قضايا

انهيار الوجوه

عندما نتطلع بعمق في الوجوه من حولنا.. وجوه العابرين.. وجوه المقيمين.. الوجوه التي نعرفها.. والتي لا نعرف.. وحتى تلك التي نتوهم أننا نعرف، هي لا تعنينا من حيث الشکل أو الملامح المکونة لها إنما نحن في الحقيقة نهتم بالوجوه في ناحيتها الفينومينولوجية.

المقصود بمصطلح الفينومينولوجيا ليس ظواهر العالم الخارجي، أي الظواهر الطبيعية الفيزيائية، بل ظواهر الوعي، أي ظهور موضوعات وأشياء العالم الخارجي في الوعي، وبذلك تكون الفينومينولوجيا هي دراسة الظواهر والمعاني التي تحملها الأشياء.

ماوراء الوجه هو المعنى الذي يكمن خلف كل ما ظهر أو أبداه الإنسان. فعلى الرغم من انكشاف الوجه إلا أنه يرمز إلى كل ما خفي ولا يمكن الاحاطةبه أو استيعابه.

تظهر تعابير الوجه مشاعر الفرد الحقيقية تجاه موقف أو حدث معيّن. ففي الوقت الذي تقول فيه مثلاً أنّك بخير وعلى ما يرام، قد تُظهر تعابير وجهك غير ذلك لتكشف عن حقيقة مشاعرك.

كذلك تكمن أهميّة تعابير الوجه في أنها تساعد على تحديد ما إذا كان يجدر بنا الوثوق بهذا الشخص وتصديق ما يقوله أم لا. ذلك أنّ هذه التعابير نادرا ما تكذب أو تظهر عكس ما يشعر به صاحبها.

صحيح أن العلاقة مع الآخر تتوطد بمرور الزمن ولكن يحدث أن تكون بداية هذه العلاقة الوطيدة أن الطرف الآخر لقيك للمرة أو المرات الأولى وهو يبش وجهه.. إن العكس أيضا صحيح، فهناك من الناس من لا نتوقع أن ننخرط معهم في أي تواصل، ما أن نراهم للوهلة الأولى، بمجرد أن نلمح على وجوههم تعابير العبوس أو التجهم.

يقول الفيلسوف الفرنسي ايمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas : "ليس الوجه شيئاً يمکنني أن أدرکه، بل هو تجلّ وحالة تکشّف".

يعتقد ليفيناس أن الوجه هو الذي يبدأ كل خطاب، وكل إمكانية للخطاب.. هو يعبر عن المسؤولية التي ستقوم عليها العلاقة الأساسية بين الأنا والآخر.

يعني ذلك أن تعابير وجه الآخر يمكن أن تفتح لنا الباب أمام إنشاء علاقة ودية معه.. إلا أنه يحدث أن تسد أمامنا هذه التعابير كل منافذ التواصل فبمجرد أن تظهر أمامنا علامات لا تشجعنا على المضي قدما في الكلام يمكن أن ينتهي التواصل قبل أن يبدأ.

يصح هذا القول على الوجوه الكاشفة وهي تلك التي تعبر عن نفسها بصورة واضحة. عندها تكون المهمة سهلة بالنسبة لنا في اكتناه ما تخفيه.

ولكن يحدث أن نصادف من الناس من يبرع في إخفاء ما يبطن وراء تعابير مصطنعة. مثال ذلك أن يظهر لك الود ولكن نفسه تظمر عداوة.

ربما العجز عن الوصول إلى حقيقة الوجوه من حولنا لا يمكن تجاوزه.. ولكن قد تصلنا الحقيقة من خلال المواقف لتنهار عندها تلك الوجوه المقنعة وتنهار معها كل الأحلام بعلاقة كنا نتوقع أن يكون فيها من الود الشيء الكثير.

صدق الشاعر اللبناني وديع سعادة حين قال:

"أيّ حلم؟

وكلّنا على قارعة الطريق

نلملم انهيار الوجوه."

***

درصاف بندحر

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5873 المصادف: 2022-10-04 02:56:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م