قضايا

علاء اللامي: ماهي الزبائنية وما علاقتها بـ "منطق معاوية" والمحاصصة الطائفية؟

للزبائنية السياسية (Clientelism) عدة تعريفات في علم الاجتماع السياسي، أشهرها يقول إنه "نظام سياسي واجتماعي قديم نجد جذوره في دولة روما القديمة (ونجد ملامحه خلال حكم معاوية في بلاد الشام)، ولكنها زبائنية هرمية وغير متكافئة، وقد جرى تحديث هذا المفهوم وتبنية في العلوم السياسية في العصر الحديث. إنه نظام من العلاقات غير المتكافئة وغير الندية بين مجموعات من الفاعلين السياسيين ينقسمون إلى رعاة (أصحاب عمل/ باترونات) وزبائنهم الجمهور والأحزاب سياسية. وهي علاقات قائمة على المحسوبية. يعتبر هذا النظام سلبيا، لأنه يرتبط بالفساد السياسي والإداري وعرقلة مؤسسات الدولة ومخالفته للقيم الديمقراطية.

في العصر الحديث تحولت الزبائنية إلى ظاهرة واسعة وعالمية في العديد من البلدان، وخاصة تلك التابعة وذات المجتمعات الاستهلاكية وغير المنتجة والتي يقوم اقتصادها على الريع الواحد المتأتي من الثروات الطبيعية كالنفط والغاز (كالعراق) أو الزراعية ذات المنتوج الواحد كالقهوة أو الشاي (سريلانكا) وغيرها، أو كونه ممرا للتجارة الدولية عبر قناة مائية أو برية (دولة قناة بنما) أو مقصدا سياحيا كلبنان.  وحتى في الدول الصناعية وجدت هذه الممارسات الزبائنية وقد اتخذت بعض الدول إجراءات محدودة وشكلية لمكافحتها؛ ففي الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما تم تجريم شراء الدعم غير قانوني في الانتخابات وغيرها، سواء كان عن طريق نقل السلع مباشرة أو توفير فرص عمل مقابل التأييد (في العراق نتذكر مثال توزيع البطانيات وبطاقات الهاتف ودجاج الكفيل ...إلخ، خلال الانتخابات).

* من التعاريف الأخرى الحديثة للزبائنية نقرأ الآتي في الموسوعة السياسية / مترجمة: "الزبونية تشمل تقديم الموارد كالوظائف أو العقود والمخصصات للجمهور الزبائني، مقابل الدعم السياسي. وهو يختلف عن شراء الأصوات من نواحٍ عديدة، أهمها امتداد الصفقة لفترة زمنية أطول ولا يقتصر على فترة الحملة الانتخابية. وهناك من المتخصصين من يعرّفها على أنها تحالف عمودي ثنائي بين طرفين غير متكافئين في الوضع أو القوة أو الموارد.

*عن الزبائنية السياسية في لبنان القريبة من التجربة العراقية كتب الباحث ألبر داغر"حين يكون دأب النخبة السياسية تجيير الموارد العامة لتوزيع منافع خاصة، تكون الدولة نيو-باتريمونيالية الطابع، أي يتعاطى السياسيون معها وكأنها إرث لهم. لكنّ الأدبيات النظرية أكدت العلاقة القائمة على عدم تكافؤ شديد بين "رئيس شبكة المحاسيب" وبين المستفيدين من أعطياته. وأظهرت أن تقاسم المغانم والمكاسب على أساس إثني أو طائفي بين أطراف النخبة هو ما يُعطي نظام الزبائنية السياسية قوّته.. لكنّ الوجه الآخر للصورة تمثّل بالتردي الهائل لفعّالية الدولة، باعتبار أن توزيع المواقع والموارد والتنفيعات كان يجري لمصلحة المحاسيب، وأن التمثيل في الإدارة العامة كان يتم على حساب الاستحقاق والإنتاجية هذا ما يُسمى في لبنان "المحاصصة".

* في العراق، يعتبر نموذج الحكم، قبل وبعد الاحتلال الأميركي نموذجاً صارخاً ورثاً للزبائنية المدَمِّرة الفظة ذات السمات الفاشية في أسوأ صورها ونتائجها في بلد استهلاكي ونفطي بشكل تام ويتوجه نحو كارثة اجتماعية واقتصادية وبيئية حتمية إذا استمر نظام الحكم القائم اليوم على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية وبدعم المرجعيات الدينية والقبلية المحلية والدول الأجنبية ولم يتم تفكيكه وتغيير دستوره المكوناتي!

* يصف عالم السياسة والإناسة الأميركي جيمس سكوت العلاقات الزبائنية بأنها صداقة منفعية بغرض الاستفادة يستخدم فيها الطرف الأول "الباترون/ صاحب العمل/ السياسي النافذ" وضعه الاجتماعي والاقتصادي الأعلى إضافة إلى نفوذه وموارده لتوفير الحماية أو الامتيازات للطرف الثاني وهو شخص أقل مكانة مقارنة بالطرف الأول.

هذه العلاقة قد تكون أو تبدأ طوعية وأقرب إلى فعل الارتزاق وقد تأخذ شكل تهديدات بدلاً من الإغراءات المادية وهو ما أشارت إليه سوزان ستوكس، وعبّر عنه كيتشليت بقوله: "الزبائنية تنطوي على المعاملة بالمثل والطوعية ولكن أيضا بالاستغلال والسيطرة".

* وقد قام الباحث أوليفييه روا بحصر الزبائنية في أنماط ثلاثة:

- الشبكة المعاونة التي تتشكل حول رجل يتمتع بسلطة ما والتي تزول بزوال هذه السلطة.

- العصبية التقليدية المتمثلة في العشيرة والقبيلة والطائفة.

- العصبيات الحديثة الاجتماعية والسياسية (النقابات، الأحزاب).

من حيث النتائج تعتبر الزبائنية شكلا من أشكال الفساد ومشكلة حقيقية ومرضاً ينخر في جسد الدول والديموقراطيات المعاصرة، وقد اعتبرها الباحث الجزائري مالك بن نبي (1905-1973م)، ظاهرة مَرضية في المجتمعات. سياسياً وأيديولوجياً، اختلفت وجهات النظر حول آثار الزبائنية بين اليمين واليسار التقليدي، فاليمين يراها أمراً طبيعياً يجب توظيفه لحسن تسيير المجتمع، واليسار التقليدي يحاربها عالمياً ويتعايش معها محليا. وعلى العموم فإن آثار الزبائنية مدمِّرة للاقتصاد وهي محبطة لتطلعات الناس نحو المساواة، ومعرقلة للتنمية المستدامة".

وفي التراث العربي الإسلامي يمكن أن نجد مثيلا لحالة الزبائنية في حكم معاوية بن أبي سفيان لبلاد الشام، قبل وبعد أن نجح تمرده على الدولة الإسلامية الراشدية، وصار خليفة لكل بلاد المسلمين. فقد دأب معاوية - بدهائه الخارق وميكافيليته التكتيكية - على أن يسوس أهل الشام بكياسة ويكسب طاعتهم مقابل إغراقهم بالعطاءات السنوية والجرايات والمِنَح والغنائم والقيعان الزراعية. لقد عاملهم بلين وتسامح، ولكن أيضا بحزم وصراحة وفق مبدأ الإعارة الذي أسس له بشعاره الذي بدأ به واحدا من خطاباته الحربية حين قال: "أيها الناس: أعيرونا جماجمكم وأنفسكم.."! ولكنه كان يتجاوز حتى حدود الإعارة ويتدخل في تفاصيل وجودهم الفيزيقي فلم يكن مثلا يسمح لهم بالإقامة الطويلة في أقطار أخرى كالعراق ومصر والحجاز بعد أن ينجزوا مهماتهم الحربية هناك "حتى لا يتغيروا عليه"، ولهذا أوصى ابنه يزيد قائلا: "وأنظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شَيْءٌ من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إِلَى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم. وأنظر أهل العراق، فإنْ سألوك أن تعزل عَنْهُمْ كلَّ يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل أحب إليَّ من أن تُشهر عَلَيْك مائة ألف سيف / الطبري –مج 5 –ص222".

ويبدو أن التاريخ قد انقلب في عصرنا رأساً على عقب في عهد الزبائنية النفطية الحديثة فأصبح الجمهور في العراق يستطيب السكوت والمسكنة والتفرج على خيرات بلاده وهي تنهب وأنهاره وهي تزول وصناعته وزراعته وثقافته وهي تدمر!

***

علاء اللامي

في المثقف اليوم