 دراسات وبحوث

منى زيتون: آل البيت والشجرة الملعونة في القرآن

منى زيتونأخرج الحاكم في المستدرك حديثًا على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي في التلخيص (8482/190) عن أبي برزة الأسلمي قال: كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف.

وحديثنا في هذا المقال متمم لما بدأناه في مقال "ما بين فضائل علي وفضائل معاوية"، وهو عن آل البيت والشجرة الملعونة في القرآن.

الشجرة الملعونة

قال تعالى: ﴿إِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60].

‏‏والآية كما هو واضح تقول للرسول إن الله مطلع على كل ما يفعله الناس وسيفعلونه في المستقبل، وقد أطلعناك على بعض مما سيجري في المستقبل في منامك، فلا تبتئس، فهي فتنة ستقع وشجرة ملعونة لا تخاف الله ولا ترعوي ستنال دنيا، وكل ما سيجري هو بلاء للناس. والآية تحذير للناس كي لا ينحرفوا في هذه الفتنة عن جادة الصواب فيهلكوا، وإن كان أكثر الناس لا يزيدهم التخويف إلا طغيانًا.

والعجب ممن قال إن الرؤيا المذكورة في الآية هي (رؤيا) بصرية، وهو ما يخالف أبسط قواعد اللغة، فالرؤية البصرية تكتب مختومة بالتاء، وأما رؤيا المنام فتُختم بالألف، وكون الآية في سورة الإسراء لا يلزم منه أن كل آيات السورة تتحدث عن حادثة الإسراء.

والأعجب أن يُقال إن المقصود رؤيا منامية رآها الرسول صلى الله عليه وسلم تبشره بفتح مكة! وليست الآية للبشارة على كل حال، فهي رؤيا منامية تتحدث عن فتنة ستحدث، أطلع الله عليها رسوله. وعجيب أيضًا أن من قال هذا واعتبر الآية بشارة بفتح مكة يعتبر الآية مكية! ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلى المدينة، ولا كان قد أُمر بالهجرة! ولأن نزول الآية وفقًا لهؤلاء قديم وبعيد زمنيًا عن زمن الهجرة، ولا علاقة بينهما، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عرض نفسه على القبائل، ولا بُويع في العقبة، فيكاد يكون هذا التفسير مستحيلًا من كل وجه، ولا مجال لأن نظن أنه بُشِّر بأنه سيعود إلى مكة فاتحًا.

وهناك أحاديث كثيرة رواها بعض الصحابة عن رؤيا منامية متأخرة رآها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بزمن يسير، أساءته واغتم بسببها، ورأوا أنها تأويل هذه الآية أو بالأحرى أن الآية نزلت بعد هذه الرؤيا لتخفف عن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتمامه، بإخباره أن ما رآه هو فتنة ستجري وابتلاء من الله للناس. وظاهر أكثر هذه التأويلات والأحاديث يؤكد أن الآية متأخرة النزول في المدينة، رغم أن السورة ذاتها مكية، وبعضها يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم رآها بعد انقضاء فتحه لمكة وعودته إلى المدينة ولحاق المكيين به بعد أن أسلموا، وهو ما يتفق أيضًا وذكر منبر مسجده في المدينة في روايات الصحابة التي حكت قصة الرؤيا. وإن كان بعض المفسرين بقي على إصراره على أن الآية مكية ولم ير بأسًا بهذا!

وقال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (ج13، ص5) في أول تفسيره لسورة الإسراء "هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات" ثم ذكر من بينها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]. ومما أورد القرطبي في تفسير الآية (ص111) "إنه عليه السلام رأى في المنام بني مروان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فقيل: إنما هي الدنيا أعطوها، فسُري عنه، وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة. وهذا التأويل الثالث قاله أيضًا سهل بن سعد رضي الله عنه. قال سهل: إنما هذه الرؤيا هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاغتم لذلك، وما استجمع ضاحكًا من يومئذ حتى مات صلى الله عليه وسلم. فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من ملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس وامتحانًا. وقرأ الحسن بن علي في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [الأنبياء: 111]".

وأورد الإمام الذهبي في ترجمة الحسن رضي الله عنه في "السير" (ج3، ص ص 271- 272) بإسناد حسن أنه" لما ورد معاوية الكوفة، واجتمع عليه الناس، قال له عمرو بن العاص: إن الحسن مرتفع في الأنفس لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه حديث السن عيي، فمُره فليخطب، فإنه سيعيي، فيسقط من أنفس الناس، فأبى فلم يزالوا به حتى أمره، فقام على المنبر دون معاوية: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: لو ابتغيتم بين جابلق –مدينة بأقصى المغرب- وجابرس –مدينة بأقصى الشرق- رجلًا جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا معاوية بيعتنا، ورأينا أن حقن الدماء خير ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾، وأشار بيده إلى معاوية، فغضب معاوية، فخطب بعده خطبة عيية فاحشة، ثم نزل. وقال: ما أردت بقولك: ﴿فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ﴾؟ قال: أردت بها ما أراد الله بها".

وروى الحاكم في المستدرك (4796/394) بإسناد صحيح عن يوسف بن مازن قال: قام رجل إلى الحسن بن علي فقال: يا مسود وجه المؤمنين. فقال الحسن: لا تؤنبني رحمك الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلًا رجلًا فساءه ذلك.............". والرجل الذي قال للحسن هذا القول هو سفيان بن الليل صاحب أبيه.

وأخرج الحاكم حديثًا صحيحًا، وافقه عليه الذهبي في "التلخيص"، وقال: على شرط مسلم (8481/189) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني أريت في منامي كأن بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة". قال: فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتى توفي.

وروى ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج13، ص ص 270-271) في ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني ‏أمية بعض من الروايات عن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا أساءته.‏

"قال يعقوب بن سفيان: أنبأ أحمد بن محمد الأزرقي، ثنا الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه‏، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في النوم بني الحكم -أو بني أبي العاص‏‏- ينزون على منبري كما تنزو القردة. قال: فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا ‏حتى توفي.‏

وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سعيد بن زيد أخو حماد ‏بن زيد، عن علي بن الحكم البناني، عن أبي الحسن -هو الحمصي- عن عمرو بن مرة‏ -وكانت له صحبة-، قال: جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏فعرف كلامه، فقال: "ائذنوا له، حية أو ولد حية، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين -وقليل ما هم- يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يعظمون في الدنيا، وما ‏لهم في الآخرة من خلاق"أهـ.‏ وهذا الحية الحكم بن أبي العاص هو من دعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ونفاه من المدينة إلى الطائف، وولده الحية الآخر هو رأس الفتنة الكبرى ومديرها مروان بن الحكم. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (8484/192).

وورد في "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" للإمام جلال الدين السيوطي جملة آثار عن تفسير تلك الرؤيا والشجرة الملعونة.

"أخرج ابن جرير، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتى مات، وأنزل الله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، وأنزل الله في ذلك ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ يعني الحكم وولده‏.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أريت بني أمية على منابر الأرض، وسيتملكونكم، فتجدونهم أرباب سوء‏".‏ واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك‏:‏ فأنزل الله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾.

وأخرج ابن مردويه، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح وهو مهموم، فقيل‏:‏ مالك يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"إني أريت في المنام كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا‏".‏ فقيل‏:‏ يا رسول الله، لا تهتم فإنها دنيا تنالهم‏.‏ فأنزل الله‏:‏ ‏﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه‏:‏ ‏"‏إنما هي دنيا أعطوها‏"‏، فقرت عينه وهي قوله‏:‏ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾. ‏يعني بلاء للناس‏.

وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏‏ لأبيك وجدك‏ إنكم الشجرة الملعونة في القرآن‏"أهـ.

وجاء في "الصحيح المسند" (785) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني، فقال -ونحن عنده-: ليدخلن عليكم رجل لعين، فوالله ما زلت وجلاً أتشوف داخلًا وخارجًا حتى دخل فلان، يعني الحكم". ورواه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (3240) عن عبد الله بن عمرو بلفظ "ليدخُلنَّ عليكم رجلٌ لعينٌ يعني الحَكَمَ بن أبي العاصِ"، و إسناده صحيح على شرط مسلم.

وأخرج الحاكم في المستدرك حديثًا على شرط الشيخين (8483/191) أن عائشة رضي الله عنها قالت: لكن رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان قصص من لعنة الله عز وجل.

وساق الحاكم حديثًا آخر (8485/193) عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الحكم وولده.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (ج13، ص13)  في آخر شرحه لباب قول النبي صلى الله عليه وسام "هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء" ما نصه: "يُتعجب من لعن مروان –ابن الحكم- الغلمة المذكورين مع أن الظاهر أنهم من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد. أخرجها الطبراني وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك".

قطع نسل معاوية

في عام 40 هـ اتفق ثلاثة من الخوارج الحرورية على قتل الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن ‏العاص، وتعاهدوا على أن ‏يكون ذلك بعد مرور 17 يومًا من رمضان -على الأرجح-، وتفرقوا ما بين العراق ‏والشام ومصر لينفذوا ما اتفقوا عليه، وكان ما كان ‏من أمرهم‎.‎

لكن ما يدسه ولا يذكره أحد من المعاصرين أن معاوية قد انقطع نسله يوم مات سيدنا علي. ذكر الإمام ‏الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" (ج5، ص149) في حوادث سنة 40هـ ما فعله معاوية بعد أن أمر ‏بقتل الخارجي الذي أخطأ ضربته لما أراد قتله، فوقع السيف في ألـْيَته، قال الطبري: "وبعث معاوية إلى ‏الساعدي –وكان طبيبًا- فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، ‏وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي ‏عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها"أهـ.‏ وقد صحح الذهبي هذه القصة في ترجمة معاوية في "السير".

وأقول: إن هذه علامة أنه ما قاتل إلا لملك ‏يدوم فيه وفي ولده، فكان العقاب بالمنع، فلم يلي من ‏عقبه الملك إلا اللعين يزيد، وليته ما ولي، والجزاء من جنس العمل‎.‎‏ وسبحان من له التدبير.‏

وقد روى الإمام الطبري في حوادث سنة 60هـ ما عهد به معاوية لابنه يزيد، وكيف وطأ له الأشياء وذلّل ‏له الأعداء، وأنه كان يتخوف عليه من أربعة: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد ‏الرحمن بن أبي بكر، وأوصاه بوصايا في التعامل مع كل منهم، لعلمه أن أيًا منهم سيراه الناس أفضل وأحق ‏من ابنه الفاسق، وسيتأخرون عن بيعته.‏

وذكر سبط ابن الجوزي في "تذكرة الخواص" (ص286) "كان معاوية يقول: لولا هواي في يزيد لأبصرت ‏رشدي"أهـ.‏ ورواها عنه ابن عساكر في ترجمته لمعاوية في "تاريخ دمشق" (ج59، ص 61).

وتروي كتب الحديث والتراجم أن هند بنت عتبة أم معاوية كانت قد شكت أبا سفيان للرسول لإمساكه المال عنهم، وقد وصفته في بعض المواقف بأنه "مسيك"، وأباح لها الرسول أن تأخذ من ماله بالمعروف، ثم تنعموا أي تنعم بعد قسمة الجعرانة. ويبدو أنه كان لإمساك الأب على المال تأثير في تكوين شخصية معاوية، وأذكر أنني قرأت في إحدى الدراسات الأجنبية عن المهارات الاجتماعية أن نقص الموارد في الصغر يقوي مهارة "المفاوضة" لدى الأطفال، وبلغة أسهل فإن الإنسان يتعلم كيف يحصل على ما ينقصه من غيره باللين، فأعطيك وتعطيني، وكذا مقابل كذا، وفي رأيي أن هذا قد أسهم في تعلم معاوية إدارة مصالحه، وكانت أهم صفة أوصلته إلى الحكم رغم عدم لياقته له، بينما افتقد ابنه المدلل هذه الصفة تمامًا.

مروان اللعين أس البلايا

من الإشكاليات في بعض الروايات التي حكت تأويل آية ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ أن بعضها يقول: "بني فلان" فلا يعين الراوي اسمهم تحرجًا، ما أدى لوقوع خلاف بين من رووا عنهم فمنهم من ظن أنهم بنو أمية ومن ظن أنهم بنو الحكم بن أبي العاص، ولكن الروايات التي تم تعيين الحكم وولده مروان باللعن فيها كثيرة، وإن طعن النواصب في بعضها فإن منها ما ليس فيه مطعن.

بدأت مصائب المسلمين عندما دخل اللعين الحية مروان بن الحَكم دار الحُكم كمستشار لسيدنا عثمان، فاستغل كبر سنه ‏واستحواذه على خاتم عثمان –بعد أن سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في البئر التي لا زالت تُعرف إلى يومنا هذا ببئر الخاتم- وتعصب مروان ‏لبني أمية وأخذ يختم الكتب ويرسلها للأمصار يولى بها قراباته، ‏ثم كانت الطامة بعدما ولّى سيدنا عثمان محمد بن أبي ‏بكر ولاية مصر بعدما اشتكى أهلها عامل بني أمية عليهم عبد الله بن سعد بن أبي السرح، فلما سار محمد ومعه رجال في ‏صحبته ليصل ولايته، أقبل عليهم في الطريق رجل يسرع كأنه مُلاحَق مطلوب، فاستوقفوه ‏لشكهم فيه وسألوه فاختلط ما بين أنه مولى لعثمان أو لمروان، ففتشوه واستخرجوا كتابًا ‏مختومًا بختم الخليفة مرسل إلى والي بني أمية على مصر يأمره بأن يحتال على محمد بن أبي ‏بكر ومن معه ويقتلهم ويبقى في عمله! وهذا الكتاب الذي ختمه مروان بختم ‏الخليفة كان سبب الفتنة الكبرى التي قُتل فيها ‏سيدنا عثمان.

وقد احتال بعض المؤرخين لتبرئة اللعين مروان فقالوا إن من كتب وختم الكتاب هو حُمران بن أبان، واختلقوا شخصية عبد الله بن سبأ لتحميله مسئولية التحريض والتأليب على معركة الجمل.‏ لكن المحقق لدى المؤرخين الثقات أن مروان اللعين هذا هو سبب البلايا والفتنة الكبرى، وما حاصر الثائرون الدار وفيها الخليفة عثمان رضي الله عنه إلا لمطالبتهم عثمان بتسليمه إليهم، وجاء في ترجمته في ‏"سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي (ج3، ص477) نصًا قصيرًا حمل اتهامًا صريحًا لمروان ‏من الإمام الذهبي، جاء فيه "كان كاتب ابن عمه عثمان، وإليه الخاتم، فخانه، وأجلبوا ‏بسببه على عثمان، ثم نجا هو"أهـ.

وإن كان قاتل الخليفة عثمان بن عفان لم يعلمه أحد يقينًا بسبب حالة الهرج التي كانت بالدار وقت استشهاده إلا أن أي متخصص في علم النفس الجنائي يعلم أن أول من تشير إليه أصابع الاتهام هو صاحب المصلحة أو دافع البلاء، فإما أن تكون للقاتل مصلحة في القتل أو أنه يدفع عن نفسه مصيبة بالقتل، ولم يكن أحد أحوج أن يُقتل الخليفة فينجو بنفسه من مروان.

ومروان هو المؤلب والمحرض على وقعة الجمل، وهو من قتل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؛ رماه بسهم ليحمي وطيس المعركة. ‏جاء في ترجمته أيضًا عن الإمام الذهبي (ج3، ص477) "وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان، فقَتل طلحة يوم ‏‏الجمل، ونجا لا نُجِّي"أهـ. ‏وزاد الذهبي (ص 478) عن مروان "قاتل يوم الجمل أشد قتال، فلما رأى الهزيمة رمى طلحة بسهم، فقتله"أهـ.

وبعد احتراب وقتال ومقتل الإمام علي وتنازل الحسن خلص الأمر لمعاوية، وطالت فترة ولاية معاوية بن أبي سفيان بعد تنازل الحسن حتى قاربت أن تتم عشرين سنة، وتولى يزيد في الثلاثينات من عمره، وكان يزيد تافهًا مدللًا لا يعبأ سوى باللهو، حتى أن مرض أبيه الذي قضى فيه عندما طال تركه وخرج إلى البادية عند أخواله، فمات معاوية ويزيد غير حاضر!

ومما يُروى عن يزيد أن أباه أرسله لغزو الروم في الطوانة –وقيل في الغَذقَذونَةِ-، فأخذ زوجته أم كلثوم بنت عبد الله معه، وسار مع الجند حتى وصل منطقة تُعرف بدير سمعان –وقيل دير مُران-، فخيّم فيها وبقي هو وزوجته، وأرسل الجند لحرب الروم، فأصابهم الجدري الشديد (المُوم)، فأنشد شعرًا يدل على سعادته بنجاته من الوباء!

وما أبالي بما لاقـت جموعهم  *****  يوم الطوانة من حمى ومن مُومِ

إذا اتكأت علـى الأنماط مرتفقًا  *****  بدير سمعان عندي أم كلثومِ

وذاع الشعر الذي قاله وافتضح أمره وعلم الناس أنه لم يسر لحرب الروم، وبلغ أباه، فأقسم عليه أن يلحق بالجند، فقال يزيد بيتين آخرين وأرسلهما لأبيه:

تجنّـى لا تزال تعد ذنبًا  *****  لتقطع حبل وصلك من حبالي

فيوشك أن يريحك من بلائي  *****  نزولي في المهالك وارتحالي

وأقول: ليت المنايا كانت قد لحقتك يومها فأراحت البشرية جمعاء من بلائك! ويزيد هذا الذي افتضح هربه من الجيش هو من يدعي النواصب –ليمنعوا عنه اللعن- أنه كان قائد أول جيش غزا في البحر، بينما من يفهم تركيبة شخصيته العابثة الماجنة سيدرك أن أقصى ما يمكن أن يفعله هذا المدلل الفاسد أن يصطاد السمك من على الشاطئ في انتظار عودة الجيش!

وشخص تافه مثل يزيد –وإن كان غير مختلف على حمقه ورعونته- إلا أنه لا بد له من محرض ليجرؤ على ارتكاب سيل الكوارث المتتابعة التي تمت في ولايته القصيرة؛ من قتل الحسين وأسر آل البيت واستباحة مدينة رسول الله وقتال أهل المدينة ثم قتال ابن الزبير وهو عائذ ببيت الله الحرام حتى تهدمت الكعبة واحترقت من ضرب المنجنيق، فإن كان الأمر ملتبسًا في أمر التحريض على بعض هذه الوقائع فإن دور مروان في التحريض على وقعة الحرّة التي استباح فيها جيش يزيد مدينة رسول الله لا يخفى. قال عنه الذهبي في "السير" (ص 479) "وكان يوم الحرّة مع مسرف بن عقبة يُحرضه على قتال أهل المدينة".

ثم إن اللعين مسلم بن عقبة واللعين يزيد قد ماتا فجأة والجيش محاصر مكة، ولا يُعلم إلى يومنا هذا على وجه الدقة كيف مات يزيد، وبُويع لمعاوية الثاني بن يزيد بالشام ولعبد الله بن الزبير بالحجاز، ولكن معاوية الثاني اعتزل ثم مات، وفيما روى الطبري أن بعض الناس قالوا إنه سُقي سُمًا وبعضهم قال: طُعن. فلما مات معاوية الثاني استقرت البيعة لابن الزبير، لكن اللعين مروان دعا لنفسه بالخلافة واستولى على الشام ومصر تسعة أشهر قبل أن يهلك.

وإن كانت فترة الخمس سنوات التي نازع فيها معاوية بن أبي سفيان الإمام علي بن أبي طالب وابنه الحسن رضي الله عنهما كانت بغيًا ثم كانت له البيعة الصحيحة عام الجماعة، فقد قضى الله تعالى أن تكون مدة حكم اللعين مروان كلها بغيًا؛ لأن المسلمين كانوا قد اجتمع أمرهم على عبد الله بن الزبير وبايعوه خليفة عليهم، وكان مروان هو الباغي عليه، ثم بغى ابنه عبد الملك، حتى قُتل ابن الزبير وبايع الناس عبد الملك بن مروان بيعة صحيحة بعدها.

وقد ذكر الذهبي وغيره من المؤرخين أن مروان مات خنقًا على يد زوجته أم خالد بن يزيد بن معاوية التي غمته بوسادة وقعدت هي وجواريها عليها حتى مات، وكان ذلك لأنه اغتصب حق ولدها فأخذ البيعة لنفسه وعقد لولديه عبد الملك وعبد العزيز بعده.

ورغم أن أيًا من المؤرخين لم يُشر لدور اللعين مروان في تحريض جعدة بنت الأشعث على قتل زوجها سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما، بل رُويت مرويات بأن معاوية قد حرضها على قتله ووعدها أن يزوجها يزيد، فإن حادثة قتل زوجة مروان له تحملني على الشك فيه أنه هو من كان وراء تحريض ابنة الأشعث على سم الحسن، ليتخلص من الحسن فلا ينازعه في الخلافة التي كان طامحًا لها من أيام عثمان رضي الله عنه، وسعى في التخلص من كل من يمكن أن ينازعه فيها، وكما قالوا فالبعرة تدل على البعير والجزاء من جنس العمل، وقد قتلته زوجته كما قتلت جعدة ابنة الأشعث الحسن. والله أعلم.

إني تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي آل بيتي

في "صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة"، باب "من فضائل علي بن أبي طالب" ورد حديث ‏الثقلين (2408)؛ فعن زيد بن أرقم، قال: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا بماء يُدعى خُمًا بين مكة ‏والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي ‏رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا ‏به". فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل ‏بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". وقال زيد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عنى بهم من حُرم عليهم الصدقة بعده من آل علي وآل جعفر وآل العباس وآل عقيل.‏ والحديث في مسند أحمد (19162) وإسناده صحيح.

وفي "المستدرك على الصحيحين" (ج3، 4576/174) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمن، فقال: "كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض"، ثم قال: "إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن"، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: "من كنت مولاه فهذا وليه. اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه". والحديث بألفاظه في الخصائص للنسائي (79) عن زيد بن أرقم. ورجاله ثقات، من رجال الشيخين.‏

وفي المسند (19209) وفضائل الصحابة للإمام أحمد (968) بإسناد صحيح عن علي بن ربيعة، قال: لقيت زيد بن أرقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده، فقلت له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إني تارك فيكم الثقلين؟" قال: نعم.

وفي المسند (21470) وفي فضائل الصحابة (1032) عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض".

ورواه الإمام أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري بعدة طرق (11046) و (11154) و (11499)، وجاءت في رواية (11073) زيادة "فانظروني بما تخلفوني فيهما".

من هم آل بيته؟

فإن كان هؤلاء القوم الأباعد هم الشجرة الملعونة في القرآن، فيناظرهم آل بيته من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وهناك حديث شهير في الفضائل يُعرف بحديث الكساء، وهو متواتر أيضًا بروايات عدة، وممن رواه الإمام مسلم (2424) عن أم المؤمنين السيدة عائشة. قالت عائشة: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مِرط مُرحَّل من شَعْر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ‏﴿‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏﴾‏ [الأحزاب: 33]"أهـ. والرجس هو الشك في الله عز وجل.

والحديث رواه الإمام ابن جرير الطبري في ‏تفسيره عن السيدة أم سلمة، ورواه الإمام الترمذي في سننه (3787) ‏عن عطاء بن أبي رباح عن ‏عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عيله وسلم قال:‏ نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه و سلم ‏﴿‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏﴾ في بيت أم سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه ‏وسلم فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي ‏فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك، وأنت إلي خير. قال الترمذي: وفي الباب عن أم سلمة ومعقل بن يسار وأبي الحمراء وأنس، وهذا حديث غريب من هذا الوجه. صحيح. ‏وطرفه في المسند (26476) عن شهر بن حوشب عن أم سلمة.

ورواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (26388) وفي المناقب (994) عن أم سلمة، عن عطاء بن أبي رباح قال حدثني من سمع أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة فدخلت بها عليه فقال لها: ادعي زوجك وابنيك قالت: فجاء علي والحسين والحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء له خيبري قالت: وأنا أصلي في الحجرة فأنزل الله عز وجل هذه الآية ‏﴿‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏﴾‏ قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله قال: "إنك إلى خير، إنك إلى خير". قال عبد الملك: وحدثني أبو ليلى عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء، قال عبد الملك: وحدثني داود بن أبي عوف الجحاف عن شهر بن حوشب عن أم سلمة بمثله سواء.

فبعد نزول آية ‏التطهير في المدينة أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا علي والسيدة فاطمة والحسن والحسين تحت كسائه وكان مرطًا، والمرط ثوب من خز أو صوف أو غيره يؤتزر به، وقيل هو الملحفة.

والحديث يوضح أن أهل النبي صلى الله عليه وسلم أضيق مما ظنه زيد بن أرقم راوي حديث الثقلين، فليسوا جميع من حُرم عليهم الصدقة من آل علي وآل جعفر وآل العباس وآل عقيل. كما أنه لو كان المقصود في ‏الآية أمهات المؤمنين لكان الرسول صلى الله عليه وسلم جمعهن ولم يجمع عليًا وفاطمة وابنيهما، دون أختيهما. كما أن السيدة ‏أم سلمة في روايات كثيرة للحديث قد سألته صلى الله عليه وسلم: ألست منهم؟ قال: "أنت إلى خير"، ولم ‏يقل لها إنها منهم، وهي إحدى نسائه.

وفي رواية للإمام أحمد بن حنبل في المسند (26625)، وفي فضائل الصحابة (1029) ‏قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال: "إنك على خير".‏

وفي المسند (26479) (26419) عن أم سلمة قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي إذ قالت الخادم: إن عليًا وفاطمة بالسدة، قال: "قومي عن أهل بيتي"، قالت: فقمت فتنحيت في ناحية البيت قريبًا فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فقبلهما ووضعهما في حجره واعتنق عليًا وفاطمة، ثم أغدف عليهما ببردة له وقال: "اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي"، قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟، فقال: "وأنتِ".

وفي رواية في المسند (26507) عن أم سلمة أن امرأة أهدت لها رجل شاة تصدق عليها بها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقبلها. وأقول: أمره لها بأخذها وهي صدقة إنما كان ليوضح أن نساءه لسن المقصودات في الآية، وهو ما فهمه الصحابة ورواه زيد بن أرقم في رواية حديث الثقلين بصحيح مسلم.

ويرجح هذا التفسير ما ورد بشأن آية المباهلة والأحاديث التي تشرح مناسبة نزولها، من ذلك ما روى الإمام مسلم في صحيحه (2404/32) من حديث سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: "لَمَّا نزلت هذه الآيةُ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾‏ [آل عمران: 61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمةَ وحَسنًا وحُسينًا، فقال: "اللَّهمَّ هؤلاء أهلي".

وآل بيته هؤلاء هم من يلزم كل مسلم ومسلمة أن يصلي عليهم في التشهد في صلاته، وصدق الإمام الشافعي حين قال: "من لم يصلِ عليهم لا صلاة له".

ذرية النبي صلى الله عليه وسلم من صلب الإمام علي

يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَر فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَك هُوَ الْأَبْتَر﴾‏ [الكوثر 1: 3]. ومناسبة نزول السورة القصيرة مشهورة معروفة، وهي أن العاص بن وائل طعن في النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر مقطوع النسل.

والكوثر بالاتفاق هو المفرط في الكثرة، ولكن اختلفوا في المراد به، وفسروه على أوجه كثيرة، أشيعها أن منهم من قال إنه الخير الكثير البالغ في كثرته الذي أعطاه الله تعالى رسوله في الدنيا والآخرة دون تعيين، وخص بعضهم القرآن بالذكر على أنه هو الكوثر، ومنهم من قال إنه نهر في الجنة، أو حوض النبي في الجنة، ومنهم من قال إنه الذرية الكثيرة ردًا على من قال إن رسول الله أبتر مقطوع العقب والذرية.

وأكثر من عدد في أوجه تفسير الكوثر الإمام فخر الدين الرازي، في تفسيره "مفاتيح الغيب"، وقال في تفسير الكوثر بالذرية (ج32، ص 124): "الكوثر أولاده قالوا: لأن هذه السورة إنما نزلت ردًا على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد، فالمعنى: أنه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يُعبأ به".

وأرى أنه يمكن الجمع بين أشهر الأوجه التي فُسر بها الكوثر (القرآن وأهل البيت والحوض في الجنة) إن أخذنا في الاعتبار قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الثقلين عن القرآن وأهل بيته "لن يتفرقا حتى يردا على الحوض". ولكن هناك من يرفضون تمامًا تفسير الكوثر بأنه ذريته عليه الصلاة والسلام، ويتابعون مشركي مكة في قولهم بأنه مقطوع الذرية!

جاء في فضائل الصحابة للإمام أحمد (1118) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: "أنت أخي وأبو ولدي".

وفي سنن الترمذي (3769) عن أسامة بن زيد أن رسول الله قال عن الحسن والحسين: "هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما". قال الترمذي هذا حديث حسن غريب.

وفي سنن الترمذي (3772) عن أنس بن مالك قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: "الحسن والحسين". وكان يقول لفاطمة: "ادعي لي ابنيَّ"، فيشمهما ويضمهما إليه. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث أنس.

وفي صحيح البخاري (2704) وفي سنن الترمذي (3773) والنسائي في فضائل الصحابة (63) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ابني هذا سيد يصلح الله على يديه فئتين عظيمتين من المسلمين". يعني: الحسن بن علي.

وفي سنن النسائي (1141) عن عبد الله بن شداد عن أبيه أن رسول الله أطال في سجوده -والحسن أو الحسين على ظهره- حتى ظن الناس أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليه، قال رسول الله: "كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله". والحديث في المستدرك على الصحيحين (4775/373)، قال الحاكم: وهو على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.

وأمثال هذه الأحاديث كثيرة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصف الحسن أو الحسين سوى بلفظ ابني أو ولدي. ولكن يدعي بعضهم أن هذا وصف اعتباري، مثلما أن أخوته صلى الله عليه وسلم للإمام علي أخوة اعتبارية لا أخوة دم، ومن ثم لم يتبعها تحريم للسيدة فاطمة عليه، ويقولون إن الحسن والحسين لا يعدان من ذريته حقيقة، أو أن الحُكم لا يتعداهما لذريتهما كما هو الحال في لقب أم المؤمنين الذي يقف عند أمهات المؤمنين، ولا يتعداهن إلى أقاربهن، ومن ثم فإن ما تعارفت عليه الأمة من أن ذرية الإمامين الحسن والحسين هم ذرية رسول الله هو خطأ بزعمهم لأن رسول الله هو جدهما لأمهما، ويا له من اكتشاف مذهل هذا الذي اكتشفه هؤلاء! فما الرد عليهم؟

بداية فإن حجة من يحتج بهذا أن النسب شرعًا وعرفًا يكون للأب؛ فإشكاليتهم أنهم لا يميزون بين النسب والذرية، والنسب يكون للأب ولا خلاف على ذلك. يقول تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. ولم يدعُ أحد من المسلمين الحسن أو الحسين فقال: الحسن بن محمد أو الحسين بن محمد!

ولكن النسب ليس هو الذرية، ومن ثم صح أن يدعوهما رسول الله ابنيّ لأنهما حفيداه، ورسول الله لا يقول إلا حقًا. وأبناء الحسن والحسين هم ذرية آل البيت؛ أي أنهم ذرية الرسول وذرية الإمام علي وذرية السيدة فاطمة وذرية الحسن أو الحسين.

روى الحاكم في المستدرك (4772/370) حوارًا بين يحيى بن يعمر والحجاج عندما قال الحجاج عن الحسين: لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له يحيى بن يعمر: كذبت، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: 84- 85]، فأخبر الله عز وجل أن عيسى من ذرية آدم بأمه، والحسين بن علي من ذرية محمد صلى الله عليه وسلم بأمه.

وروى الإمام مسلم في صحيحه (2404/32) من حديث سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: "لَمَّا نزلت هذه الآيةُ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾‏ [آل عمران: 61] دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمةَ وحَسناً وحُسيناً، فقال: "اللَّهمَّ هؤلاء أهلي".

وفي المعجم الكبير (2630) روى الطبراني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب" رضي الله عنه". والحديث في كنز العمال (32892).

وأخرج الحاكم في المستدرك (4770/368) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل بني أم عصبة ينتمون إليها إلا ابني فاطمة فأنا وليهما ‏وعصبتهما".

وفي فضائل الصحابة للإمام أحمد (1070) عن المستظل "إن عمر بن الخطاب خطب إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم –ابنته-، فاعتل عليه بصغرها، فقال: إني لم أرد الباه، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل سببٍ ونسبٍ منقطع يوم القيامة، ما خلا سببي ونسبي، كل ولدِ أبٍ فإن عَصَبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة؛ فإني أنا أبوهم وعَصَبتهم".

وفي فضائل الصحابة (1145) عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النجوم أمان لأهل السماء، إذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض". ولو كان أهل بيته هم أصحاب الكساء فقط (علي وفاطمة والحسن والحسين) فقد ذهب الأمان من الأرض منذ زمن بعيد.

وجاء في الجامع الصغير للإمام جلال الدين السيوطي (2806) عن ابن عمر قال رسول الله: "أول الناس فناءً قريش، وأول قريش فناءً بنو هاشم". و عن عمرو بن العاص (2805) قال رسول الله: "أول الناس هلاكًا قريش، وأول قريش هلاكًا أهل بيتي". وهذا مما يُستدل به على أن آل بيته باقون في الناس إلى اقتراب القيامة، فيكون فناؤهم من علامات الساعة.

وفي روايات حديث الثقلين ومنها في "المستدرك على الصحيحين" (ج3، 4576/174) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض"، وهذا دليل آخر على استمرار أهل بيته من بعده، وأن جميع المسلمين مطالبون بأن يخلفوا رسول الله فيهم.

ولكن المسلمين لا استمسكوا بكتاب الله ولا بآل بيته فَضَلّوا! وتحققت كلمته صلى الله عليه وسلم فكان علي بمنزلة هارون، وكما اختلف بنو إسرائيل على هارون ولم يرعوا قدره عندما غاب موسى في مواعدة رب العزة جل شأنه، كان فعل المسلمين بالمثل مع علي وذريته من بعده بعدما غيّب الموت رسول الله صلى الله عليه وسلم!

وأرى أن جانبًا رئيسيًا من مشكلة أحفاد الشجرة الملعونة والخوارج ممن كثروا في زماننا مع آل البيت هو شعورهم أنهم هم ممثلو الإسلام؛ ومن هنا تنشأ نوازع الكراهية والحسد والغيرة من آل البيت، فيرونهم قد استحقوا منزلتهم بالنسب، بينما هم من يعملون! وصدق من قال: كل من اغتر بعمله لم يغادر إيمانه حلقه. وصدق رسول الله إذ قال لسيدنا علي: "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق".

خاتمة

وبعد فإنه لم يشتد ويُنصر هذا الدين إلا عندما كان لله، فكان المهاجرون والأنصار رجالًا اشتروا الآخرة، وتركوا التعصب لقومياتهم وقبلياتهم، ولم يفسد حالنا كمسلمين إلا التعصب لقومياتنا وقبلياتنا.

وعلى قدر ما كان فتح مكة نصرًا كبيرًا في تاريخ الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يعود للبلد الذي أُخرج منه فاتحًا، وقد وقف القرشيون -الذين حاربوه سنينًا- في ذل ينتظرون حكمه فيهم، فإن هذا الفتح ودخول الناس في دين الله أفواجًا بعده كان مؤذنًا بتحول كبير في خُلق المسلمين، فدخل في الدين خَلق لم يُربهم الإسلام أرادوا أن يحصدوا ما زرع غيرهم، فلما دخلت قريش في الإسلام انتقل كبارهم إلى المدينة وتعصبوا لبطونهم باعتبارهم أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كانوا حتى الأمس يحاربونه! فإن قلنا كانت في العباس عم الرسول عصبية لبني هاشم، فقد كانت في أبي سفيان عصبية مقابلة لبني أمية. ويكاد أن يكون الأنصار قد اختفوا من المشهد! وكان مما عزز ما رأته قريش لنفسها دورهم الكبير في حروب الردة.

وللحق فإن عصبية العباس كانت مقبولة باعتباره أقرب لرسول الله ولأنه كان مسلمًا يخفي إسلامه بمكة، ولم يكن يومًا من المؤلبين على ابن أخيه، في حين أن عصبية أبي سفيان ومن تابعه من بني أمية كانت وقحة؛ فكيف يزاحمون على حصاد ثمار الشجرة التي حاربوا سنينًا ليجتزوها من أصلها! ولكنها طبيعة بني أمية التي ورثوها وورّثوها، والتي كانت تجعلهم يتطلعون دومًا إلى ما في يد بني هاشم ويطمحون أن يتحول إليهم، وإن لم يكن لهم حق فيه. فإن كان آباؤهم طمعوا في زعامة ورياسة دنيوية فهل سيتعفف أبناؤهم عما يجلب القداسة الدينية؟!

والحقيقة أن قصة بني أمية مع بني هاشم لا تذكرني فقط بقصة ابني آدم، وإنما تذكرني أكثر بقصة سبط يهوذا وسبط يوسف. ووفقًا للإسرائيليات فإن يهوذا كان المحرّض الأكبر على قتل يوسف، ولكن بعد أن نصر الله يوسف عليهم وعفا عنهم صار يهوذا مقتنعًا بأنه وبنيه الأحق بالملك والنبوة! وقد روى الله تعالى عنهم اعتراضهم عندما بعث الله فيهم طالوت ملكًا لأنه من سبط بنيامين أخي يوسف الشقيق! ‏﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ ‏طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: 247].

ثم كان أن طال التحول سياسة المسلمين بعد أن طال خُلقهم، فبلغ التعصب لبني أمية مداه عندما دخل الحية مروان بن الحَكم دار الحُكم، فاستغل كبر سن الخليفة عثمان واستحواذه على خاتمه وأسهم في تولية قراباته من الولاة الظلمة، وكان أن حدثت الطامة الكبرى بسبب مروان، وتعصب من ورائه النواصب –وحتى يومنا هذا- إلى بني أمية.

ولم يعبر أحد عن الفرق بين حكم بني هاشم وبني أمية مثلما عبر الشاعر حيص بيص حين قال متمثلًا عفو الرسول عن بني أمية يوم فتح مكة مقابل ما فعلوه بأهل بيته وذريته والمسلمين الذين ابتلوا بحكمهم حوالي تسعين سنة:

مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً ***** فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ

وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما ***** غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح

فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا ***** وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ

ولم تكن الطائفة التي اصطلح على تسميتها بالشيعة أقل تعصبًا من النواصب، فتعصبوا لآل البيت إلى حد أن طعن بعضهم فيمن لا مطعن فيهم، فلم يميزوا الصحابة عن حثالة الأمويين والنواصب والمنافقين من أتباعهم، وللحق فإن آل البيت لم يروا نُصرة حقيقية منهم! ولا حتى استطاعوا دفع الأذى اللفظي عنهم، فكان الإمام علي يُسب على منابر مدن العراق وغيرها مما يكثر بها الشيعة كما يُسب في دمشق وغيرها من مدن النواصب!

ولا حل لمشاكلنا كمسلمين إلا بالاجتهاد في بلوغ الإنصاف والبعد عن التقديس عند تقييم الشخصيات، وأن نتجرأ في الحديث عما شجر بينهم لاستخلاص العبرة والعظة.

 

د. منى زيتون

يناير 2022

............

أحد مقالات كتابي "تأملات في كتاب الله"

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5645 المصادف: 2022-02-18 01:09:19


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م