه الحقيقة التي أقولها، وهى أنه لا شرّ يقع على الرجل الصالح بمماته أو بمحياه.. إن ما يحدث لي ليس وليد صدفةٍ، فالأمر واضح لي فموتى الآن يمثل تحريرًا من همومي إلى ما هو أفضل.. إنني لا أحمل الضغينة على من أدانونى منكم أو من اتهمونى، فهم لم يتهمونى أو يدينونى لضغينة، بل اعتقادًا منهم أن في ذلك إيذاء لى، وهم لهذه النية مُلامون.. لقد حان الوقت.. الرحيل بالنسبة لى ووقت الحياة بالنسبة لكم، ولكن من منا سيذهب إلى ما هو أفضل يُعد أمرًا مجهولاً لا يعرفه إلا الله».

وقد نشرت في أوربا لوحة فنية الرسام ’’جاك لويس دافيد’’ والتي تحمل أسم ’’موت سقراط’’ التى تصور اللحظات الأخيرة في حياة المفكر والفيلسوف الإغريقي ’’سقراط’’ وقد كتب الأستاذ أسامة هوادف معلقا على الوحة أن سقراط كان من الأنبياء الذين لم يخبرنا الله عنهم، مما دفع بكثير باتهام الأستاذ أسامة هوادف بالكفر والجنون،وهذا يدل على الفهم الخاطئ الوجود والأديان السماوية وسيرورة التاريخ،قول الله تعالى "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" (غافر _ 78).

ولكن لماذا لم يقصص القران أخبارهم، يجيب المفكر نور الدين بوكروح على ذلك قائلا ’’ ربما لأن عرب ذاك الوقت لم يكونوا ليعرفوا شيئا عن تلك الأمم البعيدة، ويقول في مقال له نشر في جريدة الشروق ’’2015/4/21‘‘منذ إبراهيم الخليل عليه السلام، تتمثل الحجة عند الرسل في الرسالة الربانية التي يحملونها، أما عند الأنبياء والحكماء وكل من لم يحمل كتابا سماويا، فإن الرسالة توجد في العلم الخارق السبَّاق لعصره، لحامله المُختار، وفي الحكمة أو العلم اللذين يُمَيّزانه. فالنبي الذي لا يحمل رسالة أو كتابا يكون إذا دائما شخصا مثالي الأخلاق والسيرة، استثنائي العقل، مثل فيثاغورث مخترع الرياضيات والميتافيزيقية، أو كونفوشيوس صاحب نظام القيم الأخلاقية والفكرية التي لا تزال صالحة إلى اليوم. أو سقراط مربي الحضارة اليونانية العتيقة الذي أسَّسَت طُرُقُ تدريسه لبرامج التعليم في عالم اليوم أجمع.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع:

1- أسامة هوادف: هل كان سقراط من الأنبياء؟..الحوار المتمدن-العدد: 5374 - 2016 / 12 / 17 - 02:29

2-  أحمد إبراهيم الشريف: فى ذكرى الحكم بإعدامه.. هل كان سقراط نبيا أم أنه لقمان الحكيم، الأربعاء، 15 فبراير 2017 10:00 م

3-أميرة حجازي: الفرق بين الحكماء والفلاسفة، 27 فبراير 2022.

4-زكي نجيب محمود : محاورات أفلاطون، القاهرة.

5- فهد الزغيبى: "فلاسفة... أم رسل؟"، الحياة، 2021.

6- لوسي عوض : أشهر الخطب فى التاريخ.. خطبة سقراط، المصري اليوم، الجمعة 20-07-2018 02:2

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5782 المصادف: 2022-07-05 01:00:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5815 المصادف: الاحد 07 - 08 - 2022م