قراءات نقدية

حبيب ظاهر: مسرحية استثمار.. كثافة المفردات

بفضل العمل المتنوع (في التمثيل والتأليف والإخراج …) ضمن دائرة الفن المسرحي يتمكن الفنان من امتلاك رؤى ومهارات ومعالجات - قد - لا يمتلكها غيره من الذين يعملون باتجاه احادي مثل التأليف حصرا او في الاخراج حصرا. وعليه يمكن ان نشهد تكاملا فنيا وأدبيا حين يكتب المؤلف بمخيلة وفكر المخرج.

مؤلفة مسرحية (استثمار)* د.ايمان الكبيسي متنوعة الاهتمامات، كتبت نصوصا للأطفال والكبار، أخرجت عرضا بعنوان (تويتر نسائي) اخذ مساحة جميلة حين قدمته على خشبة المسرح الوطني، وهي استاذة أكاديمية في جامعة لها محاضراتها وأبحاثها المسرحية وأصدرت أكثر من مجموعة نصوص مسرحية موجهة للأطفال منها (زهرة الماغنوليا) و(الكرى وأحلام الملائكة) ومجموعة من خمس نصوص موجهة للفتيان ضمن كتاب مسرح الفتيان المشترك مع د. حسين علي هارف، وكتبت (قالت لي العرافة) و(أيوب) مجموعتان من النصوص الموجهة للكبار.

تضطلع المرأة في عموم كتابات (الكبيسي) بدور بارز وقوي، وفي نص مسرحية (استثمار) تضع شخصيات مسرحيتها في معادلة تبدو غير متكافئة رياضيا وغير متوازنة نفسيا (أربعة نساء مقابل رجل واحد) مما يجعل القارئ يتساءل منذ السطور الاولى: لماذا اربع إلى واحد؟ ليندفع في تلمس الاجابة، ويتجلى في هذا الامر مهارة المؤلفة لأنها زرعت مصدرا للأثارة منذ البداية واسست لعملية التشويق. 

تستهل المسرحية بمشهد رقصة ثم تصفح جرائد وبعدها تنطق المرأة رقم ١ كلمة (ملل) رقم ٢ تضحك المرأة رقم ٣ تبكي، وتعود المرأة رقم ٢ للضحك، تقوم المرأة رقم ٤ بوصفهن: مجانين .. نسوة مجانين .

منحت (الكبيسي) نسوتها أرقاما ولم تمنحهن أسماء، ولا حتى صفات، دلالة تجريد الشخصيات من الملامح وابقاءهن في إطار واحد بلا تمايز وكأنهن شخصية واحدة بأربعة نسخ، أو شخصية واحدة مقطعة إلى أربعة أجزاء مع الاخذ بالاعتبار ان النسوة بأعمار متباينة وان الاحداث تجري في مكان نسوي (صالون تجميل بأربعة كراسي)

اشتغلت المؤلفة على مفردات تفتح المخيلة عملية الإخراج بِعَدِها قيما اساسية تتبلور من خلالها الفكرة الأساس وتتضح معالم الشخصيات وبواسطتها تنبني الأحداث ويتشكل الجو النفسي العام، من هذه المفردات/ القيم:

* مفردة لغة الكلام: وجدت اللغة للتعبير والتواصل الاجتماعي والفكري، وأن استخدام اللغة المحكية اليومية البسيطة أمر يقرب أفكار النص من المتلقي ويقدمها بحوار واضح ودون تعقيد ولا مغالاة في التعبير:

3- مقبرة نموذجية يعنياننا سندفن (vip)

2- سيكون هناك (واي فاي) مجاني

1- وخدمة توصيل مجاني

2- وتكسي كريم ايضا.

1- ربما ستكون لنا رواتب تقاعدية ومن دون استقطاعات.

2- انها النعيم

4- هي النعيم حقا.

* مفردة الجريدة… سواء أمسكت بها الشخصيات بصورة صحيحة ام أمسكتها بصورة مقلوبة، فهي مصدر خبر لمشروع جديد، تعتقد النسوة الأربع انه يلبي حاجتهن للعمل أو السكن،  وتبين ان المشروع هو (مقبرة نموذجية) وقد تقبلت النسوة الفكرة.

* قرع الصنج كفاصل موسيقي بين تحولات المشهد النفسية وكمؤثر صوتي يتزامن مع بعض العبارات بقصد تأكيدها.

* مفردة قصائد الحب: تسخر النسوة من مشروع المقبرة، وفي الوقت نفسه يفكرن بسرقة فكرة المقبرة ويتباحثن بكيفية انشاءها، تتفق النسوة على التضحية برجالهن للبدء بالمشروع ونجاحه ويصدف أن اثنان من رجالهن على الاقل يكتبون قصائد بمفردات متشابهة، بلا شك ان مصدر القصائد واحد، وان الحرب ذات الأشكال المتعددة أخذت الكثير من الرجال (الاب والاخ والزوج والحبيب) وذهبت القصائد معهم، وحالما يتم الشروع بالتخطيط للعمل بالمشروع  تدخل شخصية (الرجل) لتبدأ مرحلة تصاعد الفعل الدرامي.

* مفردة بدلات مشفى المجانين يأتي بها الرجل ويلبسها للنساء الأربع وينادي عليهن بإسم واحد ذي دلالة واضحة ( فقيدة ضايع تايه) لتجيب النسوة بكلمة (نعم) كلهن فقيدات بنات ضائع تائه، هذا ما اطلقه الرجل عليهن وقد يجسد نظرة الرجل لهن، بل ويذهب الرجل الى ابعد من ذلك حين يتهم النسوة بسرقة ارض والده التي يقمن المشروع عليها وأنه جاء لتنفيذ الحكم.

* مفردة الاسم والاسم المناقض:  يكشف الرجل عن اسمه (فائز بخيت منصور) ذي الدلالة النقيضة تماما لاسم النسوة وان الذي اعطى الحق للرجل بتنفيذ الحكم هم (القاضي ورجل الامن والمدعي العام) ويبدو انهم كلهم رجال، وفي هذا إذكاء وتصعيد للصراع الذي اشعلته (د.ايمان الكبيسي) بين الأنوثة والذكورة، بين الرجل الواحد والاربع نساء، بين الباحثات عن الاستثمار المشروع في الارض وبين وريث الارض من ابيه بإسناد من سلطة الأمن والقضاء حتى انه يتهم النسوة بالجنون ويحكم عليهن بالإعدام ويخبرهن بانه سيقوم بالدفن بعد الاعدام في المقبرة النموذجية، وانه يرفض استئناف المحاكمة لانه هو نفسه - وهذه نهاية صادمة-  القاضي ورجل الأمن والادعاء العام.

كتبت المؤلفة  هذا النص بمخيلة المخرج يتضح ذلك من خلال جميع مفردات النص، بما فيها تحديد مكان الأحداث (صالون التجميل) الذي استحال إلى مشفى مجانين ثم عاد في النهاية الى حالته الاولى عندما جلست النسوة على كراسي الصالون وتدلت أجهزة تسريح الشعر من جديد (الشسوار) على رؤوسهن مع إصرار المؤلفة - بحسب ارشاداتها - على أن يكون ثمة شبه بين التكوين الأخير للشخصيات وبين القبور

نهاية سالبة للنساء وناصرة للرجل هكذا ارادتها (الكبيسي) لان النساء في مسرحيتها تمثل امرأة واحدة ولكنها مجزأة، انها حيرى ومترددة وبلا قرار، في حين صورت الرجل بقرار وسلطة مستمدة من القضاء، في هذا دفع واضح نحو: يا امرأة كوني واحدة وإلا تحول مكان التجميل الى قبر.

***

ا. د. حبيب ظاهر

......................

* نص مسرحية (استثمار) منشور في مجلة (الفرجة) الاليكترونية - الثلاثاء 9/ مايو/2023.

في المثقف اليوم