 قراءات نقدية

قراءة في قصائد "فراديس إينانا" ليحيى السماوي

صالح الرزوقيذكر الشاعر يحيى السماوي في عدة قصائد رقيقة من مجموعته (فراديس إينانا)* أن حبه للمرأة يتساوى مع حب الابن لأمه، وأنه راغب بالحضانة والمهد الوثير والثدي - مصدر غذاء الصغار.

لكن سرعان ما يفضحه لسانه بزلات تكتسب كل عناصر الفضيحة الفرويدية، ويتأكد لنا أنه طامع بكل شيء - الجسد قبل الروح، والشكل قبل المضمون. ويستعمل مفردات عضوية مبهمة تحدد ولكنها لا تصف. بمعنى أنها أقرب لتشريح وتقطيع أوصال المرأة دون أي أوصاف إستاطيقية.  ويمكن القول إن إحساسه بالمرأة بيولوجي أو تشريحي anatomical. ويبدأ معها من العنق (بالاسم - دون إضافات لا مباشرة ولا مجازية - لذلك نحن لا نعلم هل هو طويل وممشوق أم قصير، وعلى كتفين رخاميين أم فوق صدر ناهد). وينتهي بالعورة. ويضفي عليها عدة أسماء غامضة منها: التنور، الجمر، البئر، المبراة، الوادي وغير ذلك.

 مثل قوله:

ركزت رمحي في رباك - ص 28.

وقوله:

نتساقى اللذة البيضاء تنورا ومحراثا - ص 36.

وقوله:

كشفت تويجتها وأوشك ميسمي أن.... ص 209.

قبل أن يقول:

بئر ولا حبل ودلو -ص 160.

 وكلها تصورات مكشوفة تتجاوز سقف توقعاتنا حتى بالمقارنة مع أعمال أدبية جادة معروفة بتحدي التابوات. وأذكر على سبيل المثال أول رواية للبريطانية سارة ووترز التي تسمي الفرج باسم رومنسي مهذب وهو القطيفة - أو وفق استعمال آخر المخمل.3725 السماوي

وأعتقد أن الطفل في شعرية السماوي هو في الواقع رجل مكتمل النضج والوعي والمعارف. وإن كانت أعراض هذه الماشيزمو لا تدل على متلازمة مرضية مثل متلازمة أبي الفوارس عنترة، وهي مزيج من عقد ذاتية واجتماعية، إنها تشير إلى طلب يدل على حاجة ملحة ومبيتة. فهو يطالب بالوصال المادي مثل العناق والتقبيل والاحتضان. وتستطيع أن تتابع عشرات التراكيب والصور المبتكرة في هذا المجال مثل:  كأسه أفواه غيد - ص97. وتمسيد نهود وخصور - ص99. وسرير لصهيل وهديل - ص99.

وربما لهذا السبب غابت من القصائد السطوح المضيئة الساكنة التي تلبي حاجة الطفل للرؤية والتعارف وحلت محلها الجداول ومساقط المياه والبحار، وكلها ذات نشاط تدميري وتتطور وراءها ميول تدل على رغبة بالركوب أو الإبحار أو الغطس. وبتعبير أوضح تشير إلى رغبة ناضجة بالولوج.  ومن الواضح أن لدى السماوي تصور عن ثلاثة أنواع من الفضاءات الافتراضية.

الأولى خلوة تحمل مواصفات جنة  صغيرة. ولا أستبعد أنها رواسب أو بقايا أمنيات قديمة محجوزة في اللاشعور (لاحظ العنوان "فراديس إينانا").

الثانية يوتوبيا بشكل تصور قائم على أساس نفي الواقع والتبشير بالماضي الحضاري للشعوب السومرية البائدة (ويحاول أن يحييها بواسطة بعض المفردات مثل أوروك وجلجامش وشامات وغيرها)، أو تثبيت البدائل كما يفعل في قصائد تقدم آيات الشكر والامتنان لما يسميه البلاد الغريبة (ولا بد أنه يقصد أستراليا - موطنه الثاني).

والثالثة والأخيرة فرج المرأة الإلهة التي لا يجوز اغتصابها، والتي يطلب موافقتها بكثير من الخنوع والاستسلام. ومن البديهي أن الاغتصاب لا يتوافق مع تمثيلات الحنان ولا الشوق. وينسجم هذا الاتجاه مع مزاعم الطفولة، وبالأخص أن الأساطير (كما يقول عبد الستار نور علي) تعبير عن وعي طفولي بالكون والواقع**.

وفي كل الأحوال أرى أن شعر السماوي هو شعر نساء. ولا يوجد في غرامياته أي تهور أو بطش، فلا هو يرتدي درع الحديد ويضرب بسيوف مسلولة تبرق كثغر عبلة - حسب أقوال أبي الفوارس. ولا هو يمتطي المرأة ليضمد جراح فحولته المهزومة في ساحات الوغى بلغة نزار قباني دون جوان القرن العشرين. ولكنه يتحايل عليها وبكثير من التحفظ والاعتدال، ويحترق ببطء دون أن يسمح لألسنة اللهب أن تحرقها معه. ويقول عن ذلك: إن بعض الجنون من الرشاد (ص52) أو الجنون العاقل (ص66). ولذلك ابتعد ما أمكن عن ترميز المرأة، حتى لا تخسر سؤددها واستقلالها الذاتي على حد قول جورج طرابيشي. ومنحها صوتها الخاص ولم يحتكره لنفسه. وسمح لها أن تمتلك ملء الحرية في التعبير عن عفافها. وقبل ذلك عن دلال المؤنث. وهو أمضى سلاح بيد أي امرأة تعيش في مجتمع خاص بالرجال. وتذكرني هذه الطريقة بقصيدة طويلة للأمريكي سكوت ماينار وهي "جلجامش وقصائد أخرى". فقد استعمل تقنية الأصوات، وكان كل صوت يكشف عن مساحة مفقودة تضيء جانبا من جوانب الوعي الباطن.  ولكن لا يزال هناك اختلاف جوهري بين التجربتين، فقصيدة ماينار لم تترك شخصياتها بالظلام، واهتمت بالتفاصيل أو المنظور. بينما عمدت قصائد السماوي إلى تضليل ثم تجريد وعي الشخصيات، وحكمت عليها بالاغتراب في مدن تشبه السجون النازية.

ولم يدخر السماوي جهدا لهجاء هذه المدن - ورمز لها بصورة قصور وجواهر للأغنياء -  وقارنها مع الطبيعة التي تذكرنا بالقرية كما رسمها  محمد حسين هيكل في "زينب". فالمدينة تعكس صورة فحل متنبه ومستيقظ ينفخ بالكور دائما، وغمامات الدخان الأسود مدلهمة فوق رأسه، لتتستر على نواياه المرعبة والخبيثة. في حين أن القرية تشبه امرأة مسترخية تحت مظلة ملونة. وفي هذه المقارنة وعي جنوسي، يدل على حالة نكوص. وهو ما يفسر ولعه بالمراحل السابقة بالعمر، وتقمصه لجسد طفولي يفيض بميول البالغين. وقد  اشترط السماوي، مثل هيكل، شرطين للخلاص، وكلاهما يدعو إلى النكوص، وبالتحديد لمرحلة تضعف فيها الرقابة على الذات (مثل عودة الموج للنهر - والخبز للمائدة - ص214). وأستطيع أن ألاحظ رتلا من المفردات الرمزية للتبشير بهذه اليوتوبيا الريفية كالكوخ والجدول والساقية والناعور والبستان وأثواب العشب وزهر الزيزفون... حتى أن كلمة حقل بالمفرد وحقول بالجمع تكاد أن تظهر في كل قصيدة، ومعها غطاء نباتي زراعي مثل القمح والشعير وما يترتب عليها مثل تنور وفرن وخبز.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالزراعة نظام طبقي ويتضمن السخرة والقنانة واستغلال الأرض بعكس الحياة الرعوية التي لا نسمع عنها في المجموعة ولو كلمة واحدة.   ومع أن هذا الاختيار غير مقصود فهو أيضا لا يخدم ضرورة شعرية. وفي الحقيقة يعبر عن نظام للقنانة والسخرة، وترتب على ذلك إنشاء وحدة سرد شعرية ذات مضمون ثوري يدعو علانية وبأعلى صوته لاستبدال النظام.

ويمكن بسهولة أن تلاحظ أن قصائد السماوي تتركب من ثلاث حركات (أو وحدات سرد بتعبير عبد الستار نور علي أيضا) وهي: محاكاة يتلوها تفسير ثم تعتيم.

تصور المحاكاة باستعمال عين الكاميرا ظهور سلطة غريبة وقمعية أو على الأقل منافسة تشاركه على "جنة إينانا" - أحضان أمه الأوديبية.

ويعمل التفسير على  التكهن والتنبؤ باستعمال الحواس وبالأخص اللمس، ويرافق ذلك قاموس غني بمفردات التشكي والتذمر بسبب الصد والنفور، وهو ما يشير إلى الامتناع والندرة والتعذيب النفسي والجسدي.

أما التعتيم فهو مثل الرسالة المسروقة بالمعنى الذي تكلم عنه دريدا:

1- مكتوم ويتضمن دعوة إلى الوصال والدخول في الطقس الزراعي الانتاجي بدءا من تهيئة الحقل - السرير وتعرية الأرض المؤنثة - والاعتداء عليها بسكة المحراث الفولاذي.

2- وفضائحي ومصدر لزيادة الكمون وتضخم الليبيدو ويشير لضرورة الفعل الثوري وحرق الماضي.

وباستعمال لغة سبيفاك نرى أن القصيدة عند السماوي تتدرج من المؤكد والحتمي إلى الممكن ثم المحتمل أو من الصورة إلى الحالة. والفرق بينها هو الذي يحدد درجة اليقين في الوعي. وهذا لا يدل بالضرورة على بنية قصصية. لكنه يحمل رواسب من الخيال الديني بكل أشكاله: الطقوسي والعباداتي، أو دين المدينة العاقة ودين المجتمع المسكين والطيب. ولأول مرة ألاحظ هذا التفكيك الغريب للتفكير الأسطوري في الشعرية العربية. فهو يعزل بين جوهر الشيء والشيء نفسه أو ظاهره لأن الدين ظاهرة حضارية مرتبطة بالمدينة (التجمع البشري المنظم). وهكذا يتحول الجانب الذاتي إلى هم موضوعي له أبعاد وطنية وإنسانية عامة، وهي أطروحة الشاعر السماوي منذ بداياته في "عيناك دنيا" 1970 وحتى الوقت الراهن.

***

د. صالح الرزوق

.......................

* فراديس إينانا. دار الينابيع. 240 ص. دمشق. 2022.

** الأسطورة بين الاستلهام والواقع في فراديس اينانا. رأي اليوم. 10 حزيران 2022.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5778 المصادف: 2022-07-01 01:08:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5822 المصادف: الاحد 14 - 08 - 2022م