عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قضايا

الأفكار التي أعرضُها اليومَ مستقاةٌ من كتاب «طبيعة التحيز» لعالم النفس الأميركي غوردون ألبورت، وهو مرجعٌ كلاسيكي في هذا الحقل.

اطلعتُ على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكَّرني به ما أرى من ملاسنات على مواقع التواصل الاجتماعي حول مسائلَ معقولةٍ وغير معقولة، يشارك فيها شبانٌ صغار، ورجالٌ أو نساء يفترض أنَّهم ناضجون، من الدول العربية كافة من دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعاتٌ كالحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، والحرب على غزة، ومشكلات السودان وسوريا والخلافات الدائرة بين هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة أو متخيلة عن نزاعات شخصية، فتعمم على أهل البلد كله.

لا أستطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكنّي واثق أن الذين يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي يعرفونها. وغرضي هو التنديد بهذه الظاهرة، وليس التوسع في شرحها. إنَّ اتساعَ تلك الملاسنات وتنوعها دليل على أنَّها ليست عابرة، وليست أخطاء فردية أو محدودة.

لا أريد أيضاً تهويل الموضوع، ولا تصوير المجتمع العربي كما لو أنَّه يعيش «حرب الجميع على الجميع»، حسب وصف توماس هوبز. أتفهم حقيقة أن أصحاب الأصوات العالية قلة، لكن تأثيرهم واسع النطاق.

بالعودة للبروفسور ألبورت، فهو يبدأ كتابه بشهادة للأديب الإنجليزي شارلز لامب: «أقر بأني ألاحظ الفوارق بين الناس، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة، أنا كتلة من التحيزات، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة».

أورد الكاتب هذا الشاهد كي يقول إن التحيز ليس ظاهرة غريبة، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هو تحولها إلى موقف عام ومبرر للعدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن أن كثيراً منا قد لاحظ شبيهاً لها):

في روديسيا، مرَّ سائق شاحنة أبيض بجمع من الأفارقة العاطلين عن العمل. فهمس قائلاً: «إنهم كسالى متوحشون». بعد ساعات قليلة، رأى جمعاً مماثلاً يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها 90 كغم على شاحنة، وهم يغنون بحماس. فتمتم قائلاً: «متوحشون! ماذا تتوقع منهم؟».

هذا السائق كان يحتقر الأفارقة، فحكم عليهم أولاً بالكسل والوحشية لأنهم لا يعملون، ثم حكم عليهم بالوحشية لأنهم يعملون بحماس. نعلم طبعاً أن حكمه مدفوع بالتحيز، وليس وصفاً محايداً أو موضوعياً. ولو كان الأشخاص الذين رآهم من نفس عرقه، فلربما تعاطف معهم. ولو فكر في عملهم بذاته، دون ملاحظة لون بشرتهم، فلربما أصدر أحكاماً متفاوتة في الحالتين.

من هنا يرى ألبورت أن أبسط تعريف للتحيز هو أنه «سوء الظن بالآخرين دون مبرر كافٍ». هذا يركز على التحيز السلبي. كما يستشهد بتعريف قاموسي يذكر الجانبين السلبي والإيجابي: «التحيز شعور إيجابي أو سلبي، تجاه شخص أو شيء، لا يستند إلى تجربة فعلية».

الجانب الأكثر سوءاً في التعصب أو التحيز هو تحويل انطباع عن عدد قليل من الأشخاص، إلى موقف عام ضد شعب بأكمله.

نعلم أن مثل هذا الموقف مرجعه ميل الإنسان للأحكام المبسطة، طالما كانت مقبولة في المحيط الاجتماعي. المشكل أن التعبير السلبي عن التحيز أو التعصب يضعه في خانة الكراهية. وهذا يستدعي أن نسأل أنفسنا دائماً: أين نود الاصطفاف... بين أهل المحبة أم بين أهل الكراهية؟

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي أو أكاديمي، نميل في أحيان كثيرة إلى معاملته كظاهرة محايدة، كأنه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد أن الفقر لا يوزَع بالتساوي، وأن النساء يتحملن عبئه بشكل أكثر حدة واستمرارية.

من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفاً إحصائياً فحسب، وإنما أداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من أشكال متعددة من الإقصاء والتهميش.

ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح أن الفقر ليس محايداً لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.

تشير أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء أكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي أن فجوة الأجور بين الجنسين تبلغ 23% عالمياً، وتقفز إلى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب آسيا. هذه المعطيات تؤكد أن الفقر ليس محايداً من حيث الجنس، لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأنها تصف الأعراض دون أن تحفر في الجذور.

حين يكون الاستغلال مزدوجاً

لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الأجور، ويجب فهمه في إطار بنية اقتصادية أعمق تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد أيضاً إنتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل أي اعتبار آخر.

هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين أكدت أن المرأة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال شيئاً. وقد أعادت أنورادها غاندي التأكيد على هذا التحليل، مشيرة إلى أن هذا الاستغلال المزدوج يتخذ أشكالاً أكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.

أحد أهم تجليات هذا النظام هو الفصل بين العمل المنتج المعترف به اقتصادياً والعمل غير المدفوع الضروري لاستمرار الحياة. فالعمل المنزلي والرعائي الذي تقوم به النساء يشكل أساساً لإعادة إنتاج المجتمع، ومع ذلك لا يعترف به اقتصادياً، مما يؤدي إلى تقليل قيمته وإقصاء النساء من الاستقلال الاقتصادي. وحين تطالب النسوية الاشتراكية بالاعتراف بهذا العمل وتحويله إلى مسؤولية مجتمعية عبر الحضانات العامة ودور الرعاية والخدمات الاجتماعية، فإنها لا تطالب بإصلاح جزئي، وإنما بإعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والتكاثر الاجتماعي في صميم النظام الاقتصادي.

في الوقت ذاته، تدمج النساء في سوق العمل بشكل غير متكافئ، إذ يتركزن في قطاعات منخفضة الأجر وهشة من حيث الاستقرار والحماية. وبدلاً من أن يكون العمل المأجور وسيلة للتحرر الاقتصادي، يصبح في كثير من الأحيان امتداداً لأشكال التبعية، خاصة مع استمرار التمييز في الأجور وفرص التقدم المهني. ويتفاقم هذا الوضع بسبب العبء المزدوج الذي تتحمله النساء نتيجة الجمع بين العمل المأجور والعمل غير المدفوع داخل الأسرة، دون إعادة توزيع عادلة للأدوار. وهذه الازدواجية ليست قدراً بيولوجياً ولا موروثاً ثقافياً محايداً، وإنما نتاج نظام اقتصادي طبقي يحتاج إلى إبقاء النساء في موقع العاملة المرنة التي يمكن دفعها إلى الهامش حين تقتضي مصلحة السوق ذلك، ثم استدعاؤها مجدداً حين يحتاج إلى يدها الرخيصة.

الأزمات والتقشف، حين تدفع النساء ثمن أزمات لم يصنعنها

ما يزيد المشهد تعقيداً أن الأزمات الاقتصادية والنزاعات والتغيرات المناخية تعمق تأنيث الفقر، حيث تتأثر النساء بشكل غير متناسب بهذه التحولات، خاصة في المجتمعات الأكثر هشاشة. وفي سياق عالمي تتقاطع فيه علاقات الاستغلال الاقتصادي مع أشكال الهيمنة التاريخية، تصبح النساء في مناطق واسعة من العالم أكثر عرضة لأقسى أشكال الفقر والتهميش.

غير أن الأمر لا يتوقف عند الأزمات الطارئة، فسياسات التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية على دول الجنوب العالمي على مدى عقود تمثل نموذجاً صارخاً لتأنيث الفقر بقرار سياسي مقصود. حين تقلَص الخدمات العامة من تعليم وصحة ورعاية، لا تختفي هذه الخدمات، وإنما تنتقل إلى كاهل النساء اللواتي يعوضن بأجسادهن وأوقاتهن ما أسقطته السياسة النيوليبرالية من موازنات الدولة. التقشف بهذا المعنى ليس سياسة محايدة، وإنما سياسة ذات نوع اجتماعي تدفع النساء ثمنها أولاً وأكثر.

ولايمكن الفصل بين النضال ضد سياسات التقشف والنضال من أجل حقوق المرأة. فالمرأة التي تفقد وصولها إلى التعليم العام حين تخصخص المدارس، والمرأة التي تضطر إلى ترك العمل حين تغلق الحضانات العامة، والمرأة التي تتحمل رعاية المرضى حين تقلَص ميزانيات الصحة، جميعهن يدفعن ثمن قرارات اقتصادية اتخذت في مؤسسات دولية لا تنتخب ولا تحاسَب. لذلك لا يمكن مواجهة تأنيث الفقر دون مواجهة المنظومة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي تنتجه وتعيد إنتاجه.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح أيضاً في مجالات العمل، حيث تقل مشاركة النساء في سوق العمل مقارنة بالرجال، كما تعمل نسبة كبيرة منهن في وظائف هشة منخفضة الأجر ومحدودة الحماية. وتعاني النساء بدرجة أكبر من انعدام الأمن الغذائي ومن غياب أنظمة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعمق هشاشتهن الاقتصادية ويجعل أي صدمة خارجية أكثر قدرة على إسقاطهن إلى ما دون حد الكفاف.

من التشخيص إلى التغيير: نحو سياسات جذرية لا سطحية

ما يجعل هذه الظاهرة أشد خطورة أنها لا تقتصر على كونها معاناة فردية، وتمتد آثارها إلى مستوى الرفاه داخل الأسر، وتسهم في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، وتحد من إمكانات التنمية من خلال تهميش دور النساء وإقصاء مساهماتهن الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك يصبح تأنيث الفقر تعبيراً عن خلل بنيوي يتطلب معالجة جذرية، لا مجرد حلول جزئية تهدئ الأعراض دون أن تلامس الجذور.

وهنا تبرز الهوة بين الرؤية الطبقية للنسوية الاشتراكية والنسوية الإصلاحية التي تكتفي بالمطالبة بتمكين المرأة ضمن النظام القائم دون المساس ببنيته. فبينما تركز التيارات الليبرالية على تمكين النساء فردياً عبر التعليم والتدريب والوصول إلى التمويل الصغير، يرى هذا المنظور أن هذه الأدوات لا تكفي ما لم تترافق مع تغيير جذري في علاقات الإنتاج والملكية والسلطة. فالمرأة التي تحصل على قرض صغير في مجتمع يقصيها من التعليم ويكبلها بالعمل المنزلي غير المدفوع وتحكمه قوانين عمل هشة، تظل أسيرة البنية ذاتها، حتى لو تحسنت أوضاعها نسبياً.

إن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي سياسات قائمة على المساواة بين الجنسين وإلغاء الاستغلال الطبقي معاً. يشمل ذلك تحقيق المساواة في الأجور، وضمان الحقوق القانونية للنساء في العمل، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات الأكثر هشاشة، والاستثمار في التعليم والتدريب لتمكين النساء اقتصادياً. كما يتطلب الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل الرعائي، وتوفير خدمات عامة تقلل من عبئه، وإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة والمجتمع بما يسمح بمشاركة أكثر عدالة في العمل المدفوع وغير المدفوع.

غير أن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، تبقى قاصرة ما لم تحدث تغييراً في طبيعة علاقات الملكية التي تجعل عمل النساء أرخص وأهش وأقل حماية بشكل بنيوي. فالاعتراف الكامل بالعمل الرعائي لا يعني فقط احتسابه في الناتج القومي، وإنما يعني تحويله إلى مسؤولية جماعية تتكفل بها الدولة والمجتمع لا المرأة وحدها. وتحقيق المساواة في الأجور لا يعني فقط رفع الحد الأدنى، وإنما يعني تفكيك التراتبية الطبقية في سوق العمل التي تجعل النساء، خصوصاً من الطبقات الدنيا، الأكثر هشاشة في كل أزمة.

في النهاية، لا يمكن فصل القضاء على تأنيث الفقر عن نقد البنية الرأسمالية الاقتصادية التي تنتجه. المسألة ليست مجرد تحسين شروط العيش، وإنما إعادة النظر الجذرية في كيفية تنظيم العمل وتوزيع الموارد والسلطة داخل المجتمع. ما دامت النساء يتحملن عبء إعادة إنتاج الحياة دون اعتراف ودون أجر ودون حماية، فإن الحديث عن المساواة يبقى خطاباً معلقاً في الهواء لا يلمس الأرض التي تقف عليها ملايين النساء يومياً.

***

بيان صالح

..........................

المصادر الإحصائية:

 * UN Women, Gender Snapshot 2025:

https://www.unwomen.org/en/node/476303

 * UN Women, Women aged 25-34 face higher poverty rates (2023):

https://sundiatapost.com/2bn-women-girls-lack-access-to-social-protection-un-women/

 * UN Women, Equal Pay (CSW61): https://www.unwomen.org/en/news/in-focus/csw61/equal-pay

فرش إشكالي: في البدء كان السؤال، ثم كان النقد عنواناً للحقيقة وشرطاً لكل ثورة. فالأمم التي تكف عن مساءلة واقعها ونقده، وتستبدل التأمل بالصخب، لا تصنع حضارة ولا تورث مجداً، بل تغدو ظلاً باهتاً وخبراً من أخبار التاريخ.

حين نستعيد اليوم، بعد قرن كامل، تجربة جريدة «المنتقد» (1925)، فإننا لا نستعيد مجرد صحيفة صدرت في زمن استعماري مظلم، بل نستعيد لحظة وعي فلسفي نادرة، تجرأت فيها نخبة من الشباب الجزائري على أن تُعلن النقد مشروعاً لا مجرد مزاج، وأن تجعل منه أساساً للنهضة، وركناً من أركان البناء الحضاري.

النقد في المشروع الباديسي لم يكن تنظيراً عابراً في معزل عن الممارسة؛ كان رؤية للوجود وللاجتماع الإنساني. إنه فعل ثلاثي الأبعاد: رؤية سياسية تحدد الواقع وتفككه، وإرادة تهذيبية تعيد بناء الإنسان الذي استهلكه الاستبداد والجمود، ومنهج عقلي وأخلاقي يضبط إيقاع التغيير ويحميه من الانزلاق إلى فوضى الانفعالات. وكأن ابن باديس ورفاقه أدركوا، في لحظة تأسيسية، أن الضوضاء التي تحدثوا عنها هي ذاتها طوفان العواطف غير المروَّضة حين تختلط بالجهل، وأن الملوكية بكل تجلياتها تبدأ من لحظة تعطيل النقد في العقول قبل أن تترسخ في مؤسسات الدولة. لذلك قدموا لنا، في بضعة أعداد من جريدتهم، نموذجاً تطبيقياً نادراً: كيف نبني العقل الناقد بالقدوة؟ وكيف نُعرّي الاستبداد بمنطقه هو؟ وكيف نمارس النقد بوصفه خدمة للحق والوطن لا عداوة للآخرين؟

من خلال هذا المقال سنحاول الامساك بتلك اللحظة الفلسفية التأسيسية واستنطاقها. وسنقرأ المبادئ الثلاثة الكبرى التي أعلنتها الجريدة في عددها الأول قراءةَ من يبحث عن الأسس لا عن الشعارات. ثم نتتبع تجلياتها في نصوص العددين الثاني والثالث، إننا بإزاء مشروع لم يكتمل لأنه توقف عند العدد الثامن عشر، لكنه بقي حياً لأنه أودع في الضمير الجزائري سؤالاً لا يموت: كيف ننتقد لنحيا؟

العدد الأول: العقد النظري للمشروع النقدي

حين نفتح العدد الأول من «المنتقد»، لا نواجه مجرد افتتاحية صحفية، بل نواجه وثيقة تأسيسية تعلن وعياً نظرياً متكاملاً. لقد اختارت الجريدة أن تعرّف نفسها للقارئ منذ اللحظة الأولى: «جريدة سياسية تهذيبية انتقادية». هذه التسمية ليست وصفاً عابراً، بل هي إعلان عن بنية فكرية محكمة، يتكامل فيها النقد مع التهذيب والسياسة في مثلث لا يقبل التجزئة (المبدأ السياسي، المبدأ التهذيبي، المبدأ الانتقادي).

المبدأ السياسي

المبدأ السياسي في العدد الأول، هو نص استراتيجي من ثلاث طبقات متداخلة، تشكل معاً نظرية متكاملة في الفعل السياسي النقدي. إنها الطبقات التي تصنع موقفاً لا مجرد رأي.

الطبقة الأولى: فيها تأكيد على ان الهوية مصدر للقوة المعنوية « فلأننا مسلمون » ليست عبارة تعصب، بل هي إعلان عن مورد ذاتي لا يُنزع: الدين بوصفه «قواماً» أخلاقياً و«قوة عظيمة لا يستهان بها». ابن باديس هنا لاينطلق من نقطة ضعف بل من قوة الاعتزاز بالإسلام وهو لا يضع الدين في مواجهة الدولة، بل يؤسس لتمييز منهجي: «لا نعني بهذا أن نخلط بين الدين والسياسة... ولا أن يتداخل رجال الدين في سياستنا». هذا تمييز نقدي دقيق: يحول الدين الى مصدر للقيم وللتماسك، لا أداة للحكم الثيوقراطي. إنه يريد أمة متماسكة الضمير، لا دولة رجال دين.

الطبقة الثانية: القومية كإرادة للنهوض – « ولأننا جزائريون» ينتقل من البعد الروحي إلى البعد الوطني. «لم شعث الأمة الجزائرية» و«إحياء روح القومية» انه يؤسس لمشروع للاستقلال الحضاري. يربط فيه بين القومية والنهوض المعرفي يخاطب الأمة الجزائرية من خلال: «ترغيبهم في العلم النافع والعمل المفيد». وهنا يظهر النقد الخفي: الأمة الجزائرية ليست «ضعيفة ومتأخرة» لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأنها لم تستكمل وعيها بذاتها كأمة لها «حق الحياة والانتفاع في العالم». وهو يربط هذا الحق بواجب: «خدمة الإنسانية».

الطبقة الثالثة: الاستعمار كتناقض يجب كشفه – « ولأننا مستعمرة» وهنا تكمن العبقرية النقدية. لا يقول: «نحن ضد فرنسا»، بل يقول بالحرف: «نسعى لربط أواصر المودة... وتحسين العلائق». لكنه يتابع فوراً بما يشبه التقرير القانوني: «إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها نحو فرنسا في أيام عسرها ويسرها... ومع الأسف لم نرَ الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون جزاءها». هذا هو النقد بالمبدأ: أنتِ، أيتها الجمهورية، تدَّعين «الحرية والمساواة والأخوة»، ونحن نطالبك بهذه المبادئ تحديداً: «رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم... وتشريكنا تشريكاً صحيحاً سياسياً واقتصادياً». إنه يُلزم فرنسا بمنطقها، لا بمنطقه هو.

ثم تأتي الجملة الأخطر: «لقد قامت فرنسا بما يناهز القرن في الجزائر... غير أنها – ويا للأسف – ليست لها تلك الأيادي ولا نصفها في تحسين حال الأهالي العلمي والأدبي». إنه يشهد بالمنجز المادي (الأمن، العمران، الاقتصاد) لينزع عنها شرعية الفراغ الروحي والعلمي الذي تركته. ثم يضع يده على الجرح النرجسي لفرنسا: «مع الذي يناسب سمعة فرنسا ومبادئها». والخيط الناظم هنا هو: «الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء» فالمبدأ السياسي ليس مهادنة ولا استسلاماً، بل هو نقد استراتيجي يُمسك المستعمِر من لسانه. إنه يترجم الشعار المؤسس إلى خطة عمل: الحق (المبادئ المعلنة) يُوضع فوق كل أحد (بما في ذلك الدولة المستعمِرة)، والوطن (الجزائر كأمة حية) يُوضع قبل كل شيء (بما في ذلك المصالح الضيقة). إنه نقد يرفض أن يكون ضجيجاً، ويختار أن يكون مرافعة عقلية وأخلاقية. وهكذا، يتحول «المبدأ السياسي» من مجرد بند في افتتاحية، إلى مختبر للنقد التأسيسي.

المبدأ التهذيبي

إذا كان المبدأ السياسي قد حدد ساحة المواجهة ورسم استراتيجية النقد من الداخل، فإن المبدأ التهذيبي يجيب عن سؤال أعمق: من هو الإنسان القادر على هذه المواجهة؟ وأين يُصنع؟ الجواب في هذا النص الذي ينقلنا من معركة السياسة إلى معركة الوعي. إنه ليس دعوة وعظية إلى «الأخلاق»، بل هو نظرية نقدية متكاملة في بناء الذات القادرة على النقد. حيث يبدأ النص باستعارة أنثروبولوجية دالة: «كما تحتاج الأبدان إلى غذاء من المطعوم والمشروب كذلك تحتاج العقول إلى غذاء من الأدب الراقي والعلم الصحيح». هذه ليست بلاغة، بل موقف فلسفي. ذلك ان الدماغ ليس آلة جاهزة، والعقل كملكة تفكير كائن حي ينمو أو يضمر، يُغذَّى أو يُجوَّع. والمشروع الإصلاحي كله يقوم على هذه الفرضية: أن العقول الجزائرية قد جُوِّعت زمناً طويلاً بالجهل والخرافة، وأن النقد لا يمكن أن ينبت في تربة جدباء. فأن تُغذّي العقول معناه أن تصنع الشروط الحيوية لإمكان النقد ذاته. ثم ينتقل النص من الفرد إلى الجماعة: «ولا يستقيم سلوك أمة وتنقطع الرذيلة من طبقاتها وتنتشر الفضيلة بينهم إلا إذا تغذت عقول أبنائها بهذا الغذاء النفيس». هنا يكشف النص عن منطقه النقدي العميق: المشكلة ليست في «الرذيلة» فقط، بل في أنها عرض لمرض أعمق هو سوء تغذية العقول. إصلاح الأمة لا يكون بتكثير الوعاظ، بل بتغيير «نظام الغذاء العقلي» كله. وهذا نقد مزدوج: نقد للرذيلة الظاهرة، ونقد للتصور الساذج الذي يظن أن محاربتها تكون بالخطاب وحده. وذلك بالانفتاح كممارسة نقدية: «من صحف الشرق والغرب وأقلام كتاب الوطن وهنا يأتي أحد أخطر أبعاد هذا المبدأ: «فنحن ننشر المقالات العلمية والأدبية وكل ما يغذي العقول من منظوم ومنثور من صحف الشرق والغرب وأقلام كتاب الوطن». هذا الانفتاح على «الغرب» هو في ذاته ممارسة نقدية في وجه موقفين: موقف المنغلقين الذين يرون في الانفتاح خيانة، وموقف المستعمِر الذي يحتكر العقل والعلم. ولا يتحقق هذا الهدف الا من خلال تفكيك الخرافة ونقد الذات ومقاومة «البدع التي أدخلت على الدين «نحارب بالخصوص البدع التي أدخلت على الدين الذي هو قوام الأخلاق فأفسدته». هذا نقد ذاتي موجع وضروري. ثم يختم النص بقاعدة منهجية جامعة: «فلسنا مع الجامدين في جمودهم ولا مع المتنطعين في طفرتهم وتنطعهم والوسط العدل هو الذي نؤيده وندعو إليه». وهو موقف نقدي بالغ الصعوبة: أن تنتقد فريقين في آن، وأن ترفض أن تكون أسير ثنائية «التراث ضد الحداثة». فالنقد الباديسي هنا جدلي: يحفظ من التراث ما كان «حسناً وموافقاً لحالنا»، ويأخذ من الغرب ما كان صالحاً، ويرفض من التراث ما كان بدعة، ومن الغرب ما كان «قبيحاً أو مبايناً لمجتمعنا». إنه نقد مستمر، لا يستريح إلى جاهزية أي جواب.

المبدأ الانتقادي

لعل أخطر ما في هذه الوثيقة التأسيسية هو التعريف الدقيق لمجال النقد. لقد حدد ابن باديس مبدأه الانتقادي بقاعدة منهجية صارمة: النقد يتوجه إلى الأعمال العامة والأدوار التي يباشر بها الأفراد شؤون الأمة، لا إلى أشخاصهم في خصوصياتهم. يقول النص بوضوح لافت: «فأما صفاتهم الشخصية وأعمالهم الخاصة فلا... لا يجوز لنا أن التعرض لها بشيء». وفي هذا الضابط يكمن سر الفعل النقدي الباديسي كله: إنه نقد مؤسساتي ووظيفي، لا تشهيري ولا شخصي. ثم يضيف قاعدة إجرائية: «فإذا نظر من الناس إلى أعمالهم لا إلى أشخاصهم». هذه القاعدة هي التي تفسر لماذا استطاعت «المنتقد» أن تنتقد الحكام والقضاة والعلماء دون أن تتحول إلى ساحة للتصفية، ولماذا قال ابن باديس لاحقاً لأحد منتقديه: «تخطأ الخطأ الفاضح إذا توهمت أن المنتقد عدو أحد». النقد هنا محكوم بأخلاق تجعله ممكناً ومحمياً من الانزلاق.

وحدة السياسي والتهذيبي والانتقادي

لا نقرأ هذه المبادئ الثلاثة قراءة صحيحة إذا تصورناها ثلاثة أقسام منفصلة. إنها في الحقيقة طبقات متداخلة في بناء واحد: السياسي يحدد الموقع ويصف الداء، والتهذيبي يبني الذات التي ستتصدى للداء، والانتقادي يضبط الأداة التي ستستخدمها تلك الذات في فضاء السياسة. إنها دورة متكاملة: لا سياسة بلا إنسان مهذب، ولا تهذيب بلا قدرة على نقد الذات والواقع معاً، ولا نقد بلا أخلاق تحميه من التحول إلى إرهاب فكري أو «ضوضاء» (كما سيأتي في العدد الثالث).

وهكذا، يخرج العدد الأول من كونه مجرد تصدير لصحيفة، ليصبح عقداً نظرياً يحدد بدقة: لماذا ننتقد؟ (للحق والوطن)، ماذا ننتقد؟ (الأدوار العامة المختلة)، وكيف ننتقد؟ (بالتمييز بين العام والخاص، وبالبناء التهذيبي الموازي). وما الأعداد التالية إلا تجسيد عملي لهذا العقد، كما سنرى في المحاور القادمة.

المبدأ التهذيبي من منظور مقال «عظماء الرجال وشغف الناس بهم»

إذا كان العدد الأول قد أعلن أن العقول «تحتاج إلى غذاء من الأدب الصحيح والعلم الصحيح»، فإن العدد الثاني قدم لنا، دون ضجيج، نموذجاً تطبيقياً لهذا الغذاء في أسمى صوره: النقد بالقدوة. في مقاله «عظماء الرجال وشغف الناس بهم»، لم يختر محمد التهامي التيضامي (الترجمان) أن يكتب مقالاً مباشراً في ذم الجهل أو التقليد أو الجمود، بل اختار – بتوجيه من روح المشروع الباديسي – أن يبني عقلاً ناقداً بطريق غير مباشر: أن يضع أمام القارئ نماذج إنسانية رفيعة، ويدعوه إلى التأمل والمحاكاة. وفي هذا الاختيار تكمن عبقرية الدرس النقدي الأول.

لقد أدرك المشروع الباديسي مبكراً أن الإنسان لا يعيش بلا قدوة. فإذا أفرغت عقله من القدوة المنحطة، ولم تملأه بقدوة سامية، بقي في فراغ روحي وعقلي يملؤه أول ناهب. لذلك لم يمارس النقد هنا بوصفه هدماً للموروث الفاسد وحده، بل بوصفه بناءً لنسق بديل كامل من النماذج. يقول المقال: «المرء في قطع أدوار حياته لا يكتفي بمجالسة أقرانه... بل يحاول ما هو أرفع من ذلك وأنفس... يحاول التشبه بعظماء الرجال الذين ابتهج بهم التاريخ». هذه فلسفة نقدية كاملة: أن تُخرج الإنسان من أفق المألوف المنحط إلى أفق العظمة الإنسانية؛ وحين يفعل، يصبح قادراً تلقائياً على نقد واقعه لأنه صار يمتلك معياراً أعلى يقيس به.

ان النقد بالمقارنة الحضارية من أخطر ما في هذا المقال فهو يمارس النقد بالمقارنة الحضارية الواثقة، لا بالعزلة المنغلقة. إنه لا يخشى أن يضع في قائمة «العظماء» سقراط وأفلاطون ونيوتن وديكارت وباستور إلى جوار الفارابي وابن سينا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهذا التجميع ليس سذاجة انبهار بالغرب، بل هو نقد مزدوج: نقد للذات التي تظن أن العظمة وقف على أجدادها وحدهم فتركت إلى الماضي، ونقد للاستعمار الذي يدَّعي احتكار الحضارة. كأن المقال يقول للقارئ: العظمة الإنسانية مشاع، فخذ منها ما يبنيك، وقس عليها واقعك لترى تخلفه. وهكذا يصبح الانفتاح الواعي شرطاً للنقد، لا استلاباً. ولم يمارس المقال نقده للواقع في الفراغ، بل وجه بوصلته نحو الفئة الأكثر قابلية للتشكل: الشباب. يقول: «إذا كانت هكذا أهمية التشبه بعظماء البشر عند مطلق الناس فما عسى أن تكون عند الأولاد الصغار خاصة؟» ثم يحلل: «لأن حبه لذاته لم يأخذ وقتئذ ما أخذه منه... ولأن مخيلته فائضة على جميع مشاعره». هنا يكتمل الدرس النقدي: النقد ليس مجرد تشخيص لعلل الحاضر، بل هو رهان على المستقبل. إن توجيه النقد إلى عقول لا تزال لينة قابلة للتشكيل أجدى من الصراخ في آذان صماء. إنها استراتيجية النقد البعيد المدى، الذي يزرع اليوم ليحصد بعد جيل. ثم يختم المقال بإشارة منهجية بالغة الذكاء: «ولنا والحمد لله تاريخ مفعم بفطاحل الرجال... فسيرة سيدنا عمر مثلاً وحدها كافية». هذه العبارة ليست استطراداً عاطفياً، بل هي ممارسة نقدية موجعة. حين أذكِّر شباب اليوم بعمر، فأنا لا أمجد الماضي لذاته، بل أنقد الحاضرَ الذي لم يعد ينجب «عُمَراً»، وأقول له بصوت خفيض: أين أنت من هذا المعيار؟ وهكذا يتحول التاريخ من مخدر يعطل الهمم إلى معيار نقدي يوقظها.

وبهذا، يكون العدد الثاني قد أنجز أول تطبيق للمبدأ التهذيبي: نقد للواقع المنحط بالقدوة لا بالخطاب المباشر، بناء للعقل الناقد بالتوجيه الهادئ نحو نماذج السموّ، لا بالتوبيخ والتقريع. وهو ما يمهد، منطقياً، للعدد الثالث حيث سيأخذ النقد شكله السياسي الصريح.

المبدأ السياسي من منظور مقال «الملوكية ضمن الجمهورية»

إذا كان العدد الثاني قد علَّمنا كيف ننتقد بالقدوة، فإن العدد الثالث يأخذنا إلى قلب العتمة: نقد السلطة التي تحتكر الحق والمصير. في مقاله «الملوكية ضمن الجمهورية!!»، لا يقدم مبارك الميلي مجرد تحليل سياسي، بل ينفِّذ، بقسوة المنطق ووضوح الرؤية، المبدأَ السياسي الذي أعلنه العدد الأول. إنه يمسك المستعمِر من كلمته، ويكشف عن التناقض الصارخ بين شعار «الجمهورية» وواقع «الملوكية»، في عملية نقد من الداخل تجرِّد الاستعمار من قناعه الحضاري. وتحاصر فرنسا بديمقراطيتها ولفهم العمق الاستراتيجي لهذا المقال، لا بد أن نضعه في سياق التصريح المؤسِّس للعدد الأول: «نعمل لسعادة الأمة الجزائرية بمساعدة فرنسا الديموقراطية». هذه العبارة ليست استجداءً ولا تملقاً، بل هي فخ أخلاقي وقانوني. إنها تقول لفرنسا: أنتِ تدَّعين الديمقراطية، وهذا هو منطق الديمقراطية، فأين أنتِ منه في جزائرنا؟ مقال الميلي هو الجواب الصاعق على هذا السؤال. إنه ينتزع قناع «الجمهورية» ليكشف تحتها «ملوكية» بالية، ويثبت أن الاستعمار لا يحكم الجزائريين بمبادئ الثورة الفرنسية، بل بمنطق القهر الذي يسبق تلك الثورة بقرون. وأولى خطوات النقد الباديسي في السياسة هي التعريف الدقيق. الميلي لا يصف «الملوكية» وصفاً عاطفياً، بل يعرّفها تعريفاً يكشف جوهرها: «نظام بالٍ... يسمح للقائم بحفظه... أن يستبد على الأمة في شؤون حياتها... ولا يسمح للأمة بنقد ما قرر لسعادتها أو شقائها». فالملوكية ليست مجرد حكم فرد، بل هي أي نظام يمنع الأمة من ممارسة النقد على ما يُقرَّر لها. بهذا التعريف، يتحول النقد من كونه حقاً سياسياً إلى كونه حدّاً فاصلاً بين الحرية والاستعباد. الأمة التي لا تنتقد ليست محكومة فحسب، بل هي مستعبَدة وجودياً. ثم ينتقل النقد من التعريف إلى التحليل. الميلي لا يكتفي بوصف القهر الظاهر، بل يخترق الأقنعة ليكشف عن آليات أخطر: إفساد النخبة. يقول: «وقد يكون في الأمة عظماء ذوو اتباع ونفوذ يخشى الملك مخالفتهم... فيلاطف أهواءهم ويسمع أقولهم سماعاً لا يزيد على مقدار تأثيرهم في الأمة». ان الاستبداد لا يحتاج دائماً إلى السوط، بل يكفيه أن يروِّض النخبة بالمناصب، ويمنحها وهماً بالمشاركة، ويفرغ صوتها من أي أثر حقيقي. وهنا يصبح النقد الباديسي نقداً مزدوجاً: نقداً للحاكم المستبد، ونقداً للنخبة التي تقبل هذا الدور المسلوب الإرادة. واهم ما في تحليل الميلي أنه لا يفصل بين البنية السياسية والبنية الحضارية. إنه يربط بين «ضيق المملكة» (أي الاستبداد) ونتيجته الحتمية: «يمد الفقر رقابته لمعاقة تلك الأمة، والفقر والجور أحدق دليل على فساد الاخلاق واحسن معول لهدم صرح المجد وأعطف ريح لاقتلاع أصول المروءة». هذه ليست مبالغة بلاغية، بل قانون حضاري: حيث يُمنع النقد، ينتشر الفساد، ويزول الإنتاج، وتنهار الأخلاق. إنه نقد كلي يرى في غياب النقد السياسي سبباً مباشراً للخراب الشامل، لا مجرد خطأ في أسلوب الحكم. ثم يوجه الميلي نظره إلى الأمة نفسها: «نظام الملوكية هو النظام الواحد الذي عرفه الإنسان الأول لذلك نراهم إذا أنفوا من البقاء تحت دولة وأمكنهم ضعفها من رغبتهم أسسوا نهضتهم على قواعد الملك». هذا نقد ذاتي قاسٍ ومربك: المشكلة ليست في هذا المستبد أو ذاك فحسب، بل في العقلية التي تختزن «الملوكية» كنظام أوحد للحكم، فما إن تتحرر الأمة من مستبد حتى تلد آخر على صورته. وبهذا يصل النقد الباديسي إلى أعمق طبقاته: إنه نقد للبنية الذهنية المنتجة للاستبداد، لا فقط للأشخاص الذين يمارسونه. وهذا هو شرط الإصلاح الحقيقي: أن ننتقد «الملوكية» التي تسكن فينا نحن أيضاً.

وهكذا، يكون العدد الثالث قد أنجز التطبيق العملي للمبدأ السياسي: نقد للاستعمار من داخل نسقه القيمي، تفكيك لميكانيزمات القهر، تحليل للثمن الحضاري للصمت، ونقد ذاتي يمنع المشروع من السقوط في وهم المؤامرة الخارجية وحدها.

أخلاق النقد في الممارسة

بعد أن رأينا كيف تجسد المبدأ التهذيبي في بناء القدوة، وكيف تجسد المبدأ السياسي في تفكيك الاستبداد، نصل إلى السؤال المنهجي الأهم: كيف يُمارس هذا النقد؟ وكيف يحمي المشروعُ الإصلاحي نفسَه من آفة النقد ذاته؛ من أن يتحول إلى «ضوضاء» أو إلى استبداد جديد؟ الجواب في العدد الثالث نفسه، حيث نجد نصين متكاملين: الأول تنظيري، والثاني تطبيقي. معاً، يشكلان «المختبر العملي» للمبدأ الانتقادي.

الأول افهموا ثم إن شئتم فانقموا حيث يضع ابن باديس قاعدة منهجية صارمة. إنه يشخِّص الداء أولاً: «من الناس قوم لا يقرؤون أو يقرؤون ولا يفهمون أو يفهمون ولا يتأملون ثم يسارعون فيغضبون ويصخبون». هذا توصيف دقيق لثلاثية التخلف والتبلد الفكري: الجهل، الفهم السطحي، غياب التأمل. والنتيجة واحدة: «تضيع الحقائق بين هذه الضوضاء». ثم يأتي الدواء في جملة جامعة: «يا هؤلاء السادة إذا أردتم الحق والإنصاف فافهموا ثم إذا شئتم فانقموا». إنه دستور كامل: الأولوية للعقل على العاطفة، وللتأمل على رد الفعل. بل إن ابن باديس يذهب إلى أبعد من ذلك حين يضيف: «فإنكم ربما لو فهمتم لما نقمتم». هذه هي الوظيفة القصوى للنقد الإصلاحي: أن يحل المشكلة من جذورها بإزالة سوء الفهم، لا أن يكتفي بالتعبير الصاخب عن الرفض. وعبقرية ابن باديس لا تكمن في التنظير وحده، بل في أنه يعلِّم بالقدوة. في ركن «ملاحظاتي» من العدد الثالث، ينشر رسالة من أحد القرَّاء، هو السيد «ابن وطاف»، ويعقِّب عليها نقطة بنقطة. هذا الرد القصير هو مصغَّر لكل ما ندَّعيه عن النقد الباديسي.

- أولاً: مبدأ الانفتاح وحرية النقد. ينشر الرسالة «على ما فيها من خلط وغمز وهمز»، لأن المبدأ فوق الشخص. هذا تجسيد لإعلان العدد الأول أن النقد للجميع، وأن «المنتقد» ليست نادياً مغلقاً.

- ثانياً: نقد النقد بالفهم لا بالغضب. يلتقط ابن باديس نقطة سياسية حساسة، وبدل أن يثور أو يسخر، يصحِّح بهدوء: «البت النهائي في المسألة موقوف على ما يقرره مجلس الحكومة». ثم يضيف ملاحظته النقدية اللاذعة ولكن المهذبة: «سياستكم... لا يدركها إلا المحنكون... خصوصاً إذا كانوا في الشهور الأولى من اتصالهم بها وفي نشوة الطرب بمعرفتها». إنه يطبِّق حرفياً: «افهموا ثم انقموا». هو ينتقد خصمه لا لأنه اختلف معه، بل لأنه أصدر حكماً قبل أن يفهم بعمق.

- ثالثاً: نقد الذات والتواضع. الجملة التي قد لا يلتفت إليها كثيرون هي: «لا يستحيل أنكم قد تغلطون». هذا اعتراف ضمني بأن «المنتقد» نفسها ليست معصومة. هذا هو الشرط الأخلاقي الذي يمنع النقد من التحول إلى وصاية: أن تعترف أنك أيضاً تحتمل الخطأ.

- رابعاً: نفي منطق العداوة. ربما كانت العبارة الأهم في الرد كله هي: «تخطأ الخطأ الفاضح إذا توهمت أن “المنتقد” عدو أحد». بهذا يكمل ابن باديس بناء فلسفة النقد: النقد ليس حرباً، وليس تصفية حسابات، وليس بحثاً عن أعداء. إنه خدمة للحق والوطن، حتى للمنتقَد نفسه.

- خامساً: دعوة إلى الاستمرار. وأخيراً، يختم الرد بدعوة السيد «ابن وطاف» إلى معاودة الكتابة، مع «كل إخلاص واحترام». بهذا، يتحول النقد من طقس إقصائي إلى عملية تربوية متواصلة. ابن باديس لا يريد أن يصمت منتقدوه، بل يريدهم أن يصبحوا ناقدين أفضل.

وهكذا، لا يكون العدد الثالث قد قدم نقداً سياسياً للاستبداد فحسب، بل قدم، في الآن نفسه، نموذجاً عملياً لنقد لا يستبد. إنه نقد يمارس على نفسه ما يطالب به غيره، ويحمل في داخله مصلحاته الذاتية ضد «الملوكية» التي قد تتسلل إلى الناقد نفسه.

اليوم نحن نقف، بعد مائة عام من تلك اللحظة التأسيسية، لنطرح السؤال الذي ربما كان ابن باديس يوجهه إلينا من خلال أسطر «المنتقد»: ماذا فعلنا بالنقد؟ لقد رأينا كيف أن المشروع الإصلاحي لم يكتفِ برفع شعار النقد، بل بنى له عقداً نظرياً في العدد الأول، وجسَّده في العدد الثاني بناءً تهذيبياً بالقدوة، وفي العدد الثالث تفكيكاً سياسياً للاستبداد، ثم تكلل كله في العدد الثالث ذاته بدرس تطبيقي في أخلاقيات النقد. أربع حلقات، في ثلاثة أعداد فقط، تكفي لتشييد نظرية متكاملة في النقد الإصلاحي: تعرف لماذا تنتقد، وماذا تنتقد، وكيف تنتقد، والأهم: كيف تحمي نقدك من أن يتحول إلى وبال على صانعيه.

لقد أثبتت قراءتنا التتبعية هذه أن النقد في مشروع ابن باديس لم يكن مجرد «ركن» من أركان الجريدة، بل كان العمود الفقري الذي انتظمت عليه المبادئ كلها. السياسي حدَّد ساحة المواجهة وجرَّد المستعمر من قناعه بمبادئه هو، والتهذيبي بنى الإنسان القادر على المواجهة، والانتقادي ضبط إيقاع المواجهة وحماها من فوضى الانفعال و«الضوضاء». بهذا التكامل تحول النقد من مزاج عابر إلى منهج حياة، ومن سلاح في يد الغاضبين إلى خدمة للحق والوطن.

ولعل إيقاف «المنتقد» عند العدد الثامن عشر، وهو العدد نفسه الذي توقفت عنده «العروة الوثقى»، لم يكن نهاية المشروع، بل كان اكتمالاً لدورته الأولى. لقد أودعت تلك الأعداد القليلة في الضمير الجزائري بذرة نقدية لم تمت، بل انتظرت من يسقيها. وها نحن اليوم، في زمن تسوده «الضوضاء» التي حذَّر منها ابن باديس، وتتجدد فيه «الملوكية» بأقنعة مختلفة، وتضيع فيه الحقائق بين «الغضب والصخب»، نكتشف أن أسئلة «المنتقد» ما تزال أسئلتنا: كيف ننتقد لنحيا، لا لنفني بعضنا بعضاً؟ كيف نمارس نقداً يبني ولا يهدم؟ وكيف نستعيد ذلك النقد التأسيسي الذي كان يرى في الفهم العميق شرطاً للنقمة الراشدة؟

لعل الجواب ما يزال حيث تركته «المنتقد»: في أن نجرؤ على النقد، ولكن بشجاعة العقلاء لا بتهور الغاضبين. في أن نفتح صدورنا للنقد المضاد، كما فتح ابن باديس صدره لرسالة «ابن وطاف». في أن نمارس على أنفسنا النقدَ الذي نمارسه على غيرنا. وفي أن نتذكر، مع كل كلمة نكتبها أو نقولها، قولَ الرجل الذي لم يجعل من «المنتقد» عدوّاً لأحد، بل مرآةً لأمة تريد أن ترى وجهها الحقيقي لتنهض.

***

الأستاذ: عمرون علي

في لحظة عادية من يوم عادي، يكفي أن تنطفئ الكهرباء لثوانٍ حتى يتغير كل شيء في الغرفة؛ فرغم أن الأشياء نفسها، والوجوه نفسها، إلا أن الإحساس بها يتبدل بشكل كامل. إن الضوء، إضافة إلى كونه الوسيلة التي تجعلنا نرى الأشياء من حولنا، يحدد كذلك طريقة رؤيتنا لها. هذه الحقيقة البسيطة التي يعيشها الإنسان يومياً، هي ذاتها التي يستند إليها العقل وهو يحاول فهم أكثر الأفكار تجريدًا.

العقل عندما يفكر يستعير من العالم الذي يراه أمامه. وعندما يحاول أن يفهم معنى مثل الهداية أو المعرفة، فإنه يعود بشكل تلقائي إلى أكثر تجربة حسية رسوخًا فيه: الرؤية. هنا يظهر الضوء، لا كظاهرة فيزيائية فقط، بل كنموذج إدراكي يعيد العقل استخدامه لتنظيم المعنى. وقد أشار لايكوف إلى أن الأنظمة المفاهيمية لدى الإنسان ترتكز جزئيًا على أنماط حسية متجذّرة في بنيته العصبية (Lakoff, 2012)، وهو ما يجعل الضوء أحد أكثر النماذج حضورًا في التفكير الإنساني.

لهذا السبب، عندما يتحدث الإنسان عن الفهم، فإنه يقول اتضحت الصورة، وعندما يعجز يقول الأمر غامض. تمثل هذه التعابير آثارًا مباشرة لطريقة عمل الإدراك، وتتجاوز كونها مجرد استعارات لغوية عابرة. وقد بيّنت دراسات في علم النفس المعرفي أن الارتباط بين الضوء والمعرفة، وبين الظل والغموض، ليس اعتباطيًا، بل يدخل في تشكيل الأحكام العاطفية والمعرفية (Crawford, 2009).

في نظرية النظم العامة عند برتالانفي (1968)، التي تشير إلى إمكانية وجود تماثلات بنيوية بين أنظمة مختلفة رغم اختلاف طبيعتها، حيث يمكن ملاحظة تشابه في أنماط التنظيم دون افتراض وحدة القوانين أو تطابقها. هذا يفتح المجال لفهم كيف يمكن لنموذج مثل الضوء أن يُستخدم كإطار إدراكي لفهم مجالات غير فيزيائية. وهو ما عبر عنه بالتشاكل البنيوي. 

ومن هنا، نفهم نقطة جوهرية كيف يتجلى في القرآن الكريم التشاكل البنيوي بين البصر كبصيرة معرفية والنور كضوء فيزيائي، حيث يستخدم القرآن النور والظلمات كأدوات معرفية لبناء المعنى. حين يرد النور في سياق الهداية، فهو لا يقدّم صورة شعرية عابرة، إنما يستدعي تجربة إدراكية كاملة يعيشها الإنسان في كل مرة يرى فيها الطريق بعد عتمة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن مفهوم النور في القرآن يعمل كمجال دلالي ينقل معاني معرفية وروحية تتجاوز المعنى الحسي المباشر (Elamin & Alhazmi, 2021).

والمعجز في البلاغة أن هناك نظامًا داخليًا دقيقًا غير ملاحظ في الحالة العادية للفهم والتفسير ولكن الكشف العميق يظهر أن النور يأتي في كثير من المواضع بصيغة المفرد، بينما تتكرر الظلمات بصيغة الجمع، في إشارة دلالية إلى وحدة الحقيقة في مقابل تشتت مسارات الضلال، وهو ما رصدته تحليلات لغوية حديثة بوصفه بنية تنظيمية داخل النص (Ramadan, 2023). هذا النوع من البناء، يكشف عن انسجام عميق مع الطريقة التي يعمل بها العقل البشري.

ومع تطور العلوم المعرفية، بدأ الباحثون يلاحظون أن الدماغ لا يتعامل مع المفاهيم المجردة بمعزل عن الخبرة الحسية، حيث تشير بعض الدراسات إلى وجود تداخل بين معالجة المفاهيم والنشاط في مناطق مرتبطة بالإدراك الحسي، خاصة البصري (Landau et al., 2010). هذه النتائج لا تعني أن التفكير هو مجرد صورة ضوئية داخل الدماغ، لكنها توضح أن الإدراك يعيد استخدام أنماط مألوفة لبناء معانٍ جديدة.

هذا ما أسميته بـ “التفكير الضوئي”، حيث يعمل العقل على تنظيم الخبرة عبر نماذج مثل الضوء والظل، فيحوّل الرؤية إلى أداة للفهم. وعندما يستخدم القرآن هذه اللغة، فإنه يخاطب الإنسان من داخل بنيته الإدراكية، فيجعل المعنى قريبًا دون أن يفقد عمقه.

الأمر يمتد إلى الطريقة التي يفكر بها الإنسان في حياته اليومية، حيث يستخدم الضوء ليحكم على الأشياء، وعلى الناس، وعلى نفسه أحيانًا. ومع أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الإدراك يعتمد على أنظمة متعددة تشمل التمثيل الحسي والتجريد والتنبؤ (Kiefer & Pulvermüller, 2024)، فإن حضور النماذج الضوئية يبقى من أكثرها تأثيرًا واستقرارًا.

بهذا المعنى، لا يكون الضوء مجرد أداة للرؤية، بل يصبح طريقة في التفكير، ولا يكون الظل غيابًا، بل مساحة يتشكل فيها المعنى. وبين الضوء والظل، يتحرك العقل وهو يحاول أن يفهم، وأن يفسّر، وأن يجد طريقه وسط هذا العالم المعقّد.

***

الكاتب نبيل عيدو

تاملات في الوعي الجمعي

لم اكن اتصور في زمن تتكدس فيه المعارف بضغطة زر، ان افاجا بهذا السيل الجارف من الخرافة، يزحف على العقول كما لو اننا لم نغادر عصور الظلام قط. دهشتي ليست من وجود الخرافة ذاتها، فهي رفيقة الانسان منذ فجر التاريخ، بل من اتساع رقعتها، ومن هذا الانقياد الجماعي المذهل وراء اوهام تلبس ثوب العلم، وتسوق كانها خلاص سحري من الام الواقع. كاننا، رغم كل ما انجزه العقل البشري، ما زلنا نقف عند عتبة الوهم، نطرق ابوابه بلهفة، ونلوذ به كلما ضاقت بنا سبل الفهم.

ان الخرافة ليست مجرد فكرة عابرة او اعتقاد بسيط، بل هي بنية ذهنية قادرة على تشكيل الوعي، وتوجيه السلوك، واعادة انتاج الجهل في صور متجددة. والخطورة الحقيقية لا تكمن في جهل العوام فحسب، بل في انخراط بعض من يفترض انهم حراس المعرفة في ترويج هذا الزيف، فيختلط الحق بالباطل، ويضيع معيار التمييز بين العلم والوهم.

في المجتمع المصري، يبدو المشهد اكثر تعقيدا، اذ تتداخل الموروثات الشعبية مع الازمات الاجتماعية والاقتصادية، فيصبح الانسان اكثر قابلية للتعلق باي تفسير يخفف عنه قلقه، ولو كان زائفا. ومع غياب التفكير النقدي وضعف الثقة في المؤسسات العلمية، تتحول الخرافة الى بديل سهل، لا يتطلب جهدا ولا مساءلة، بل يمنح شعورا زائفا بالسيطرة والفهم.

ان ما يسمى بظاهرة ضياء العوضي ليست حادثة عابرة في تاريخ الوعي المصري، بل علامة فارقة على هشاشة البنية المعرفية حين تترك نهبا للوهم. لم يكن الرجل مجرد فرد يروج لوصفات زائفة، بل كان تجسيدا حيا لكيف يمكن للخرافة ان ترتدي قناع العلم، وان تتسلل الى العقول من اوسع ابوابها: باب الحاجة والخوف والالم.

كيف يمكن لخطاب فارغ، محمل بنبرة يقين زائفة، ان يخلق حوله هالة من التصديق الجماعي؟

ونحن هنا في ظاهرة العوضي لا نتعامل فقط مع خطاب زائف، بل مع سلطة معرفية مستعارة من لقب "الطبيب"، وهو ما يمنح الوهم شرعية مضاعفة. فحين يتكلم غير المختص، يظل كلامه في دائرة الهامش، اما حين يتحدث من يفترض فيه العلم، فان الكارثة تتضاعف، لان الثقة تتحول الى اداة تضليل، والعلم الى غطاء للدجل.

ومن منظور فلسفي، يمكن القول ان هذه الظواهر تكشف عن ازمة اعمق: ازمة الانسان حين يفقد قدرته على التمييز بين المعرفة والاعتقاد، بين الدليل والانطباع، بين الحقيقة وما يراد له ان يبدو كذلك. انها لحظة ينكفئ فيها العقل، لا لانه عاجز، بل لانه مثقل بالخوف والرغبة في الخلاص السريع.

والمفارقة المؤلمة ان هذا الانتشار لهذه الظاهرة لا يحدث في الخفاء، بل في العلن، وعلى منصات يفترض انها فضاءات للمعرفة. يروج للوهم بوصفه "حقيقة مخفية"، وتقدم السذاجة على انها "شجاعة في مواجهة السائد"، فيعاد انتاج الجهل تحت لافتة التمرد. وهنا تتجلى الازمة في اقسى صورها: حين يصبح رفض العلم فضيلة، وينظر الى التفكير النقدي باعتباره ترفا او تعقيدا غير ضروري.

لقد ظننا، ربما بسذاجة، ان زمن قنديل ام هاشم قد انقضى، وان ذلك الصراع بين نور العلم وظلمة الخرافة قد حسم لصالح العقل. لكن الواقع يكشف ان القنديل ما زال مشتعلا، كدلالة على عناد الوهم، وقدرته على البقاء والتجدد، مهما تقدمت العصور.

ان مواجهة الخرافة لا تكون بالسخرية ولا بالتجاهل، بل ببناء وعي حقيقي، يعيد الاعتبار للعقل، ويرسخ قيمة السؤال، ويعلم الانسان ان الشك بداية المعرفة لا نهايتها. نحن لا نحتاج الى مزيد من المعلومات فحسب، بل الى شجاعة التفكير، والى مجتمع يحترم العلم لا لانه سلطة، بل لانه الطريق الوحيد للخلاص من هذا التيه.

فإما ان نختار ان نكون ابناء عصرنا، او نظل اسرى قناديل لا تنطفئ، لانها تعيش في داخلنا قبل ان تضاء في الخارج.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الجُسيمات ما دون الذرية (كالإلكترونات) غير مُحدَّدة إن كانت جُسيمات أم موجات كما تؤكِّد على ذلك نظرية ميكانيكا الكمّ العلمية. ومن الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية الجُسيمات ما دون الذرية من خلال القانون الفيزيائي التالي: الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر. فبما أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر، إذن الجُسيمات ما دون الذرية = (برامج إنتاج للمعلومات × صفر) ÷ صفر. وبذلك الجُسيمات ما دون الذرية = صفر ÷ صفر. ولكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. بذلك الجُسيمات ما دون الذرية غير مُحدَّدة. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية الجُسيمات ما دون الذرية مما يشير إلى صدق هذا القانون على ضوء نجاحه التعبيري.

ينجح القانون السابق أيضاً في تفسير إمكانية أن يوجد الجُسيم نفسه (كالإلكترون) في أمكنة مختلفة في الوقت عينه. فبما أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر، إذن الجُسيمات ما دون الذرية برامج مُنتِجة للمعلومات. ولكن البرنامج نفسه قد يوجد في أمكنة مختلفة في الوقت نفسه. لذلك من الممكن للجُسيم ما دون الذري أن يوجد في أمكنة مختلفة في الوقت عينه من جراء أنه برنامج إنتاج للمعلومات. من هنا، ينجح القانون السابق في تفسير إمكانية أن يوجد الجُسيم ما دون الذري في أمكنة مختلفة في الوقت نفسه. وعلى أساس هذا النجاح التفسيري يكتسب القانون السابق صدقه.

كما ينجح هذا القانون في تفسير التشابك الكمي بين الجُسيمات الذي مفاده أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية تتشابك وتتواصل رغم تباعدها بمسافات هائلة. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، الجُسيمات ما دون الذرية برامج إنتاج للمعلومات بينما من الممكن دمج برامج مختلفة في برنامج واحد فتتشابك وتتواصل، إذن من الممكن أن تندمج الجُسيمات ما دون الذرية فتتشابك وتتواصل وكأنها تشكِّل كينونة واحدة. هكذا ينجح القانون السابق في تفسير التشابك الكمي مما يدل على أنه قانون صادق.

قانون الجُسيمات السابق قانون علمي لأنه قابل للاختبار. فبما أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر وبذلك الجُسيمات برامج مُنتِجة للمعلومات، إذن إذا وُجِد جُسيم ما دون ذري بلا إنتاج للمعلومات فحينئذٍ القانون السابق كاذب. من هنا، القانون السابق قابل للاختبار مما يجعله قانوناً علمياً.

الجُسيمات ما دون الذرية برامج مُنتِجة لمعلومات حيال ذاتها كمعلومة أنها من المحتمل أن تكون جُسيمات ومعلومة أنها من المحتمل أن تكون موجات مما يجعلها تتصرّف وكأنها جُسيمات وموجات في آن. فمن جراء أنها برامج غير مُحدَّدة بمضامين مُسبَقة، تُنتِج الجُسيمات معلومات متعارضة كمعلومة أنه من المحتمل أنها جُسيمات ومعلومة أنه من المحتمل أنها موجات بدلاً من جُسيمات. والجُسيمات غير مُحدَّدة بمضامين مُسبَقة وإلا وُجِد مُحدِّد لتلك المضامين الذي يحتاج إلى مُحدِّد آخر (لكي يحدِّد المُحدِّد الأول) والذي بدوره يحتاج إلى مُحدِّد ثالث (لكي يحدِّد المُحدِّد الثاني) مما يؤدي إلى سلسلة لامتناهية من عمليات التحديد المستحيلة الحدوث لكونها سلسلة تحديد لامتناهية.

على ضوء الاعتبارات السابقة، الجُسيمات برامج مُنتِجة لمعلومات حيال ما يُحتمَل أن تكون مما يجعلها غير مُحدَّدة إن كانت جُسيمات أم موجات فالاحتمالات متعدّدة ومتعارضة. وإن لم تكن الجُسيمات برامج إنتاج للمعلومات، فحينئذٍ لن يتمكّن الجُسيم نفسه من التواجد في أمكنة مختلفة في الوقت نفسه (علماً بأنَّ البرنامج نفسه قد يتواجد في أمكنة مختلفة في الوقت عينه). وإن لم تكن الجُسيمات برامج مُنتِجة للمعلومات، فحينئذٍ لن تتمكّن من أن تتشابك (علماً بأنَّ البرامج المختلفة قد تندمج فتتشابك).

***

حسن عجمي

نواصل مع (ذي القُروح) رحلتنا حول شؤون الكتاب العَرَبي، التي بدأناها في المساق السابق. إذ سألته:

- تُرَى هل يهدِّد الكتاب الإلِكتروني الكتاب الورقي في الوقت الراهن؟

- سؤال التهديد هذا طُرِح أيضًا قديمًا حينما بدأ الإنسان يكتب أفكاره ولا يلقيها إلقاءً. بمعنى آخَر حين تحوَّلت الثقافة من الطَّور الشِّفاهي إلى الطَّور الكتابي. فجاء السؤال: هل ستهدِّد الكتابة الذاكرة والحافظة العِلميَّة والقُدرة الإبداعيَّة. فكان هناك هذا التوجُّس عينه- في ثقافتنا العَرَبيَّة، على سبيل النموذج- وكانت النظرة الدُّونيَّة إلى الكتابة والكتاب، وإلى الاعتماد على القلم والورقة. ولذلك نقرأ في تراثنا الانتقاص من العالِ-م الذي يعتمد على هذه التقنية الجديدة في وقتها، فجاءت عبارة مثل «فلان إنَّما عِلمه في قراطيس!» لأنَّ العالِ-م، بمقاييس ذلك العصر، هو الحافظ. ولذا ليس من فراغٍ أن نجد لقب (الحافظ) في تراثنا يتكرَّر. وكان يُنظَر إلى العالِ-م الذي يعتمد على المكتوب أنه مشكوكٌ في عِلمه.

- وحتى في الأدب، وفي الشِّعر تحديدًا، ل-مَّا بدأ بعض الشُّعراء يكتبون قصائدهم، كانوا يتخفَّون من الناس، ويخشون من أن يعلَم عنهم الجماهير أنهم يكتبون قصائدهم.

- صحيح، ويَحضرنا هنا نموذج الشاعر (ذي الرُّمَّة). وهو شاعرٌ أعرابيٌّ، أسلوبه يتعلَّق بالصحراء وبالبادية، أكثر ممَّا نعرفه حتَّى في الشِّعر الجاهلي. ولم-ا أخذ يكتب بعض شِعره، كان يتكتَّم على كتابته، ويتستَّر على ممارستها؛ لأنَّ الشاعر الذي يكتب القصيدة ليس بشاعر، بل الشاعر الشاعر هو الراوية، لشِعره وشِعر غيره. رُوي في هذا أنَّه ذات يوم «قرأ (حمَّادٌ الراوية) على (ذي الرُّمَّة) شِعره، فرآه [ذو الرُّمة] قد ترك في الخطِّ لامًا، فقال له: اكتب لامًا، فقال له حماد: وإنَّك لتكتب؟! قال: اكتُمْ عليَّ! فإنَّه كان يأتي باديتنا خطَّاط، فعلَّمنا الحروف تخطيطًا في الرِّمال، في اللَّيالي المقْمرة، فاستحسنتُها، فثبتتْ في قلبي، ولم تخطَّها يدي.»(1)

- خلاصة القول: إنَّ هذا التوجُّس المعاصر من الكتاب الإلِكتروني، وأنه سيكون مهدِّدًا للكتاب الورقي، توجُّس مرحلي؟

- نعم، وقد مرَّت بمثله الثقافات من قَبل، عندما انتقلت من الشِّفاهي إلى الكِتابي، ومن المخطوط إلى المطبوع، حتَّى لقد حُرِّمت المطبعة في العالم الإسلامي، بادئ الأمر. والتاريخ يعيد نفسه!

- إذن، هذه التحوُّلات في كلِّ مجال تُواجَه بهذا الخوف على الإرث، وعلى الماضي، وعلى ما وجدنا عليه آباءنا، في مجال الكتابة والتأليف وفي غيرهما من المجالات.

- وأنا لا أرى سببًا لهذا القول بالتهديد أصلًا، سِوَى الخوف على الإِلف لا على المؤلَّف. ما معنى تهديد الكتاب الورقي؟ الكتاب الورقي موجود، ولا تهديد لبقاء المادَّة المتاحة ورقيًّا. وليكن ما نشهده اليوم تطوُّرًا يحتاج ممَّن لم يَعتد عليه أن يطوِّع نفسه له، ويطوِّر مهاراته لمواكبة العصر، مثلما انتقلنا من الطَّور الشِّفاهي إلى الطَّور الكِتابي، ومن الطَّور الكِتابي الخَطِّي إلى الطَّور الطِّباعي، وها نحن هؤلاء الآن ننتقل إلى عصرٍ جديد و تقنية جديدة.

- وهي تقنية (مفيدة جدًّا للفرد والجماعة، وللُّغة، وللأُمَّة، وللثقافة). والذين لا يعرفون الكتاب الإلِكتروني لا يُدركون أنَّه أكثر انتشارًا.

- غالبًا، هم يُدرِكون ذلك، إلَّا أنَّهم قد لا يُدرِكون أنَّ القراءة فيه لمن تمرَّس بها أسهل وأسرع وأسلم للمادَّة المقروءة، وتتيح للقارئ وللباحث أن يبحث في الكِتاب على نحو أفضل وأدق وأسرع من الكِتاب الورقي، على الرغم من أنَّ الأمور ما زالت في تطوُّر، وقد تكون هناك صعوبات في التقنية العَرَبيَّة؛ لأنها معتمدة على الآخَر، ولكن هي تتطوَّر يومًا بعد يوم.

- لعلَّك توضح لنا، يا (ذا القروح)، أكثر حول تلك الميزات!

- أنت مع الكِتاب الإلِكتروني تستطيع، مثلًا، أن تبحث آليًّا. وتستطيع أن تسجِّل ملحوظاتك بطريقة لا تشوِّه الكِتاب، كما يحدث مع الكِتاب الورقي. فضلًا عن ميزات أخرى تتعلَّق بالبيئة وبالصِّحَّة العامَّة. ذلك أنَّ الكِتاب الإلِكتروني يحميك من بعض الأضرار الصِّحيَّة، ولا سيما في بعض البيئات كبيئتنا، بما يحمله الكِتاب الورقي من غبار وغير غبار. ويحميك حتى من روائح الحبر أحيانًا والورق، وما تسببه لبعض الناس من حساسيَّات. الكتاب الإلِكتروني صديقٌ للإنسان وللبيئة أكثر بكثير. أضف إلى هذا أنك تستطيع أن تحمل في جوَّالك مكتبة كاملة، حيثما ذهبت، فتقرأ وتبحث. وهذا مستحيل في العصر الورقي البائد. أمَّا مَن كان مُصِرًّا على الكتاب الورقي، ويرَى في التقنية الحديثة تهديدًا له، فللناس في ما يعشقون مذاهب!

- هذا، كما قلتَ، يحدث في كلِّ طورٍ انتقالي، كهذا الانتقال بين العصر الورقي إلى العصر الإلِكتروني. إذن ليس هناك تهديدٌ للكتاب الورقي لمن يعشقه ويتمسَّك بأن يقرأ ورقيًّا. لكن دع القارئ، أليس فيه تهديد للناشر؟

- لقد كنتُ من الذين كتبوا عن هذا منذ عقدين؟

- منذ عقدين؟! أم منذ العصر الجاهلي، ي-(ذا القُروح)؟!

- هناك تناسخ ما، يا «خبيبي»! أعني منذ أن بدأتْ هذه التقنية الإلِكترونيَّة، وأنا أرى (تهديدًا لإنتاج الكِتاب الورقي)؛ لأنَّ تسويقه وبيعه لم يعُد كالسابق؛ فحينما تجد الكِتاب إلِكترونيًّا، فلماذا تشتريه ورقيًّا؟ فهذا (تهديد للناشر التاجر)، لكنَّه (ليس بتهديدٍ للقارئ، بل فيه خدمة للقارئ)، وفتحٌ عظيمٌ للطالب، ليقرأ، ويطَّلع على امتداد العالَ-م. ولقد أجبرتنا (أزمة كرونا) قبل أعوام على الاعتراف بضرورة الكِتاب الإلِكتروني للطالب والمعلِّم، بل ضرورة التعامل الإلِكتروني والتعليم الإلِكتروني. ليس هذا فحسب، بل أنت أيضًا تستطيع الآن أن تصل حتى إلى بعض المخطوطات الموجودة في مكانٍ ما، شرقًا أو غربًا من العالَم.

- وهو ما لم يكن ممكنًا قبل سنين إلَّا بالسَّفَر ودفع الأموال الطائلة للاطلاع على ورقةٍ من مخطوط.

- ولذلك فالكتاب الإلِكتروني، أو لتقُل التقنية الإلِكترونيَّة عبر شبكة «الإنترنت»: نعمةٌ عظيمةٌ للقارئ وللباحث.

- ماذا عن فكرة الكِتاب التفاعلي الذي يتيح فضاءً أوسع للقارئ؟ كيف تراها؟

- تعجبني أسئلتك المعلَّبة على طريقة الإعلاميين: ماذا عن...؟ كيف تراها؟

- لأنَّني أُراعي أنك شاعرٌ جاهليٌّ حداثي! كيف لا وقد سافرتَ إلى (أنقرة)؟! وأنت القائل:

بَكَى صاحِبي ل-مَّا رأى الدَّرْبَ دُوْنَهُ

وأَيْ-قَ-نَ أَن-ا لاحِ-ق-انِ ب-قَ-يْ-صَ-را

- أيَّام! نعم، كنتُ يومها أبحث عن مخطوطة لشِعر (ابن خِذام)؛ لأنَّنا ظللنا نبكي الدِّيارَ كما بَكَى ابنُ خِذام، ولكن لا نعرف من هو؟ ولا أين شِعره؟

- وإنَّك لتكتب؟!

- نعم، كنتُ أكتب، وشعري شاهد. لكن اكتُمْ عليَّ!

- سِرُّك في بئر «أَضْحَى حَوْضُهُ وَهْوَ نَاشِفُ»! فَعَدِّ عن ذلكم إذ لا ارْتِجاعَ لَهُ!

- عَدِّ أنت، أوَّلًا، يا (عمرو)! أقول: كثيرًا ما ألحظ خلطًا- وقد كتبتُ عن ذلك مرارًا في مقارباتٍ خاصَّة، أو من خلال بعض مؤتمرات أو ندوات حول الأدب الإلِكتروني- يقع بين مفهوم (الكِتاب التفاعلي أو الأدب التفاعلي) ومفهوم (الكِتاب الإلِكتروني). نعم التفاعل الآن قائمٌ حتى مع الكتاب التراثي؛ فإذا حوَّلت ديوان (امرئ القيس) إلى نسخة «بي دي أف» سيكون التفاعل معها أوسع جِدًّا، بطبيعة الحال. غير أنَّ (الأدب التفاعلي) أو (الكِتاب التفاعلي) شأنٌ آخر، يتعلَّق بالنصِّ التشعُّبي، أو ما يُسمَّى (النَّص المترابط Hypertext). الذي يتيح شراكة القارئ مع المؤلِّف في إنتاج النص، ليس بالمفهوم التقليدي، بل بحيث يغدو المتلقِّي شريكًا في إنتاج النصِّ بصورةٍ أو بأخرى.

- مثل هذا أمرٌ معروفٌ قبل التقنيات الحديثة.

- بيد أنَّه يجري الآن من خلال تقنية حاسوبيَّة، غير متيِّسرة لإنتاج الكِتاب لدَى معظم الناس. عبر هذه التقنية يستطيع القارئ أن يُضيف وأن يُداخِل. وذلك للقُرَّاء عمومًا وليس لقارئٍ بعينه، كأن يكون متخصِّصًا. إلَّا أنَّ هذه التجربة ما تزال محدودة في مجال الرواية وفي مجال الشِّعر. هناك أسماء محدودة جِدًّا في عالمنا العربي ممَّن أنتجوا كُتبًا تفاعليَّة، في روايات أو أعمال شِعريَّة، بهذه الطريقة التفاعليَّة. لعلَّ أشهرهم (محمد سناجلة) من (الأردن)، في الرواية، و(مشتاق عبَّاس معن) من (العراق)، في الشِّعر. وعليه، فالكِتاب التفاعلي بهذا المفهوم تجربة حديثة غير مسبوقة، لها تقنياتها الخاصَّة ومريدوها.

- غير أنَّ العمل الجيِّد يظلُّ يفرض نفسه، ويميز صاحبه، من خلال محتواه، ومن خلال أسلوبه، سواء أُنتج في كتابٍ تفاعلي أو في كتابٍ غير تفاعلي.

- الأصل جودة العمل دائمًا؛ فلا تُغني التقنيةُ التفاعليَّةُ الكِتابَ شيئًا في ميزان الجودة الحقيقيَّة للمنتَج.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...............................

(1) الصولي، (1341ه-)، أدب الكُتَّاب، عناية: محمَّد بهجة الأثري، (القاهرة: المطبعة السَّلفيَّة)، 62؛ المرزباني، (1965)، الموشَّح في مآخذ العلماء على الشُّعراء، تحقيق: علي محمَّد البجاوي، (القاهرة: دار نهضة مِصْر)، 231.

قراءة معاصرة في أسباب نقد المعطيات الرجالية الأولية

تمثّل كتب الرجال عند الإمامية أحد الأركان الأساس في بناء المعرفة الحديثية، إذ تُعدّ المرجع الأول في تقويم الرواة وتمييز المقبول من المردود في الأخبار، غير أنّ المتأمّل في المسار العلمي لهذا الفن، ولاسيّما في الموسوعات الرجالية المتأخرة، يلحظ بوضوح بروز نزعة نقدية تجاه المعطيات التي قدّمتها المصادر الرجالية الأولية , وهذه النزعة لم تنشأ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكُمات علمية ومنهجية دفعت الباحثين إلى إعادة النظر في تلك المادة التراثية بوصفها معطيات قابلة للفحص والمراجعة، لا نصوصًا نهائية مكتفية بذاتها.

ومن أبرز العوامل التي أسهمت في ظهور هذه النزعة النقدية، حالة الاضطراب المفهومي التي رافقت بعض المصطلحات الرجالية، وفي مقدّمتها مفهوم "الغلو"، حيث لم يتفق الأعلام على تحديد دقيق له، بل تباينت قراءاتهم تبعًا لاختلاف منطلقاتهم العقدية، فعدّه بعضهم تركًا للعبادات اعتمادًا على الولاية، بينما وسّع آخرون دائرته ليشمل كثيرًا من القضايا المرتبطة بمقامات الأئمة (عليهم السلام)، حتى أُدرجت مسائل عقدية معتبرة عند فريق ضمن دائرة الغلو عند فريق آخر , وقد انعكس هذا التباين بشكل مباشر على الأحكام الرجالية، فاتهم بعض الرواة بالغلو لمجرّد تبنّيهم رؤى عقدية معيّنة، في حين وُصِف آخرون بالتقصير لعدم بلوغهم تلك الرؤى، مما جعل التقويم الرجالي في كثير من الأحيان متأثرًا بالاتجاهات الفكرية أكثر من كونه قائمًا على معايير موضوعية خالصة، وهو ما أثار انتباه المتأخرين ودفعهم إلى التعامل مع هذه الأحكام بحذر نقدي.

وإذا انتقلنا إلى الجانب النصّي، نجد أنّ كثيرًا من الكتب الرجالية لم تصل إلينا بصورتها الأصلية، بل تعرّضت عبر مسار النقل إلى تصحيفات وتحريفات وأخطاء نسخية، الأمر الذي أضعف الثقة المطلقة بما ورد فيها، خصوصًا مع الإشارة المتكررة من قبل عدد من الأعلام إلى وجود خلل في بعض النسخ المعتمدة، بل ووقوع أخطاء في نقل المعلومات أو إدراج بيانات غير دقيقة , وهذا الواقع النصّي ألقى بظلاله على مجمل المادة الرجالية، وجعل من الضروري إخضاعها لعمليات تحقيق ومقارنة، الأمر الذي أسهم بدوره في تعزيز النزعة النقدية لدى الباحثين، إذ لم يعد بالإمكان التسليم بكل ما ورد في تلك المصادر دون تمحيص.

كما أنّ طبيعة الكتب الرجالية الأولى نفسها كانت عاملًا مهمًا في هذا الاتجاه، فهي لم تُصنّف بوصفها موسوعات شاملة تستوعب جميع الرواة وتقدّم فيهم أحكامًا متكاملة، بل جاءت في الغالب على هيئة مصنّفات جزئية، يكتفي بعضها بذكر الأسماء أو الإشارة إلى المصنّفات، دون استيعاب كامل للجرح والتعديل، بل إنّ عددًا كبيرًا من الرواة بقي مسكوتًا عن حاله، الأمر الذي يكشف عن نقص بنيوي في هذه المصادر، ويجعل الاعتماد عليها بشكل مباشر دون استكمال أو تحليل أمرًا غير كافٍ، ومن هنا وجد المتأخرون أنفسهم أمام مادة أولية تحتاج إلى إعادة بناء واستدراك، لا مجرد نقل وتكرار.

ويضاف إلى ذلك إشكالية الخبروية في مجال الجرح والتعديل، إذ تبيّن للباحثين أنّ بعض من نقل عنهم التوثيق أو التضعيف لم يُعرفوا بالتخصص في علم الرجال، بل جاءت أحكامهم في سياقات عرضية ضمن مؤلفات كلامية أو فقهية، ومع غياب المؤلفات المتخصصة التي تثبت خبرتهم في هذا الفن، ومع ملاحظة وقوع بعض الاضطرابات أو التناقضات في تقويماتهم، أصبح من المتعذّر التعامل مع أقوالهم بوصفها حججًا تامة، بل غاية ما يمكن عدّه هو كونها قرائن تحتاج إلى ضمّها إلى غيرها من الشواهد، وهو ما رسّخ لدى المتأخرين ضرورة التمييز بين الخبير الرجالي وغيره، وعدم الاكتفاء بمجرد صدور الحكم من عالم متقدم.

وأخيرًا فإنّ تعارض التقويمات الرجالية بين الأعلام يُعدّ من أبرز الدوافع التي كشفت عن الطابع الاجتهادي لهذا العلم، إذ نجد اختلافًا واضحًا في الحكم على الراوي الواحد، بل قد يصدر عن العالم نفسه حكمان متباينان في موضعين مختلفين، وهو ما يدلّ على أنّ هذه الأحكام ليست قطعية في كثير من مواردها، وإنما هي نتاج اجتهادات قابلة للمناقشة والمراجعة، وقد دفع هذا التعارض الباحثين إلى البحث عن مناهج أكثر دقة في الترجيح والتحليل، بدل الاكتفاء بالنقل والتسليم، مما أسهم في ترسيخ النزعة النقدية بوصفها ضرورة منهجية لا خيارًا فكريًا.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ النزعة النقدية في الموسوعات الرجالية تمثّل مرحلة متقدمة في تطور علم الرجال، حيث انتقل البحث من مستوى جمع المادة إلى مستوى تحليلها وتقويمها في ضوء معايير أكثر نضجًا ووعيًا بالسياقات التاريخية والفكرية، وهو ما يفتح آفاقًا أوسع لبناء رؤية رجالية معاصرة تتسم بالدقة والموضوعية، وتكون أكثر قدرة على التعامل مع التراث الحديثي بروح علمية نقدية متوازنة.

***

أ. م. د. علي جعفر محمد

كلية الفقة / جامعة الكوفة

لا يوجد عنوان فكري اليوم اسمه (المثقف الموسوعي)، الذي يعرف كل شئ ويتحدث من ثم في كلّ شىء، هذا الأمر انتهى منذ عصر القرون المظلمة التي اضاعت بها المجتمعات الإسلامية وعيها المعرفي، ولم تستيقض إلا على صدمة الحداثة التي ترافقت قسرا مع المد الاستعماري.

وهذه الحداثة التي ارتكزت على فكر أكاديمي صرف بدرجة كبيرة، انما قطعت إبستمولوجيا كذلك مع العصور السابقة التي كانت ترى في القس هو الكاهن والطبيب والفيلسوف، مثلما كنا نرى ذلك فيما مضى في الكندي وابن سينا وغيرهما الكثير.

ومن ثم كان المرتكز العلمي الجديد قائم على التخصص الدقيق حتى في داخل الحقل المعرفي الواحد، كالرياضيات او الفيزياء او الكيمياء وفي العلوم الاجتماعية الامر ذاته بل ازداد تخصصا بنحو مفرط، وهذا ما وصل اليه الحال في الفلسفة كذلك، فهناك اليوم من تخصص بهيغل وهناك من تخصص بكانت واخرون تخصصوا بفكر نيتشه وهكذا دواليك.

وهذه التخصصات تتطلب رؤية معمقة بطبيعة الحال في مقارباتها او انتقاداتها بين آونة وأخرى، ولكن ان يظهر علينا احدهم وهو يتحدث: بالرقمية تارة والعولمة تارة اخرى وبأزمة الاجيال بين مدحها او ذمها.. وبأنسنة الدين تارة اخرى.. وبفلسفة الصمت مرة.. وبفلسفة الكوانتم مرة اخرى ويظل يقفز (كالبهلوان) من حقل إلى آخر بغير روية وباستعراض معرفي مكشوف وبنرجسية حادة انما هي عملية ثرثرة فكرية لا طائل منها سوى البرهنة على وجوده بالساحة الفكرية.. وما المخجل ان يصمت المثقف قليلا حتى ياتي من خلال تخصصه بشى جديد.. فهذا جورج طرابيشي توقف سنينا وهي يكتب رده على محمد عابد الجابري.. ما الضير في الصمت قليلا ربما اشهر او سنوات ويعيد التامل في الوجود مرة اخرى ما الضير.. اعتقد ان المريض نفسيا لا يستطيع إلا ان يثرثر.. وهو (يعجل لانه يخاف الفوت).. فوت استعراض الأنا النرجسية !!.

وليست القضية هنا فحسب، ان الأدهى ان يجد من يصفق له وينحني تعظيما وإكبارا لثرثرته ورثاثته الفكرية الواضحة عبر السطو على افكار الآخرين بسرعة لا حد لها.

اننا نعيش عصر التفاهة كما يقولون وفي الوقت نفسه عصر الثرثرة وعصر المثقف الثرثار، الذي لا يعرف حدود التخصص والخارطة المعرفية التي يسير عليها، اذ هو ينبغي ان ينشغل بمشروع فكري يراكمه ويعيد فحصه وتمحيصه بين فترة وأخرى، وليس ان يظل يسطو على مساحات فكرية بحجة انه مفكر موسوعي مجدد!!.

***

د. جعفر نجم نصر

يُعدّ علم التفسير من فروض الكفايات، وأجلّ العلوم الشرعية الثلاثة: التفسير، والحديث، والفقه، لما له من دور في بيان معاني القرآن الكريم والكشف عن مراد الله تعالى من كلامه. فالتفسير يرفع ما قد يعتري الفهم من لبس، ويعين القارئ على إدراك دلالات الآيات في ضوء اللغة والسياق والبيان النبوي. وقد نقل الحافظ السيوطي عن الإمام الزركشي أنه «علم يُفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج حِكَمه وأحكامه»[1]. وقريب منه قول بعضهم: إنه علم يبحث فيه عن أقوال القرآن المجيد من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، وهذا القيد يبرز أن فهم القرآن يحتاج إلى اجتهاد مبني على العلم والتواضع، مع إدراك حدود الفهم البشري.[2]

ومن هنا تتجلى أهمية الجمع بين التدبر الشخصي للقرآن والرجوع إلى علم التفسير وأقوال العلماء؛ إذ التدبر مطلوب شرعًا، غير أنه يظل في حاجة إلى ميزان العلم الذي يضبط الفهم ويهديه إلى المعنى الصحيح. وانطلاقًا من هذه الأهمية، يتناول هذا المقال أوجه التفسير التي أشار إليها ابن عباس رضي الله عنهما، والتي تكشف عن منهجية راسخة في التعامل مع كتاب الله تعالى، حتى يكون هذا التعامل قائمًا على البصيرة لا على الفهم السطحي أو الرأي المجرد من الدليل. فكيف نُميِّز بين من يُسخِّر القرآن لرأيه، وبين من يجعله مرجعه وحاكمه ؟

الحاجة إلى التفسير

تكمن الحاجة إلى التفسير في طبيعة القرآن الكريم ذاته؛ يقول الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن: "إن القرآن قد نزل بلسان العرب، على ما فيه من تنوع الدلالات، من الصريح والكناية والحقيقة والمجاز، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناس يتفاوتون في الفهم والإدراك، فمنهم من لا يدرك إلا القريب، ومنهم من يغوص على المعنى البعيد."[3]

وإذا كان التفاوت في الفهم سنّةً بشرية لا مفرّ منها، فإن الخطأ في تأويل القرآن لم ينتظر مرور القرون، بل هو واقعة موثَّقة شهدها عصر النبوة في مهده.

. وقد أشار الدكتور يوسف القرضاوي إلى نماذج دالة على ذلك، منها: فهم عدي بن حاتم الطائي للخيط الأبيض والخيط الأسود في آية الصيام على ظاهرهما الحسّي، حتى بيّن له النبي ﷺ أن المراد بياض النهار وسواد الليل. ومنها توقف بعض الصحابة عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، حين ظنوا أن الظلم هنا يعني كل معصية، فأشفقوا من التبعة، إلى أن أرشدهم النبي ﷺ إلى أن المراد الشرك تحديداً، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.[لقمان : 13][4]

وتزداد الحاجة إلى التفسير وضوحاً حين يتأمل المرء في مقصود القرآن من التدبر؛ فالتدبر ليس مجرد القراءة، بل هو كما أوضح الدكتور القرضاوي عملٌ عقلي يترتب عليه أثرٌ قلبي، يتجلى في التأثر والتذكر والاعتبار، وهو ما أشارت إليه الآيات الكريمة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:29].[5] وهذا التدبر المأمور به لا يكتمل إلا بالفهم الصحيح الذي يوفره التفسير، وإلا صار تدبراً في معنى خاطئ، وهو ما نبّه إليه الطبري حين روى عن سعيد بن جبير قوله: "من قرأ القرآن ثم لم يفسّره، كان كالأعمى أو كالأعرابي."[6]

أوجه التفسير ومناهجه

وقد رسم العلماء لهذا العلم منهجاً دقيقاً يقوم على تحديد أوجه التفسير وأنواعه؛ إذ روى الطبري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى."[7] وقد شرح الإمام الزركشي هذه الأوجه الأربعة في البرهان شرحاً وافياً، فبيّن أن الوجه الأول يعني أن القرآن نزل بلسان العرب على معهود كلامهم من الحقيقة والمجاز والصريح والكناية، فالعرب تعرف القرآن من خلال معرفتها بأسلوب كلامها وطرائقه. والوجه الثاني هو ما كان واضحاً بحيث يتبادر إلى الأذهان معرفته دون حاجة إلى كدّ الذهن وإجهاد العقل، وقد يكون المراد به ما كان من أساسيات الدين بحيث لا يُعذر أحد بالجهل به. والوجه الثالث هو ما لا يعرفه إلا أهل العلم مما يحتاج إلى استنباط وتدقيق ومعرفة بعلوم أخرى حتى يُحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص. والوجه الرابع - وهو أعلاها وأدقها - ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، مثل شؤون الغيب كأحوال البرزخ وأمور الآخرة والعالم المستور عنا.[8]

وانطلاقاً من هذه الأوجه، انقسم التفسير عند العلماء إلى نوعين رئيسيين: التفسير بالمأثور أو بالرواية، والتفسير بالرأي أو بالدراية. فأما التفسير بالمأثور فهو - كما أوضحه الدكتور يوسف القرضاوي - التفسير المقتصر على النقل عن الرسول ﷺ، أو عن الصحابة رضي الله عنهم، أو عن تلامذتهم من التابعين، وربما عن الأتباع، أي تلاميذ التابعين. وقد صنّف العلماء المتقدمون في هذا النمط كتباً كثيرة، غير أن أجمعها وأشهرها كتاب الإمام الطبري جامع البيان في تأويل القرآن، الذي جمع التفسير رواية ودراية معاً. وتعتري هذا النوع آفات ينبغي التنبه لها، أبرزها: وجود الضعيف والمنكر والموضوع في المنقول عن الرسول ﷺ وصحابته وتابعيهم، وتضارب الروايات بعضها مع بعض في تفسير الآية الواحدة.

وأما التفسير بالرأي فيُراد به، كما نصّ الدكتور يوسف القرضاوي: الاجتهاد وإعمال العقل والنظر في فهم القرآن الكريم في ضوء المعرفة بلسان العرب، وفي إطار ما ينبغي أن يتوافر للمفسر من أدوات وشروط معرفية وأخلاقية. وقد روى البيهقي في الشعب عن الإمام مالك قوله: "لا أُوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالاً." واشترط بعضهم للمفسر جملة من العلوم، منها علوم اللغة العربية من النحو والصرف والاشتقاق واللغة وعلوم البلاغة، والقراءات، وأصول الدين، وأصول الفقه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبيّنة للقرآن، والفقه، وأخيراً، علم الموهبة. وبعض هذه الشروط قد ينازع فيه. كما اشترطوا سلامة القلب من الكبر والهوى والبدعة وحب الدنيا والإصرار على الذنوب، "فهذه كلها حُجب تحول بين القلب ومعرفة الحق الذي أنزله الله."[9] كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146]

غير أن الرأي في التفسير لا يُقبل على إطلاقه، بل قيّده العلماء بقيود جوهرية؛ إذ إن بعض من تورعوا عن التفسير بالرأي كانوا يخشون أن يكون المراد بالرأي هو الهوى، أي أن يجرّ المفسر القرآن تأييداً لما يهواه ويميل إليه من فكر أو معتقد، فيصبح القرآن تابعاً لا متبوعاً، ومحكوماً لا حاكماً، وفرعاً لا أصلاً. وكذلك يُذمّ من يهجم على تفسير القرآن دون أن يتأهل بما يلزم من أدوات التفسير وشروط المفسّر. وهكذا يتضح أن المنهج الصحيح في التفسير إنما يجمع بين الرواية والدراية، ويوازن بين النقل والعقل، مؤسَّساً على العلم والأمانة والتواضع أمام كلام الله تعالى.

خاتمة

إن علم التفسير ليس ترفاً فكرياً أو إضافةً خارجية على القرآن الكريم، بل هو ضرورة علمية تمليها طبيعة الكتاب العزيز وتنوع أساليبه، وتقتضيها سنّة التفاوت في الأفهام البشرية. وقد جلّى الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه كيف نتعامل مع القرآن العظيم هذه الحقيقة بصورة جامعة، مؤكداً أن التعامل الصحيح مع كتاب الله يستلزم الجمع بين التدبر والتفسير، وبين الوجدان والعلم، وبين الإخلاص في القصد والتثبت في الفهم.

وقد كشفت أوجه التفسير التي رواها الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما — وشرحها الزركشي في البرهان — أن هذا العلم الشريف يتدرج من المعلوم المشترك إلى الغيب المحجوب، مروراً بميدان الاجتهاد الذي يسع العلماء ويُغلق على غيرهم. وبين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي طريقٌ جامعة سلكها الأئمة الكبار كالطبري والزركشي وغيرهم، وهي طريق العلم المؤصَّل المقرون بالتواضع أمام مراد الله تعالى.

ومن ثَمّ فإن على كل من يتصدى لتفسير القرآن أو يعمل بأحكامه أن يُعنى بهذه الأوجه عناية تامة، وأن يُميّز بين ما يقطع به وما يظنه وما يجهله، وأن لا يُجري القرآن وفق هواه بل يُجري هواه وفق القرآن. وتلك هي البصيرة التي يغرسها علم التفسير في قلوب العارفين، والله أعلم بمراده من كلامه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.

 ***

بقلم: جهاد المجدوب

.....................

[1] بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص148. .

[2] يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، دار الشروق ،  ط3، 2000، ص 197

[3] المرجع السابق، ص 199

[4] المرجع السابق، ص 200

[5] المرجع السابق، ص 199

[6] ابن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج1، ص74.

[7] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج1، ص74-75.

[8] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ص155–157.

[9] يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، ص 208.

علي حليتيم: النظرية البدائية قائمة على العنصرية وفرانس فانون مفككها بلا منازع

(فرانز فانون يعود إلى الحياة في ملتقى الشهاب للبحوث والدراسات)

ارتبطت حياة فرانز فانون بفكر الزنوجة أو الزنجية négritude والجذور الإفريقية السوداء الثابتة والراسخة التي كانت تموج بالحركات السياسية التحررية والدعوة إلى الإستقلال، ورأى أن ما يحدث في البلدان المستعمَرة وبخاصة الجزائر اجعله يرتبط بالثورة الجزائرية ، واتخذ من هذا الارتباط بعدا ثقافيا إلى جانب البعد الثوري السياسي، يتمثل ذلك في التمرد على الثقافة الاستعمارية وبخاصة الثقافة الفرنسية التي كان الفرنسيون يفرضونها على الشعوب في مختلف مناطق العالم ة يرون بأن الزنوج يجمعهم عامل واحد وهو الأصل الإفريقي، وهو ما أشار إليه الشاعر المارتنيكي إيميه سيزير، والزنوجة مصطلح تطور وشكل فلسفة كاملة لاكتشاف الذات دون الارتماء في أحضان الماضي أو الانقطاع عن العالم الحديث الذي أصبح يروج أن الزنجية هي دعوة للعنصرية، حيث شغلت الفكرة الرأي العام من خلال القصيدة الملحمية التي كتبها الشاعر إيميه سيزير بعنوان "كراسة العودة إلى أرض الوطن" عام 1939 وهي تجسد صراع الإنسان الأسود من أجل تحقيق حريته، فظهرت حركات التمرد واتخذت شكل ثورات عارمة تمثلت في ثورة الزنوج وخاصة في أمريكا.

و فرانز فانون طبيب نفساني وفيلسوف من مواليد 1925 بفور دو فرانس في جزر المارتنيك التابعة لفرنسا، والواقعة في بحر الكاريبي بأميركا الوسطى، ومع بداية الحرب العالمية الثانية انخرط في "جيش فرنسا الحرة"، فخدم فيه وحارب النازيين، وفي سنة 1953 حُوّل فانون إلى الجزائر، ليشتغل طبيبا عسكريا، فعمل رئيساً لقسم الطبّ النفسي في مستشفى البليدة وفيه بدأ فانون يتعاطف مع الجزائريين، فذكر في كتابه "معذبو الأرض" بعض قصصه في مستشفى البليدة، فقرر الانضمام إلى الثورة الجزائرية وجبهة التحرير الوطني ، وصفه البعض بأنه شخصية متعددة الأبعاد وذات تأثير عميق، مما يجعله محلاً للدراسة والتحليل المستمر، ووصفه البعض بـالشخص الغامض نظرا لتداخل أدوار الطبيب النفسي، الفيلسوف، والمناضل الثوري في شخصه، ما جعل مركز الشهاب للبحوث والدراسات يسلط الضور على هذه الشخصية الثورية في ملتقى تناول فيه أكاديميون ومؤرخون الظاهرة الفانونية ، من خلال إسهامات فرانز فانون في بناء الفكر الوطني الثوري وإشكالية الثقافة في مشروع فانون التحرري وكيف تلقى فرانز فانون الفكر الجزائري،هو الملتقى الذي نظمه مركز الشهاب للبحوث والدراسات تابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين سطيف الجزائر تحت إشراف مدير المركز الدكتور علي حليتيم طبيب مختص في الأمراض العقلية .

 حاول الدكتور علي حليتيم إظهار شخصية فرانز فانون والطرح الفانوني كون فانون رائد دراسة النيوكولونية بلا منازع ولا يزال فكره يدرس حتى الآن في أوروبا والولايات المتحدة وهو مفكك المشروع الاستعماري الأول ومفكك العنصرية بلا منازع، يشخص الدكتور علي حليتيم المدرسة الفرنسية وكيف طورت نظرية سمتها بـ: النظرية البدائية، وهي نظرية قائمة على العنصرية ، وهذه النظرية تقول أن الفرد الجزائري قد توقف تطوره في المخ البيني، ولا يملك الروادع الأخلاقية ولا يملك الوعي، وتأسف الدكتور علي حليتيم لعدم وجود دراسات أو رسائل دكتوراه في الطب النفسي خاصة في المرحلة الاستعمارية لكشف محاولات الغرب في وصف الإنسان الجزائري بالإنسان البدائي وعجزه عن إقامة علاقات اجتماعية، وكيف كان المستعمر الفرنسي يعالج الجزائري المريض بالكهرباء، ويخلص علي حليتيم إلى القول أن أعمال فرانز فانون فيها عمق فكريس لكن بدون تقديس أو اتخاذ موقف، والقول ان فانون خدم الجزائر أكثر من الجزائريين

ويتميز فرانز فانون بخصائص جعلته يختلف عن من عايشوه واحتكوا به ، حيث استطاع التأثير فيهم من خلال ما كان يقدمه من محاضرات وبخاصة علاقته بالأركان العامة ، يقول المؤرخ الجزائري محمد عباس أن علاقة بعض المفكرين الجزائريين بفرانز فانون يقول الدكتور محمد بوعزيز كانت سلبية بحيث لم يتقبلوه بطريقة إيجابية ، ومنهم مصطفى الأشرف الذي انتقده دون شعور منه ، لأن فانون كان يرى أن الثورة الجزائرية كانت عفوية، حتى المفكرين اليساريين كانوا يوجهون له نقدا لاذعا، لأنه كان يركز على فكرة "الزنجية" التي منها انتقل فانون إلى مشروعه لتصفية الاستعمار، في الوقت الذي تأثر بفكره كثير من الشخصيات من أهل الفكر على غرار المفكر الإيراني الإسلامي علي شريعتي الذي ترجم أعماله، لقد فكك الدكتور بوعزيز نصوص فرانس فانون وثنائيته بين الريف والمدينة، وهو بذلك جدير بأن تتحرك كل الأقلام والمنابر الفكرية لقراءة فكره وفي رسالة وجهتها إلى قادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأن تعيد قراءة الظاهرة الفانونية، وتسليط عليها الضوء أكثر من خلال التمعن في فكره، حسب الدكتور مصطفى كيحل فإن فرانز فانون كان محاورا نقديا للفكر الغربي إلا أن المحاضر ربط فكر فرانز فانون بفكر الحداثة العربية والكولونيالية، كونه من بين المؤسسين للفكر الديكولونيالي وهذا المفهوم يعني إلغاء الاستعمار ، حيث تحول إلى تيار قائم بذاته في الفكر الغربي، ففرانز فانون يُعَدُّ ركيزة أساسية في الفكر الديكولونيالي وكان يطالب بنزع الإنسانية عن الاستعمار، وهذا التيار أو المذهب يعتبر منهج تحرري ومسار تفويضي للخطاب المعرفي الحداثي، فالحداثة يضيف هذا الباحث عند فانون هي حداثة كولونيالية، من وجهته نظره هو فإن الخطاب الكولونيالي يحتاج إلى عصيان معرفي، خاصة المفاهيم التي قامت عليها الحداثة، يجيب أكاديميون على أسئلة الحضور أن مشروع فانون لم يكتمل بعد على كل المستويات.

***

علجية عيش

خلال متابعتي للقاء الفكري الذي احتضنته مؤخرا المكتبة الجامعية الرقمية التابعة لـجامعة القاضي عياض، والذي استضاف المفكر والأكاديمي المغربي عبد الله ساعف لمقاربة تحولات الحقل السياسي المغربي، بدا واضحا أن ما يُطرح لا يمكن الاكتفاء بتلقيه في مستوى العرض، بل يفرض نفسه كموضوع للتفكير النقدي. ذلك أن هذا الحقل، بما يحمله من توترات وتحولات، لا يُختزل في توصيف سطحي، بل يستدعي مساءلة عميقة لشروط إمكانه، وحدود اشتغاله، ومآلاته الممكنة.

ومن هذا المنطلق، يبدو ضروريا تسجيل جملة من الملاحظات التي لا تنطلق من موقع الرفض أو التسليم، بل من أفق فلسفي يسائل ما يُقال بقدر ما يكشف ما يُسكت عنه، ويعيد تفكيك البداهات التي تُقدَّم باعتبارها حقائق مكتملة، في حين أنها تظل مفتوحة على احتمالات متعددة من التأويل والنقد.

في قلب المحاضرة، سعى عبد الله ساعف إلى تفكيك مفارقة تبدو، في ظاهرها، دقيقة التحليل، لكنها في عمقها لا تفلت من إعادة إنتاج نفس الإطار التأويلي الذي تدّعي مساءلته.

 كيف يمكن للتغيير أن يتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج الثبات؟

 هذا السؤال، يظل حبيس أفق وصفي يلامس الظاهرة دون أن ينفذ إلى بنيتها الجذرية، إذ يفترض ضمنيًا أن هناك تغييرًا فعليًا يُعاد توجيهه، بينما قد يكون الأجدر أن نتساءل: هل نحن أمام تغيير أصلًا، أم مجرد إعادة تمثيل رمزي للحركة داخل بنية ساكنة؟

إن القول بأن “الجنوب الكبير” لم يكن خارج التحول، بل أعاد إنتاج بنياته عبر استثمار الحداثة من داخل القوى التقليدية، لا يعدو أن يكون إعادة صياغة لأطروحة كلاسيكية حول “تكيّف التقليد”، دون مساءلة حقيقية لما يسميه ميشيل فوكو بـ“ميكروفيزياء السلطة”، حيث لا تكون السلطة شيئًا يُعاد توزيعه بين الصلب واللين، بل شبكة كثيفة من العلاقات التي تُنتج الذوات نفسها. فالمشكلة ليست في أن الحداثة استُخدمت من داخل التقليد، بل في أن هذا التقابل ذاته (حداثة/تقليد) قد فقد صلاحيته التحليلية، لأنه يخفي أكثر مما يكشف.

أما استبدال مفهوم “الانتقال الديمقراطي” بـ“الانتقال السياسي”، بدعوى تفادي الحمولة المعيارية، فيكشف بدوره عن نوع من الحذر المنهجي الذي ينتهي إلى تفريغ المفهوم من قوته النقدية. فكما يذهب يورغن هابرماس، لا يمكن للفعل السياسي أن يتحرر من أفقه المعياري دون أن يفقد معناه التداولي.

 إن التخلي عن “الديمقراطي” لصالح “السياسي” لا يحرر التحليل، بل يجعله منزلقًا نحو توصيف محايد ظاهريًا، لكنه متواطئ ضمنيًا مع القائم، لأنه يعجز عن تسميته بما هو عليه.

وإذا انتقلنا إلى المحاور الخمسة التي انتظمت ضمنها المحاضرة، فإنها، رغم تماسكها الظاهري، تعيد إنتاج منطق خطي يُوهم بالفهم الشامل. ففكرة “إعادة إنتاج النسق منذ السبعينيات” تغفل ما يشير إليه بيير بورديو من أن الاستمرارية ليست مجرد تكرار، بل هي نتاج “عنف رمزي” يُعيد تشكيل الفاعلين أنفسهم بحيث يصبحون شركاء في إعادة إنتاج ما يهيمن عليهم. وهنا، لا يعود السؤال عن لماذا يستمر النسق، بل كيف يُنتج ذواتًا لا ترى خارج شروطه.

أما الحديث عن الديناميات الاجتماعية (البطالة، التحولات الديمغرافية، الأسرة النووية) بوصفها مفاتيح تفسيرية، فيبقى اختزالياً، لأنه يعامل هذه الظواهر كمعطيات خارجية، في حين أنها، كما يؤكد أنتوني غيدنز، جزء من “بنية التشكّل” حيث يتداخل الفعل والبنية في علاقة جدلية، لا يمكن فيها فصل الاجتماعي عن السياسي.

وفي ما يتعلق بمركزية الدولة وتحولها من “سلطة صلبة” إلى “سلطة لينة”، فإن هذا الطرح يظل سجين ثنائية مضللة. فالسلطة، وفق تصور جيل دولوز، لم تعد تُمارس عبر الصلابة أو الليونة، بل عبر “مجتمعات التحكم” حيث يصبح الضبط أكثر سيولة، لكنه أيضًا أكثر تغلغلاً. وبالتالي، فإن الحديث عن الحكامة والتفاوض كبدائل للهيمنة يغفل أن هذه الآليات نفسها قد تكون أشكالًا أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاجها.

أما بخصوص “الدولة التدبيرية” وتراجع الإيديولوجيا لصالح التقنية، فإن استدعاء يورغن هابرماس هنا يبدو انتقائيًا، لأن أطروحته لم تكن احتفاءً بالتقننة، بل نقدًا لـ“استعمار العالم المعيش” من طرف العقل الأداتي. وبالتالي، فإن ما يُقدَّم كتحول نحو النجاعة قد يكون، في العمق، تفريغًا للسياسي من معناه الصراعي، وتحويله إلى مجرد إدارة للضرورات.

كما أن الحديث عن انتقال من نخب حزبية إلى نخب رقمية وشبكية، ومن وساطة مؤسساتية إلى احتجاج مباشر، لا ينبغي أن يُفهم كتحول تحرري، بل ربما كأحد تجليات ما يسميه زيغمونت باومان بـ“الحداثة السائلة”، حيث تتفكك الأطر دون أن تُستبدل بأخرى قادرة على الفعل المنظم، مما يترك الفاعلين في حالة سيولة دائمة تُضعف قدرتهم على التأثير.

في المحصلة، تبدو المحاضرة، رغم عمقها الظاهري، وكأنها تدور داخل نفس المدار الذي تحاول نقده، فهي تُفكك دون أن تُزعزع، وتصف دون أن تُؤسس لقطيعة إبستمولوجية حقيقية. إنها تعيد إنتاج المفارقة ذاتها التي تعلنها، تحديث بلا تحرر، وتغيير بلا تحول. وهو ما يجعل الحقل السياسي المغربي لا يبدو معلقًا بين الممكن والمستحيل فحسب، بل أسيرًا لخطابٍ يصف أزمته أكثر مما يملك الجرأة على تسميتها أو تجاوزها.

***

د. مصطفى غلمان

في كل تجربة قرائية حقيقية، لا يدخل القارئ إلى النص كما يدخل إلى غرفة مضاءة بالكامل، ولا كما يقتحم كهفًا مظلمًا تمامًا؛ بل يجد نفسه في فضاء تتداخل فيه الإضاءة والظلال. هناك مناطق واضحة تُطمئنه، وأخرى غائمة تستفزه. وبين هذا الوضوح النسبي وذلك الغموض المقصود، تتشكل جمالية النص الأدبي، ويتحدد أفقه التأويلي.

الشفافية، في معناها الأولي، هي القدرة على إيصال المعنى دون عوائق لغوية أو تركيبية. إنها كتابة تقترب من القارئ، تفتح له أبوابها، وتدعوه إلى الدخول دون تردد. نلمس هذه الشفافية في السرد الواقعي، وفي النصوص التي تراهن على الحكي المباشر، حيث تتقدم الأحداث بوضوح، وتُرسم الشخصيات بخطوط جلية، ويُبنى العالم الروائي بطريقة لا تُربك التلقي. لكن هذه الشفافية، إذا فُهمت بشكل سطحي، قد تُختزل في البساطة أو التبسيط المخل، وهنا يكمن الخطر. فالشفافية الحقيقية ليست غياب العمق، بل هي القدرة على التعبير عن المعقد بلغة تبدو بسيطة. إنها اقتصاد لغوي، وليست فقرًا دلاليًا.

ولعل أجمل ما في النص الشفاف أنه يمنح القارئ شعورًا بالألفة؛ يشعر أنه يفهم، أنه يمسك بخيوط المعنى، أنه ليس غريبًا عن هذا العالم النصي. وهذا الإحساس ليس أمرًا بسيطًا، بل هو عنصر أساسي في بناء العلاقة بين النص ومتلقيه. غير أن هذه العلاقة قد تتحول إلى علاقة استهلاكية إذا لم يُرافق الوضوحَ عمقٌ داخلي، أي إذا اكتفى النص بأن يكون مفهومًا دون أن يكون مثيرًا للتفكير.

في المقابل، ينبثق الغموض بوصفه طاقة جمالية مختلفة. إنه لا يهدف إلى الإخفاء من أجل الإخفاء، بل إلى توسيع أفق الدلالة. النص الغامض لا يقول كل شيء، بل يلمّح، يُشير، يترك فراغات. وهذه الفراغات ليست نقصًا، بل هي دعوة إلى المشاركة. القارئ هنا لا يكتفي بالتلقي، بل يُصبح شريكًا في إنتاج المعنى. إنه يملأ البياضات، يربط بين الإشارات، ويُعيد بناء النص في ذهنه.

غير أن الغموض ليس واحدًا. يمكن التمييز بين غموض خلاق، وغموض معتم. الغموض الخلاق هو ذلك الذي يفتح النص على تعدد القراءات، ويُغني التجربة الجمالية. هو غموض يُشبه الضباب الخفيف الذي لا يحجب الرؤية، بل يمنحها عمقًا. أما الغموض المعتم، فهو الذي يُغلق النص على ذاته، ويحوّله إلى لغز مغلق لا يُنتج إلا الإحباط. في هذا النوع، يشعر القارئ بأنه مُقصى، عاجز عن الفهم، وكأن النص لا يعنيه. وهنا يتحول الغموض من قيمة جمالية إلى عائق تواصلي.

وإذا تأملنا تاريخ الأدب، وجدنا أن مسألة الشفافية والغموض ليست مجرد اختيار أسلوبي، بل هي تعبير عن تحولات عميقة في الرؤية إلى اللغة والعالم. ففي الكتابات الكلاسيكية، كان الوضوح قيمة مركزية، لأن الهدف كان الإفهام والتأثير المباشر. أما مع تحولات الحداثة، فقد بدأت اللغة تُشكك في قدرتها على تمثيل الواقع، وأصبح الغموض وسيلة للتعبير عن تعقيد التجربة الإنسانية، وعن تشظي المعنى في عالم لم يعد بسيطًا.

إن النص الحديث، في كثير من تجلياته، لم يعد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح فضاءً يُعيد تشكيله. ولذلك، لم يعد مطلوبًا منه أن يكون شفافًا بالمعنى التقليدي، بل أن يكون قادرًا على احتضان التناقض، والتوتر، والتعدد. من هنا، صار الغموض أداة للتعبير عن اللايقين، وعن تلك المناطق التي تعجز اللغة المباشرة عن الإمساك بها.

لكن، رغم هذا التحول، لا يمكن للأدب أن يستغني كليًا عن الشفافية. فحتى أكثر النصوص غموضًا تحتاج إلى حد أدنى من الوضوح كي تظل قابلة للقراءة. إن الأمر يتعلق بتوازن دقيق: أن يمنح النص قارئه ما يكفي من الضوء ليرى، وما يكفي من الظل ليتساءل. وهذا التوازن هو ما يميز النصوص الكبرى، التي لا تُستنفد في قراءة واحدة، بل تظل قابلة لإعادة الاكتشاف.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الشفافية والغموض بوصفهما وظيفتين داخل النص، لا مجرد صفتين ثابتتين. فقد يكون المقطع الواحد شفافًا في بنيته السردية، غامضًا في دلالته الرمزية. وقد تكون اللغة بسيطة، لكن ما تُخفيه من إيحاءات معقد. وهنا يظهر أن المسألة ليست في ظاهر النص، بل في عمقه.

كما أن دور القارئ لا يقل أهمية عن دور الكاتب في تحديد درجة الشفافية أو الغموض. فالقارئ المثقف، الذي يمتلك أدوات تأويلية، قد يجد متعة في النصوص الغامضة، لأنها تُحفزه على التفكير. بينما قد ينفر منها قارئ آخر يبحث عن المعنى المباشر. وبالتالي، فإن الغموض ليس خاصية مطلقة في النص، بل هو نتيجة تفاعل بين النص والقارئ.

ولعل من المفيد أيضًا الإشارة إلى أن السياق الثقافي يلعب دورًا مهمًا في هذه الثنائية. فما يُعتبر غامضًا في ثقافة معينة قد يكون واضحًا في أخرى، والعكس صحيح. فالنصوص التي تعتمد على رموز دينية أو أسطورية أو تاريخية قد تبدو شفافة لمن ينتمي إلى نفس المرجعية، وغامضة لمن يجهلها.

في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن الشفافية والغموض ليسا خيارين متناقضين بقدر ما هما بعدان متكاملان في بناء النص. إنهما مثل نَفَسَيْن: لا يمكن للنص أن يحيا بأحدهما دون الآخر. فالشفافية تُقرب، والغموض يُعمّق. الأولى تُطمئن، والثاني يُقلق. وبين الطمأنينة والقلق، يولد ذلك التوتر الخلاق الذي يجعل الأدب تجربة لا تُختزل في الفهم، بل تمتد إلى الإحساس والتأمل.

وفي النهاية، يبقى النص الأدبي الحقيقي هو ذلك الذي يعرف كيف يُخفي بقدر ما يُظهر، وكيف يقول دون أن يُصرّح بكل شيء. نصّ لا يُسلّم نفسه للقارئ بسهولة، لكنه أيضًا لا يغلق أبوابه في وجهه. نصّ يُشبه الحياة ذاتها: واضحة في ظاهرها، غامضة في أعماقها، وكلما اقتربنا منها، اكتشفنا أننا ما زلنا في بداية الفهم.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

يلفت انتباهي بين حين وآخر، إصرار الناس على جواب واحد لكل سؤال. وهذا - في ظني - من أهم الأسباب التي تجعلنا غير قادرين على الاستفادة من نقاشاتنا، أو التوصل عبرها إلى تفاهمات مفيدة أو قناعات جديدة.

ويبدو أن هذه الفكرة؛ أي أن لكل سؤال جواباً واحداً فقط، راسخة في أذهاننا، حتى إن تأثيرها يظهر خارج إطار النقاش، فترى الكُتّاب والخطباء يطلقون أحكاماً جازمة على المواضيع التي يبحثونها، يعرضونها في «فترينة» الحق الوحيد، الذي لا يمكن أن يوازيه رأي آخر يخالفه في قليل أو كثير. مع أن كل فكرة هي احتمال واحد من بين احتمالات عدة، فالرأي المنشور يمكن أن يكون أحد الاحتمالات، كما أن الآراء المقابلة له احتمالات، في المستوى نفسه، وهي قد تكون واحداً أو اثنين أو عشرة.

في السياسة والصحة والتجارة والتسويق والميكانيكا والفيزياء والأخلاق، بل كل حقل من حقول المعرفة الإنسانية، نتوصل إلى رأي في موضوع، ثم يتوصل غيرنا إلى رأي مختلف، ويأتي بعده رأي ثالث ورابع، وهكذا. ولا يمكن للعالم أن يسير أو يتقدم، لو أصر الناس على رأي وحيد. تخيلْ لو أن معاصري غاليليو، المكتشِف الإيطالي الشهير، نجحوا في كبْت آرائه، استناداً إلى أقوال العلماء الأقدم منه (وهم يومذاك أشهر منه وأرفع مكانة) نظير كوبرنيكوس أو ابن الهيثم أو أرخميدس أو أرسطو، فهل كنا سنعرف ما أنتجه من مبادئ أساسية في الفيزياء الحديثة، مثل القصور الذاتي والسقوط الحر، وحتى مركزية الشمس في الكون، التي حاكمته الكنيسة لأجلها؟

إن أعظم التطورات في مجال المعرفة الإنسانية (بما فيها المعرفة الدينية) هي ثمرة القبول بمبدأ تعدد أوجه الحقيقة. كما أن تاريخ العلم برهان ساطع على بطلان القول بأن الحقيقة ذات وجه واحد.

تبدو هذه الرؤية بديهية عند أكثر الناس، لكنهم مع ذلك لا يأخذون بها حين يصل الأمر إلى مواضع الاشتباك. ألا يستدعي هذا السلوك تساؤلاً عن السر وراء إيمان الإنسان بشيء ثم العمل بخلافه؟

ذلك السلوك يرجع - في ظني - لعوامل عدة، قد تجتمع عند بعض الأشخاص، أو يغلب واحد منها عند آخرين. وأول تلك العوامل هو المسافة بين موضوع الرأي وبين الذات. لو قلت مثلاً إن المسلمين أقل تسامحاً من المسيحيين، فالمتوقع أن الغالبية الساحقة من أطراف النقاش (المسلمين) سترفض هذا القول من حيث المبدأ، ولن تسأل عن مبرراته أو تفصيله. ولو قلت إن التعاطف والتراحم نادر أو منعدم في الغرب، فإن تلك الغالبية نفسها سوف تؤيد، دون سؤال عن التفاصيل. السر وراء هذا الموقف هو الخلط بين الذات والموضوع.

أما العامل الثاني فهو ثقافيّ. تراثنا يقول إن الحق واحد غير متعدد. وهذه، للمناسبة، استعارة من رؤية مشهورة لأرسطو فحواها أن كل سؤال له جواب واحد صحيح، ولا يمكن أن يكون للسؤال الواحد جوابان صحيحان. وهو تفريع عن مبدأ عدم التناقض الشهير في المنطق الأرسطي، وقد تبنّاه معظم علماء المسلمين القدامى، وورثناه منهم.

ويرجع العامل الثالث إلى ما سمّاه الفيلسوف المعاصر توماس كون بـ«البرادايم»؛ أي النسق الثقافي/الاجتماعي الذي يشكل طابعاً عاماً للفكر في زمن محدد أو تيار محدد. وهو وإن كان معنياً بالعلوم الطبيعية بشكل رئيس، إلا إنني وجدت في دراسة قديمة لي، أنه قابل للتطبيق في العلوم الإنسانية أيضاً.

حين تكون ضمن نسق معين، فكل شيء داخله يُعد مسلَّماً به أو شبه بديهي، وكل ما هو خارجه مثير للتساؤل. ولهذا نادراً ما يفكر الناس (نقدياً) في معتقداتهم ومنطلقاتهم وبنية تفكيرهم، التي توجه لغتهم ومواقفهم وقناعاتهم الراسخة، وتؤسس - بالتالي – منظومة المسلَّمات، التي يرجعون إليها حين يفكرون أو يقررون.

***

د. توفيق السيف

 

لطالما اعتقدنا أن الفلسفة تسكن الكتب وأن الغناء يتبخر بمجرد صمت الحنجرة، لكن ماذا لو كان الغناء هو الطريقة الوحيدة التي تفكر بها الروح بصوت عالي؟ حيث أن علاقته بالفلسفة ليس مجرد لقاء بين نص ونغم، بل هي محاولة الإنسان الازلية لترجمة قلق الوجود إلى لحن مسموع، وإذا عدنا في الذاكرة إلى جمهورية أفلاطون التي طرده الشعراء والموسيقيين خوفاً على منطق الدولة وصولاً إلى نيتشة الذي رأى في الموسيقى الخلاص الوحيد من عبثية العالم، ضل الغناء لغزاً فلسفياً محيراً، وهل هو مجرد ترفيه للحواس أم أنه ميتافيزيقا تتجسد في صورة البشر. هنا بالتحديد تصبح الكلمة المغناة أعمق من المفهوم المجرد، ويصبح اللحن هو الجسر الذي يسير فوقه العقل البشري ليصل إلى الحقيقة التي عجزة اللغة عن نطقها. هناك منطقة سرية في الوعي البشري تلتقي فيها الحكمة بالنغم عن طريق رصانة الفكر وجموح الطرب. البحث عن العلاقة بين الغناء والفلسفة يقودنا إلى مسارات فكرية عميقة حيث أن هذه العلاقة ليست سطحية بل هي متجذرة في جوهر كليهما كتعبير عن الطبيعة البشرية والسعي لفهم العالم، وعلى المستوى الوجودي الغناء والفلسفة كلاهما يحاولان الإجابة عن أسالة الوجود. من نحن؟ ما هو مكاننا في هذا العالم؟ هنا التحديد تستخدم الفلسفة المنطق والتحليل، بينما يستخدم الغناء النغم والعاطفة لتجسيد هذه الأسئلة والشعور بالوجود نفسة، والصوت البشري هو أحد أقدم مظاهر الوجود الإنساني وأكثرها فكرة تصل إلى عقل ووجدان المتلقي. من منظور فلسفي يمكن النظر إلى الغناء كحضور مادي لفكرة معينه تطرح بشكل فلسفي في هذا العالم وينظر إلى الغناء فلسفياً كحالة فيض روحي يتحرر فيها الصوت من ماديته ليصبح تجربة حيه تعيد تشكيل الذات والعالم، وارتبط الغناء بالفلسفة منذ الاغريق حيث أعتبرها ارسطو علماً يؤثر على النفس والمجتمع، وشوبنهاور رآها سبيلاً للخلاص من الإرادة، بينما يرى اسبينوزا الغناء أحساس يعزز التفكير التأملي، و يؤكد الفلاسفة أن الغناء يهيب بالعواطف لتكوين شخصية أخلاقية محولاً المتعة الحسية إلى قوة روحية تعالج النفس وتعد العقل للفلسفة، وعند العرب مثل أبو حيان التوحيدي هو مغطاة للعقل ومعاينة للروح، بينما يرى الرازي فيه سحراً نفسياً يقي من الأزمات . من جانب جمالي يعتبر الغناء أحد أهم مواضيع فلسفة الفن والجمال من خلال التوفيق بين الشكل والمضمون على حدٍ سواء ما بين الغناء والفلسفة، والاغنية الجديدة كالفكرة الفلسفية الجديدة التي تتسم بالتماسك والتناغم الداخلي. من جانب أخلاقي أستخدم الغناء عبر التاريخ كوسيلة لنقل الرسائل الأخلاقية تماماً مثلما تنظر الفلسفة الأخلاقية في القيم وتنظيم المجتمع، وإن بعض الأغاني تعتبر فلسفة ملحنة تنبع من الهوية الاجتماعية عن طريق مساهمة الغناء في صنع الهوية والذاكرة للمجتمع، والفلسفة تتمثل في سعي العقل البشري للمعرفة المنظمة، بينما يمثل الغناء معرفة من نوع أخر تتمثل بالمعرفة القلبية او العاطفية أو البديهية، وبعض الفلاسفة مثل شوبنهاور ونيتشه يؤكدون على أهمية الفن كطريقة للمعرفة لا تقل أهمية عن العقل، ونظر ارسطو إلى التراجيديا المسرحية المصحوبة بالموسيقى والغناء تؤدي غالباً إلى التطهير من المشاعر الحزينة عن طريق أثارة الروح الحماسية في نفس المتلقي، والغناء هو كالصلاة أو الاتصال بالمطلق في العديد من التقاليد الفلسفية والدينية كالأفلاطونية المحدثة أو التصوف الإسلامي والمسيحي، ويستخدم الغناء كوسيلة لرتقاء الروح والاتصال بالوجود المطلق أو الإلهي، هنا بالتحديد يصبح الصوت جسراً بين العالم المادي والعالم الروحي، وفيثاغورس قديماً ربط بين الموسيقى والتناغم الرياضي للكون حيث أن النغمات والإيقاعات كانت أنعكاساً للنظام الفلسفي والأخلاق للكون. في الختام علاقة الغناء بالفلسفة هي علاقة تكاملية بين العقل والقلب، وبين المنطق والعاطفة، وكلاهما يبحث عن الحقيقة والتعبير عنها مع اختلاف الأدوات، والغناء ممكن أن يكون فلسفة محسوسة، والفلسفة ممكن أن تكون أغنية عقل مجرد، وكلاهما يمثلان سعياً إنسانياً خالصاً لفهم الوجود وإعطائه المعنى الذي يناسبه.

***

قائد عباس حمودي

 

لم يسبق للإنسان أن امتلك هذا القدر من الحرية التقنية التي تتيح له إنجاز ما كان يتطلب شهوراً من العمل في وقت قصير قد لا يتجاوز ساعات محدودة، ومع ذلك يتشكل مشهد معاصر يبدو فيه الإنسان أكثر انشغالاً وضيقاً في الوقت وأقل قدرة على التركيز والبناء طويل المدى، فتظهر مفارقة عميقة تكشف عن فجوة بين ما توفره الأدوات وما يعيشه الوعي فعلياً في يومه العادي.

الهواتف أصبحت جزءاً ملازماً للحضور اليومي، ترافق اليد والنظر والانتباه في معظم اللحظات، ومع هذا التدفق الهائل للمعرفة الذي لم يكن متاحاً في أي زمن سابق، تتراجع القدرة على العمل العميق ويتقلص مجال الانتباه تدريجياً، ويتحول التشتت إلى حالة ممتدة تتجاوز العمل لتصل إلى العلاقات نفسها، حيث يصبح الحضور الجسدي منفصلاً عن الحضور الذهني في كثير من التفاعلات.

يمكن ملاحظة ذلك بسهولة في مواقف يومية بسيطة، حيث يدور حوار بين شخصين بينما ينشغل أحدهما بشاشة هاتفه، يرفع نظره بين الحين والآخر في محاولة شكلية للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل، بينما يبقى انتباهه موزعاً ومشدوداً نحو ما يحدث داخل الشاشة، فتظهر نظرة غير مستقرة تعكس غياب الارتباط الحقيقي باللحظة، ويصبح الحوار أقرب إلى إجراء اجتماعي منه إلى تجربة إنسانية مكتملة.

هذا المشهد لا يرتبط بضعف الإرادة الفردية بقدر ما يعكس تحولاً أعمق في طريقة عمل الانتباه نفسه، حيث لم يعد الانتباه مورداً يُدار بشكل تلقائي كما في السابق، بل أصبح ساحة تنافس مستمر بين قوى متعددة تعمل على اجتذابه وتفتيته، مما يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان ووقته، وبين ما يختار أن يمنحه حضوره وما يُسحب منه دون وعي مباشر.

تتجسد هذه الفكرة بصورة بصرية معبرة لرجل يقف خلف قضبان، يمد يده نحو هاتف ملقى على الأرض بينما يستقر مفتاح زنزانته بالقرب منه دون أن يلتفت إليه، في مشهد بسيط يحمل دلالة عميقة على حالة ذهنية معاصرة حيث يتقدم الإشباع الفوري على إمكانيات التحرر بعيدة المدى، ويصبح الانجذاب نحو ما يمنح لذة سريعة أقوى من الانتباه لما يفتح أفقاً أوسع للحياة.2666 nabil

التحول الذي نعيشه يتجاوز الأدوات إلى البنية المعرفية نفسها، ففي عصور سابقة كانت أشكال السيطرة واضحة ومباشرة وتقوم على المنع والتقييد الصريح، أما في السياق الحالي فتظهر آليات أكثر نعومة وتعقيداً، حيث يظل الباب مفتوحاً أمام القراءة والتفكير والعمل العميق، بينما يتبدد الوقت تدريجياً داخل مسارات صغيرة متفرقة تستنزف القدرة على التركيز دون أن يشعر الفرد بأنه فقد سيطرته.

في هذا الإطار يظهر ما يعرف باقتصاد الانتباه بوصفه أحد أهم النماذج التي تفسر ما يحدث، حيث تتحول كل لحظة يقضيها الإنسان داخل المنصات الرقمية إلى قيمة قابلة للقياس والاستثمار، ويتم تحليل السلوك وتوجيهه بشكل مستمر بهدف إبقاء الانتباه داخل دائرة التفاعل، ومع هذا التراكم يصبح الاستخدام اليومي جزءاً من نظام أوسع يعمل على إعادة تشكيل العادات الذهنية وأنماط التركيز.

لا يدفع المستخدم مقابلاً مادياً مباشراً لهذه الخدمات، إلا أن المقابل الفعلي يتمثل في استهلاك مورد أكثر قيمة من المال نفسه، وهو الانتباه بما يحمله من قدرة على الفهم والبناء والتجربة، حيث يتم توزيعه على مساحات متعددة بشكل متقطع، فيفقد عمقه تدريجياً وتضعف قدرته على إنتاج معنى متماسك داخل الحياة اليومية.

في هذا السياق يتشكل التشتت بوصفه نتيجة طبيعية لبنية متكاملة تعمل في الخلفية، وليس كحالة فردية يمكن تفسيرها بضعف الإرادة أو خلل شخصي عابر، إذ إن الدماغ البشري مهيأ منذ نشأته الأولى للبحث عن المكافآت السريعة بوصفها وسيلة فعالة للبقاء في بيئات كانت الموارد فيها محدودة وتتطلب استجابة فورية للفرص، ومع انتقال الإنسان إلى بيئة حديثة فائقة المحفزات ومشبعة بالمثيرات الرقمية، يتحول هذا التكيف القديم إلى نقطة ضغط مستمرة تستنزف الانتباه بدلاً من أن تحميه.

الإشباع الفوري يعمل عبر دوائر عصبية ترتبط بمادة الدوبامين، حيث تتغذى هذه الدوائر على الإشعارات المفاجئة والمقاطع القصيرة والجدل السريع الذي يتدفق بلا توقف، فتُضخ جرعات صغيرة ومتكررة من التحفيز يسهل الوصول إليها دون حاجة إلى جهد ذهني عميق أو صبر طويل، ومع هذا التكرار يصبح العقل مبرمجاً على استقبال المتعة في شكلها السريع والمجزأ، مما يعيد تشكيل استجابته لما هو أبطأ أو أكثر تعقيداً.

على المدى القريب يبدو هذا النمط خفيف الأثر، وكأنه مجرد فترات استراحة قصيرة تمنح قدراً من الترفيه أو التخفف الذهني، إلا أن الامتداد الزمني يكشف عن تحول أعمق يتسلل إلى بنية الإدراك نفسها، حيث يعتاد العقل على الإيقاع السريع والتغير المستمر والتنقل اللحظي بين الأفكار دون استقرار، ومع هذا الاعتياد تبدأ القدرة على التركيز الطويل في التراجع التدريجي، ويصبح البقاء داخل مهمة واحدة لفترة ممتدة أمراً مرهقاً يتطلب جهداً غير معتاد.

تظهر الخطورة بشكل أوضح في الحالات التي لا تحمل ملامح الإدمان التقليدي، حيث قد يقضي الفرد وقتاً محدوداً نسبياً على المنصات الرقمية ويحتفظ بانطباع داخلي بأنه يدير وقته بشكل مقبول، إلا أنه يواجه صعوبة حقيقية عند محاولة الدخول في عمل يتطلب ساعتين من الانتباه المتواصل والهدوء الذهني، وهنا يتضح أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد الساعات بقدر ما تتعلق بطبيعة الانتباه نفسه الذي تعرض لإعادة تشكيل غير مرئية.

هذا التحول البنيوي يمنح العقل مساحة واسعة لتبرير الحالة، حيث يتمسك الفرد بفكرة أنه ما زال ضمن حدود زمنية معقولة، ويستخدم ذلك كدليل على السيطرة، بينما في العمق يكون نمط الانتباه قد تغير بشكل جوهري، وتكون القدرة على الإنجاز العميق قد تآكلت تدريجياً دون ملاحظة مباشرة، فيتحول الوقت المتاح إلى مساحة غير مستثمرة بالكامل لأن الأداة التي تمنحه قيمته الفعلية، وهي الانتباه المركز، لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها.

***

الكاتب نبيل عيدو

......................

* الرسم مولد بالذكاء الصناعي

 

قراءة نفسية في قراراتهم

لم تعد القيادة الحديثة مجرد إدارة مهام أو توزيع أدوار بين أعضاء الفرق العاملة، بل أصبحت عملية ذهنية ونفسية عميقة تتعلق بفهم الإنسان قبل النظام، وإرساء القيم الأخلاقية قبل محاسبة المقصرين والمخطئين، وقراءة السلوك قبل الأرقام وتحقيق الأهداف البيعية والخدماتية، واستيعاب الديناميات الخفية داخل الفرق قبل صنع واتخاذ القرارات الملائمة. القائد الحقيقي لا يقود العمل فقط، بل يقود البشر والحالة النفسية التي ينتج عنها تفاعلات وديناميكية العمل. ومن هنا تبدأ القيادة كذوق وفن وعلم لفهم العقول، وإدارة المشاعر بإيجابية، وبناء بيئة منسجمة ومحفزة قادرة على الاستمرار.

إن القائد الناضج الذي يتسم بالوعي والإدراك النشط يرى الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون عليه. هذه القدرة العقلية والنفسية على مواجهة الحقائق دون إنكار تمنح القائد وضوحاً وشفافية في الرؤية وواقعية في القرار. عندما ينخفض الأداء، لا يفسره القائد الناضج كحالة مؤقتة، بل يتعامل معه كإشارة تحتاج إلى دراسة وتحليل. هذا النمط من التفكير يمنع تضخم المشكلات وتفاقمها، ويحول القيادة من محاسبة مستغلة لسلطتها إلى عملية تشخيص واع مستمر للواقع واتخاذ القرارات المناسبة لعلاجه وتحقيق النماء والتطور في العمل.

كما أن القائد الواعي يفصل بين الشخص والمشكلة. فالنقد الموجه للسلوك يحافظ على كرامة الفرد ويدعم وجوده، بينما الهجوم الشخصي يخلق دفاعية نفسية تجعل الآخر يدافع عن نفسه باستماتة ولا يتقبل النقد واللوم الجارح والهدام، مما يعطل العلاقات ويزيد من الحواجز والعقد العلائقية ويضعف النمو والتعلم. عندما يقول القائد "التقرير يحتاج تحسيناً" بدل "أنت غير دقيق"، فإنه يخلق مساحة آمنة للنمو. هذه المساحة النفسية هي أساس الإبداع والتطوير داخل الفرق.

لا يمكن للقائد إدارة فريقه ما لم يدر ذاته وقلقه الداخلي أولاً، فالمشاعر داخل المؤسسات تنتقل كعدوى؛ فالقائد القلق ينشئ فريقاً مضطرباً ومتوتراً، بينما يصنع القائد الهادئ بيئة مستقرة. وفي الأزمات، يتطلع الفريق إلى قائده كمصدر أول للطمأنينة، مما يجعل التنظيم الانفعالي مهارة قيادية جوهرية وليس مجرد سمة شخصية.

يفسر القائد البصير السلوك بدوافعه لا بأحداثه؛ فعندما يواجه تأخراً، لا يراه كسلاً أو تمرداً، بل يتساءل عن الأسباب الكامنة وراءه. هذه القدرة على البحث عن الجوهر تمنع إصدار الأحكام المتسرعة، وتتيح فهماً إنسانياً أعمق لأفراد فريقه، مدركاً أن وراء السلوك الظاهر غالباً ما تكمن ضغوط نفسية، أو مشكلات شخصية، أو غموض في الأدوار، أو تراجع في الدافعية.

وفي السياق ذاته، يرى القائد الصراع فرصة للفهم والتحليل لا تهديداً؛ فالاختلاف في الرؤى، إن أُدير بحكمة، يعزز التواصل ويحفز الإبداع ويقود إلى قرارات صائبة. القائد الذي يتجنب الصراع يفقد فرصة الحوار البناء والتعلم الجماعي، بينما من يديره يحوّل الاختلاف إلى طاقة إيجابية للتطوير. أخيراً، يفكر القائد المتمرس بمنطق النظم لا الأفراد فحسب؛ فهو يدرك أن الأخطاء المتكررة تنبع غالباً من خلل في الإجراءات. إن تركيز القائد على تحسين بيئة العمل بدلاً من لوم الأشخاص يقلل الضغوط، ويعزز الانضباط والاستقرار، وهو ما يمثل نقلة نوعية في الفكر القيادي والرؤية الثاقبة.

كما يراقب القائد الذكي الطاقة النفسية للفريق؛ فالأداء لا ينخفض فجأة، بل يسبقه انخفاض في الانضباط والقيم المهنية والحماس والدافعية. قراءة هذه الإشارات المبكرة تمكن القائد من التدخل قبل حدوث التراجع والضعف والانهيار، وهنا تصبح الاجتماعات القصيرة الفعالة لقياس "نبض الفريق" أداة قيادية مهمة. القائد الواعي يفهم أن مقاومة التغيير ليست رفضاً، بل خوف من الجديد والمجهول دون توضيح وتبصير وتطوير وتدريب؛ لذلك يطمئن قبل أن يفرض، ويوضح قبل أن يطبق، ويعلم قبل أن يمضي قدماً في المهمات.

عندما يشرح القائد معنى التغيير وفوائده ونتائجه الإيجابية والمذهلة، يتحول القلق إلى رغبة وتحفيز بالمشاركة والتفاعل، أما فرض التغيير دون فهم فيخلق مقاومة صامتة تعطل التنفيذ. ويربط القائد الناضج العمل بالمعنى وليس بالمهمة فقط؛ فعندما يعرف الموظف لماذا يعمل، يزداد التزامه. المعنى يحفز أكثر من الأوامر، والرؤية تحرك أكثر من التعليمات؛ فالقائد الذي يوضح الأثر الإنساني للعمل يخلق دافعية داخلية مستدامة.

كما يدير القائد التوقعات النفسية بوعي؛ فالإحباط غالباً ينتج من فجوة بين التوقعات والواقع. القائد الذي يعد بنتائج غير واقعية يخلق خيبة أمل لاحقة، بينما القائد الواقعي يبني ثقة طويلة المدى، ويشعل رغبة الموظفين، ويفعل قدراتهم بشكل مبدع وخلاق. ويخلق القائد بيئة أمان نفسي، حيث يستطيع الأفراد التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم دون خوف؛ فالأمان النفسي هو الأرضية التي ينمو عليها الإبداع. وعندما يشعر الفريق بأن الخطأ مسموح كجزء من التعلم، يتحول العمل إلى مساحة تجربة وتطوير. والقائد العميق يرى الأداء انعكاساً للحالة النفسية؛ فانخفاض الأداء قد يكون نتيجة ضغط شخصي أو إرهاق أو فقدان معنى، لذلك يبحث القائد عن ما وراء الأرقام، ويقرأ الإنسان قبل المؤشر.

كما يفهم أن التحفيز الداخلي أقوى من الخارجي. المال قد يحرك السلوك مؤقتاً، لكن التقدير والمعنى يحركان الالتزام. القائد الذي يقدر الجهد علناً يبني دافعية طويلة الأمد، ويقرأ القائد ما بين الكلمات؛ فالموافقة الصامتة قد تعني رفضاً داخلياً، والصمت قد يعني خوفاً من البوح بما يسكن داخل الموظف، فالقائد الذي ينتبه للإشارات غير المباشرة يفهم الفريق بعمق أكبر. ويدرك القائد الحكيم أن الإرهاق يؤدي إلى قرارات سيئة، لذلك يدير الطاقة قبل الوقت؛ فالعمل الذهني المعقد يحتاج إلى ذهن مرتاح ونفسية هادئة، وليس إلى ساعات طويلة فقط. ويرى الأخطاء كنافذة تعلم، وتحليل الخطأ دون لوم يحوله إلى معرفة، أما الخوف من الخطأ فيغلق باب التطوير والنمو. كما يفهم أن العدالة أهم من المكافأة، والشعور بالإنصاف يولد الانتماء والولاء، بينما الشعور بالظلم يقتل الدافعية حتى مع وجود حوافز مادية أو معنوية.

ويوازن القائد بين السيطرة والتمكين؛ فالإفراط في السيطرة يقتل المبادرة ويشل حركة الأفراد وطاقاتهم الكامنة، بينما التفويض الواعي يبني الثقة ويشجع الموظفين على المشاركة الفعالة. ويفهم أن الصمت رسالة، فعندما لا يتحدث الفريق قد يكون السبب خوفاً وليس رضا، وهو ما يتطلب فتح مساحات للحوار لمعرفة أسباب السكوت السلبي وضعف الرغبة في إبداء الآراء والأفكار.

ويرى القائد نفسه نظاماً مؤثراً لا شخصاً فقط، فهو يبني ثقافة تستمر حتى في غيابه، والقيادة هنا تتحول من حضور فرد إلى منظومة عمل. ويدرك أن الدافعية تتآكل تدريجياً، لذلك يراقب الحماس قبل انخفاض الأداء، كما يقرأ المنظمة كجهاز نفسي حي له مزاج عام يتأثر بالضغوط، وأن كل قرار قيادي يحمل أثراً عاطفياً، والقائد الواعي يحسب هذا الأثر قبل التنفيذ. كما يفهم أن التغيير يبدأ من الداخل قبل الأنظمة، ويتطلب أن يجمع بين العقل التحليلي والعاطفي، فلا يعتمد على الأرقام فقط ولا على الحدس فقط، فهذا التوازن ينتج قرارات إنسانية وعملية في آن واحد، ويعرف أن الثقة تبنى ببطء وتهدم بسرعة، لذلك يحافظ على الاتساق بين قوله وفعله، كما يميز بين الأداء الظاهر والاحتراق النفسي والوظيفي.

***

د. أكرم عثمان

22-4-2026

الحرارة التي في قلوب المحبين، نواتها المحبة، وهي تشمل الأنبياء والمعصومين وأولياء الله العارفين، وفي ذكراه الـ٢٨ نستذكر السيد محمد الصدر بحرارة محبة القلوب، ونذكر بعضًا من جانبه الفكري الذي سيخلد معه في عالمه الأخير، ويمكن القول إنه:

١- تبنى منهج تقويض الطائفية:

فقد اعتمد على عدم استفزاز الآخر، بالرغم من استفزازه للسلطة الطاغية، ودعا إلى نوع من (المواطنة المظلومة والتي منها السنة والشيعة والمسيح والأقليات) في مقابل المواطنة الظالمة، والتي تمثل السلطة الطاغية.

٢- أعاد إنتاج معاني الطقوس والشعائر الدينية:

(طقوس محرم والمسير للحسين، وزيارة المهدي)، وما زالت هذه المعاني تقود مجتمع العراق المعاصر.

بالإضافة إلى تثبيته لمفاهيم المقاومة الشعبية الغاندية مثل (الشعارات، الأهازيج، المسيرات) والتي جعلت الشارع العراقي بما يشبه المسرح الحيوي للمقاومة المدنية.

٣- أعاد إنتاج المعنى السياسي:

فهو العقل الذي خطط وصمم ونفذ لتغيير خارطة العراق السياسية، فقوض سلطة البعث، وقلم أظافر الطاغية بمنهج ديني واجتماعي وإعلامي مبسط، وأنتج آلية تصنيع الحشود وإدارتها لإحراج الهيكل السياسي العراقي الظالم.

كما أنه خرج من مشروع الإصلاح المحلي إلى آلية الإصلاح العالمي بطرح فرضية الموعود المستقبلي، بالإضافة إلى نقد الدول التي تستعبد الدول الضعيفة وتسميتها بالثالوث المشؤوم.

وفي تفكيري فإن الصدر دفع عنا شبح الجوع بظهوره كرقم معارض تراخت عنه السلطة الظالمة، لتهدد به الدول التي تحاصر العراق.

٤- إنتاج المعنى الاجتماعي والنفسي:

فقد قاد تغيرًا اجتماعيًا دينيًا ونفسيًا، ليؤسس إلى الفقيه الشعبي، وليس فقيه النخبة، ذلك الذي أعاد بناء الإنسان العراقي الجديد وفق تحييده عن مرضين قاتلين:

الأول: منظومة البعث التي أعدها الطاغية بوصفها محرقة لإدخال كل فئات المجتمع في مشروع صنع الإنسان العراقي الجديد، فأفشله مشروع الصدر بتأسيس إلغاء الخوف من أهل العراق، وإعادة تأهيل النفسية والقابلية العراقية، وتجديد الإحساس بالقيمة الإنسانية والمواطنة المبنية على مزاولة الإنسان لحريته ورفض الظلم.

أما المرض الآخر: فهو كشف زيف المبغضين والمخدوعين والمتزمتين من الشيعة المعادين للشهيد الصدر، والذين (ابتلوا بأحد أكبر الابتلاءات التاريخية، فوقفوا بصفين: إما المحايد أو المبغض للطاهر الصدر)، وكلاهما (قشمره) كل من التاريخ وسوء سريرته أو توفيقه، واستغفر بعضهم، وبقي الآخر في التيه وما زال.

٥- إنتاج المعنى العلمي:

فقد برزت منظومة ما بعد الحداثة الفقهية وفلسفة التاريخ الاجتماعي، وهي صورة مقلوبة لفلسفة ابن خلدون (وهذا أمر مهم جدًا) الذي بدأ بالاجتماع ليؤسس للتاريخ، في حين بدأ الصدر بعلم المستقبل ليؤسس للتاريخ وللاجتماع معًا.

٦- أيضًا أسس للأخلاق التطبيقية:

وسيما الجانب البواتيقي (فقه المسائل الحديثة)، وهو رائد مفهوم المستقبل المعاصر في العراق بالحديث عن المستقبل البعيد المدى (في موسوعته).

٧- أسس لمعنى ما بعد الحداثة الفقهية:

(ما وراء الفقه).

٨- أسس لنقد العلم المعاصر وطرح اليوتوبيا الدينية:

(يوتوبيا الصدر) التي لا تشبه اليوتوبيا المثالية الأفلاطونية أو الأوغسطينية الأخروية أو يوتوبيا ماركس أو سواهم.

٩- أسس لمعنى الراديكالية الشيعية:

فحاول تصحيح الكثير من المفاهيم وطرح منهجية الحوزة الناطقة، وتجريب مقدرات الدين في إصلاح المجتمع.

١٠- إنتاج معنى الاقتصاد المقاوم:

رغم أنه لم يؤلف في الاقتصاد، إلا أنه أسس لنوع من الاقتصاد المقاوم والذي كان محوره أن يكون سببًا سياسيًا مدافعًا عن حقوق كل الشعب العراقي، فلا يهمل الطاغية ولا الأمم المتحدة والغرب المستعمر هذا الشعب.

١١- إعادة إنتاج مفهوم “الغيبة” للإمام المهدي:

لم ينتظر الصدر الظهور، بل أسس لواقع الظهور، ورسم سيناريوهاته، وما زال العالم اليوم (الصديق والعدو) يركض لمتابعة تفاصيل ذلك الظهور والاستعداد له.

١٢- إنتاج “النموذج الصدري” في التأثير المستقبلي:

فهو خلافًا للثورات المسلحة أو الأحزاب السرية، ابتكر نموذجًا ثالثًا وهي (الثورة بالكلمة والمنبر والمواكب والفتوى والمسير وكاريزما الصوت)، وهو نموذج لم تستطع المنظومات المعاصرة من البراغماتية والماركسية والعلمانية، بل والإسلامية المعاصرة، أن تجاريه.

وما زال هذا النموذج يسير بشكل ثابت ولم يتغير، وفق متغيرات سياسية ودينية واجتماعية ونفسية.

١٣- إنتاج معنى “الشهادة كمنهج حياة”:

لم يقدّس الموت، بل قدّس “العيش الكريم الذي يستحق الاستشهاد من أجله”، وحوّل الشهادة من نهاية مأساوية إلى بداية حضور سياسي لا ينتهي.

ولا تكفي هذه السطور ولن تكفي، وما زلنا نجد من أضاع بوصلته وضميره ويصر على الاعتقاد بأنه كان اختراقًا للتشيع (وسيَعرفون حقيقة هذا الغل في عالم لا اعتذار ولا أعذار فيه، ولا صدقة ولا رجعة منه لتصحيح الأخطاء).

***

ا. د. رحيم محمد الساعدي

(بين الكِتابيَّة والشِّعريَّة والنَّشر)

في ضوء بعض المساقات السالفة ساءلتُ (ذا القُروح) عن المعرفة بين الشفاهيَّة والكتابيَّة، وهل الكتابة جاءت ضرورة حضاريَّة؟

- نعم هي ضرورة، على المستوى الفردي والحضاري. منذ الإنجاز الفينيقيِّ في اصطناع الأبجديَّة قبل الميلاد بنحو عشرة قرون- وكانت في البداية للأغراض التجاريَّة- قفزتْ المعرفة قفزاتٍ هائلةً نحو النشر المعرفي زمانًا ومكانًا.  وهو ما لم يكن في مقدور المحاولات الكتابيَّة السالفة، من مقطعيَّة في (العراق) أو تصويرية في (مِصْر)، أن تحقِّقه.(1)

- معنى هذا أنَّ ثمَّة ارتباطًا بين تاريخ الكتابة والتطوُّر الفكري للإنسان؟

- قطعًا... الكتابة أسهمت على نحوٍ جذريٍّ في تشكيل الفكر الإنساني والحضارة الإنسانيَّة. ولنا أن نتصوَّر لو بقيت التجربة الإنسانيَّة تجربة شفاهيَّة؟  إذن، لبقي الإنسان رعويًّا، ولظلَّ محدودًا في بيئته المحليَّة، مكانًا وزمانًا. الكتابة أتاحت للإنسان، لا أن يُطوِّر في آليَّات التفكير والتحليل الفكري والنظري فحسب، ولكن أيضًا أن يُسهِم في الحركة الفكريَّة والحضاريَّة تاريخيًّا وعالميَّا. حتى التاريخ جاء مرتبطًا بالكتابة. فمفهوم ما قبل التاريخ يعني ما قبل الكتابة؛ فقبل أن يكتب الإنسان كان تاريخه مجهولًا.

- ماذا عن التراث العربي بين الشفاهيَّة والكتابيَّة، كيف نصفه؟

- العَرَبيَّة لُغة صوتيَّة بطبيعتها. ثمَّ أصبح تاريخها رهين ارتباطها الأبدي بكتابٍ كريمٍ، للتقنية الصوتيَّة فيه آياتها المتَّجهة إلى عبقريَّة التقنية الصوتيَّة في اللِّسان العَرَبي. لتظلَّ العَرَبيَّة لُغةً موسيقيَّةً شفاهيَّة، وإنْ كُتِبت. فإذا خرجتْ- فَرَضًا - عن صوتيَّتها، امَّسختْ، ولم تعد تبدو من العَرَب والعَرَبيَّة في شيء. وكتاب «النَّظْم الشَّفوي في الشِّعر الجاهلي»، للألماني (جيمس مونرو)، يكشف الحقبة الشفاهيَّة من العَرَبيَّة.  لكن هل انتهت الشفاهيَّة في العَرَبيَّة باستعمال الكتابة؟ الإجابة: كلَّا.

- ومن هنا، هل كان لتطوُّر الكتابة في العصر العباسي أثر في تراجع الشِّعر لصالح النثر، مثلًا؟

- بل العكس. لم يكن لتطوُّر الكتابة في العصر العباسي أثرٌ سلبيٌّ على الشِّعر، ويكفي أنْ نعلم أنَّ العصر العباسيَّ كان ذروة التطوُّر والازدهار في الشِّعر العَرَبي، غزارةً ونوعيَّة. حتى إنَّ الكُتَّاب العباسيِّين كان منهم الشُّعراء، مثل (ابن العميد)، و(الصاحب بن عبَّاد)، و(كشاجم)، و(أبي الفتح البستي)، و(إبراهيم الصابئ).  وشكَّل شِعر الكُتَّاب في العصر العباسي ظاهرةً لافتة، إذ أصبح الشاعر يخرج من عباءته الشَّفويَّة التقليديَّة إلى الشِّعر الكِتابي في ذلك العصر. ذلك أنَّ الشفاهيَّة والشِّعريَّة مكونان عضويَّان في الثقافة العَرَبيَّة، حتى حينما تحوَّل المبدع العَرَبي من الشفاهيَّة إلى الكتابيَّة ظلَّ يكتب بذهنيَّة شفاهيَّة. ولذا قلتُ إنَّ الشفاهيَّة في العَرَبيَّة لم تنتهِ باستعمال الكتابة. وأنت ستَجِد ذلك في كُتب التراث، ك-«البيان والتبيين»، و«العقد الفريد»، و«الأغاني»، وغيرها؛ حيث يعبِّر المؤلِّف الكاتب بطريقة الراوية، معتمدًا على السَّنَد، وعلى عبارات أخبرَنا وحدَّثَنا. ويظهر ذلك كذلك في (المقامات)، التي كانت نصوصًا قصصيَّة كتابيَّة، إلَّا أنَّها ظلَّت تنسج على منوال الرواية الشفويَّة. هذا، إذن، ما يتعلَّق بعلاقة الشَّفوي بالكتابي. وكذلك الشِّعر بقي مكوِّنًا أساسًا في الثقافة العَرَبيَّة، حتى لدَى الكُتَّاب في نثرهم. ولذلك فالقول الصحيح: إنَّ الكتابة طوَّرت الشِّعر العَرَبيَّ منذ العصر العباسي. ونستطيع القول: إنِّ الشِّعر كذلك أسهم في تطوير الكتابة شِعريًّا، بمعنى الشِّعريَّة الأسلوبيَّة. إنَّ الشفاهيَّة والشِّعريَّة متلازمتان في نسغ اللِّسان العَرَبي وأدبه؛ ومن ثَمَّ بقيتا مؤثِّرتين في الأساليب إلى عصرنا الحاضر؛ فنستطيع القول: إنَّ الأدب العَرَبي أدبٌ شفاهيٌّ شِعريٌّ وإنْ كُتِب، أو كان نثرًا. وهذه من خصائص الأدب العربي، العريق في شفاهيَّته وشِعريَّته، إذا ما قورن بغيره من الآداب.

- لكنَّ صناعة الكِتاب في الحضارة الإسلاميَّة كانت تراوح بين العناية بالمحتوى والتزويق.

- الكِتاب في الحضارة الإسلاميَّة مرَّ بأطوار: من التدوين، إلى التأليف، إلى التزويق. المرحلة الأُولى كانت تُعنَى بالمحتوى وبحفظ المعلومة، وهذا كان في المؤلَّفات المبكِّرة، لدَى (أبي عمرو ابن العلاء)، و(الأصمعي)، و(الخليل بن أحمد)، ومعاصريهم من جيل القرن الأوَّل والثاني الهجريَّين. ثم جاء التأليف في القرن الثالث، حينما انتقل الكاتب من جمع المعلومات إلى تحليلها ونقدها ومقارنتها. وهذا حدثَ لدَى (ابن قتيبة)، و(الجاحظ)، على سبيل المثال، و(المُبَرِّد)، وحدثَ كذلك في كُتب النقد الأدبي، لدَى (ابن سلام الجُمَحي)، و(ابن المعتز)، و(الآمدي)، و(الجرجاني، عبدالعزيز)، وأضرابهم. أمَّا التزويق، فجاء بعد ذلك، وكان يتعلَّق بتيَّارٍ عامٍّ في الأدب وفي غير الأدب. وهو ذلك التيَّار الزخرفي البديعي، الذي أصبح يطغَى على الكلمة وعلى المعنى. جاء مواكبًا لحركة النَّمْنَمَة والزخرفة في موازييك الفسيفسائيَّات في الفنون الإسلاميَّة، في العمارة وتزيين المساجد وما إلى ذلك. وهذا أخذ يتصاعد منذ القرن الثالث إلى القرن السادس فالسابع وصولًا إلى بدايات العصر الحديث. ذلك لا يعني أنَّ المحتوى قد اختفى في الطَّور الثالث الذي أشرنا إليه، والذي يمكن أن نُسمِّيه طور التزويق والاهتمام اللَّفظي البديعي، غير أنَّ زخرف القول أصبح يُزاحِم المحتوى العِلمي، وقد يحرفه عن مساره. وظهر ذلك حتى في عنوانات الكُتب المطوَّلة المسجوعة، المحمَّلة بفنون المحسِّنات. هذا في ما يتعلَّق بالكلمة، ولكن عندما نأخذ الجانب الفنِّي الشكلي أيضًا، من حيث الخط، وربما بعض الرسوم في كتبٍ معيَّنة، سنلحظ أنَّ هذا جاء صدًى للفنون البَصَريَّة في الحضارة الإسلاميَّة العامَّة، التي تنامَى فيها الفنُّ الكتابي والخَطِّي والتشكيلي، إلى آخِر هذه الفنون البَصَريَّة التي أصبحت تُشاهَد في الكتابات على المساجد وفي القصور. وما الكتاب غير جزء من هذا التيَّار الحضاريِّ الفنِّيِّ العامِّ الذي شهدته الحضارة الإسلاميَّة.

- ماذا عن عملية إنتاج الكتاب العربي اليوم؟ وهل لتدنِّي تلك العمليَّة أسباب؟

- لكي نكون منصفين ليس هناك تدنٍّ في عمليَّة إنتاج الكِتاب العَرَبي اليوم، بما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ربما التدنِّي في التسويق. ويُلحَظ هذا، مثلًا في تسويق إصدارات الأندية الأدبيَّة في المملكة. على أنَّ التدنِّي، بل شِبه التوقُّف، قد لحق في الآونة الأخيرة إنتاجَ الكتاب وتسويقه معًا!

- ما السبب؟

- التحوُّلات الأخيرة، في التنظيم الإداري والمالي للأندية. الذي تعلَّق حتَّى بالتنازل عن التسمية العريقة (النادي الأدبي) إلى تسمية، لا تدري من أين انبثقت، هي: (جمعية أدبي كذا). ولن تدري ما الحكمة من هذا التحول من تسمية (النادي...) إلى تسمية (جمعية...)؟!

- قديمًا كان من عادة موروثنا الشعبي أن يَنقُض الأبوان اسم الطفل إذا أُصيب بمرضٍ أو عَيْن، تشاؤمًا باسمه القديم ، وظنًّا أنَّ فيه سببَ نَحْسِه.

- والآن صرنا نشهد هذا أيضًا في تسمية الجامعات، والكليَّات، والمؤسَّسات الثقافيَّة، ارتجالًا بلا مسوِّغات مقنعة أو غير مقنعة.

- لماذا في ثقافتنا العَرَبيَّة يحدث هذا التنكُّر للتاريخ والتراث؟

- عادة قديمة! كلما خطرت خاطرة، شطبنا التراث، لنعيد ابتكار العجلة؟! وهذا ديدنٌ عَرَبيٌّ في كلِّ مجال، بخلاف الحضارات التي تعتز بمنجزاتها القديمة، وإنْ رجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد، ولا تنسفها بين عشيَّة وضحاها؛ ولأسبابٍ غير جديرة بالتقدير، إنْ وجدت. نحن نظن أنَّ التطوُّر هو بتغيير الأسماء، والأشكال، والمحتوى في تراجع مطَّرد. ولذلك لو راقبت الحراك الثقافي والحضاري العَرَبي في العصر الحديث، لوجدت أنه لا يستقرُّ على حال، بل لا يتقدَّم اليوم خطوة حتَّى يتقهقر غدًا عشرين خطوة؛ في قلق أبدًا وتردُّدٍ، يُبدئ ويُعيد، ويُقدِم ويُحجِم؛ حتَّى لربما وجدت الصُّورة الثقافيَّة في النصف الأوَّل من القرن العشرين، أفضل بكثير وأكثر طموحًا ورصانة من النصف الثاني، و كانت في القرن الماضي خيرًا منها في هذا القرن. وهكذا دواليك؛ لأنَّ من تسوس ذلك في النهاية أمزجةُ أفرادٍ غالبًا، لا تخطيط مؤسَّسات.

- حتَّى لا نخرج عن الموضوع! وهذه عادة جاحظيَّة «قُروحيَّة» قديمة!

- نعود إلى القول إنَّ طغيان الأسباب التجاريَّة، وضرورات التسويق قد تؤثِّر في قيمة المنتج للمكتبة العَرَبيَّة؛ بتصدُّر الكتاب الشَّعبي، أو الكتاب المتعلِّق بشؤون الحياة العامَّة، ككتب التسلية الشبابيَّة، على الكتاب العلمي أو الأدبي الجاد. وعلينا أن لا ننسى أنه، منذ أن أُتيحت الطباعة في العصر الحديث، وفي العالم أجمع، وهي تُنتِج هذا الغذاء المتنوِّع لشرائح مختلفة، ولكلِّ منتَج سُوقه وقارئه. أمَّا قبل وجود المطبعة، فكان الكتابُ الذي يُخَطُّ ويُكتَب الكتابَ العِلميَّ والأدبيَّ، الموجه للنخبة غالبًا. وإنْ وُجدت كتب ترفيهيَّة، فإنَّها في حُكم النادر. وهي من هذا النوع الذي ينظر إليه الأكاديميُّ الآن على أنَّه لا يستحقُّ التصدُّر، بَيْدَ أنَّ من حقِّ قرائه أن يحتفوا به، على كل حال. ذلك أنَّ إنتاج الكتاب قديمًا كان صعبًا، وأصبح الآن ميسورًا. بل أصبح، مع التقنية الإلكترونيَّة، متاحًا لكل كاتب أن ينشر ما شاء، على نطاق أوسع ممَّا يمكن أن تتيحه الطباعة التقليديَّة. ولذا، دعنا نقل إننا نشهد (تدنِّ-يًا في إنتاج القارئ الجيِّد)، لكثرة الغثاء الذي يجعل أمام القارئ صعوبة في الاختيار، إلَّا إذا كان يتمتَّع بمهارات النقد وتمييز الغث من السَّمين. أمَّا إنتاج الكِتاب، من حيث هو، فهو يشهد غزارة إنتاجيَّة نوعيَّة، غير مسبوقة، على مستوى العالم أجمع.

[للمساءلات بقيَّة].

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

......................

(1) وأبجديَّات العالم المعروفة اليوم مدينة لتلك الأبجديَّة الفينيقيَّة الأُولى بالفضل؛ حتَّى إنَّ رسم الحروف إنَّما جاء في معظمه بتحويرات للرسم الفينيقي للحروف. والرسم الفينيقي للحروف كان في الأصل تصويرًا للأشياء، فالسين صورة للأسنان، والميم صورة لقَطرة الماء، والنون صورة للنُّون، أي الحُوت أو السمكة، وهلمَّ جرًّا. ولذا كان رسم حرف (النون)، مثلًا، في صدر الإسلام مختلفًا عن رسمه الآن، وكذا سائر الحروف. فهي كتابة تصويريَّة في الأساس، لكنَّها أكثر تطوُّرًا ورمزيَّة من التصويريَّة المِصْريَّة. ثمَّ استُتِمَّ تحوير الرسم الحروفي إبَّان العصر الأُموي، بإضافة النقط، للتفريق بين الحروف المتشابهة. (يُنظَر في هٰذا، مثلًا: جويدي، إغناطيوس، (د.ت)، محاضرات: أدبيَّات الجغرافيا والتاريخ واللُّغة عند العَرَب، باعتبار علاقتها بأوروبا وخصوصًا بإيطاليا، (مجلَّة الجامعة المِصْريَّة)، 72- 73).  

تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905 - 1973)، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر (1880- 1936). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.

تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد، وسَيرورة داخلية تَحكمه.

يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين: الإنسان، والتراب، والوقت، في ظِل فكرة دافعة (الفكرة الدينية غالبًا). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.

يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:

1- مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.

2- مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.

3- مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.

يُركِّز بن نبي على العامل الداخلي، ويرى أن سقوط الحضارات يبدأ من داخلها، عندما تفقد الفكرةَ المُحرِّكة، ويتحوَّل الإنسان من فاعل إلى مُستهلك.

أمَّا أوسفالد شبنغلر، فقد قدَّم في كتابه" تدهور الحضارة الغربية" رؤية تشاؤمية حتمية، حيث شبَّه الحضارات بالكائنات العُضوية التي تولد وتنمو ثم تموت.

يُقَسِّم شبنغلر الحضارة إلى مرحلتَيْن أساسيتَيْن:

1- مرحلة الثقافة: وهي مرحلة الإبداع الروحي والفَنِّي والديني، حيث تكون الحضارة حيَّة ومُبدعة.

2- مرحلة المدنية: وهي مرحلة الجمود والتقنية والمادية، حيث تفقد الحضارةُ روحَها، وتدخل في طَور الانحلال. ويرى أن الحضارات لا يمكن إنقاذها بعد دخولها مرحلة المدنية، لأنها تخضع لقوانين حتمية لا يمكن تغييرها. كما يؤكد على تعددية الحضارات، ويرفض فكرةَ وجود حضارة إنسانية واحدة مشتركة.

ورغم الاختلافات، هناك تقاطعات واضحة بين المفكرَيْن:

1- يؤمنان أن الحضارات تمرُّ بمراحل محددة.

2- يؤكدان أن الانحطاط يبدأ عندما تفقد الحضارةُ بُعدَها الروحي.

3- يرفضان التفسيرَ المادي البَحْت لقيام الحضارات.

4- يعتبران أنَّ للأفكار والقِيَم دورًا حاسمًا في البناء والانهيار.

لكنَّ الاختلافات بينهما عميقة وجوهرية:

1- الحتمية مقابل الإرادة: شبنغلر يؤمن بحتمية سقوط الحضارات، بينما يرى بن نبي إمكانية النهوض من جديد إذا توفرت الشروط.

2- الدِّين: يحتلُّ الدِّينُ مركزًا أساسيًّا في فكر بن نبي، بينما عند شبنغلر هو عُنصر ضِمن عناصر الثقافة.

3- النظرة المستقبلية: رؤية شبنغلر تشاؤمية، أمَّا بن نبي فهي إصلاحية نهضوية.

4- المنهج: شبنغلر يعتمد على التشبيه العُضوي والتاريخ المُقارَن، بينما بن نبي يعتمد على تحليل اجتماعي حضاري عملي.

شبنغلر قدَّم تحذيرًا عميقًا من مصير الحضارة الغربية، لكنَّه وقع في فَخِّ الحتمية التي تُلْغي دورَ الإنسان. أمَّا بن نبي، فقد أعادَ الاعتبارَ للإنسان كفاعل تاريخي، وربطَ بين الأخلاقِ والحضارة، مُقَدِّمًا مشروعًا عمليًّا للنهوض. غير أنَّ بن نبي قد يُؤْخَذ عليه تركيزه الكبير على العامل الداخلي، مع تقليل أثر العوامل الخارجية، كالصراعات الدولية والاستعمار المباشر. في المقابل، يُنْتَقَد شبنغلر لتعميماته الواسعة، ونزعته التشاؤمية المُفرطة.

وتكمن أهمية المقارنة بين بن نبي وشبنغلر في كَوْنهما شخَّصا أزمة الحضارة من زوايا متعددة. بَينما غرق شبنغلر في حتمية بيولوجية تَرى الحضارةَ ككائن يشيخ ويموت لا مَحَالة، قدَّم بن نبي رؤية تجعل النهضة إرادةً واعية مرتبطة بتغيير مَا بالنَّفْس.

وفلسفةُ شبنغلر هي نَعْيٌ لروح الغربِ التي استنفدتْ طاقاتها، بَينما فلسفةُ بن نبي هي دَعوة لاستعادة الفعالية الحضارية من خلال صياغة جديدة لعناصر النهضة.

إنَّ دراسة الدَّورة الحضارية عند بن نبي وشبنغلر تكشف عن رؤيتَيْن للعالَم: رؤية تؤمن بإمكانية التغيير والإصلاح، وأُخرى ترى التاريخَ قَدَرًا لا مَفَرَّ مِنْه. وبين هاتَيْن الرؤيتَيْن، يقف الإنسانُ المعاصر أمام سؤال جوهري: هل نحن صانعو حضارتنا أمْ أسْرَى مَسارها؟. رُبَّما تكون الإجابة في الجمع بين الوعي بقوانين التاريخ، والإيمانِ بقدرة الإنسان على تجاوزها، وهو ما يَجعل من دراسة الحضارة لَيس مُجرَّد تأمُّل في الماضي، وإنما مشروع لصناعة المستقبل.

والتاريخُ لَيس مَقبرةً للعُظماء كما رآه شبنغلر، بل هو مُختبَر للأفكار التي تمنح الأممَ فرصةَ البعث الجديد إذا ما امتلكت الوَعْيَ الحضاري الكافي. وبذلك، يظلُّ بن نبي أكثر إشراقًا في طرحه، حيث حوَّل التشخيصَ الفلسفي البارد إلى مشروع عملي لإعادة بناء الذات الحضارية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

فرش اشكالي: لا تنهض الأمم بالخطب الجوفاء ولا بالشعارات او الاحتفالات التي تغلب الشكل على المضمون، بل بفعل تأسيسي يبدأ من حيث ينتهي كل بناء تبدأ من الإنسان وتنتهي اليه. ففي سياقات الاستعمار الجديد، حيث يُحتل الوعي قبل الأرض، وتُسرق الذاكرة قبل الموارد، تصبح مهمة رجل الفلسفة والمفكر والمصلح مهمة وجودية يحتل فيها هذا التساؤل مساحة كل تفكير كيف يُعاد بناء الإنسان ليعود المستعمر مستحيلاً؟ هذا هو السؤال المحوري الذي شغل الإمام عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، ليس بصفته عالم دين تقليدي أو متكلم يمارس الجدال، بل بصفته فيلسوف مقاومة، ومربياً للأمة، وحكيماً في سياسة العمران، تساؤل طرحه في زمن "اعتقد ولا تنتقد" وللإمساك بمشروعه الإصلاحي في ابعاده الفلسفية نتساءل بدورنا:

- كيف شخّص بن باديس أزمة الأمة الإسلامية عامة، والجزائرية خاصة، من حيث هي أزمة وجود ومعنى وانسجام داخلي؟

- ما العلاقة الجوهرية التي أقامها بين هجر القرآن والسنة، وبين جمود العقل وضعف الأمة؟

- بأي معادلة منهجية وضع بن باديس أسس إصلاح التعليم، وما دورها في بناء الإنسان الجديد؟

- كيف جمع بن باديس بين أبعاد الإنسان الثلاثة: العقيدة، العقل، الأخلاق، في فلسفة واحدة للتغيير؟

- ما الذي يميز مشروعه من حيث الجمع بين التفكير وحسن العمل والتدبير، ومن حيث رؤيته للسلطة والشورى؟

- لماذا يمكن اعتبار تجربته الصحفية وتأسيسه لجمعية العلماء نموذجاً في تشكيل الوعي الجماعي وتمهيد الثورة؟

في زمن الاستدمار الفرنسي الذي عمل على محو هوية الانسان الجزائري: لغته، دينه، ذاكرته. وفي قلب هذا الظلام، بزغ فجر رجل بأمة، فجر عبد الحميد ابن باديس الذي امتلك الحكمة وسحر البيان، وجعل دستوره القرآن والسنة، واحتكم إلى منطق العقل المستنير بمشكاة الشريعة، ومزج بين القول والفعل في مشروع نهضوي متكامل.

لم يكن وهابياً ولا صوفياً ولا رجل سياسة يحمل شعارات، بل كان مقاومًا ثائرًا، زكي النفس، فاعلًا متحركًا ومحركًا. أدرك بذكائه وقوة حدسه أن الأمم لا تُهزم حين تُحتل، بل تُهزم حين تفقد هويتها وتماسكها الداخلي. إنها لا تسقط بسبب قوة العدو، بل بسبب القابلية للاستعمار.

في تشخيص عميق للأزمة، وصف بن باديس حال المسلمين قائلاً:" رأينا كما يرى كل مبصر ما نحن عليه معشر المسلمين من انحطاط في الخلق وفساد في العقيدة وجمود في الفكر وقعود عن العمل وانحلال في الوحدة وتعاكس في الوجهة وافتراق في السير. حتى خارت النفوس القوية وفترت العزائم المتقدة، وماتت الهمم الوثابة ودفنت الآمال في صدور الرجال، واستولى القنوط القاتل واليأس المميت"

هذا النص ليس مجرد رثاء للحال، بل هو تشخيص فلسفي لانهيار حضاري: انفصام في العلاقة بين الخلق والعقيدة، وبين الفكر والعمل، وبين الوحدة والوجهة. إنها أمة فقدت انسجامها الداخلي، وضاع منها المعنى، وافتقدت المرجعية.

لم يقف بن باديس عند وصف الأعراض، بل تعقب العلة الأصلية. رأى أن من أسباب الضعف هجر القرآن والسنة، والاقتصار على الفروع دون استدلال ولا تعليل. فالعلم الذي ينفصل عن أصوله، والأحكام التي تُتداول دون معرفة مآخذها، لا تُنتج عقلًا حيًا، بل عقلًا مقلدًا متحيرًا. كان يخاطب تلامذته بقاعدة منهجية محكمة:" محال أن يضبط الفروع من لم يعرف أصولها."

هنا يتجلى البعد الفلسفي في فكر بن باديس: الأزمة ليست في نقص كمية المعرفة، بل في منهج تلقيها وتداولها. فالتقليد في الفروع دون استدلال ينتج عقلًا أسيرًا، وهذا العقل الأسير هو الشرط الذاتي لإمكان الاستعمار. وافق رفيق دربه البشير الإبراهيمي هذا التحليل، فقال:" إذا نحن وازنا بين ما أجداه علينا علم الكلام وبين ما خسرناه بسببه وجدنا الخسارة تربو على الربح. فتوحيد الله مقرر في القرآن بأجدى بيان وأكمل برهان."

وضع بن باديس معادلة دقيقة، منطوقها: "إذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم. ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته." الأمة عند بن باديس لا تُبنى بالخطب الجوفاء، ولا بالشعارات، بل بعقول تُصاغ منذ الطفولة، وقلوب تُربى على القيم الأخلاقية، وأرواح تنسجم مع فطرتها؛ القرآن هو دستور حياتها.

قضى قرابة 25 سنة في تفسير القرآن، ونحو 15 سنة في شرح موطأ الإمام مالك. كان يلقي أحياناً 15 درساً في اليوم الواحد. لم تكن دروساً عابرة، بل جهاداً بالمعرفة. قال في حكمة خالدة: "ولا أدل على وجود روح الحياة في الأمة وشعورها بنفسها ورغبتها في التقدم من أخذها بأسباب التعليم: التعليم الذي ينشر فيها الحياة ويبعثها على العمل ويسمو بشخصيتها في سلم الرقي الإنساني ويظهر كيانها بين الأمم."

لم يختزل بن باديس الإنسان في بُعد واحد. رأى أن الإنسان الحقيقي قائم على ثلاث ركائز: عقيدة تحدد وجهته، وعقل يحدد فهمه، وأخلاق تحدد فعله في العالم. فأصلح العقيدة لأنه لا يريد للإنسان أن يعيش بمرجعية مشوشة. وأصلح العقل لأنه لا يريد له أن يظل حبيس التقليد والجمود. وأصلح الأخلاق لأنه لا يرى قيمة للمعرفة إذا لم تتحول إلى سلوك. انطلق من قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 11

هذه الثلاثية تجعل من مشروع بن باديس مشروعاً إنسانياً شاملاً، لا يكتفي بتصحيح المعتقدات، ولا يبقى في سماء النظريات، بل ينزل إلى أرض السلوك والممارسة. إنها فلسفة عملية بامتياز: المعرفة التي لا تثمر فعلاً هي معرفة عقيمة، والعمل الذي لا يستند إلى عقيدة راسخة وعقل مستنير هو عمل أعمى.

ما يميز مشروع بن باديس هو الجمع بين منطق التفكير وحسن العمل والتدبير. حدد أركان مشرعه بوضوح: "عملنا: نشر السنة النبوية المحمدية وحمايتها. خطتنا: الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم، ودعوة المسلمين كافة إلى السنة دون تفريق بينهم. غايتنا: أن يكون المسلمون مهتدين بهدي نبيهم في الأقوال والأفعال والسير والأحوال حتى يكونوا للناس مثالاً أعلى في الكمال."

بهذه الدقة، كان يفرق بين الفعل والمنهج والغاية. لم يكن يتحرك برد فعل عاطفي، بل ببصيرة منهجية. وهذا جوهر العقل الفلسفي العملي: أن تعرف لماذا تفعل (العمل)، وكيف تفعل (الخطة)، وإلى أين تريد أن تصل (الغاية). وفي مسألة السلطة، لم يكن غافلاً؛ بل نظر إلى تنظيم الأمة بعين الفيلسوف المؤسس. فسّر الآية بأن "أولي الأمر" هم العلماء والأمراء معاً، لأن أمر الله يحتاج إلى من يعينه بالعلم، وإلى من ينفذه بالسلطان. فقال: "فبالعلم يُعين، وبالسلطان يُنفذ". ثم قرر أن الحال لا يستقيم إلا بوجود الطائفتين وتعاونهما بطريق الشورى التي هي أساس الأمر في الإسلام.

عرف بن باديس أن الفكرة إذا بقيت في المسجد وحدها قد تبقى حبيسة أذهان من يستمع إليها، وأن المجتمع لا يُعاد بناؤه بالدرس الخاص فقط، بل بالمنبر العام. فأسس جريدة "المنتقد" التي حمل اسمها برنامجها: النقد البناء الذي تخشاه السلطة الاستعمارية وأصحاب الطرقية. كان شعاره في الصحافة: "باسم الله ثم باسم الحق والوطن ندخل عالم الصحافة العظيم". ثم أعلن مبادئه: مبدأ سياسي، ومبدأ تهذيبي، ومبدأ انتقادي. ووضع شعاراً لم يكن مجرد كلمات: "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء".

ثم أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. لم تكن الجمعية مجرد هيئة توقع بيانات، بل كانت وعياً حياً يمشي على الأرض. وضع فيها منهجاً: إصلاح العقيدة، وتحرير العقل، وبناء الأخلاق، ونشر التعليم، ومقاومة الجمود، وحماية الهوية. وعندما جاءت ساعة الثورة، لم يظهر المجاهدون من فراغ. خرجوا من مدارس ربّاها بن باديس، تعلموا فيها أن الحرية لا تُمنح، بل تُؤخذ بالوعي والإرادة. لقد زرع بذوراً لم يرَ ثمارها كاملة، لكنه كان يوقن أن البذرة الصالحة إذا وقعت في أرض صالحة، ستأتي أيامها. وهذا من أسمى معاني الإصلاح: أن تعمل لجيل لا تدركه.

مات الفقيد ابن باديس في السادس عشر من أفريل سنة 1940، وفي نفسه حسرة من تعطيل جريدته "البصائر". وكان معتزاً بها أيما اعتزاز. يقول الإبراهيمي عنه: "كل ما يعلو فيها من أصوات صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين، يترجم عن علم مكين ودين متين، وهو لسان المرحوم باني النهضات الجزائرية من غير منازع الإمام عبد الحميد بن باديس."

لقد ترك بن باديس إرثاً ليس في الكتب التي ألفها، بل في النفوس التي ربّاها، والعقول التي حرّرها، والإرادة التي أيقظها. وصفه الإبراهيمي قائلاً: "جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر وأربى عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات... فكان من أخطب خطباء العربية، وفرسان منابرها، كما كان من كتب كتابها."

واليوم، وقد تغيرت أشكال الاستعمار لكن جوهره بقي، لا يزال السؤال الذي طرحه بن باديس قائماً: كيف نبني نهضة لا تبدأ بالشعار، بل تبدأ ببناء الإنسان؟ أن تكون على خطى ابن باديس اليوم لا يعني أن تكون خطيباً فقط، بل أن تكون صادقاً في عملك، نافعاً في مجتمعك، ثابتاً في قيمك، متحرراً في عقلك، رابطاً بين العلم والأخلاق، بين النص والحياة. أن تكون إنساناً لا يقبل أن يُستعمر وعيه، ولا أن تُسرق هويته، ولا أن يُحاصر فكره. فالأمم لا تُبعث بالخطب، بل تُبعث بالإنسان.

***

الأستاذ: عمرون علي

اتخذ الفيلسوف اليوناني القديم ثيودورس Theodorus مسارا مختلفا عن المفكرين الاستفزازيين المعاصرين له بسبب جرأته في تحدّي ورفض الأخلاق ذاتها. وبينما شكّك العديد من معاصريه بالتقاليد، فهو ذهب بعيدا في إنكار ليس فقط الآلهة وانما أيضا جوهر الأسس الأخلاقية ذاتها. وبالنتيجة، جرى وصفه من جانب الكتّاب القدماء كملحد وكمؤيد لعدم احترام الاخلاق. وللوقوف على أهمية ثيودورس، من الضروري وضعه ضمن المناخ الثقافي السائد في زمانه. عاش ثيودورس في بداية القرن الثالث قبل الميلاد وكان عضوا في المدرسة القورينية التي اعتبرت المتعة أعلى أشكال الخير. هو لم يرث تعاليمه فقط وانما أضفى عليها طابعا متطرفا، نابذا القيود التقليدية ودافعا الشك الفلسفي الى استنتاجات مقلقة ومثيرة للجدل.2656 skay

الصورة تكشف العدد الهائل للنجوم في مجرة درب التبانة وحيث يشير ثيودورس الى هشاشة الاخلاق في ظل هذا الكون المترامي الاطراف

وُلد ثيودورس في قورين cyrene المدينة اليونانية التي تقع في شمال افريقيا والتي عُرفت بإنتاج مفكرين أذكياء وغير تقليديين. ومنذ نعومة أظفاره أظهر ثيودورس استقلالية فكرية، حيث درس تحت إشراف أتباع أرستيبو قبل ان ينحرف بسرعة عن تعاليمهم. وبينما قدّر القورينيون المتعة، الاّ انهم ظلوا يلتزمون ببعض الأعراف الاجتماعية التي تحدّاها ثيودورس ورفضها رفضا قاطعا. رؤاه غير التقليدية قادته الى صراع دائم مع السلطات، حيث واجه النفي اكثر من مرة. في أثينا، وُجّه الاتهام اليه بالمعصية، وهو اتهام خطير في مدينة لاتزال تتذكر محاكمة سقراط. وعلى الرغم من انه تجنّب الموت لكن الشكوك ظلت تحوم حوله. لاحقا، سافر ثيودورس كثيرا، ممضيا وقته في مصر تحت حكم بطليموس حيث زار المحاكم الهلنستية. هذه الرحلات عكست كل من سمعته المتزايدة وحالة اللااستقرار التي يعيشها. هو جذب الانتباه أينما حل لكنه نادرا ما وجد قبولا.2657 skay

في ظل قوانين الطبيعة لا وجود لحدود اخلاقية

أخلاق ثيودورس الراديكالية

المصدر الأساسي لحياة وتعاليم ثيودورس هو المؤرخ ديوجين لايرتيوس الذى روى عن شخصيته المثيرة وأفكاره الراديكالية. في هذه الشهادة تبرز فلسفته المتماسكة والمقلقة بعمق. عرّف ثيودورس المرح والحزن باعتبارهما الظروف الإنسانية الرئيسية، رابطا المرح بالمعرفة والحزن بالجهل. من هذا الأساس، هو اعتبر التعقل والعدالة هما الخير الحقيقي، بينما المضاد لهما هو الشر. غير انه اعتبر المتعة والألم محايدان أخلاقيا، و وضعهما خارج القيم الأخلاقية الرئيسية.

وفي نفس الوقت، هو رفض احدى الدعامات الأساسية في الحياة الاجتماعية اليونانية وهي الصداقة. وفقا لرؤيته، الصداقة الحقيقية ربما غير موجودة. الافراد الحمقى تخلوا عنها عندما اختفت مزاياها، بينما الحكيم لم يكن بحاجة الى أصدقاء ابدا. الكفاية الذاتية جعلت الصداقة غير ضرورية.

الفلسفة ضد المجتمع

كانت رؤى ثيودورس السياسية استفزازية. هو جادل بان الرجل الحكيم يجب ان لا يخاطر بحياته لأجل بلده، مصرّا على عدم وجوب التضحية بالحكمة لأجل مصلحة منْ يفتقرون اليها. بدلا من ذلك، هو أعلن صراحة ان العالم بأسره هو الوطن الحقيقي للرجل الحكيم، متوقعا شكلا من العالمية الراديكالية radical cosmopolitanism. غير ان معظم الجوانب المذهلة لفكر الفيلسوف ثيودورس تتعلق بالاخلاق ذاتها: هو زعم ان أفعالا مثل السرقة والزنا وتدنيس المقدسات لا تحمل عارا متأصلا، وانما سمعتها السلبية برزت فقط من الأعراف الاجتماعية وآراء الجهلة. لذلك، فان الشخص الحكيم يمكن ان ينخرط بمثل هذه الأفعال عندما تستدعي الظروف. هذه الأفكار بلا شك صدمت الاثنيين بعمق . هو وسّع هذا التفكير الى رغبة الانسان، مدّعيا ان الجمال موجود للإستخدام وان التمتع به غير خاطئ أخلاقيا. ثيودورس بإثارته أسئلة حادة ومقلقة – مثل ما اذا كان الجمال كالمعرفة يحقق غرضا عمليا – هو تحدّى بإصرار المعتقدات التقليدية للاخلاق، مجبرا مستمعيه لمواجهة حقائق غير مريحة.

صراع ثيودورس مع السلطة

عبّر ثيودورس عن فلسفته ليس فقط نظريا وانما عمليا أيضا. هو تحدّث بجرأة مبينا القليل من الاعتبار للسلطة او الرأي العام، ومواجهاته مع المفكرين الآخرين كشفت عن ذكائه وتحدّيه أيضا. فمثلا، عندما حاول ستيلبو الإيقاع به في مأزق منطقي، قبل ثيودورس الاستنتاج السخيف بدون تردد. حتى عندما أوحت الحجة بانه يمكن ان يكون أي شيء، ظل غير مبال مبديا تبنّيه للعقل والمبدأ بدلا من السمعة. هو أيضا واجه السلطات الدينية بمفارقة حادة. عندما سأل الكاهن الأكبر يوريكليدس عن المعصية، هو حوّل الجواب ضده، مجادلا ان الكشف العلني عن الاسرار المقدسة جعل الكاهن ذاته مذنبا بالمعصية. رؤاه غير التقليدية ومسائلة الاخلاق طالما وضعته في خطر جسيم. طبقا لديوجين، هو اوشك على مواجهة المحاكمة امام اريوباغوس وربما نال عقوبة الموت لو لم يتدخل ديمتريس الفاليرومي لإنقاذه.

وفي وقت لاحق، عمل ثيودورس في محكمة بطليموس وتصرّف كسفير لليسماخوس، محتفظا بجرأته حتى في المحاكم الملكية. عندما سخروا منه بسبب نفيه، هو أجاب بذكاء اسطوري، عندما حذّروه بعدم العودة، أجاب بهدوء انه لن يأتي الاّ اذا تم ارساله. وفي مواجهة أخرى، اتهمه مسؤول في المحكمة بعدم احترام الالهة والحكام. أجاب ثيودورس انه لم يتجاهل الالهة لكنه اعتبر المسؤولين أعداءً لهم – وهو جواب يعكس الاستقلالية الأخلاقية والجرأة التي صاغت اتجاهه في الاخلاق والسلطة.

السنوات الأخيرة لثيودورس

حتى بين زملائه، هو بقي متحديا. عندما سخر منه المتروكليس الساخر، أجاب بسرعة وبقوة تعكس الطبيعة الحادة للنقاش الفلسفي القديم. بالنهاية، هو عاد الى قورينا وعاش في ظل حماية الحكام المحليين. بالرغم من النفي حافظ  ثيودورس على روح الدعابة حول مصيره، قائلا وهو يمزح ان طرده يعني ارساله "من افريقيا الى اليونان".

جسّد ثيودورس واحدا من بين أكثر الشخصيات الراديكالية في اليونان القديمة، مفكر رفض التقاليد ونبذ الحدود الأخلاقية ورفع من قيمة العقل فوق كل المعايير الاجتماعية. وبالنهاية، هو لم يتحدّ فقط المجتمع وانما أجبره لمواجهة افتراضاته الخاصة وإعادة النظر في أسس الحياة الأخلاقية.  

***

حاتم حميد محسن

 

ليس غياب التعليم الفلسفي في مجتمعاتنا مجرد تفصيل ثانوي داخل ازمة التعليم، ولا يمكن تفسيره بضعف المناهج او قلة الكوادر او ازدحام المقررات الدراسية فقط. هذا الغياب في جوهره علامة على شيء اعمق: طريقة فهمنا للعقل نفسه، وحدود ما نسمح له ان يفعله، ونوعية العلاقة التي تربط المعرفة بالسلطة وبالمجتمع وبالمدرسة. نحن لا نتحدث عن مادة دراسية مفقودة بقدر ما نتحدث عن نمط تفكير غير مسموح له ان يتجذر. عندما يطرح سؤال الفلسفة في التعليم، غالبا ما يجاب عليه بطريقة تقنية: هل نضيف المادة ام لا؟ كم عدد الساعات؟ من يدرسها؟ لكن هذه الاسئلة، رغم اهميتها الادارية، تتجاهل السؤال الحقيقي: هل بنية التعليم نفسها تسمح بوجود فلسفة؟ لان الفلسفة ليست اضافة الى المنهج، بل هي طريقة في تفكيك المنهج نفسه.

منذ السنوات الاولى للتعليم، يتم تشكيل عقل المتعلم على اساس محدد: هناك اجابة صحيحة واحدة، وهناك مسار واحد للوصول اليها. هذا النموذج، الذي يبدو فعالا من حيث التنظيم، ينتج نوعا خاصا من الوعي: وعي يبحث عن الحلول الجاهزة اكثر مما يبحث عن الاسئلة. في هذا السياق، تصبح الفلسفة مادة مزعجة، لانها لا تقدم اجابات نهائية، بل تفتح احتمالات لا تنتهي. الفلسفة في جوهرها ليست تراكم معلومات، بل تدريب على الشك المنهجي. لكنها حين تدخل الى نظام تعليمي قائم على اليقين، تتحول الى عنصر غريب. ليس لانها صعبة، بل لانها ترفض ان تكون سهلة. فهي لا تسأل فقط: ما هو الشيء؟ بل تسأل ايضا: لماذا نفهمه بهذه الطريقة؟ ومن الذي قرر هذا الفهم؟ وما الذي يتم اقصاؤه حين نختار هذا التعريف؟

هنا يظهر ما اشار اليه ميشيل فوكو في علاقته بين المعرفة والسلطة. المعرفة ليست محايدة تماما، بل تتحرك داخل شبكات من القوة تحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول معرفيا. داخل المدرسة، هذا يتجلى في شكل واضح: بعض الاسئلة مرحب بها لانها ضمن المنهج، واسئلة اخرى غير مرحب بها لانها تخرج عنه. وهكذا يتم رسم حدود غير مرئية للعقل منذ البداية. لكن اختزال المشكلة في السلطة وحدها لا يكفي. لان هناك ايضا بنية ثقافية اوسع تتشكل داخل المجتمع. هذا المجتمع لا يرفض التفكير الفلسفي لانه يكرهه، بل لانه غالبا لم يُدرَّب على التعامل مع السؤال بوصفه قيمة ايجابية. في كثير من السياقات، السؤال يُفهم كتشكيك، والتشكيك يُفهم كتهديد، والتهديد يُفهم كفوضى. بهذه السلسلة، يصبح التفكير النقدي مشبوها حتى قبل ان يُمارس. غير ان هذا التفسير ايضا ناقص اذا لم نضع التعليم نفسه في مركز التحليل. النظام التعليمي الحالي، في كثير من اشكاله، لا يهدف الى انتاج مفكرين، بل الى انتاج ناجحين في الامتحان. النجاح هنا يقاس بالقدرة على اعادة انتاج المعرفة، لا على انتاج سؤال جديد حولها. لذلك يتم تدريب الطالب على مهارة اساسية واحدة: كيف يطابق الاجابة مع النموذج، لا كيف يفكك النموذج نفسه.

هذا النوع من التعليم لا يقتل الفلسفة بشكل مباشر، لكنه يخلق بيئة لا تحتاجها. لان الفلسفة تحتاج الى فراغ، الى مساحة غير محسومة، الى قدرة على تحمل عدم اليقين. بينما النظام التعليمي التقليدي يسعى الى تقليل هذا الفراغ الى الحد الادنى، لانه يعتبره علامة على الفشل التنظيمي، لا على الامكان الفكري. اذا انتقلنا الى مستوى اعمق، سنجد ان الفلسفة ليست مجرد مادة غائبة، بل هي غياب لطريقة معينة في التعامل مع العالم. في الفلسفة، لا ينظر الى المفاهيم كحقائق ثابتة، بل كبنى قابلة للتفكيك. ما معنى العدالة؟ ما معنى الحرية؟ ما معنى الدولة؟ هذه الاسئلة لا تهدف الى الوصول الى تعريف نهائي، بل الى كشف طبقات المعنى وتاريخ تشكله. لكن هذا النوع من التفكير لا يجد مكانه بسهولة داخل نظام يفضل التعريفات الجاهزة. حين نقارن هذا الوضع بتجارب تعليمية اخرى، مثل فرنسا او المانيا، يظهر الفرق بشكل واضح. في فرنسا مثلا، الفلسفة ليست مادة هامشية، بل جزء من الامتحان النهائي في المرحلة الثانوية. لكن الاهم ليس وجود المادة، بل طريقة التعامل معها. الطالب لا يُطلب منه ان يحفظ آراء الفلاسفة فقط، بل ان يكتب مقالا يناقش فيه اشكالا فلسفيا. السؤال هو المركز، وليس الجواب. هذا التحول البسيط في البنية يغير طبيعة التعليم بالكامل: من تعليم قائم على التكرار الى تعليم قائم على التفكير. عندمآ  تنقل الفلسفة الى سياقات لا تتبنى هذا التصور، يتم تفريغها من محتواها النقدي. تصبح اسماء: افلاطون، ارسطو، ديكارت، ابن رشد، لكنها لا تتحول الى اسئلة حية. يتم التعامل معهم كجزء من التاريخ، لا كجزء من الحاضر الفكري. وبهذا تتحول الفلسفة الى معرفة محفوظة، لا الى ممارسة تفكير.

يمكن استدعاء فكرة كانط عن التنوير، حين ربطه بقدرة الانسان على استخدام عقله دون وصاية. التنوير عنده ليس حدثا تاريخيا انتهى، بل حالة مستمرة من الخروج من الاعتماد على الاخر في التفكير. لكن هذا الخروج لا يمكن ان يحدث داخل نظام تعليمي يعيد انتاج الوصاية بشكل ناعم: وصاية الكتاب، وصاية المعلم، وصاية الامتحان، وصاية النموذج. المفارقة ان الخطاب الرسمي في كثير من السياقات التعليمية يتحدث عن تنمية التفكير النقدي، لكن هذا التفكير غالبا يبقى محصورا داخل حدود آمنة. يمكن للطالب ان يناقش داخل الاطار، لكن لا يُسمح له دائما باعادة تعريف الاطار نفسه. وهنا يبدأ التناقض: التفكير النقدي يصبح وظيفة داخل النظام، لا اداة لمساءلته.

هذا الوضع ينتج اثرا عميقا على مستوى الوعي العام. لان غياب الفلسفة لا يعني فقط غياب مادة دراسية، بل غياب قدرة على التعامل مع التعقيد. حين يغيب التفكير الفلسفي، يصبح العالم اكثر بساطة مما هو عليه فعلا: اما صح او خطأ، اما جيد او سيئ، اما مع او ضد. هذه الثنائية المريحة قد تبدو مفيدة في الحياة اليومية، لكنها غير كافية لفهم واقع معقد بطبيعته. في السياسة، يؤدي هذا الغياب الى اختزال القضايا في شعارات. في الدين، يؤدي الى تحويل الاسئلة الوجودية الى اجوبة مغلقة. في المجتمع، يؤدي الى صعوبة قبول الاختلاف. لان الفلسفة، في جوهرها، لا تعلمنا ماذا نفكر فقط، بل تعلمنا كيف نختلف دون ان نلغي الاخر. لكن من الظلم ايضا تحميل التعليم وحده المسؤولية. لان غياب الفلسفة هو نتيجة تفاعل بين عدة مستويات: التعليم، المجتمع، السلطة، والتاريخ الثقافي. كل مستوى يعيد انتاج الاخر بطريقة ما. المجتمع الذي يخاف السؤال يعزز تعليم لا يشجع عليه، والتعليم الذي لا يشجع السؤال يعيد انتاج مجتمع اقل استعدادا له. وهكذا ندور داخل حلقة مغلقة.

السؤال الحقيقي اذن ليس: لماذا لا ندرس الفلسفة؟ بل: ما نوع الانسان الذي نريد ان ننتجه من خلال التعليم؟ هل نريد انسانا يكرر المعرفة، ام انسانا يسائلها؟ هل نريد عقلا مغلقا داخل الاجابات، ام عقلا قادرا على العيش داخل الاسئلة؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست تقنية، بل سياسية وثقافية في آن واحد. لانها تتعلق بتوزيع السلطة داخل المعرفة نفسها: من يملك حق السؤال؟ ومن يحدد حدود التفكير؟ ومن يقرر ما هو طبيعي وما هو مرفوض معرفيا؟ في غياب التعليم الفلسفي ليس فراغا بسيطا يمكن ملؤه بإضافة مادة الى المنهج. انه مؤشر على نمط اوسع من التفكير داخل المجتمع. نمط يفضل اليقين على السؤال، والاجابة على الاحتمال، والاستقرار على القلق المعرفي. لكن الفلسفة، في اعمق مستوياتها، لا تزدهر في اليقين، بل في القلق. ولذلك فإن استعادتها لا تعني فقط تدريسها، بل تعني اعادة الاعتبار للسؤال نفسه كقيمة تعليمية وثقافية. وحين يحدث ذلك، لن يكون غياب الفلسفة مجرد مشكلة تعليم، بل بداية تحول في طريقة فهمنا للعالم ولانفسنا.

***

زكريا - نمر

 

الجينات البيولوجية غير مُحدَّدة مما يفسِّر التحوّل الجيني فإمكانية الارتقاء الطبيعي والتطوّر. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية الجينات من خلال القانون التالي: الجينات البيولوجية × صفر = إنتاج معلومات (حيال تكوّن الأحياء) × صفر. بما أنَّ الجينات × صفر = إنتاج معلومات × صفر، إذن الجينات = (إنتاج معلومات × صفر) ÷  صفر. وبذلك الجينات = صفر ÷  صفر. لكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. بذلك الجينات غير مُحدَّدة. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية الجينات.

بما أنَّ، بالنسبة إلى قانون الجينات السابق، الجينات غير مُحدَّدة، إذن من المتوقع نشوء التحوّل الجيني من جراء أنَّ الجينات غير مُحدَّدة سلفاً مما يؤدي إلى الارتقاء الطبيعي والتطوّر. إن كانت الجينات مُحدَّدة، فحينئذٍ لن تتغيّر. لذلك لا مُحدَّدية الجينات تسمح بنشوء التحوّل الجيني. هكذا ينجح قانون الجينات السابق في تفسير نشوء التحوّل الجيني فالتطوّر البيولوجي مما يشير إلى صدق هذا القانون على ضوء نجاحه التفسيري. وبكلامٍ آخر، بما أنَّ، بالنسبة إلى هذا القانون، الجينات البيولوجية × صفر = إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء × صفر، إذن الجينات كامنة في إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء بدلاً من أن تكون معلومات متوارثة مما يمكّن من نشوء التحوّل الجيني من جراء أنَّ الجينات ليست معلومات متوارثة ومُحدَّدة مُسبَقاً.

من المنطلق نفسه، بما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، الجينات غير مُحدَّدة، إذن الجينات نفسها قد تؤدي إلى نتائج بيولوجية مختلفة (كما تؤكِّد البيولوجيا المعاصرة) وذلك من جراء لا مُحدَّدية الجينات. هكذا أيضاً ينجح هذا القانون في تفسير لماذا الجينات نفسها قد تؤدي إلى نتائج مختلفة. و في هذا دليل آخر على صدق قانون الجينات السابق على أساس نجاحه التفسيري. كما ينجح هذا القانون في التعبير عن أنَّ الكائنات الحيّة تتكوّن على ضوء جيناتها. فبما أنَّ الجينات البيولوجية × صفر = إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء × صفر، وبذلك الجينات كامنة في إنتاج معلومات حيال كيفية تكوّن الكائنات الحيّة، إذن الكائنات الحيّة تتكوّن على ضوء جيناتها. و في هذا النجاح التعبيري دلالة على صدق قانون الجينات السابق.

بالإضافة إلى ذلك، ينجح القانون السابق في تفسير لماذا الأبناء والأحفاد يشبهون آباءهم وأجدادهم رغم أنَّ الجينات إنتاج معلومات بدلاً من أن تكون معلومات متوارثة. فبما أنَّ الجينات إنتاج معلومات حيال تكوّن الأحياء كمعلومة أنَّ التشابه مع الآباء والأجداد يضمن أرجحية البقاء على قيد الحياة علماً بأنَّ الآباء والأجداد تمكّنوا من أن يحيوا، إذن من المتوقع أن يشبه الأبناء والأحفاد أجدادَهم وآباءهم على ضوء اتبّاع الجينات لتلك المعلومة. هكذا ينجح القانون السابق في تفسير لماذا الأبناء والأحفاد يشبهون آباءهم وأجدادهم.

من جهة أخرى، الجينات إنتاج معلومات متعدّدة ومتنوّعة من جراء أنها غير مُحدَّدة. من تلك المعلومات معلومة أنَّ عدم التشابه مع الآباء والأجداد يضمن التطوّر مما يفسِّر نشوء التحوّل الجيني فالتطوّر البيولوجي. على أساس هذه الاعتبارات، الجينات إنتاج لمعلومات مختلفة ومتعارضة حيال كيف تتكوّن الكائنات الحيّة فمنها معلومة التشابه مع الأجداد مفيد ومنها معلومة أنَّ عدم التشابه مع الأجداد مفيد أيضاً. على هذا الأساس، الجينات مُنتِجة لمعلومات غير مُحدَّدة (من جراء إنتاجها لمعلومات متعارضة) مما يعبِّر عن لا مُحدَّدية الجينات.

قانون الجينات السابق يختلف عن النظرية التقليدية حيال تحليل الجينات البيولوجية ويناقضها لأنه يحلِّل الجينات على أنها إنتاج لمعلومات بينما النظرية التقليدية تعرِّف الجينات على أنها معلومات متوارثة. بذلك هذا القانون يمتلك فضيلة تجديد المعارف من جراء تحليله المُبتكَر. فبينما النموذج التقليدي في تحليل الجينات يعتبرها معلومات متوارثة وبذلك هي مُحدَّدة سلفاً، يؤكِّد قانون الجينات السابق على أنَّ الجينات ليست معلومات متوارثة بل هي إنتاج لمعلومات حيال تكوّن الكائنات الحيّة وبذلك الجينات فعّالة وليست مُحدَّدة ومجرّد كينونات منفعلة.

***

حسن عجمي

من سموّ النصوص إلى مأزق التفعيل في التجربة المغربية

ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية حقوق الإنسان من خلال مقاربة تحليلية-فلسفية مركّبة تستحضر تطورها التاريخي وتحولاتها النظرية، قبل ربطها بالسياق الدستوري المغربي، مع التركيز على دستور 2011 بوصفه لحظة مفصلية في مسار إعادة بناء المنظومة الحقوقية بالمغرب. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الإشكال الجوهري لحقوق الإنسان لم يعد مرتبطًا بمدى تطور التنصيص القانوني أو تعدد المرجعيات المعيارية، بل بقدرة هذه النصوص على التحول إلى ممارسة فعلية داخل بنية سياسية واجتماعية وثقافية معقدة ومتشابكة.

وتخلص الدراسة إلى أن التجربة المغربية أحرزت تقدمًا مهمًا على مستوى التأسيس الدستوري للحقوق والحريات، خاصة من خلال الانفتاح على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان وتعزيز آليات الضمان الدستوري. غير أن هذا التقدم يظل نسبيًا ومحدود الأثر، بفعل استمرار الفجوة بين النص والتطبيق، وهي فجوة لا تفسر بعوامل قانونية أو مؤسساتية فقط، بل أيضا بتداخل البنى الاجتماعية وأنماط الثقافة السياسية وإكراهات الواقع العملي. وبذلك تكشف الدراسة عن استمرار التوتر بين الكونية الحقوقية وخصوصيات السياق المحلي، بما يجعل إشكالية التفعيل هي التحدي المركزي في المرحلة الراهنة.

على سبيل الافتتاح: حين تتحول حقوق الإنسان إلى سؤال وجودي:

لم يعد الحديث عن حقوق الإنسان في الفكر السياسي والقانوني المعاصر مجرد ترفٍ نظري أو خطابٍ أخلاقي يُستدعى في المناسبات أو يوظف في سياقات الضغط السياسي والدبلوماسي، بل غدا سؤالا وجوديا مركزيا يمسّ جوهر الدولة الحديثة، ويعيد تعريف حدود مشروعيتها ومعايير استمراريتها. فالدولة، في صيغتها المعاصرة، لم تعد تقاس فقط بقدرتها على احتكار العنف المشروع أو فرض النظام العام، كما بلور ذلك ماكس فييبر في تحليله الكلاسيكي لجوهر الدولة الحديثة، بل أصبحت تقاس أيضا بمدى احترامها لحقوق الإنسان وقدرتها على ضمان الكرامة الإنسانية بوصفها أساسًا للشرعية السياسية (Weber, 1978).

إن هذا التحول العميق في بنية التفكير السياسي يعكس انتقالًا من تصور سيادي تقليدي للسلطة، يقوم على مركزية الدولة وهيمنتها، إلى تصور تعاقدي-حقوقي يجعل من الفرد نقطة الارتكاز الأساسية في بناء الشرعية. وفي هذا الإطار، لم يعد الإنسان مجرد موضوع تمارس عليه السلطة، بل أصبح فاعلا ومعيارا لتقويمها، وهو ما يعكس إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والحرية، وبين القانون والعدالة.

غير أن هذا التحول، على الرغم من طابعه التقدمي الظاهر، يكشف في عمقه عن مفارقة بنيوية تطبع الحداثة السياسية المعاصرة، ويمكن وصفها بـمفارقة الحداثة الحقوقية إذ كلما توسعت المنظومات القانونية والدستورية في الاعتراف بحقوق الإنسان وتكريسها نظريا، كلما برزت في المقابل صعوبات متزايدة على مستوى التفعيل والممارسة الفعلية لهذه الحقوق داخل الواقع الاجتماعي والمؤسساتي (Habermas, 1996). وهكذا تتسع الهوة بين النص والممارسة، بين الإعلان والتجسيد، إلى درجة تحول الحقوق من ضمانات فعلية إلى وعود معيارية مؤجلة، أو إلى أفق قيمي لا يجد دائمًا طريقه إلى التحقق.

إن هذه الفجوة بين المعياري والواقعي لا يمكن اختزالها في قصور قانوني أو ضعف مؤسساتي فحسب، بل ينبغي فهمها بوصفها نتاجا لتشابك معقد بين البنى السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حيث تتداخل أنماط السلطة مع تمثلات المجتمع، وتتشابك الثقافة السياسية مع آليات إنتاج القرار وتوزيع القوة. ومن ثم، فإن إشكالية حقوق الإنسان لم تعد تطرح فقط على مستوى النصوص، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة المجتمعات على إنتاج شروط تاريخية ومؤسساتية تجعل من هذه النصوص ممارسة ممكنة وفعالة.

وفي هذا السياق، تكتسب التجربة المغربية أهمية تحليلية خاصة، باعتبارها نموذجا إصلاحيا يسعى إلى إعادة بناء منظومته الدستورية في اتجاه تعزيز الحقوق والحريات، ولا سيما من خلال محطة دستور 2011 الذي مثّل لحظة مفصلية في مسار التحول الدستوري والحقوقي. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من انفتاح على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، يظل محكوما بتوترات بنيوية بين الطموح المعياري والإكراهات الواقعية، وبين مطلب التحديث السياسي ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي، وبين الانخراط في القيم الكونية وخصوصيات السياق المحلي.

ومن هنا تتبلور الإشكالية المركزية التي توجه هذا التحليل: هل نحن أمام تحول حقوقي حقيقي يعكس إعادة تأسيس عميقة للعلاقة بين الدولة والحقوق، أم أننا بصدد إعادة صياغة متقدمة لخطاب حقوقي حديث يظل، في جزء كبير منه، منفصلًا عن شروط التفعيل الفعلي داخل الواقع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تفكيك مستويات متعددة من التحليل، تتقاطع فيها الفلسفة السياسية مع السوسيولوجيا القانونية، ويعاد فيها النظر في مفهوم الدولة ذاته بوصفه بنية معيارية وممارسة تاريخية في آن واحد.

أولًا: حقوق الإنسان: من التأسيس الفلسفي إلى البناء الكوني:

إن حقوق الإنسان، في معناها العميق، ليست مجرد منظومة من القواعد القانونية أو النصوص المعيارية، بل هي نتاج مسار طويل ومعقد من التحولات الفكرية التي مست تصور الإنسان لذاته، ولموقعه داخل العالم، ولعلاقته بالسلطة والمجتمع. فهي في جوهرها انتقال من رؤية تجعل الإنسان عنصرًا خاضعًا لبنى كونية أو سلطوية مغلقة، إلى رؤية تؤسس له بوصفه ذاتا حرة، وعاقلة، ومتمتعة بكرامة أصلية غير قابلة للتصرف.

ففي المراحل الأولى من التاريخ الإنساني، لم يكن مفهوم "حقوق الإنسان' حاضرًا بوصفه تصورا مستقلا، إذ كانت الذات الفردية مندمجة داخل منظومات كبرى من قبيل الطبيعة، والمقدس، أو سلطة الحاكم. ففي مصر القديمة، على سبيل المثال، كانت السلطة الفرعونية تقدم باعتبارها امتدادا للنظام الكوني ذاته، حيث يتماهى السياسي مع المقدس، ويغدو القانون تعبيرًا عن إرادة إلهية أكثر منه نتاجًا بشريًا قابلاً للنقاش. ورغم ذلك، فإن وجود أنظمة إدارية وقانونية منظمة يعكس أن الاستقرار الاجتماعي كان ممكنًا دون حضور مفهوم الحرية الفردية بوصفه مبدأً مؤسسًا.

أما في بلاد الرافدين، فقد شكّلت شريعة حمورابي لحظة مفصلية في تاريخ تقنين العدالة، إذ انتقل التنظيم الاجتماعي من الأعراف الشفوية إلى نصوص مكتوبة تقيد السلطة وتحدد العقاب والحقوق. غير أن هذا التحول، رغم أهميته التاريخية، ظل محكومًا بمنطق تراتبي صارم، حيث كانت العدالة تمارس داخل بنية طبقية تكرس التفاوت بدل أن تلغيه. ومع ذلك، فإن مجرد إخضاع السلطة لنص مكتوب يعد خطوة أولى نحو عقلنة القانون وإخراجه من دائرة الغموض إلى مجال التنظيم العقلاني.

وفي التجربة اليونانية، وبالأخص في أثينا، برز تحول نوعي مع نشوء مفهوم "المواطن" حيث تم ربط السياسة بالمشاركة والنقاش العمومي داخل المجال العام. غير أن هذا التقدم ظل محدودا، لأنه قام على إقصاء فئات واسعة من المجتمع، مثل العبيد والنساء والأجانب، مما يكشف أن الديمقراطية الأثينية، رغم قيمتها التأسيسية، كانت ديمقراطية جزئية لا ترقى إلى الكونية التي ستشكل لاحقًا جوهر فكرة حقوق الإنسان. وهكذا، ولدت السياسة كممارسة حرة نسبيًا، لكن لم تولد معها بعد فكرة الإنسان الكوني المتساوي في الحقوق.

أما في روما القديمة، فقد بلغ التطور القانوني درجة عالية من الدقة والصرامة، حيث تبلورت مفاهيم أساسية مثل الملكية، والعقد، والمسؤولية القانونية، ضمن منظومة قانونية عقلانية أثرت لاحقا في الفكر القانوني الغربي. غير أن هذا التقدم التقني في بناء القانون لم يكن مصحوبًا بإلغاء الفوارق الاجتماعية أو تحقيق المساواة، إذ ظل المجتمع الروماني مجتمعا هرميا توزع فيه الحقوق وفق الانتماء الطبقي. وهو ما يؤكد أن تطور القانون، في حد ذاته، لا يعني بالضرورة تحقق العدالة، بل قد يكرس أشكالا جديدة من التراتب داخل إطار أكثر تنظيما.

ومع بزوغ الفكر الديني في مراحله التوحيدية، بدأت تتبلور فكرة جديدة مفادها أن للإنسان كرامة متأصلة، باعتباره مخلوقا ذا قيمة روحية عليا. غير أن هذا الاعتراف ظل في الغالب اعترافًا أخلاقيًا وقيميًا، لم يتحول بعد إلى منظومة حقوقية مقننة، بل بقي محكوما بسلطة التأويل الديني وبمؤسسات الوساطة الروحية.

غير أن التحول الحاسم في تاريخ حقوق الإنسان سيأتي مع الفكر الحديث، حيث سيتم إعادة تعريف الإنسان بوصفه ذاتا عاقلة مستقلة، تمتلك حقوقًا طبيعية سابقة على الدولة نفسها. فقد أكد جون لوك  أن الإنسان يولد مزودًا بحقوق طبيعية غير قابلة للتنازل، مثل الحق في الحياة والحرية والملكية، وأن وظيفة الدولة لا تتمثل في منح هذه الحقوق، بل في حمايتها وتنظيمها (Locke, 1689/1988). وبذلك، انتقل مركز الثقل من السلطة إلى الفرد، ومن الامتياز إلى الحق.

وقد عمّق جون جاك روسو هذا التحول حين ربط شرعية السلطة بالإرادة العامة، معتبرًا أن السيادة لا يمكن أن تكون مشروعة إلا إذا كانت تعبيرا عن الإرادة الجماعية الحرة، وهو ما يعني أن السلطة نفسها لا تكتسب معناها إلا من خلال انبثاقها من الشعب، لا من فوقه (Rousseau, 1762/2002). وهكذا، أصبحت الحقوق جزءًا من بنية العقد الاجتماعي، لا مجرد امتيازات ممنوحة.

ومع القرن العشرين، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، تم الانتقال بحقوق الإنسان إلى مستوى كوني مؤسساتي، من خلال اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي رسّخ فكرة أن جميع البشر يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس أو الانتماء السياسي (United Nations, 1948). وقد شكل هذا الإعلان لحظة تأسيسية في تحويل حقوق الإنسان من فلسفة معيارية إلى مرجعية دولية ملزمة أخلاقيا وسياسيا.

غير أن هذا الطابع الكوني، رغم أهميته التاريخية، لم ينه الإشكال، بل أعاد صياغته بشكل أكثر تعقيدا. إذ لم يعد السؤال هو: ما هي حقوق الإنسان؟ بل أصبح: كيف يمكن تفعيل هذه الحقوق داخل سياقات تاريخية وثقافية وسياسية متباينة؟ وكيف يمكن التوفيق بين عالمية المبدأ وخصوصية الواقع؟ وهنا تتجدد الإشكالية في صيغتها الأكثر حدة والمتمثلة في الفجوة بين الكوني والمحلي، وبين النص والتطبيق، وبين المعيار والممارسة.

ثانيًا: التجربة الدستورية المغربية: من التراكم الإصلاحي إلى سؤال التحول البنيوي:

يكشف المسار الدستوري المغربي، عند قراءته في امتداده التاريخي، عن دينامية إصلاحية تدريجية اتسمت بالانتقال من الاعتراف المحدود والمتدرج بالحقوق والحريات، إلى توسيع نسبي في نطاقها، وصولا إلى لحظة دستور 2011 الذي مثل، من الناحية المعيارية، محطة مفصلية في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وحقوق الإنسان. غير أن هذا المسار، رغم طابعه التطوري الواضح، لا يمكن فهمه باعتباره خطًا مستقيمًا نحو التقدم، بل بوصفه مسارا مركبًا تحكمه تفاعلات دقيقة بين منطق الإصلاح ومنطق الاستمرارية، وبين مطلب التحديث وإكراهات الاستقرار.

ففي الدساتير الأولى، وخاصة دستور 1962، تم إدراج مجموعة من الحقوق الأساسية ضمن البنية الدستورية للدولة، غير أن هذه الحقوق ظلت في الغالب محكومة بصياغات عامة ومرنة، تفتقر إلى آليات التفعيل الصارمة، مما جعلها أقرب إلى إعلان مبادئ منها إلى ضمانات قانونية فعلية. وقد ارتبط هذا الوضع بسياق تاريخي كانت فيه أولوية الدولة تتمثل في ترسيخ الاستقرار السياسي وبناء المركز المؤسساتي، وهو ما يتقاطع مع أطروحات  صامويل ب. هنتنغتون التي ترى أن فترات الانتقال السياسي غالبًا ما تقدم النظام على الحرية باعتباره شرطًا أوليا للاستقرار المؤسسي (Huntington, 1991).

ومع مرحلة تسعينيات القرن الماضي، دخل المغرب في طور جديد من الانفتاح التدريجي على المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما تجسد في دستوري 1992 و1996، حيث تم لأول مرة التنصيص الصريح على التزام الدولة بالمواثيق الدولية. غير أن هذا التحول، رغم أهميته الرمزية والمعيارية، ظل محكومًا بمنطق التدرج الحذر، إذ لم يرافقه تغيير جذري في البنية المؤسساتية أو في آليات تفعيل الحقوق، مما أبقى الفجوة قائمة بين مستوى التنصيص ومستوى الممارسة.

أما دستور 2011، فقد مثل، من منظور تحليلي، لحظة إعادة تركيب للخطاب الدستوري المغربي، حيث تم توسيع منظومة الحقوق والحريات بشكل غير مسبوق، مع تعزيز موقع الاتفاقيات الدولية داخل الهرم القانوني، وإدراج مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقوية آليات المشاركة الديمقراطية. كما تم إرساء تصور أكثر تقدّما للحقوق باعتبارها منظومة متكاملة تشمل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وهو ما يعكس انفتاحا واضحا على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان.

غير أن هذا التحول المعياري، مهما بلغت أهميته، يظل محل سؤال نقدي جوهري: هل نحن أمام قطيعة دستورية فعلية تعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والحقوق على أسس جديدة، أم أمام إعادة صياغة متقدمة للمنظومة السابقة ضمن منطق الاستمرارية المؤسساتية؟ إن القراءة المتأنية للتجربة المغربية تظهر أن ما يميزها ليس منطق القطيعة، بل منطق التراكم الإصلاحي التدريجي، حيث يتم إدماج عناصر التحديث داخل بنية الدولة القائمة بدل تفكيكها وإعادة بنائها جذريا.

إن هذا الخيار التراكمي يمنح التجربة المغربية قدرا مهما من الاستقرار المؤسساتي، ويقلل من مخاطر الانفجار السياسي أو القطيعة غير المحسوبة، لكنه في المقابل يطرح إشكالا بنيويا يتعلق بإيقاع التحول نفسه، إذ إن التدرج، رغم عقلانيته السياسية، قد يؤدي إلى إبطاء مسار التفعيل الفعلي للحقوق، ويبقي الفجوة قائمة بين النص الدستوري والممارسة الواقعية. وهنا تتجلى المفارقة المركزية التي تحكم هذا النموذج: تقدم واضح على مستوى البناء المعياري، يقابله بطء نسبي على مستوى التحقق العملي.

ومن ثم، فإن التجربة الدستورية المغربية لا تفهم فقط بوصفها مسارا قانونيا، بل بوصفها أيضا تعبيرا عن توازن دقيق بين مطلبين متعارضين نسبيا: مطلب التحديث الحقوقي وفق المرجعية الكونية، ومطلب الحفاظ على استمرارية الدولة واستقرارها التاريخي. وهو ما يجعل من سؤال "التحول الحقوقي" في المغرب سؤالا مفتوحا، لا يحسم فقط بالنصوص، بل بمدى قدرتها على التحول إلى ممارسة اجتماعية ومؤسساتية فعّالة داخل الواقع

ثالثا: كونية الحقوق وخصوصية السياق: جدلية التوتر وإمكانات التركيب

تعد العلاقة بين الكونية والخصوصية من أكثر الإشكالات تعقيدا في حقل حقوق الإنسان المعاصر، بل يمكن اعتبارها الإشكال النظري المركزي الذي يتقاطع عنده البعد الفلسفي بالقانوني، والسياسي بالثقافي. فحقوق الإنسان، في صيغتها الدولية الحديثة، تقوم على افتراض أساسي مفاده وجود طبيعة إنسانية مشتركة تبرر تعميم مجموعة من الحقوق باعتبارها صالحة لكل البشر، في كل زمان ومكان. غير أن هذا الافتراض، رغم قوته المعيارية، يصطدم عند الانتقال إلى الواقع التاريخي بتعدد السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي تنتج تمثلات مختلفة للحرية، والعدالة، والسلطة، والواجب.

إن الكونية، في بعدها الحقوقي، لا تُفهم بوصفها مجرد توسع جغرافي للمعايير الغربية الحديثة، بل بوصفها مشروعا فلسفيا يسعى إلى إرساء حد أدنى من القيم المشتركة التي تضمن الكرامة الإنسانية خارج أي انتماء خاص. فهي تقوم على مبدأ التعميم المعياري، الذي يفترض أن الإنسان، بما هو إنسان، يملك حقوقا غير قابلة للتصرف أو التقييد الثقافي. في المقابل، تنطلق الخصوصية من فكرة مغايرة، ترى أن القيم لا يمكن فصلها عن سياقاتها التاريخية، وأن لكل مجتمع حقا في صياغة تمثلاته الخاصة للعدالة والحرية، وفقًا لتراكماته الثقافية والدينية والاجتماعية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في وجهات النظر، بل بتوتر بنيوي عميق بين منطقين مختلفين في إنتاج المعنى الحقوقي: منطق كوني يسعى إلى التجريد والتعميم، ومنطق سياقي يميل إلى التحديد والتموضع. فبينما تميل الكونية إلى تقديم الحقوق باعتبارها مبادئ فوق-تاريخية تتجاوز الحدود، تميل الخصوصية إلى إعادة تأطير هذه الحقوق داخل شروطها التاريخية، بما يجعلها قابلة للتكيّف مع الواقع المحلي دون أن تفقد ارتباطها بهويته.

وقد أشار جاك دونيلي Jack Donnelly إلى هذا التعقيد حين بين أن الطابع الكوني لحقوق الإنسان لا يعني تجاهل السياقات، بل يقتضي فهم كيفية تفاعل هذه الحقوق مع البيئات الثقافية المختلفة، دون الوقوع في النسبية المطلقة التي تفرغها من مضمونها المعياري (Donnelly, 2013). ومن ثم، فإن الإشكال لا يتمثل في رفض الكونية أو الخصوصية، بل في كيفية بناء علاقة جدلية بينهما تسمح بالحفاظ على البعد المعياري للحقوق دون تجاهل شروط تحققها التاريخي.

في هذا الإطار، تكتسب التجربة المغربية دلالة تحليلية خاصة، لأنها تجسد بشكل واضح هذا التوتر بين الانخراط في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان وبين الحفاظ على الثوابت المرجعية الوطنية. فالدستور المغربي، خاصة منذ 2011، يُعلن انفتاحا صريحا على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ويقر بسموها النسبي داخل المنظومة القانونية، وفي الوقت ذاته يؤكد على خصوصيات الهوية الوطنية والثوابت الجامعة. هذا التداخل يُنتج صيغة مركبة يمكن وصفها بـالكونية المووَّلة، أي كونية لا تستنسخ بشكل ميكانيكي، بل تعاد قراءتها وإعادة إنتاجها داخل إطار سياقي محدد.

غير أن هذا النموذج المركب، رغم ما يوفره من توازن سياسي وقانوني، لا يخلو من إشكالات نظرية وعملية. فهو يطرح سؤال حدود التأويل: إلى أي مدى يمكن تكييف المبادئ الكونية دون تفريغها من مضمونها الأصلي؟ وأين تنتهي الخصوصية بوصفها إطارا للتكيف، وتبدأ بوصفها آلية للتقييد أو إعادة الإنتاج الانتقائي للحقوق؟ إن هذه الأسئلة تكشف أن العلاقة بين الكونية والخصوصية ليست علاقة فصل أو استبدال، بل علاقة توتر دائم تتطلب إدارة دقيقة ومستمرة.

ومن منظور أعمق، يمكن القول إن هذا التوتر يعكس طبيعة الحداثة الحقوقية نفسها، التي لم تلغ الاختلاف بقدر ما سعت إلى تنظيمه داخل إطار معياري مشترك. فحقوق الإنسان، في بنيتها الفلسفية، ليست مشروعًا لإلغاء الخصوصيات، بل لإعادة ضبطها ضمن أفق إنساني مشترك يضمن الحد الأدنى من الكرامة والحماية القانونية. غير أن تحقيق هذا التوازن يظل مشروطًا بقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والثقافيين على إنتاج قراءة مرنة للكونية، لا تنزلق إلى التمركز الثقافي، وفي الوقت نفسه لا تقع في فخ النسبية المطلقة التي تفرغ الحقوق من مضمونها الكوني.

ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود التوتر بين الكونية والخصوصية، بل في كيفية تحويل هذا التوتر إلى فضاء إنتاجي يسمح بإعادة ابتكار الحقوق داخل السياقات المختلفة، دون فقدان طابعها الإنساني المشترك. وهو ما يجعل من تجربة حقوق الإنسان، سواء في المغرب أو غيره، تجربة مفتوحة باستمرار على إعادة التفاوض بين العالمي والمحلي، بين المعيار والتاريخ، وبين النص والممارسة.

رابعًا: الممارسة: حين تختبر النصوص حدودها وتنكشف رهانات الفعل الحقوقي:

إذا كان النص الدستوري يمثل مستوى المعيارية القانونية وإعلانًا عن تصور الدولة لذاتها ولعلاقتها بالمجتمع، فإن الممارسة تُعدّ المجال الحقيقي الذي تتجلى فيه حقيقة هذا التصور، حيث تنتقل الحقوق من فضاء التجريد إلى فضاء التحقق الفعلي. وفي هذا الانتقال تحديدا، تختبر قوة الدستور، لا بوصفه وثيقة قانونية فحسب، بل بوصفه بنية حية تقاس بقدرتها على إنتاج أثر اجتماعي ومؤسساتي ملموس.

وفي الحالة المغربية، يكشف هذا الانتقال عن مفارقة مركزية: فبينما يسجل تقدم واضح على مستوى النصوص الدستورية والتشريعية، بما يعكس انخراطًا متزايدا في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، تظل الممارسة مجالا تتداخل فيه الإنجازات مع حدود بنيوية تبطئ من وتيرة التفعيل الكامل للحقوق. وهكذا يظهر نوع من الانفصال النسبي بين "حقوق معلنة" و"حقوق مُفعّلة"، بين خطاب دستوري متقدم وواقع اجتماعي ومؤسساتي أكثر تعقيدًا.

فمن جهة أولى، تشير العديد من التقارير الدولية، من بينها تقارير (Human Rights Watch)، إلى استمرار بعض التحديات المرتبطة بالحريات العامة، مثل حرية التعبير والتجمع، إلى جانب تفاوتات في ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رغم التقدم التشريعي والمؤسساتي المسجل في السنوات الأخيرة (Human Rights Watch, 2023). ولا يعني ذلك غياب الإصلاح، بقدر ما يعكس بطء الترجمة الفعلية للنصوص القانونية إلى ممارسات مستقرة وموحدة على أرض الواقع.

ومن جهة ثانية، تظهر التجربة أن الحقوق الاجتماعية، مثل الحق في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، تظل مرتبطة بشكل وثيق بقدرات الدولة الاقتصادية وبفعالية السياسات العمومية، مما يجعلها رهينة إكراهات بنيوية تتجاوز النص القانوني إلى شروط التدبير العمومي ذاته. وهنا يتضح أن الإشكال لا يكمن في غياب الاعتراف بالحقوق، بل في شروط إنتاج العدالة الاجتماعية داخل سياق اقتصادي واجتماعي غير متكافئ.

ويكتسب هذا التحليل بعدًا أعمق عند مقارنته مع أطروحات يورغن هابرماس(Jürgen Habermas)، الذي يؤكد أن فعالية الحقوق لا يمكن أن تتحقق إلا داخل فضاء عمومي ديمقراطي يقوم على التداول الحر والعقلاني، حيث تتفاعل المؤسسات مع المجتمع المدني في إطار من الشفافية والمساءلة (Habermas, 1996). غير أن بناء مثل هذا الفضاء يظل عملية تدريجية ومعقدة، تتطلب ليس فقط إصلاحات قانونية، بل أيضا ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على المشاركة الفعلية، واحترام التعدد، وتوسيع إمكانات النقاش العمومي.

ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال الفجوة بين النص والممارسة في كونها خللا قانونيا أو قصورا مؤسساتيًا فحسب، بل ينبغي فهمها بوصفها تعبيرا عن مسار تحول اجتماعي طويل، تتداخل فيه البنى السياسية مع الثقافة المجتمعية، وتتشابك فيه آليات الدولة مع ديناميات المجتمع. فحقوق الإنسان، في هذا السياق، ليست مجرد قواعد تطبّق، بل هي ممارسة تاريخية تبنى تدريجيًا عبر التفاعل بين الفاعلين المختلفين داخل المجتمع.

ومن ثم، فإن التجربة المغربية تظهر أن الانتقال من "الاعتراف الدستوري بالحقوق" إلى "التفعيل الفعلي لها"  لا يتم بشكل تلقائي أو ميكانيكي، بل يمر عبر مسار مركب يتطلب توافر شروط متعددة: كمؤسسات قوية وفعالة، وقضاء مستقل، ومجتمع مدني نشط، وثقافة سياسية تؤمن بالفعل بالحقوق بوصفها ممارسة يومية وليست مجرد إعلان دستوري.

وفي ضوء ذلك، يصبح من المشروع طرح السؤال التالي: هل ما نشهده هو تحول بنيوي عميق في فلسفة الدولة، يعيد تعريف علاقتها بالحقوق والحرية، أم أننا بصدد تحديث مهم في مستوى النصوص، لم يواكبه بعد تحديث مماثل في مستوى البنيات والذهنيات؟ إن هذا السؤال يظل مفتوحا، لأنه يمس جوهر الإشكال الحقوقي ذاته، حيث لا تقاس قوة الدساتير بما تنص عليه فقط، بل بما تنتجه من تحولات فعلية في حياة الأفراد والمجتمع.

على سبيل الختام: نحو أفق حقوقي يتجاوز ثنائية النص والواقع:

تكشف هذه الدراسة، في مجمل مسارها التحليلي، أن إشكالية حقوق الإنسان لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة بين "نصوص متقدمة" و"ممارسات متأخرة"، بل هي تعبير عن سيرورة تاريخية معقدة تتداخل فيها التحولات الفلسفية مع التحولات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية. فحقوق الإنسان ليست معطى نهائيا مكتمل البناء، بل مشروع مفتوح على التحقق، يتقدم ويتراجع وفق توازنات القوى، ووفق مدى نضج البنى القانونية والثقافية التي تحتضنه.

وفي الحالة المغربية، يتضح أن المسار الحقوقي لم يتأسس على منطق القطيعة الجذرية، بل على منطق التراكم التدريجي، حيث يتم إدماج الإصلاحات داخل بنية الدولة القائمة بدل تفكيكها. وقد شكل دستور 2011 لحظة مفصلية في هذا المسار، من خلال توسيع منظومة الحقوق والحريات، وتعزيز المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، وإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر انفتاحًا. غير أن هذا التطور المعياري، رغم أهميته، لم يترجم دائما إلى تحول مماثل على مستوى الممارسة، مما يبقي الفجوة بين النص والتطبيق قائمة بوصفها أحد أبرز التحديات الراهنة.

إن الرهان الأساسي الذي تكشفه هذه الدراسة لا يتعلق بإنتاج المزيد من النصوص القانونية، بل بمدى القدرة على تحويل النصوص القائمة إلى واقع معاش، يعيد الثقة في القانون، ويعزز مصداقية المؤسسات، ويجعل من الحقوق ممارسة يومية وليست مجرد إعلان دستوري. ومن ثم، فإن الانتقال المطلوب ليس انتقالا شكليا، بل انتقالا نوعيا من مستوى "الاعتراف بالحقوق" إلى مستوى "التمتع الفعلي بها" ، ومن منطق "الشرعية القانونية"  إلى منطق "الشرعية الاجتماعية" ، ومن "النصوص المعيارية"  إلى "العدالة الملموسة".

وفي ضوء ذلك، يمكن استخلاص النتائج التالية:

نتائج الدراسة:

حقوق الإنسان هي نتاج مسار تاريخي وفلسفي طويل ومركب، وليس معطى جاهزًا أو ثابتا.

الحضارات القديمة أسست أساسا لمنطق النظام والقانون، أكثر مما أسست لفكرة الحرية الفردية، مع بدايات تدريجية لعقلنة السلطة.

الديانات السماوية أسهمت في ترسيخ فكرة كرامة الإنسان من منظور أخلاقي وروحي، حيث قدّم الإسلام نموذجا متوازنا يجمع بين الحق والواجب ضمن تصور شمولي للعدالة.

الفكر الحديث أحدث تحولا جذريا، بنقل الحقوق من منحة سلطوية إلى حقوق طبيعية وعقلانية قائمة على العقد الاجتماعي، قبل أن يتم تدويلها بعد الحرب العالمية الثانية.

مثل دستور 2011 نقلة نوعية على مستوى التنصيص الحقوقي في المغرب، غير أن تحديات التفعيل ما تزال قائمة على مستوى الممارسة.

الإشكال المركزي الراهن يتمثل في استمرار الفجوة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية، في ظل توتر دائم بين الكونية الحقوقية والخصوصيات المحلية.

التوصيات:

تعزيز استقلال السلطة القضائية وضمان فعاليتها كضامن أساسي للحقوق والحريات.

تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل عملي وشفاف داخل المؤسسات العمومية.

تعميم ثقافة حقوق الإنسان داخل المنظومة التعليمية والإعلامية، بما يرسخ الوعي الحقوقي المجتمعي.

تقوية دور المجتمع المدني باعتباره فاعلا رقابيً وشريكا في صياغة وتقييم السياسات العمومية.

تسريع ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بشكل أعمق وأكثر شمولا.

اعتماد مقاربة شمولية لحقوق الإنسان، تربط بين البعد القانوني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بدل الاقتصار على المقاربة القانونية الضيقة.

وفي النهاية، تؤكد هذه الدراسة أن مستقبل حقوق الإنسان في السياق المغربي، كما في غيره من السياقات المشابهة، لن يحسم فقط على مستوى النصوص الدستورية أو التشريعية، بل على مستوى القدرة الجماعية على تحويل هذه النصوص إلى ثقافة مؤسساتية ومجتمعية، تجعل من الحقوق ممارسة يومية، ومن القانون ضمانة فعلية للكرامة الإنسانية، لا مجرد إعلانٍ معياري معلق بين الطموح والواقع.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

تبدو القضية التربوية في مجتمعاتنا اليوم وكانها معركة صامتة بين عقل يراد له ان ينطلق، ومنظومة تصر على تصفيده بالاغلال، حيث تبرز معضلة التلقين كقضية حاسمة لا تمس فقط جودة التعليم، بل تمس جوهر الهوية والمستقبل. ان ما يحدث في قاعات الدرس ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو عملية هندسة اجتماعية متعمدة، تعلي من شان الحفظ باعتباره قمة الهرم القيمي، وتتعامل مع التفكير النقدي بوصفه خطرا داهما يهدد استقرار الافكار والقوالب الجاهزة. هذا الاختيار المنهجي ليس وليد الصدفة، بل هو استراتيجية سلطوية تدرك تماما ان العقل الذي يسأل هو عقل يصعب ترويضه، لذا تستبدل ملكة الفهم بملكة الاسترجاع، ويصبح الطالب المثالي هو الاكثر قدرة على استنساخ اجابات الماضي لا على ابتكار اسئلة الحاضر.

اننا امام صناعة ممنهجة للجهل المتعلم، حيث يتضخم حجم المعلومات في العقول بينما تضمر القدرة على تحليلها، فيتحول التعليم من رحلة استكشاف الى طقس من طقوس الطاعة الفكرية. السلطات التي تخشى التغيير تجد في التلقين الدرع الواقي، فهي لا تريد علماء يفككون الواقع ويعيدون بناءه، بل تريد مرددين يمنحون الشرعية للموروث دون فحص. وبهذا يتحول التعليم الى عملية حقن مستمرة للوعي الزائف، حيث يكافأ الصبية على قدراتهم التخزينية وتصرف الجوائز لمن يجيد الترديد، بينما يدفع المفكر الحقيقي الى الهامش، لانه يرفض ان يكون مجرد وعاء لتجارب الاخرين.

هذا التغييب المتعمد للعقل النقدي ينتج اجيالا تعاني من العجز الادراكي، فهي تعرف ماذا تقول لكنها لا تدرك لماذا تقوله، مما يجعلها لقمة سائغة لاي فكر شمولي او تضليل اعلامي. ان تكريس التلقين هو في الحقيقة اعلان وفاة للابداع، لان الابداع يبدأ من حيث تنتهي المسلمات، بينما التلقين يبدأ وينتهي عند تقديسها. وبمرور الوقت، يتحول المجتمع الى قطيع معرفي، يمتلك اعلى الشهادات لكنه يفتقر الى ابسط ادوات المنطق، ليظل السؤال المعلق في اروقة وزارات التربية والتعليم: هل نحن بصدد بناء عقول تبني المستقبل، ام اننا نقوم بترميم سجون فكرية نطلق عليها زورا مسمى مدارس وجامعات؟ ان الكارثة الحقيقية تكمن في اننا لا ننتج الجهل بالصدفة، بل نزرعه بعناية فائقة، ثم نتساءل بكل براءة عن اسباب تخلفنا عن ركب الحضارة، متناسين ان الحضارة لا تبنى بمن يحفظون التاريخ، بل بمن يمتلكون الشجاعة لنقده وصناعته.

***

د. محمد الربيعي

 بروفيسور متمرس ومستشار، جامعة دبلن

الكولونيالية الغربية والحاضنات الثلاث لنشأة الكيان الإسرائيلي/ الجزء الثالث

أولاً: الحاضنة البريطانية: عمل الانتداب البريطاني على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى على إيجاد مساحة مهمة لليهود؛ من أجل تحقيق حلمهم الكبير في الهجرة إلى فلسطين أولاً، وتحقيق غايتهم المهمة في إنشاء دولتهم المفترضة المنصوص عليها في الاتفاقات التي تمت مع الاستعمار البريطاني. ومن هذا المشروع ذي التصورات الكولونيالية في المنطقة، عملت بريطانيا على ترسيخ مفاهيم عديدة عن تاريخية إسرائيل وحقوق "الشعب اليهودي" في المنطقة، وعلى هذا الأساس انتعشت "آمال الحركة الصهيونية بإمكانية تحقيق الوطن القومي الموعود، وعملت سلطات الانتداب جاهدة على تسهيل الهجرة اليهودية، لتوسعة مجتمع (اليشوف) -اليهود المستوطنون- في فلسطين، كما ساعدت في نشوء الميليشيات الصهيونية المسلحة، وأمدتها بالخبرات والتدريب والسلاح، في مقابل التضييق الخانق على الفلسطينيين ومنعهم من تطوير قدراتهم القتالية للذود عن بيوتهم وأرضهم"(1).

وهذه الممارسات التي عمل عليها الاستعمار البريطاني وحاول تطبيقها بصورة عامة، أسهمت أيضاً في العمل على ممارسات أخرى تصب في مصلحة اليهود وفي السياق نفسه؛ أي أن هذا الاستعمار عمل قبل ستة أشهر من انسحاب قواته عام (1948) على إجلاء قواته من المناطق التي تتواجد فيها الميليشيات اليهودية، وجعل كل ما في المعسكرات من ذخيرة وعتاد لصالح المشروع الصهيوني، وتهيأ ميناء حيفا لاستقبال اليهود المهاجرين، وكذلك من أجل جعل هذا الميناء بوابة حقيقية لتزويد الجماعات المسلحة اليهودية بكل ما تريده من أجل إخضاع الآخر الفلسطيني لسيطرة هذه الجماعات(2).

لذا يمكن أن نستنتج دور الحاضنة البريطانية بما يأتي:

1. على المستوى السياسي: قام الاستعمار البريطاني بالمساهمة الفاعلة في إنشاء هذا الكيان سياسياً من خلال وعده المعروف بـ "وعد بلفور"، وتقديم كل ما يسهم في تدعيم فكرة إنشاء هذا الكيان ثقافياً وأخلاقياً ودينياً، على اعتبار أن اليهود في العالم أجمع ارتكنوا إلى هذا الوعد وتمركزوا حول فكرته؛ لجعله الخانة السياسية التي توفر الغطاء الشرعي لهذا الكيان.

2. على المستوى العسكري: ساعد الاستعمار البريطاني في جعل أرض فلسطين أرضاً صالحة لنمو هذا الكيان عسكرياً، من خلال تزويد ميليشياته بالموارد العسكرية والخبرات والتدريب، بل إنه ترك له بعد الانسحاب ما يجعله يزداد قوة وعنفاً تجاه السكان المحليين الأصليين لهذه الأرض التي أهداها لليهود وميليشياتهم.

3. على المستوى الاقتصادي: أسهم الاستعمار بتوفير ما تحتاجه الجماعات اليهودية والميليشيات المسلحة من خلال توفير بوابة اقتصادية تعد من الممرات المهمة في دعم الكيان الناشئ، وهي "ميناء حيفا" الذي أصبح من أهم النوافذ البحرية لهذا الكيان.

4. على المستوى البشري: أسهم الاستعمار البريطاني في تأمين الهجرة إلى فلسطين من خلال فسح المجال لليهود بالهجرة اللازمة وبالأعداد المفتوحة، وعدِّ فلسطين وطنهم الأم بعد أن كانوا مشتتين في بقاع الأرض.

5. على المستوى الإداري: أسهم الاستعمار البريطاني في بناء وتشكيل العقلية اليهودية إدارياً في بناء فكرة الدولة على أسس تنظيمية استقاها من البريطانيين أنفسهم، الذين مدوه بالخبرات والتدريبات الكافية؛ ليكون اليهودي قادراً على إدارة مناطقه -التي أخضعها بالقوة- إدارياً وتنظيمياً في مواجهة التحديات التي تهدد وجوده.

ثانياً: الحاضنة الفرنسية

إن الدور الفرنسي أعقب الدور البريطاني، وكانت الحاضنة الفرنسية داعمة ومكملة ومتبادلة في الظهور مع الدور البريطاني الذي بدأ يخفت قليلاً، إذ "أتت فرنسا، التي تلاقت مصلحتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مع مصلحة إسرائيل، على خلفية عدائهما المشترك للرئيس جمال عبد الناصر، الذي اتهمته باريس بدعم الثورة الجزائرية وأنظمة التحرر الوطني في أفريقيا"(3). مما دعا الاستعمار الفرنسي في هذه المنطقة إلى دعم الكيان الجديد الذي يعد جزءاً مهماً من أطر السيطرة والتمييز الجديدة التي يمارسها الاستعمار بشقيه البريطاني والفرنسي.

تميز هذا الدعم بوصفه مجالاً مكملاً للدعم البريطاني، وللعمل مع هذا الكيان لتحقيق أهداف أبعد مما هو ظاهر للعيان في أرض فلسطين، بل يمتد إلى خارجها أيضاً، ومن أمثلة ذلك: "قدمت باريس إلى تل أبيب عشية العدوان الثلاثي على مصر (72 طائرة ميستير-4 النفاثة، و200 دبابة من طراز AMX-13، و20 ناقلة دبابات، و30 شاحنة عسكرية، ومدافع 155 ملم). ونظراً لضخامة تلك الصفقة سميت (الفيضان)، وكان السلاح الرئيس الذي استخدمته القوات الإسرائيلية في حرب 1967"(4).

وكل هذه الأسلحة التي سلمتها فرنسا للكيان كانت فيها مصلحة مشتركة، وهذا يدلل على حقيقة الأهداف الاستعمارية؛ إذ يُستخدم هذا الكيان لضرب وحدة المنطقة العربية بزرعه في وسطها من جهة، ومن جهة أخرى يُستخدم بوصفه يداً مساعدة لضرب بقية المناطق وشعوبها التي تعارض الوجود الاستعماري، كما حصل في حرب 1967. وهذه الحاضنة عملت بشكل علني على تأييد هذا الكيان من خلال تكريم قادته ومؤسسيه، وعلى هذا الأساس قام الجنرال (شارل ديغول) عام 1961 بتكريم "بن غوريون في قصر الإليزيه بقوله: (نخب إسرائيل صديقتنا وحليفتنا)... لم يقتصر الدعم الفرنسي على السلاح التقليدي، فمنذ العام 1957، بدأ العمل بمشروع (لافوزيه) في مفاعل (ديمونا) لمساعدة إسرائيل على امتلاك القدرة النووية، التي أمنت لها شبكة ردع غير تقليدية تجاه محيطها العربي والإسلامي"(5)، مما جعل فرنسا تمنح هذا الكيان تفوقاً على كل دول المنطقة.

نستنتج مما تقدم أن الحاضنة الفرنسية ركزت على المستويات التالية:

1. المستوى السياسي: قدم الاستعمار الفرنسي أشكال الدعم والاعتراف بالكيان، وجعله حليفاً فوق العادة لفرنسا صاحبة المقعد الدائم في الأمم المتحدة.

2. المستوى الاقتصادي: دعم البناء الداخلي من خلال الصناعات المختلفة، ومنها الصناعات العسكرية المتقدمة.

3. المستوى العسكري: توفير الأسلحة التقليدية (طيران، دبابات)، والأسلحة غير التقليدية عبر المفاعل النووي.

4. مستوى المصالح المشتركة: استخدام الكيان كأداة لضرب الأهداف المعادية للمصالح الاستعمارية وجعله شريكاً كاملاً في حروب المنطقة.

ثالثاً: الحاضنة الأمريكية

لم يكن للدورين البريطاني والفرنسي كفاية في فسح المجال لقيام ونهضة هذا الكيان في سنواته المقبلة، بل كان للدور الأمريكي كلمته الفصل في انطلاقته. إن هذه البداية للدور الأمريكي كانت قريبة جداً من الدعم المباشر الذي قدمته بريطانيا وفرنسا، إذ أبدت الولايات المتحدة "حماستها الكلية للمشروع الصهيوني في آذار 1919، قال الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسون): لقد قررت الأمم المتحدة المتحالفة، إلى جانب التأييد القوي لحكومتنا وشعبنا، وضع الأساس للدولة اليهودية في فلسطين. وتجسد الأمر عملياً عام 1924 في الاتفاقية الأنجلو-أمريكية، التي تشير بصراحة إلى حق اليهود في إقامة وطن قومي فيها" (6). وهذه المقدمات كانت ضمن المشروع الكلي للكيان الغربي لبناء دويلة في المنطقة لأسباب حضارية واقتصادية وسياسية وعسكرية، مما دعا الولايات المتحدة للانخراط في المشروع ثم قيادته لاحقاً، وهذا ما يؤكده انتقال مركز القوة في النظام العالمي الجديد إلى أمريكا. وقد دعا الرئيس (هاري ترومان) إلى "السماح بهجرة مئة ألف يهودي إلى فلسطين، والإقلاع عن سياسة (الكتاب الأبيض) التي حدّت من الهجرة نسبياً. فرد (بن غوريون) شاكراً: لم أعد أشك أن مركز الجاذبية لعملنا السياسي في الميدان الدولي انتقل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة التي تتزعم العالم"(7). تطورت هذه العلاقة إلى مرحلة الدعم العسكري والاستراتيجي، وأصبحت المنطقة من أولويات الولايات المتحدة في تنافسها مع الاتحاد السوفيتي. هذا الصراع دعا واشنطن لدعم الكيان الصهيوني ليكون منطقة نفوذها الأهم، وتحول الدعم إلى رعاية شاملة كما وصفها (شيمون بيريز)، إذ يرى أن الرعاية بدأت بشكل مباشر "مع تسلم (جون كينيدي) ونائبه (ليندون جونسون) مقاليد السلطة... وتم تزويدنا بالطائرات والدبابات أواسط الستينيات. وعشية حرب 1967، حصلت تل أبيب على طائرات (سكايهوك) و250 دبابة باتون–م 48. وفي أعقابها أصبحت الولايات المتحدة الراعي الأول للكيان عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً وعلمياً"(8).

نستنتج مما تقدم أن الحاضنة الأمريكية تميزت بالمستويات التالية:

1. التفوق على الدور البريطاني والفرنسي: حيث جعلت الكيان من أولوياتها في صراع القطب الواحد وصورة لقيمها الحضارية في المنطقة.

2. المستوى السياسي: سن قوانين (مثل معاداة السامية) لجعل الكيان غير قابل للنقد دولياً وفرض عقوبات على معارضيه.

3. المستوى الاقتصادي: تقديم دعم لا محدود جعل الاقتصاد الصهيوني مهيمناً إقليمياً في قطاعات صناعية وتقنية عديدة.

4. المستوى العسكري: ضمان "التفوق النوعي" الدائم بأحدث الأسلحة، والتدخل المباشر لحماية الكيان من الهزيمة كما يظهر في الحروب المعاصرة.

5. المستوى العلمي والتقني: توفير الدعم التقني في الحروب الإلكترونية والصناعات الحربية، مما جعل التفوق الصهيوني تفوقاً "مكتسباً" بفضل التجهيزات الأمريكية.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

.....................

الهوامش:

1. محمد خواجه: استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2014، ص26.

2. ينظر: المصدر نفسه، ص25، ص27.

3. المصدر نفسه، ص27.

4. المصدر نفسه، ص27.

5. المصدر نفسه، ص27.

6. المصدر نفسه، ص28.

7. المصدر نفسه، ص28.

8. المصدر نفسه، ص28.

لقد تم ذكر مفهوم النور والظلمة في القرآن الكريم، باعتبارهما رمزين للحياة الإنسانية والوجود كله. فالقرآن الكريم كثيرًا ما جمع بين النور والظلمات ليُجسّد معاني الهداية والضلال، والإدراك والغفلة، قال تعالى: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"1. وفي الفكر الصوفي نجد إشارات واسعة إلى أن النور ضياء يُبصر به وهو إشراق البصيرة أيضًا، وأن الظل ليس مجرد غياب للشمس، بل سكونٌ تستريح فيه الأرواح وتستتر فيه الأسرار. حتى الفلاسفة المسلمون، كابن سينا والفارابي، اعتبروا النور مبدأ الإدراك، والظلمة مبدأ الخفاء الذي لا يُدرك إلا بنور يوضحه.

وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نستعير من تراثنا الإسلامي عدسة الضوء والظل لنطلّ منها على العلاقات الإنسانية، حيث إن التشابه بين الحقول المعرفية المختلفة يمنحنا فرصة إسقاط حقل أسهل في تفسير حقل أصعب، وهو ما يُطلق عليه في نظرية النظم التشاكل البنيوي. لاحظ بيرتالانفي، وهو عالم أحياء نمساوي وصاحب كتاب نظرية النظم، أن القوانين التي تحكم نمو خلية بكتيريا قد تشبه بشكل مذهل القوانين التي تحكم نمو شركة كبرى أو مدينة. هذا التشابه في الهيكل أو البنية بين مجالات مختلفة تمامًا هو ما سماه التشاكل.

ومن هذا المبدأ وجدنا أن العلاقات تتشابه بشكل مذهل أيضًا مع قوانين الضوء والظل وبنية العلاقات، فالعلاقات هي في جوهرها مزيج بين الضوء والظل يتكاملان ليكشفا لنا حقيقتها. إن ما نحياه من تقارب أو جفاء، وضوح أو غموض، إنما هو انعكاس لهذه الثنائية العميقة.

إن مبحث الضوء والظل في العلاقات الإنسانية، الذي سنخوض فيه هنا، يسعى إلى إعادة قراءة سلوكنا وتواصلنا انطلاقًا من هذه الثنائية الوجودية، في محاولة لضبط السيولة المعرفية التي تحكم العلاقات وتحديدها في قوانين ليست صارمة، لكنها تقدم لنا أدوات للفهم بشكل أفضل. ومن هنا ننتقل من الرؤية التراثية الرمزية للضوء والظل إلى توظيفهما كأدوات عملية لفهم أنفسنا والعالم من حولنا.

مثال على ذلك: عندما نسلّط ضوءًا على جسم مادي معتم، كجدار على سبيل المثال، فإن مركز شعاع الضوء يكون أكثر سطوعًا على الجزء المقابل تمامًا للجدار، أما باقي الأجزاء فيكون فيها الضوء أقل سطوعًا بالتدريج إلى أن نصل إلى مكان معتم تمامًا لا يصله أي شعاع من الضوء.

الآن دعنا نستبدل الجسم المادي، وهو الجدار في المثال السابق، بصفحة معتمة من كتاب ما مكتوب عليها نص ما نريد قراءته. عندما نسلّط شعاع الضوء على جزء معتم من صفحة الكتاب، يتشكّل في المركز حيز دائري مضاء بوضوح، في حين تبقى بقية الصفحة في العتمة. نحن نستطيع أن نقرأ النص الواقع في المنطقة المضيئة بسهولة، أما الأجزاء المعتمة فتبقى غير مقروءة، في حين أن الكلمات القريبة من حافة الضوء تظهر بشكل باهت ويمكن قراءتها بصعوبة، وهي أشبه بظلال باهتة تُقرأ بصعوبة كما لو أنها تتأرجح بين الحضور والغياب، وهذا ما ندعوه بمنطقة الظل. وهذا ما قاله جوردن بيترسون ولكن بطريقة مختلفة حين قال: "إنك ترى الأشياء التي تسهّل تحركك للأمام باتجاه أهدافك المنشودة، ولكنك أعمى عن رؤية كل شيء"2.

هذه الفكرة البسيطة للضوء والظل يمكن تطبيقها على نصوص محكية أيضًا، أو على مشاهد من مسلسل تلفزيوني، أو لوحات فنية وغير فنية. إنها تنطبق على أمثلة لا حصر لها في الحياة والعالم. وبمجرد التدرب على هذه الفكرة واكتساب بعض المهارة، ستجد تطبيقاتها أينما حللت ووقتما تشاء. كلما شاهدت نشرة أخبار، أو قرأت رواية، أو سمعت قصة، أو حكى أحدهم حكاية أو سرد لك حادثة ما، كل تلك الحالات تنطبق عليها طريقة الضوء والظل.

وبنفس الطريقة نقول: نحن نفهم من النص الذي نقرأه فقط المنطقة المضاءة، أما المنطقة المعتمة فلا نفهمها. كذلك ينطبق الشيء نفسه في المحادثة؛ حيث نفهم فقط المنطقة التي يكون شعاع الضوء مسلطًا عليها، أما المنطقة المعتمة من الحديث فلا نراها ولا نلقي لها بالًا، في حين أن المنطقة التي تقع على التخوم يُساء فهمها أحيانًا بقصد وأحيانًا بغير قصد، وهي منطقة حيوية لتلاقح التجارب وتنمية العلاقات.

فالضوء هو شعاع النور (سواء كان فيزيائيًا أو إدراكيًا) المسلط على مكان معين مادي أو معنوي، ويتدرج في شدته من الضوء الخافت إلى الساطع بشدة قد تصل إلى حد العمى البصري. ومما يعزز فهمنا لوجود الضوء الإدراكي ما ورد في القرآن الكريم: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)3، وتشير إلى أن البصر هو مفهوم إدراكي وليس مجرد قدرة فيزيائية فقط.

نحن في هذا المبحث نستخدم منهج الضوء والظل بشكل حركي (ديناميكي)، حيث يتغير المعنى بناءً على تغير سياق الكلام، سواء كان السياق لفظيًا أو سياق الحدث، لذلك أحيانًا يتحول الضوء إلى ظل، والظل إلى ضوء في لحظة أخرى أو مكان آخر، في لعبة ديناميكية من الفهم وعدم الفهم، ومن الإظهار والإخفاء بشكل مستمر ودائم.

مثال على لعبة الضوء والظل: أسعد يقول: إن هذا المطعم المكسيكي أفضل المطاعم في المنطقة. ساري يرد: إن التاكو المكسيكي ذو مذاق طيب وأنا أحبه جدًا، وكلما أرتاد مطعمًا مكسيكيًا أطلب هذا النوع من الطعام. لنحلل هذا النص البسيط المكتوب، والذي هو في الأصل كان نصًا منطوقًا. أسعد وهو المرسل يسلط الضوء على أفضل المطاعم في المنطقة، أما نوعية الطعام فلم يصل إليها أي ضوء، وإن وصل إليها فسيكون ظلًا هزيلًا جدًا. أما ساري فقد سلّط الضوء على نوع الطعام الذي يحبه في المطعم ولم يتحدث عن جودة المطعم. أسعد قد سلّط الضوء على شيء شخصي مفضل لديه وهو يعتبر ضوءًا ساطعًا عنده، أما ساري فقد عتم على ضوء أسعد وسلّط ضوءه الساطع على موضوعه المفضل وهو جودة الطعام.

والآن إذا نظرنا من زاوية مختلفة، سنجد أن ساري قام بإزاحة ضوئية عندما أضاء جزءًا من الظل الذي كان في حديث أسعد، فقد أضاف إلى الحديث بعدًا آخر عندما تحدث عن الطعام الذي يفضله في المطاعم المكسيكية، ونقل ضوء أسعد إلى الظل. هذه الحركة التي قام بها ساري قد حولت الضوء إلى ظل والظل إلى ضوء، وهذا ما يحدث في المحادثات اليومية بشكل يومي ومتكرر معنا جميعًا.

من هذا المثال البسيط من محادثة عادية يتضح أن الضوء والظل هما لعبة الفهم والتواصل أو لعبة الإظهار والإخفاء. الضوء والظل منهج بسيط للفهم، لكنه يحتاج إلى تدريب لتحسين المهارة. تستطيع أن تسقطه على كثير من جوانب الحياة المختلفة: السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها. وهي ستفيد في فهم العلاقات البشرية بشكل أفضل وستحسن مستوى النظر إلى الأشياء والعلاقات بشكل كبير جدًا بواسطة هذه الطريقة البسيطة.

***

الكاتب نبيل عيدو

من حق المجتمع ان يفتقد حضور المثقف في ما يمرّ بالبلاد من احداث وازمات، ومن حق المجتمع أيضاً أن ينتقد المثقف على غيابه أو ضعف حضوره أو انشغاله عنه.

يمكن تصنيف منطقة العمل الثقافي في العراق الى:

١- منطقة قلقة، انموذجها المجتمع.

٢- منطقة باردة، انموذجها السلطة.

٣- منطقة ظل، انموذجها الغربة.

* في منطقة الظل، عبّر المثقف المغترب عن وفائه لبيئة بلده الاجتماعية، فقدّم اعمالاً بيّنت مشاعره تجاه معاناة الناس في بلاده، وكتب عن امنياته وتطلعاته واقتراحاته لتجاوز تلك المعاناة والأزمات، لكنه يظل كما المثقف في الداخل بحاجة الى قاعدة عمل جماعي لتغيير هذا الواقع السيئ، وهذا العمل الجماعي يحتاج الى مشروع يحظى بقبول وتبنّي من قِبل ثقافة النخبة والثقاقة الشعبية وهو ما لم يتحقق لحد الآن.

* اما المثقف الذي يعمل في منطقة باردة فهو مثقف رسمي يعمل موظفاً في مؤسسات الدولة الثقافية.

بشكل أو بآخر صاغ هذا المثقف ثقافته في أروقة الوزارات ومكاتب المسؤولين السياسيين، فأكتفى من نشاطه بلبس الأربطة وقصّ الأشرطة، فهو يعيش الواقع لكنه بعيد عن تفاصيل المشهد الحياتي بحكم جوّ المنطقة الباردة التي يعمل فيها. وليس ادلّ على برودة هذه المنطقة من مقطع الفديو الذي ظهر فيه رئيس الوزراء جالساً في مكتبه، ثم يدخل عليه شاعر العرب الاكبر الجواهري ليقدّم له الشاي، في وضع كشف بشكل جلي عن حالة الزكام الحادة المصابة بها ثقاقة الرئيس، فبرغم إعلانه رفض المحتوى بعد موجة استياء كبيرة جداً ابداها الشارع العراقي، اكدّت الفتاة التي قدّمت الفديو ان كل شيء تم بموافقة سيادته، وان التصوير تم في مكتبه، خلا تلك اللقطة التي يدخل فيها الجواهري على سيادته حاملاً (استكان الشاي) التي تم انتاجها بمساعدة الذكاء الاصطناعي. في مثل هكذا اجواء باردة، لن يشعر المثقف الرسمي بغياب غاز الطبخ او ارتقاع سعر الطماطم في السوق، او ارتفاع سقف الضرائب والكمارك واسعار الادوية وأجور الأطباء في العيادات الخاصة.

- اما المثقف الذي يعمل في منطقة قلقلة فهو مواطن مهموم، يعاني ويتألم، يكتب ويتكلم، لكنه لا يجد سبيلاً لرفع هذه (الغمة عن هذه الأمة)، بسبب انتشار القلق في كل جسم المجتمع الى الحدّ الذي لم يعد ممكناً السيطرة عليه، وهو ما يعني حالة الإدمان. أصابت هذه الحالة جزء المثقف المسؤول عن انتاج الهمّة بالضرر، فأصيب جزء مهم من خلاياه الحية بالتلف، فلم تعد نفسه لتجد أملاً حقيقياً قي التغيير، فراح يكتب لأجل الكتابة، أو يكتب كي لا يفارقه الشعور بأنه لا زال يؤدي ما عليه من مسؤولية ثقافية بحق المجتمع. بعضهم أصيبت ثقافته بنوبة حادّة افقدته الشهية للكتابة والنقد، حتى ان نفراً منهم اعتبر الكتابة والنشر والطبع هدراً مالياً لا يعود بالنفع في بلاد اصابت التفاهة مفاصل الحياة فيها، وظهر وباء الفشل والفساد بين المسؤولين السياسيين، ثم انتقلت العدوى الى الشارع.

يعيش العدد الاكبر من المثقفين العراقيين داخل البلاد، ويمكن تصنيفهم الى جيلين:

١- جيل العهد القريب، وهو جيل المثقفين قبل 2003م

٢- جيل العهد الجديد، وهو جيل المثقفين بعد 2003م

- يتنوع مثقف جيل العهد القريب الى:

١- مثقف استنزف الإنتظار عمره، وجار عليه الزمن حين اعتقل أحلامه وأمنياته في حكومة الظالمين قبل 2003م، ثم أصيب لاحقاً بالشلل الابداعي في حكومة الفاشلين بعد 2003م، فأصبح متقاعداً مشغولاً بدوائه وغذائه أما العمل الثقافي فتحوّل الى محطة استراحة في اخر العمر، يسمع قصيدة شعر هنا، ومحاضرة عن الادب او التاريخ او الفلسفة هناك، و.. و.. فلم يعد بمقدوره التفاعل مع افكار التجديد الثقافي وتغيير الواقع بأكثر من عبارات المباركة والثناء.

٢- مثقف ادرك بوعيه مآلات الحال في البلاد، فتمكن بانتباهه من حثّ اولاده على مغادرة البلاد كي يرفعوا عنه قلقه المتواصل عليهم بسبب اوضاع البلاد التي يراها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فلما رحلوا عنه، وظّف الباقي من قلقه في كتابات ومحاضرات تنوّعت بين استذكارٍ للماضي ودعوة هادئة الى ثقافة هادفة في زمن الطباعة الملونة والنشر الالكتروني التي لا يزيد ما قدمته للواقع برغم كثرتها عن حركة (بيدق الجندي في لعبة الشطرنج).لكن هذا المثقف لا يزال يعمل اعتقاداً منه ان الثقافة حياة لا موت فيها.

٣- مثقف لم يسعفه الحظ - برغم وعيه - ليتدارك وضعه المعاشي الصعب، فانشغل في خريفه بعمل يداري به معنوياته، ويداوي بمعاشه احتياجاته، فهو مثقف مهموم حدّ الإعياء، يحتاج الى القراءة والكتابة حاجته الى حبوب الضغط وعلاج السكر، يفرح اذا تذكره احدهم بتكريم أو هدية.

٤- مثقف وجد من يعوّضه بعد سقوط النظام عن سنوات اعتقاله ونضاله، فانشغل بالالتفات الى ترميم ما الحقه النظام البائد به من تعذيب جسدي وتعب نفسي وامراض مزمنة وعاهات مستديمة، فراح يرمم ما بقي له من عافية وراحة، فهو مثقف كرّس وقته للكتابة عن المعاناة والظلم والتعذيب التي لقيها واهله في سجون النظام البائد، وراح ينشر مذكراته ويقيم الندوات والمحاضرات للتعريف بذلك، لم يعد ثائراً كالسابق، حتى وهو يرى الفساد والفشل في مفاصل النظام الجديد، حتى وهو يرى معاناة الناس وهي تكبر يوماً بعد يوم، فما باليد حيلة وقد مضى من العمر اكثره، ولم يعد في العافية ما يكفي.

٥- مثقف قضى جزءاً مهماً من عمره في زمن الظلم والدكتاتورية، حرص على تنمية وعيه الذاتي بعيداً عن اعين السلطة طلباً للسلامة، فهو مثقف يقرأ ويكتب وينشر ما لا يزعج الحاكم ولا يستفز اجهزة الأمن. يكتب لكي يشعر انه لا زال على قيد الوجود. ولما ولى ذلك الزمن الاغبر، كان هذا المثقف معافى ثقافياً، مستقر الى حدّ ما مالياً واجتماعياً، وجد في التغيير فرصته للتعبير عما ينبغي ان يكون عليه الحال الجديد، لكنه فوجئ بزمن تتسارع ايامه، وتتداخل احداثه، في عالم سائل تتحرك فيه الحياة بعشوائية لا تراتب فيها، ولا قانون يحكم حركتها، ولا حكمة تسوده.. لكنه واصل عمله الثقافي، فكان يكتب وينشر ويحاضر ويطبع كتبه، لكن المشكلة الجديدة التي ظهرت هي اختلاف ادوات هذه المرحلة عن الادوات في السابق، فلم يكن نشاط هذا المثقف سوى كتب صامتة على رفوف المكتبات قلما تجد من يقرأها، مع ذلك فهو يعمل بشكل متواصل إيماناً منه بأن المبدع لا يتقاعد وان دواء العقل التفكير، وغذاء الدماغ القراءة، وان الكتابة عافية .

- يصنف مثقف جيل العهد الجديد الى:

1- مثقف بدأ مشواره الثقافي مع نهايات العهد البائد، وواصل العمل الثقافي بعد زوال ذلك النظام، هو مثقف يدرك طبيعة حياة مجتمعه، يمتلك من الهمة ما يكفيه للعمل، لكن المجتمع بعد سقوط النظام البائد وبسبب ضنك المعيشة التي كان عليها، انشغل بتحسين دخله المعاشي على حساب دخله الثقافي، لذا لم يجد هذا المثقف بيئة مستعدة لاحتضان أفكاره ومشاريعه والتفاعل معها، وكان التغيير السياسي والاقتصادي يتسارع في البلاد والمنطقة بأكثر من قدرة مشاريع الثقافة على الإحاطة بذلك التغيير واحتوائه، مع ذلك هو مثقف يواصل نشاطه الثقافي بكل حيوية ويتابع الأحداث ويرصدها في كتاباته ومنشوراته.

2- مثقف شاب بدأ نشاطه الثقافي في زمن التغيير الذي حصل في البلاد بعد 2003م، فهو مثقف يتنوع بين:

- مثقف متفاعل مع جيل الآباء، يعمل على إيجاد منطقة مشتركة مع مثقفي ومفكري هذا الجيل بما يمكنه ان ينتج مشروعاً ثقافياً واعداً يضع خطة مستقبلية للثقافة في حياة الناس.

- مثقف اكتفى بعلاقته بجيل الآباء بالاحترام فقط، دون الالتزام، فهو يرى ان اختلاف أدوات العصر تجيز له ان يبحث عن ثقافة جديدة، ثقافة لا تتعالى على ثقافة جيل الآباء، ولا تلزم نفسها بإتباعها. يتحرك هذا النوع من المثقفين معتمداً على نقطة ارتكاز وهمية في عالم افتراضي تسيل فيه البيانات والمعلومات بسرعة تدفق عالية.

- مثقف وجد ان الصعود الى سفينة النجاة في عصر التقنية الرقمية الذكية، لا يأتي من الإيمان برسالة الثقافة الإنسانية والأخلاقية، وانما يأتي من ركوب موجة (الطشة) واتقان مهنة (بلوكر – ترند - فاشنستا...)، فظهرت صناعة المحتوى الرقمي والفديوهات القصيرة وثقافة ما يطلبه المشاهدون والمستمعون، أدّى هذا الى شيوع الثقافة الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي قياساً بثقافة النخبة.

- مثقف رأى الموج عالياً، فآوى الى ركن بعيد، حتى اذا ما طال مكوثه، أصيب بالنكوص، واصبح من المرجفين، تفاقمت حالته، فراح يثبط من عزيمة الطامحين والساعين الى التجديد والتغيير. فهو مثقف احتلت عنده المصلحة الخاصة كل الاهتمام، واختلت عنده رؤية المجتمع بعين واحدة، وانشلت فيه فكرة التغيير.

- مثقف يرى في التغريب سبيلاً افضل لمواكبة ما يجري في العالم، هو مثقف يوظف طبيعة المجتمع كي يمرر عليه ثقافة مستوردة، راقت لبعضهم بسبب غرابة محتواها ومضامينها، فظهرت في المجتمع سلوكيات وأفكار غريبة عن طبيعته، طالت بعضها قيم واخلاق اجتماعية متفق عليها فتسبب ذلك في ظهور مشاكل كثيرة داخل النفس الواحدة، وداخل الأسرة الواحدة.

- مثقف وجد في العمل الثقافي مكملاً غذائياً يحسّن مظهره الاجتماعي امام الآخرين، في زمن أصيبت فيه شخصيات بعضهم بالظمأ المتواصل للوجاهة و(الطشّة)، فهو مثقف غير معني بقضايا المجتمع، ولا حتى بقضايا الثقافة برغم اطلاعه وقراءاته، انه معني بالمظهر الثقافي، فتراه حاضراً في الأمسيات والمنتديات والملتقيات، يبحث عن (سلفي) وصور ينشرها على حسابه الخاص في منصّات التواصل الاجتماعي .

لم ينجح أياً من العقل السياسي او العقل الديني في العراق حتى اليوم، في تقديم مشروع ثقافي مستوفي وعملي لإنقاذ المجتمع من الضرر الذي لحقه منذ بداية القرن الواحد والعشرين وحتى يومنا هذا، فقد سجلت الإحصاءات المحلية ارقاماً ما كانت مسبوقة في حالات الطلاق التي اخذت تصل الى خمسة الاف حالة خلال شهر ، وحالات الانتحار التي بدأت بــ 13 حالة سنة 2003 لتصل الى 375 حالة سنة 2020م. ولا يكاد يمر يوم دون ان يكون في نشرات الاخبار حديث عن المخدرات والادمان في البلاد، فضلاً عن حالات العنف الأسري والعنف المجتمعي التي اخذت تزداد هي الأخرى و...

- يمكن توضيح علاقة المثقف بالمجتمع في ان:

-  المجتمع يشاهد ويسمع اكثر مما يقرأ. والمثقف يقرأ كما يشاهد ويسمع.

-  المجتمع سريع التأثر بطيء التغيّر.

-  موقف المجتمع انفعالي عاطفي، بينما موقف المثقف تأملي موضوعي.

-  المجتمع عادة لا يستجيب لمثقف لا يخضع لجوه العام مهما كانت فكرة المثقف قوية نافعة ومهما كان عطاؤه ثراً.

-  المثقف المستقل هو مثقف مغمور عادة، مهما كان مبدعاً، بينما المثقف المنتمي مثقف مشهور مهما كان عادياً، لأن القوة التي ينتمي اليها تهيء له أسباب الشهرة التي يفتقر اليها المثقف المبدع المستقل.

-  روح المجتمع اقوى من روح الفرد، لذا لابد للمثقف من ان يحمل روح المجتمع في عطائه الفكري، ليس بالشكل الذي يُخضع فيه تفكيره لروح المجتمع، ولكن بالشكل الذي يتمكن فيه من تطويع روح المجتمع لقبول أفكاره.

- العلاقة بين المثقف والمجتمع تحتاج الى مشروع قادر على تمكين المجتمع ثقافياً، فإذا أخذنا في نظر الاعتبار ان حوالي مليوني عنوان كتاب تصدر حول العالم سنوياً، فإننا مسؤولون عن إيجاد منطقة عمل مشتركة بين المثقف والمجتمع، يتم فيها تحويل قلق واستنفار المجتمع الى هدوء في جو تقني يساعد على تحصين روح المجتمع ضد الانهيار المراد له. تظهر هذه المنطقة بعيداً عن ثنائية الانعزال والمواجهة، لأن الانعزال يؤدي الى شلل ابداعي، والمواجهة تؤدي الى موت سريع. لذا نحن بحاجة الى مسار ثالث ننجح فيه في تمكين المجتمع ثقافياً فالمشكلة ليست في وجود او عدم وجود قدرة في المجتمع على العمل الجمعي، لكن المشكلة في طبيعة هذه القدرة، فمن خلال مواقف عديدة اثبت المجتمع ان لديه قدرة على العمل الجمعي. المشكلة هي ان المجتمع يفتقر الى مشروع او قوة تمنحه الاستمرارية في العمل الجمعي، وينبغي ان لا يفوتنا ان كثرة الأزمات في المجتمع العراقي تسببت في إرهاق الوعي الجمعي، او عززت غريزة الأنا في الفرد بحيث أصبحت (أنا شعليه) عكازة يتعكز عليها كثير من الناس عندما يرى موقفاً او حالة تستنفره. عندما تصبح الأزمة شأناً حياتياً متكرراً في حياة الناس، فإنهم سيتوقفون عن التفكير بالمشاريع الكبيرة كالتغيير والنهضة والثورة. لأنهم سينكفئون على تأمين الخبز وغاز الطبخ. مع كل هذا نعلم جيداً انه لم يولد مشروع نهضة في منطقة راحة في حياة أي مجتمع، لذا يمكننا ان نضع الخطوات الرئيسة لمشروعنا " تمكين المجتمع ثقافياً" كما يلي:

-  المطالبة بفصل الثقافة كمؤسسة دولة عن سياسة الأنظمة الحاكمة في البلاد بجعل الثقافة وزارة مستقلة شأنها شأن القضاء ومفوضية الانتخابات، وكنت قد كتبت في ذلك من قبل.

-  اعتماد الفهم الانثروبولوجي للثقافة، حيث علاقة المجتمع بالثقافة علاقة متواصلة متزامنة، فلا يفهم المجتمع بعيداً عن حضور الثقافة لدراسة طريقة حياة الناس لتطويرها. ولا تفهم الثقافة بعيداً عن دور المجتمع في التفاعل معها.

-   انشاء قاعدة عمل جماعية تعتني بالثقافة الشعبية وتعمل على تغذيتها بثقافة نخبوية من خلال الاعلام والتعليم التدريجي وصولاً الى مرحلة التمكن الثقافي.

- تطبيق عملي لمشروع تمكين المجتمع ثقافياً حيث ينتقل الفرد من مرحلة الوعي التلقائي الى مرحلة الوعي الموضوعي، وهي مرحلة يمكن ان نطلق عليها " إعادة ضبط المصنع" للعلاقة بين الدولة والمجتمع. عند ذاك سيتمكن المجتمع كمثقف ومواطن عادي من اتخاذ مواقف واضحة وخطوات عملية فيها من الجرأة ما يصدم ارباب صناعة الازمات في البلاد.

- السياسة بلا ثقافة تؤدي الى إعادة تدوير الوجوه والاسماء والكيانات مع بقاء العقلية السياسية ذاتها في السلطة وهو وباء خطير يجمد حركة المجتمع ويمنع نموه. والثقافة بلا سياسة ليست سوى أفكار محبوسة في عقول أصحابها او في كتاباتهم وكتبهم، لا تجد من يترجمها الى واقع معاش.

- صياغة دستور قائم على الاستقراء اليقيني لطبيعة حياة المجتمع، لقد كشفت سياسات الأنظمة الحاكمة طيلة عقدين من الزمن ان العقل السياسي العراقي لا يفهم طبيعة الشخصية العراقية وطبيعة المجتمع العراقي فهماً عميقاً.

- التعافي التدريجي، يبدأ عندما يشعر المواطن ان الحكومة صديقة للشعب، وليست مسلطة عليه. يتحقق هذا عندما يعمل الدستور لصالح ادق تفاصيل حياة الفرد والمجتمع.

- احداث تنسيق عالي المستوى بين المثقف الموضوعي والسياسي النزيه والمواطن المسؤول والعسكري الوطني.

- تحويل التظاهرات من مجرد أداة ضغط شعبيي عفوي، الى أداة ضغط وحصاد في الوقت ذاته، فقد تبين من خلال تظاهرات كثيرة ان المجتمع نجح في تظاهراته بالضغط على مصادر القرار، لكنه لا يزال لحد الان لا يعرف كيف يحصد نتائج تلك التظاهرات، بدليل ان كل التظاهرات انتهت لصالح ترقيعات السلطة او انقضاض قوى أخرى على المشهد لا تخدم اهداف التظاهرة.

- بدون أي غطاء ثقافي وفلسفي تبدو أي محاولة تغيير او أي تظاهرة وكأنها مجرد مطالب شخصية او صراع على المناصب والمكاسب، المثقف خير من يصوغ هذا الغطاء حيث هوية جديدة تتجاوز الطائفية والحزبية والفئوية وتقدم مشروع تمكين المجتمع ثقافياً كمشروع قابل للتحقق وليس كنشاط ثقافي ينتهي بـعبارة (شكراً للأستاذ المحاضر – شكراً للباحث..).

تتولى النخب السياسية المثقفة هندسة المؤسسات الحكومية عبر ثنائية الخبرة والرؤية، بحيث لا يغدو العمل الثقافي نشاطاً تكميلياً تجميلياً كما هو اليوم، بل يصبح برامج عمل حقيقية في مؤسسات رقابية غير روتينية.

-  النخب العسكرية المثقفة بإيمانها ان القوة الأمنية والقوة العسكرية هي قوة الشعب التي تستمد منها السلطة قوتها وليست قوة السلطة التي على الشعب ان يخضع لها، هذه النخب هي صمام أمان نجاح مشروع تمكين المجتمع ثقافياً.

-  التغيير الإيجابي لا يحتاج الى قوة خارجية او قوة خارقة او معجزة، بقدر ما يحتاج الى تنسيق ثلاثي بين الفكرة والتنفيذ والأمل.

-  عندما يصبح الخوف من انهيار الدولة اكبر من الخوف من تداعيات تفاهة السلطة، تنطلق شرارة البداية.

-  واخيراً، مهما تعاظم نفوذ السلطة السياسية، فإنها في لحظة ما تأكل نفسها من الداخل، وملامح هذه اللحظة واضحة من خلال سوء إدارة البلاد وتخبط قرارات السلطة وامعانها في استنزاف المواطن مالياً.

***

عدي عدنان البلداوي

فيما يشبه التهنئة بالجنسية الهولندية للعائلة الدهشلية

بعد خمس سنوات من التعايش والتعلم والاندماج الحضاري والتفاعل الثقافي. حصلت عائلة الصديق العزيز الناشط المدني عمر علي الدهشلي على الجنسية الهولندية. فألف مبارك هذا الاستحقاق السياسي، للعائلة الكريمة في الدولة الهولندية العدالة والمستقرة ونسأل الله أن يكتب لهم الخير والتوفيق في وطنهم الجديد هولندا، هذا البلد التي استطاعت عبر قرون من العمل والعقلانية أن تبني دولة حديثة تحترم الإنسان وتصون حقوقه وكرامته بوصفه كائنا يستحق الرعاية والعيش الكريم غير أن وراء هذه اللحظة الدهشلية السعيدة يختبئ سؤال عميق ومؤلم في آنٍ معًا هو: ما الذي يدفع الإنسان، وقد بلغ الثامنين من عمره، للبحث عن وطن بديل ؟ اقصد العم علي الدهشلي والد عمر واخوانه كما يبدون في الصورة مع اولادهم وأحفادهم مع رئيس البلدية الهولندي وهو يمنحهم وثيقة الجنسية الغالية القيمة والمعنى إذ ليس من السهل على إنسان أن يقتلع جذوره من أرضه الأولى، حيث الطفولة والذكريات واللغة والبيوت والقبور والأصدقاء. فالوطن ليس مجرد قطعة جغرافيا، بل هو ذاكرة وهوية وشعور عميق بالانتماء. ومع ذلك نرى ملايين البشر في عالمنا العربي يتركون أوطانهم بحثًا عن مكان آخر يمنحهم الأمان والكرامة وفرصة العيش الكريم والسبب في ذلك يعود في جوهره إلى غياب الدولة بمعناها الحقيقي.

الوطن البديل؛ سؤال عميق من بين ثنايا الفرح، سؤال لا يفسد البهجة بقدر ما يكشف طبقاتها الخفية: ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن وطن بديل، وهو الذي تشكّل وجدانه الأول في تربة أخرى، وارتبطت ذاكرته بلغة أخرى، وتشبعت روحه بروائح البيوت الأولى ودفء العلاقات القديمة؟ ليس الأمر بسيطًا كما قد يبدو في صوره السطحية؛ فالهجرة، خصوصًا حين تبلغ أعمار أصحابها عتبة الشيخوخة، ليست قرارًا إداريًا أو رغبة عابرة في تحسين مستوى المعيشة، بل هي اقتلاع بطيء للجذور من أرضها، ومحاولة شاقة لإعادة غرسها في تربة جديدة. الإنسان، بطبيعته، كائن ينتمي؛ والوطن ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو امتداد نفسي ووجودي، هو ذاكرة متراكمة من التفاصيل الصغيرة: طرقات الطفولة، وجوه الجيران، أصوات الأسواق، وحتى الحزن المشترك. لذلك، فإن التخلي عنه لا يحدث إلا عندما تصبح كلفة البقاء فيه أعلى من كلفة الرحيل عنه، وعندما يتحول الوطن نفسه من مصدر للأمان إلى مصدر للخطر.

هنا يمكننا وضع يدنا على الجرح الدامي المتمثل في مأساة غياب الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل بوصفها الإطار الذي يمنح الحياة معناها الممكن. الدولة، حين تكون حقيقية، ليست مجرد سلطة، بل منظومة حماية؛ هي ذلك الكيان الذي يضمن للإنسان حدًا أدنى من الاستقرار، ويمنحه شعورًا بأن حياته ليست عرضة للانهيار في أية لحظة. وعندما تغيب هذه الدولة، أو تتآكل مؤسساتها، أو تتحول إلى أداة صراع بدل أن تكون أداة تنظيم، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، حيث لا يعود هناك ما يمكن الاتكاء عليه. نقصد بالدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات العامة التي تحتضن مواطنيها وترعى مصالحهم وتحمي سيادة أرضهم وتصون النظام العام. إنها تشبه الأم الحانية التي أنجبت أبناءها وسهرت على تربيتهم وخافت عليهم من الأخطار. ولهذا فإن الشعوب التي تعيش في كنف دول مستقرة تنام مطمئنة في حضنها كما ينام الطفل في حضن أمه غير أن الأمومة ليست مجرد عاطفة رومانسية كما يتصور البعض، بل هي أحد أعظم أشكال القوة الإنسانية. فالنساء غالبًا ما يكن أكثر صبرًا وصلابة ووفاءً في مواجهة الأزمات والمحن. فهن اللواتي حملن الأبناء في بطونهن، وسهرن على تربيتهم منذ كانوا مجرد احتمال في عالم الغيب، ولهذا يعرفن أكثر من غيرهن قيمة الحياة وثمنها الحقيقي وما أفدح أن ترى الأم أبناءها يسقطون في حروب عبثية، وما أفدح أن ترى الشعوب تعب أعمارها وثروات أوطانها تتحول في لحظة إلى دخان ورماد بسبب صراعات سياسية أو أيديولوجية لا معنى لها.

في اليمن، كما في كثير من البلدان العربية التي عصفت بها الحروب والطوائف، لم يكن الانهيار فجائيًا تمامًا، بل كان تراكمًا بطيئًا للاختلالات، حتى جاءت اللحظة التي انكسر فيها التوازن بالكامل. ومع هذا الانكسار، لم تتفكك فقط البنية السياسية، بل تفكك معها الإحساس الجماعي بالأمان. صار الخوف جزءًا من الحياة اليومية، لا حدثًا طارئًا. لم يعد الإنسان قلقًا فقط على مستقبله، بل على يومه، على ساعته القادمة، على قدرته على البقاء وهنا يمكن البحث عن دوافع الهجرة التي تبداء في التشكل وفق منطق أعمق من مجرد الطموح؛ إنها ترتبط بالحاجات الأساسية للإنسان، تلك التي تحدث عنها علم النفس الإنساني إبراهام ماسلو ت 1970 فيما عرف بهرم الحاجات حين حاول فهم ما الذي يحرك البشر في جوهرهم فكل الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء ذاتها وكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياء بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات والبشر والأنبياء وكل الكائنات الحية الأرضية تنطبق عليها قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية الفسيولوجية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين الاحياء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.

فالإنسان، قبل أن يبحث عن تحقيق ذاته أو التعبير عن إمكاناته، يحتاج إلى أن يضمن بقاءه أولًا: يحتاج إلى الطعام، إلى الماء، إلى المأوى، إلى حد أدنى من الصحة الجسدية. وحين تصبح هذه الحاجات مهددة، أو غير مستقرة، فإن التفكير في أي شيء آخر يصبح ترفًا فحتى إذا تمكن الإنسان من تأمين بعض ضرورياته، فإنه يظل محتاجًا إلى الأمان، إلى الشعور بأن حياته ليست مهددة بالعنف، وأنه ليس عرضة للاعتقال التعسفي أو القصف أو الفوضى المسلحة. الأمان ليس رفاهية نفسية، بل شرط أساسي لاستمرار الحياة الإنسانية بشكل طبيعي. وعندما يغيب هذا الأمان، يتحول الإنسان إلى كائن في حالة تأهب دائم، يعيش على حافة القلق، غير قادر على التخطيط أو الاستقرار.

ثم تأتي الحاجة إلى الانتماء، إلى أن يكون للإنسان مكان يشعر فيه بأنه جزء من جماعة، أن يكون معترفًا به، أن يكون له دور وعلاقات مستقرة. في المجتمعات التي مزقتها الصراعات، تتآكل هذه الروابط تدريجيًا؛ تتفكك العائلات، تتباعد المجتمعات، وتصبح الهوية نفسها موضع نزاع. وعند هذه النقطة، لا يعود الوطن قادرًا على احتضان أبنائه، بل يتحول إلى فضاء يطردهم نفسيًا قبل أن يطردهم ماديًا.

أما الحاجة إلى التقدير، فهي الأخرى تتعرض للتشويه؛ فالإنسان الذي يعيش في بيئة فوضوية، حيث لا يُكافأ العمل ولا تُحترم الكفاءة، يفقد تدريجيًا شعوره بقيمته. يصبح النجاح مسألة حظ أو انتماء، لا نتيجة جهد. وهذا الإحباط العميق يدفع كثيرين، خصوصًا الشباب، إلى البحث عن بيئة تعترف بقدراتهم وتمنحهم فرصة عادلة.

وفي قمة هذا الهرم، تأتي الحاجة إلى تحقيق الذات، إلى أن يعيش الإنسان حياته بما يتوافق مع إمكاناته وأحلامه. لكن هذه المرحلة تبدو بعيدة المنال في سياق يغرق في الفوضى؛ إذ كيف يمكن لإنسان أن يفكر في تحقيق ذاته، بينما هو منشغل بتأمين بقائه أو حماية أسرته؟

هكذا، تتراكم الضغوط من الأسفل إلى الأعلى، حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها الرحيل خيارًا منطقيًا، بل ضرورة وجودية. لا يغادر الإنسان وطنه لأنه يريد ذلك ببساطة، بل لأنه لم يعد قادرًا على العيش فيه كإنسان كامل. يغادر لأنه يريد أن يستعيد الحد الأدنى من إنسانيته.

والمفارقة التي كشف عنها عمر الدهشلي وهو يقارن بين ما وجده في هولندا وما شاهده وعاشه في وطنه الجديد هولندا ومن الأشياء التي اثارت اهتمامي في حلقاته الشفاهية تنويهه إلى إن كثيرًا من الكائنات الجامدة والحية هنا السماء والماء والتراب والهواء هي ذاتها التي كنا نراها في أرضنا: الليمون والبرتقال والتفاح والريحان والنرجس والجرجير والطماطم والبطاطس والبصل والثوم والذرة وغيرها. كما وجدت الحيوانات نفسها: الغزلان والأرانب والكلاب والقطط والبقر والماعز والضأن.

بل حتى الناس ذاتهم هنا ذكورا وإناثا وجدناهم يشبهونا أو نحن نشبهم تمامًا؛ في الاجساد والمشي على قدمين، ولهه الأعضاء والوظائف نفسها، بل إن كثيرًا منهم أكثر صحة وتناسقًا في الأجسام، وأكثر التزامًا بقيم الاحترام والصدق والنظام العام وكذلك الأمر في الظواهر الطبيعية: المطر هو المطر، والماء هو الماء، والبحر هو البحر، والأرض هي الأرض، والزراعة هي الزراعة، والطعام هو الطعام وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه:من أين جاءت اعتقادات بعض الجماعات بأنها أفضل من غيرها؟

بماذا فُضلتم على غيركم؟

هل بالشكل؟

أم باللون؟

أم بالطعم؟

أم بالرائحة؟

أم بالأخلاق؟

أم بالضمير؟

إننا نعيش جميعًا على كوكب أرض واحد، ونتنفس الهواء نفسه، ونشرب الماء نفسه، ونزرع الأرض نفسها، ونموت الموت نفسه. ولا فرق حقيقي بين البشر إلا بقدر ما يبنونه من نظم عادلة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه وهنا فقط يمكن أن نفهم معنى التفاضل الحقيقي بين المجتمعات. فالتفاضل ليس بين الأعراق أو الأديان أو الشعوب، بل بين الدول العادلة المستقرة التي تحمي مواطنيها وتمنحهم الأمان والحرية، وبين النظم الفوضوية الممزقة التي تدفع أبناءها إلى التشرد في المنافي والبحار والصحارى ومن يستمع إلى حكايات اللاجئين من الشباب العرب والأكراد الذين تفرقوا في أصقاع الأرض بحثًا عن ملاذات آمنة. شباب في عمر الزهور ضاقت بهم بلادهم حتى اضطروا إلى بيع ما يملكون للخروج منها بعضهم ابتلعته البحار، وبعضهم ضاع في أدغال أفريقيا، وبعضهم تقطعت بهم السبل في صحارى ليبيا وتشاد والجزائر، وبعضهم تعرض للنهب والقتل في غابات أمريكا الجنوبية، وبعضهم علق على الحدود الأوروبية أو أعيد من المطارات، وآخرون ما يزالون في طوابير الانتظار الطويلة لكل واحد منهم قصة موجعة تكفي لأن تهز الضمير الإنساني. وكلها تطرح سؤالًا واحدًا فمتى يكون للإنسان وطن حقيقي يحميه من الضياع والتشرد؟ولهذا تبدو الدول العادلة والمستقرة نعمة كبرى لا يدرك قيمتها إلا من فقدها فالفارق الحاسم لا يكمن في الطبيعة، بل في النظام الذي ينظم حياة البشر. هناك، تصبح القوانين واضحة، والمؤسسات تعمل، والحقوق مصونة، والواجبات محددة. هناك، يشعر الإنسان أنه مرئي ومعترف به، وأنه ليس مجرد رقم أو ضحية محتملة.

وهنا نكتشف المعنى الحقيقي للتفاضل بين المجتمعات؛ ليس تفاضلًا في الأعراق أو الألوان أو أو الثقافات أو اللغات والأديان، بل تفاضل في القدرة على بناء دولة عادلة. الدولة العادلة لا تعني الكمال، لكنها تعني وجود قواعد مستقرة يمكن التنبؤ بها، وتعني أن الإنسان لا يحتاج إلى وساطة أو انتماء ضيق لكي يحصل على حقه. تعني أن كرامته ليست موضع تفاوض.

وهذا ما توفره الدولة الهولندية لمواطنيها والنتيجة ببساطة إن غياب هذه الدولة يفتح الباب أمام قوى بديلة: جماعات مسلحة، ولاءات ضيقة، صراعات لا تنتهي. وفي مثل هذا السياق، يتحول المجتمع إلى ساحة تنازع، ويصبح الفرد فيها ضعيفًا، مكشوفًا، بلا حماية حقيقية. ومع استمرار هذا الوضع، تتآكل الثقة بالكامل، ليس فقط في السلطة، بل في فكرة الدولة نفسها.

وهكذا يصبح البحث عن وطن بديل ليس خيانة للوطن الأصلي، بل محاولة للنجاة. إنه تعبير عن رغبة الإنسان في أن يعيش حياة يمكن احتمالها، حياة تتوفر فيها الشروط الأساسية للكرامة. وربما يكون أكثر ما يؤلم في هذه الرحلة، هو أن المهاجر لا يغادر فقط مكانًا، بل يغادر جزءًا من نفسه. يترك خلفه لغة مألوفة، ووجوهًا أحبها، وذكريات لا يمكن استعادتها في مكان آخر.

ورغم كل شيء يبق الأمل حاضرًا، ولو بشكل خافت. الأمل في أن يأتي يوم تصبح فيه العودة ممكنة، لا كحنين عاطفي فقط، بل كخيار واقعي. الأمل في أن تستعيد البلدان التي أنهكتها الحروب قدرتها على النهوض، وأن تعود الدولة إلى معناها الحقيقي: إطارًا يحمي الجميع، لا ساحة لصراع الجميع ضد الجميع.

ختاما يمكن القول: إن تجربة من يحصلون على جنسية جديدة بعد سنوات من الاغتراب تحمل وجهين متلازمين: وجه الفرح بالاستقرار الذي تحقق، ووجه الحزن على وطن لم يعد قادرًا على احتضان أبنائه. وبين هذين الوجهين، يتشكل وعي جديد بمعنى الوطن، لا بوصفه مجرد مكان وُلدنا فيه، بل بوصفه المكان الذي يتيح لنا أن نعيش بكرامة والسؤال الذي يبقى مفتوحًا، ليس لماذا يغادر الناس أوطانهم، بل متى تصبح هذه الأوطان قادرة على استعادة أبنائها؟ متى تتحول من بيئات طاردة إلى بيئات جاذبة؟ متى تصبح الدولة، في تلك السياقات، حقيقة لا شعارًا؟ حينها وحينها فقط، قد يتوقف الإنسان عن البحث عن وطن بديل، لا لأنه فقد القدرة على الرحيل، بل لأنه وجد أخيرًا ما يستحق البقاء.

تهانينا للعائلة الدهشلية الكريمة بالجنسية الهولندية وتمنياتنا بحياة مزدهرة ومثمرة وسعيدة في المملكة التي لا يظلم فيها احد أبدا مهما كان شكله ولونه وهويته ونسأل الله أن يكتب لهم حياة آمنة كريمة في وطنه الجديد، وأن يأتي يوم يجد فيه كل إنسان عربي وطنًا حقيقيًا يحميه ويعتز به.

***

ا. د. قاسم المحبشي

تتكرر نصيحة تبدو للوهلة الأولى أخلاقية وملهمة ابدأ بالقراءة، فالكتب تغير حياتك. تقال هذه العبارة بصيغة يقينية، كأنها قانون كوني لا يقبل الاستثناء. لكن حين نخضعها لنظرة نقدية صارمة، يتكشف أنها ليست نصيحة بريئة، بل خطاب محمل بالافتراضات، وأحيانا بالوصاية، وغالبا بالكسل الفكري. إذ تقدم القراءة بوصفها حلا جاهزا لمشكلة غير معرفة بدقة، وتسقط على أشخاص وسياقات لا نعرف عنها شيئا.

السؤال الذي يهمل عادة هو من هو هذا الشخص الذي لم يقرأ كتابا في حياته؟ هل هو كسول؟ غير مهتم؟ أم أنه نتاج منظومة تعليمية فاشلة، وبيئة اجتماعية لا تعلي من شأن المعرفة المكتوبة، وربما ظروف معيشية تضغط عليه بحيث لا يرى في القراءة أولوية؟ تحويل المسألة إلى خيار فردي صرف هو تبسيط مخل. فالفعل الثقافي، بما فيه القراءة، لا يحدث في فراغ، بل يتشكل داخل بنية من الفرص والقيود. ومن هنا، فإن نصيحة عامة توجه إلى الجميع تصبح بلا معنى تقريبا، لأنها تتجاهل الاختلافات البنيوية بين الأفراد. هناك أيضا بعد طبقي خفي في هذه النصيحة. من يملك وقتا للقراءة؟ من لديه إمكانية الوصول إلى كتب جيدة؟ من تعلم أصلا كيف يقرأ قراءة فعالة؟ هذه أسئلة لا تطرح، لكنها حاسمة. فحين نطلب من شخص يعمل لساعات طويلة لتأمين أساسيات الحياة أن يبدأ القراءة، فنحن لا نقدم له حلا، بل نضيف عبئا رمزيا جديدا: عبء الشعور بالتقصير. هكذا تتحول القراءة من فعل تحرري محتمل إلى معيار أخلاقي يقاس به الناس، ويدان به من لا يلتزم.

وإذا تجاوزنا البعد الاجتماعي، سنجد أن الخطاب نفسه يعاني من خلل مفاهيمي. القراءة ليست فضيلة في ذاتها، بل ممارسة. قيمتها ليست في حدوثها، بل في نوعها وأثرها. ليس كل ما يقرأ مفيدا، وليس كل قارئ واعيا. بل إن بعض أشكال القراءة تنتج وعيا زائفا أكثر تعقيدا من الجهل البسيط. القارئ الذي يستهلك الكتب كما تستهلك السلع، دون تمحيص أو مساءلة، قد يتحول إلى حامل مؤدلج لأفكار جاهزة، لا إلى عقل ناقد. وهنا تكمن المفارقة: القراءة التي يفترض أن تحرر قد تقيد، إذا لم تصاحبها مهارة التفكير النقدي. من ناحية أخرى، تفشل النصيحة الشائعة في الإجابة عن السؤال العملي كيف يبدأ من لم يقرأ؟ هل يبدأ بكتب ثقيلة لإثبات الجدية؟ أم بنصوص خفيفة تفتح شهية القراءة؟ هل يقرأ بدافع المتعة أم بدافع تطوير الذات؟ وهل عليه أن يلتزم بخطة، أم يترك نفسه للفضول؟ غياب الإجابة يحول النصيحة إلى شعار. كثيرون جربوا أن يبدؤوا، لكنهم اصطدموا بتجارب محبطة: كتاب لا يناسب مستواهم، لغة معقدة، موضوع لا يلامس حياتهم. النتيجة غالبا هي الانسحاب، ثم ترسيخ قناعة سلبية القراءة ليست لي.

الأخطر من ذلك أن الخطاب الثقافي يربط القراءة بالتحول السريع، كأنها وصفة جاهزة للنجاح. تروج قصص فردية، غالبا مبالغ فيها، عن أشخاص غيرتهم الكتب جذريا. لكن ما يخفى هو أن هذه التحولات نادرة، ومشروطة بسياقات متعددة: شخصية، تعليمية، نفسية. تحويلها إلى قاعدة ينتج توقعات غير واقعية، ثم إحباطا حين لا تتحقق. الحقيقة الأقل بريقا، لكنها أكثر صدقا، أن القراءة فعل تراكمي بطيء، وقد لا يحدث أثرا دراميا ظاهرا، لكنه يعيد تشكيل الوعي على المدى الطويل إذا تمت ممارسته بوعي.

هناك أيضا مشكلة في تصورنا لماهية الكتاب كأن المعرفة لا تكتسب إلا عبر النصوص المطبوعة. هذا تصور تقليدي يتجاهل تحولات العصر. اليوم، يمكن اكتساب معرفة عميقة عبر وسائط متعددة: محاضرات، نقاشات، محتوى رقمي، خبرة عملية. ليس الهدف تمجيد البدائل، بل تفكيك الاحتكار الرمزي الذي يمنح للكتاب. من لم يقرأ كتابا قد يكون قد تعلم بطرق أخرى. السؤال ليس: هل قرأت؟ بل: ماذا تعلمت؟ وكيف تفكر؟ في ضوء كل ذلك، تبدو النصيحة التقليدية ابدأ بالقراءة ناقصة إن لم نقل مضللة. النصيحة الأكثر صدقا يجب أن تنطلق من إعادة تعريف المشكلة. بدل أن نسأل: لماذا لا تقرأ؟ نسأل ما الذي يثير فضولك؟ ما الأسئلة التي تقلقك؟ ما الموضوعات التي تمس حياتك؟ إذا وجد هذا الدافع الداخلي، يمكن للقراءة أن تكون أحد المسارات الطبيعية لإشباعه، لا فرضا خارجيا. البداية الحقيقية ليست مع كتاب، بل مع سؤال حي.

كما أن من الضروري إعادة بناء العلاقة مع القراءة على أساس الواقعية لا المثاليات. لا حاجة لخطط صارمة أو أهداف متعالية. يمكن البدء بنصوص قصيرة، بلغة بسيطة، في موضوع مألوف. يمكن التوقف دون شعور بالذنب إذا لم يكن النص مناسبا. يمكن القراءة ببطء، أو حتى بشكل متقطع. المهم هو بناء عادة مرنة، لا طقس ثقافي مرهق. القراءة التي تفرض تتحول إلى عبء، أما التي تنبع من رغبة، ولو كانت محدودة، فهي القابلة للاستمرار. لكن حتى هذه المقاربة المرنة ليست كافية إن لم تدعم ببيئة حاضنة. نعود إلى البعد البنيوي. لا يمكن أن نطالب الأفراد بما لا تتيحه لهم مؤسساتهم. تحسين الوصول إلى الكتب، تطوير المناهج التعليمية لتشجع التفكير لا الحفظ، خلق فضاءات للنقاش، دعم مبادرات القراءة المجتمعية، كلها شروط تحول القراءة من فعل فردي معزول إلى ممارسة اجتماعية متاحة. دون ذلك، تبقى النصائح مجرد خطاب أخلاقي يحمل الأفراد ما لا يملكون تغييره. ثمة بعد آخر يستحق الانتباه الخوف. نعم، كثيرون لا يقرأون لأنهم يخافون. الخوف من الفشل في الفهم، من اللغة الصعبة، من الشعور بالنقص أمام المثقفين. هذا الخوف ناتج جزئيا عن الخطاب الإقصائي الذي يحيط بالقراءة، حيث تقدم كعالم نخبوي يتطلب استعدادا خاصا. كسر هذا الحاجز النفسي يتطلب خطابا مختلفا: خطابا يقر بأن الفهم التدريجي طبيعي، وأن عدم الإعجاب بكتاب ليس جريمة، وأن التعلم عملية غير خطية.

ولا بد من الاعتراف بأن بعض من يقدمون النصيحة يمارسون شكلا من الاستعراض الثقافي. القراءة تتحول إلى هوية يعلن عنها، لا إلى ممارسة تعاش. في هذه الحالة، النصيحة ليست موجهة للآخر بقدر ما هي تعزيز لصورة الذات. هذا يفرغها من مضمونها، ويجعلها جزءا من اقتصاد رمزي قائم على التمايز لا على المشاركة. من ، فإن نقد النصيحة هو أيضا نقد لثقافة ترى في المعرفة وسيلة للتمايز الاجتماعي، لا أداة للفهم المشترك. لا ينبغي أن ينزلق النقد إلى إنكار قيمة القراءة. المسألة ليست إلغاء النصيحة، بل إعادة صياغتها. القراءة تظل من أكثر الوسائل فعالية لتوسيع الأفق، شرط أن تمارس بوعي، وأن تكون جزءا من منظومة أوسع من التعلم. لكنها ليست الطريق الوحيد، ولا الضامن التلقائي للتحول. التعامل معها كحل سحري يسيء إليها بقدر ما يسيء لمن توجه إليهم النصيحة.

النصيحة الأكثر دقة قد تكون على هذا النحو: لا تقرأ لأنهم قالوا لك إن القراءة مهمة، بل اقرأ إذا وجدت ما يستحق القراءة. لا تبدأ بكتاب عظيم، بل بكتاب قريب. لا تكمل ما لا يقنعك، ولا تحمل نفسك عبء أن تصبح قارئا مثاليا. الأهم من كل ذلك: لا تفصل القراءة عن التفكير. اسأل، شكك، قارن، واربط ما تقرأه بحياتك. بدون ذلك، ستظل القراءة نشاطا شكليا، مهما كثر. من لم يقرأ كتابا في حياته ليس حالة شاذة تحتاج إلى تصحيح بل مؤشر على خلل أوسع في علاقتنا بالمعرفة. معالجة هذا الخلل لا تتم بنصيحة عامة، بل بفهم عميق للواقع، وبناء بدائل واقعية، وتبني خطاب أقل وصاية وأكثر صدقا. أما النصائح الجاهزة، فهي في أفضل الأحوال غير فعالة، وفي أسوأها تعيد إنتاج المشكلة التي تدعي حلها.

***

زكريا - نمر

 

حين يتحول صانع العقول الى معيار للفشل

كيف تحول من "كاد المعلم ان يكون رسولا" الى "لا يصلح ان يكون مدير مدرسة" في قاموس بعض السياسين العراقيين، يكشف لنا التحليل الفكري لازمة القيادة الجهل بمفهوم "بناء الانسان" مقابل ادارة الموارد، والمجتمع يعيش حالة من الصراح بين "رأس المال الثقافي" "ورأس المال الزبائني" الذي يجسده السياسي غير الناجح. وهذا السياسي الذي يطلق عبارات غير ناضجة سياسيا لاستصغار المعلم في الساحة السياسية لاجل حماية منطقة نقوذه عبر اقصاء الكفاءة التربوية وتصويرها للمجتمع على انها غير قادرة على ممارسة "اللعب السياسي".

السياسة في فكر افلاطون وساطع الحصري تعد من ارقى انواع التربية لانها تقود المجتمع، والذي يستصغر مكانة المعلم التربوية هو في الحقيقة يعترف بنكوص فكره، لانه يرى القيادة "امرا خاصة بالمال" وليس "صناعة وعي". ويعد مفهوم النكوص في علم الاجتماع حالة من الارتداد المجتمعي، ارتداد من قيم المدنية والمؤسساتية وتقدير الكفاءة الى قيم البداءة والعصبية التي تعتمد على المال والنفوذ والولاءات الضيقة، وعندما يتم نكوص المعلم، فأعلم أن هذا المجتمع بدأ يفقد بوصلته الحضارية العريقة عن طريق استبدال "سلطة المعرفة" ب "سلطة المنصب". وهذا النكوص هو نتيجة اختلال هرم المكانة الاجتماعية، ففي المجتمعات المتحضرة تضع التربوي والمفكر في قمة الهرم لانهم هم المنتجين لرأس المال الحقيقي، اما في حالة النكوص، فتتغلب القيم المادية وتسطيح الوعي الفكري والثقافي واللغة السياسية غير الناضجة.

صناعة الوعي هي نتيجة طبيعية لمعلم قائد واع خلق من رحم الطبقة المقدسة اجتماعيا لكن عندما انتقل هذا المجتمع من تقديسه لهيبة وقيمة المعلم الفكرية والعلمية الى مرحلة السطوة والنفوذ نتيجة تاكل الرمزية او القدسية، وفي وقت كان مدير المدرسة يمثل اعلى سلطة معرفية في المدينة او القرية، فاليوم قد اختزل المنصب في ابعاد ادارية ومالية ضيقة. وعندما يصرح السياسي بذلك فهو يمارس نوعا من التنمر الوظيفي ليبرهن أن مكانته او منصبة كنائب سياسي او وزير هو المعيار الوحيد للنجاح.

وفي مفهوم التسقيط السياسي تستخدم عبارة "انه لا يصلح لادارة مدرسة" فهي تغطية للفشل للسياسي، ويتم تصدير هذا الفشل للاعلام بايهام الناس او المجتمع وكأن المدرسة هي "سلة المهملات" لغير الناجحين سياسيا، وهذا تضليل للرأي العام، فالمدرسة كانت ومازالت وستبقى وأين كان يديرها او يرأسها هي المختبر الحقيقي الاول لنجاح الدولة او فشلها.

المعلم هو من اكثر الفئات المؤهلة لقيادة المجتمع، لانه هو الوحيد القادر على بناء العقول وأن المؤسسة التربوية هي الجهة الوحيدة القادرة على تشكيل الوعي، ومهارات المعلم القيادية اليومية للصف الذي يضم 30 الى 50 فردا من مختلف الثقافات والسلوكيات والحوار والتحفيز والانضباط وهي مهارات قيادية حقيقية تدرس ضمن القيادة التربوية. وتدريس المعلم الجيد القائم على تحليل المواقف واتخاذ القرارات الفورية هو جوهر العمل السياسي القائم على التفكير النقدي واتخاذ القرار لحل المشكلات وتقديم الحلول.

اذن لماذا هذا التقليل من قيمة المعلم سياسيا؟ من المنظور الاجتماعي للسلطة، تفسره الفلسفة الكانطية بقدر من يمتلك السلطة او المال اكثر من يمتلك المعرفة، وهذا ما انتقده الفيلسوف ايمانويل كانط عندما اشار الى "قصور عقلي" يقع فيه المجتمع. اما من المنظور الثقافي، فيتم اختزال المعلم بوظيفة اجرائية كناقل للمعلومات لا كصانع وعي، وهذا اختزال خطير عندما يتجاهل التعليم كأساس لكل بناء حضاري.

وعبارة "كيف اساويكم بمن علموكم" نابعة من وعي سياسي ناضح للمستشارة ميركل عندما طالبها القضاة والمهندسين والاطباء في المانيا بمساواتهم برواتب المعلمين، ولقب (Sensei) سينسي يطلق على المعلم في اليابان وهو تبجيلا يضاهي قدسية الرهبان او كبار المسؤولين نظرا لمكانته الاجتماعية والقانونية عندما قالوا اليابانين "لن نستطيع بناء السياسة الا عبر المعلم".

وفي الختام، عندما يصرح السياسي عبارة "لا يصلح لمدير مدرسة" فهو يثبت وقوعه في مصيدة "النكوص السوسيولوجي" وهو يظن بذلك أنتقاصه من خصمه السياسي، لكنه في الواقع يهين "الرحم" الذي ولد منه كل مبدع في الوطن. أن استعادة الوعي السياسي تبدأ من الاعتراف بأن "ادارة المدرسة" اشرف واصعب مهام الدولة، لانها تتعامل مع العقل، بينما تتعامل الساسية في صورتها المشوهة حاليا مع المصالح.

***

علاء جواد كاظم

يمكن القول إننا لا نعيش فقط في عصر الصورة، بل في عصر الانعكاس المستمر للذات. فلو قُدّر لأسطورة نارسيسوس أن تُعاد اليوم، لما كان غرقه في الماء، بل في شاشةٍ تعكس صورته بلا انقطاع. هكذا تتحول الحكاية القديمة إلى مرآة دقيقة لواقع معاصر، حيث لم تعد الحياة تُعاش بقدر ما تُعرض.

منذ زمن بعيد، حذّرت الأسطورة من خطر الانبهار بالذات، لكن هذا التحذير يبدو اليوم أكثر إلحاحًا. فمجتمعنا، الذي كان يُعرّف الإنسان بعلاقاته وتجربته الحية، بات يميل إلى تعريفه بما يعرضه عن نفسه. لم تعد الصورة انعكاسًا للحياة، بل أصبحت بديلاً عنها. نحن لا نعيش اللحظة بقدر ما نهيئها لتُلتقط، ولا نشعر بالتجربة بقدر ما نحرص على مشاركتها.

في هذا السياق، تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مسرح دائم للعرض الذاتي. ملايين الصور تُنشر يوميًا، معظمها يدور حول محور واحد: “أنا”. أنا في هذا المكان، أنا مع هؤلاء، أنا في هذه الحالة. لكن المفارقة أن هذا التضخم في حضور الذات يقابله فراغ في معناها. فحين يصبح كل شيء قابلًا للمشاركة، يفقد معناه الاستثنائي. وتتحول الذات إلى صورة متكررة، لا تعكس عمقًا بقدر ما تعكس حاجة دائمة للظهور.

هذا التحول لا يحدث بمعزل عن سياق ثقافي أوسع. فالمجتمع المعاصر يدفع الفرد إلى أن يكون مشروعًا قائمًا بذاته: أن يسوّق نفسه، ويُحسّن صورته، ويستثمر حضوره. لم يعد الإنسان فقط كائنًا يعيش، بل علامة تُعرض وتُستهلك. الجسد، المظهر، التجارب، كلها تتحول إلى أدوات ضمن اقتصاد رمزي قائم على الانتباه والإعجاب.

ومن هنا، تتغذى النرجسية على منظومة متكاملة: تربية تعزز مركزية الذات، ثقافة تحتفي بالإشباع الفوري، فضاء رقمي يضخم الحضور الشخصي، واقتصاد استهلاكي يعد بتحقيق كل الرغبات. هذه العناصر مجتمعة تُنتج فردًا يرى نفسه مركز العالم، لكنه في الوقت ذاته هش، يعتمد على اعتراف الآخرين ليؤكد وجوده.

المشكلة الأعمق في هذا النمط ليست حب الذات بحد ذاته، بل غياب الآخر. فالنرجسية، في جوهرها، لا ترى الآخر كشريك، بل كوسيلة: مرآة تعكس الصورة، أو أداة تُستخدم. وهنا تتآكل الروابط الإنسانية تدريجيًا، لأن العلاقة الحقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الاستهلاك المتبادل.

ومع تراجع حضور الآخر، يتراجع أيضًا الاهتمام بالشأن العام. ينكفئ الفرد إلى ذاته، منشغلًا ببنائها وعرضها، بدل الانخراط في قضايا تتجاوزها. وهكذا، يتحول المجتمع إلى مجموعة من الذوات المنعزلة، المتجاورة ظاهريًا، لكنها منفصلة في العمق.

مع ذلك، لا يمكن اختزال كل أشكال الاهتمام بالذات في النرجسية المرضية. هناك فرق بين تقدير الذات الصحي، الذي يسمح للإنسان بأن يحقق إمكاناته، وبين الانغلاق المرضي عليها. الأول يفتح على العالم، والثاني يغلقه. الأول يحتاج إلى الآخر، والثاني يتوهم الاكتفاء به.

في مواجهة هذا الوضع، يبرز الحب بوصفه نقيضًا حقيقيًا للنرجسية. فالحب، في معناه العميق، هو خروج من الذات نحو الآخر، اعتراف به، واستعداد للارتباط به رغم ما يحمله ذلك من هشاشة ومخاطرة. لكنه يتطلب زمنًا، وصبرًا، والتزامًا، وهي عناصر يهددها إيقاع الحياة السريع وثقافة الاستهلاك.

لقد نبّه بعض المفكرين منذ عقود إلى هذا التحول، حيث لم تعد الاضطرابات النفسية تتمحور حول القلق، بل حول تمجيد الذات والسعي المحموم للنجاح الفردي. في هذا الإطار، تصبح الحقوق الشخصية هي القيمة العليا، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.

ومع هيمنة الاستهلاك، يتغير مفهوم الحرية ذاته. لم تعد الحرية مرتبطة بالقدرة على الفهم أو الفعل، بل بالاختيار بين خيارات جاهزة: ماذا نشتري، ماذا نرتدي، ماذا نعرض. وهكذا، يتحول العالم إلى سلسلة من المرايا، يرى فيها الفرد نفسه باستمرار، لكنه يفقد القدرة على رؤية ما وراءها.

في النهاية، لا تكمن خطورة المجتمع النرجسي في حب الذات، بل في اختزال العالم فيها. فحين يصبح الآخر مجرد انعكاس، والعلاقة مجرد وسيلة، والمعنى مجرد صورة، نفقد ما يجعلنا بشرًا: القدرة على التواصل، وعلى التعاطف، وعلى بناء عالم مشترك.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

يُعدّ سؤال ما يحدث بعد الموت من أقدم الأسئلة التي شغلت البشرية. وبينما قدّمت الأديان والفلسفات إجاباتٍ متنوعة، يتناول العلم هذا السؤال من زاوية مختلفة تماماً، معتمداً على ما يمكن ملاحظته وقياسه واختباره. قبل الخوض في التفسير العلمي، سنقدم ملخصًا لما قد يحدث بعد الموت من منظور الدين والفلسفة.

يميل البشر إلى البحث عن تفسيرات مطمئنة؛ فالإيمان بالحياة الآخرة يوفر نظامًا للعدالة حيث يُكافأ الخير ويُعاقب الشر، كما أنه يخفف من ألم فقدان الأحبة الذين سنلتقي بهم مرة أخرى في الحياة الآخرة.

كان المصريون القدماء أول من أدخل فكرة الخلود والحساب في تاريخ البشرية، إذ آمنوا بوجود ضمير يوجه أفعال الإنسان، وروح متصلة بالجسد تنفصل عنه عند الموت، وحساب يحدد جودة الحياة الأبدية وفقًا لسلوك الإنسان خلال حياته. فإذا كانت حياته مثقلة بالذنوب، فإن مخلوقًا أسطوريًا مرعبًا يلتهمه، فيختفي من الوجود، وتُترك روحه تتألم إلى الأبد دون راحة أو سلام. أما إذا كان صالحًا، فإنه يعبر إلى "آرو"، جنة المصريين القدماء.

تؤمن الديانات التوحيدية المعاصرة بالحياة الأبدية بعد الموت، والحساب، والجنة والنار. استُخدمت فكرة الجنة والنار كأدوات للضبط الاجتماعي والأخلاقي، حيث تم ربط السلوك الدنيوي بمكافآت الآخرة. الجنة هي الحل الذي ابتكره العقل البشري لمواجهة حتمية الموت، ولتحقيق رغبات الإنسان التي لم تتحقق على الأرض.

تؤمن الديانات الشرقية، كالهندوسية والبوذية، بأن الروح تعود إلى حياة جديدة بعد الموت، وأن الغاية القصوى من الحياة الصالحه هي التحرر من دورة الولادة والموت.

تتفاوت المفاهيم الفلسفية من وجهة النظر القائلة بأن الموت ليس فناءً، بل هو انتقال للوعي أو الروح من سجن الجسد المادي إلى وجود أعلى في الفلسفة المثالية، إلى وجهة النظر القائلة بأن الموت هو فناء كامل في الفلسفة المادية، وأن الموت حقيقة تعطي معنى للحياة في الفلسفة الوجودية.

التفسير العلمي

يقر المنهج العلمي بمحدودياته في التعامل مع مسألة الحياة الآخرة والتفسيرات الميتافيزيقية. قدّم علماء الفيزياء آراءهم حول ما يحدث بعد الموت: رأى ألبرت أينشتاين الموت نهايةً لوهم الفردية. رفض كارل ساجان فكرة الحياة الآخرة. اعتقد ريتشارد فاينمان أن الموت جزء طبيعي من العالم المادي، وأن البشر مُكوّنون من ذرات تنتمي إلى الكون. تصور ستيفن هوكينج ان المخ مثل جهاز كمبيوتر يتوقف عن العمل عند تعطل مكوناته، ورأى الموت جزءًا من النظام الكوني. اقترح ميتشيو كاكو أن الموت والحياة الآخرة مشكلتان قد يفهمهما العلم في نهاية المطاف من خلال علم الأعصاب ونظرية الكم. أكّد برايان جرين وشون كارول أن الفيزياء لا تُقدّم أي دليل على بقاء الوعي بعد الموت، وأن قوانين الفيزياء لا تترك مجالًا لبقاء الروح بعد توقف وظائف المخ.

التفسير العلمي الحالي أن الموت ليس فناءً، بل هو تحوّل في الحالات الفيزيائية والمعلوماتية. بعد الموت، تتشتت الذرات، وتتفكك الحالات الكمية، وتتشابك المعلومات مع البيئة المحيطة، وتنتشر في أرجاء الكون بطرق بالغة التعقيد. المعلومات هي الحالة الفيزيائية للجسيمات دون الذريه تتضمن مستويات الطاقة، والدوران المغزلي.

في عالم ميكانيكا الكم: يختفي الحتمية ويحل محلها عدم اليقين. كل شيء مصنوع من حقول طاقة، وليس من أجسام صلبة. تتصرف الجسيمات كموجات، وهناك ترابطات بين الجسيمات المتشابكة. يتلاشى الخط الفاصل بين الراصد والمرصود، ويصبح التمييز التقليدي بين "الواقع الخارجي" المستقل ومعرفتنا به غير قابل للتطبيق، ونتائج القياسات ليست وصفًا للخصائص الموجودة مسبقًا للأجسام.

يرتبط الموت بفقدان الوعي وتوقف وظائف المخ، ولكن لا يوجد حتى الآن تفسيرًا كاملًا للوعي. لا يمتلك المخ مركزاً واحداً للوعي، بل يعتمد على مراكز متعددة يبني من خلالها نموذجاً للواقع وتجربة الوجود الذاتي. تكمن المعضلة الصعبة للوعي في استحالة قياس كيفية تحويل الإشارات الكهربائية في المخ إلى أفكار أو مشاعر أو وعي ذاتي، وكيف تنشأ التجربة الذاتية من المادة.

ربما يوجد شكل مبسط من الوعي في الجسيمات التي تتحد لتكوين جزيئات، ثم تتحد هذه الجزيئات في هياكل معقدة ة تُكوّن مادة المخ القادرة على توليد وعي جماعي من وحدات ماديه بسيطه، مثل الوعي الجماعي لمستعمرة نمل مبنية على التواصل والعمل المشترك بين أفرادها.

يتطلب الحديث عن الوعي ان ندرك ان الزمن هي سمة من سماته حيث يختبر المخ الأحداث بشكل متسلسل، ويُفسرها على أنها تدفق زمني. الذكاء أيضاً سمة من سمات الوعي، وهو امتداداً لمسار طويل من تنظيم المعلومات في الطبيعة، يبدأ في أبسط البنى الفيزيائية وينتقل تدريجياً إلى الحياة العضوية ثم إلى الذكاء الحيواني وصولاً إلى الذكاء البشري والتقنيات المعلوماتية الحديثة.

استطاع الانسان الحفاظ علي المعلومات مع ظهور اللغة التي سمحت بتبادل المعرفة بين الأفراد، ثم تعزز مع اختراع الكتابة التي أتاحت حفظ المعلومات خارج الذاكرة البشرية. ومع الطباعة توسعت قدرة المجتمعات على نشر المعرفة بسرعة أكبر، الأمر الذي أدى إلى تسارع التقدم العلمي. وأدت تقنيات الاتصال والكمبيوتر في العصر الحديث إلى ظهور شبكات معلومات عالمية خلقت نوعاً جديداً من الذكاء الجماعي يتجاوز حدود الأفراد والمجتمعات المحلية، ويأخذ شكل نظام معرفي كوكبي يعتمد على تبادل المعلومات على نطاق واسع.

يعتبر ظهور برامج الذكاء الاصطناعي التي تحاكي بعض وظائف المخ البشري، استمرار لمسار تطوري طويل، فالآلة الذكية تمثل نظاماً جديداً لمعالجة المعلومات يعتمد على التكنولوجيا بدلاً من البنية البيولوجية، ومن المحتمل ظهور نظم ذكاء اصطناعي تتجاوز قدرات الإنسان الفردية، وتمتلك خصائص عاطفية وقادره على اتخاذ قرارات معقدة.

هناك ايضا تقدم تكنولوجي في نقل المعلومات من مخ الإنسان إلى الكمبيوتر واستنساخ الوعي رقميًا، وهو ما يسمى "محاكاة المخ الكامل“ . لكن إذا تم نقل المعلومات بنجاح من مخ الإنسان إلى الكمبيوتر، فهل سيتصرف العقل الرقمي مثل العقل الأصلي أم سيكون له وعي ذاتي جديد؟

يُعدّ استخلاص المعلومات المخزنة في المخ ونقلها إلى كمبيوتر حتى لا تُفقَد نهائيًا بعد الموت، من أكثر الطموحات العلمية تعقيدًا. ويعود ذلك إلى ضرورة تخزين كم هائل من المعلومات الموجودة في مخ الإنسان، ويحتاج ذلك إلى أجهزة كمبيوتر ذات قدرات هائلة، مثل الكمبيوتر الكمي الذي بلغ مراحل متقدمة من التطوير. علاوة على ذلك، فإن طبيعة هذه الأبحاث مثيرة للجدل من الناحية الفلسفية والدينيه، لأن نقل المعلومات من المخ البشري إلى الكمبيوتر يمثل الحفاظ على الهوية بعد الموت البيولوجي، أي الخلود الأبدي الذي حلمت به البشرية عبر التاريخ.

ختاما، وفقا للمنهج العلمي لا يوجد دليل على بقاء الوعي بعد الموت. فالمعلومات التي شكلت الانسان تصبح جزءًا من الحالة الكمومية للكون الذي يعمل وفق مبادئ.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

 

السلام الداخلي ليس حالة مثالية خالية من الاضطراب، ولا عزلة تامة عن صخب العالم، بل هو قدرة مكتسبة على الاتزان وسط الفوضى. هو ذلك التوازن الدقيق الذي ينشأ حين يعيد الانسان ترتيب علاقته بذاته وبما حوله، فيفهم ما يستطيع تغييره وما عليه ان يتقبله.

هو ليس غياب الالم، بل وعي مختلف به، ولا نهاية للصراع، بل طريقة اخرى للتعامل معه. يتشكل هذا السلام عبر التجربة، عبر الخسارات الصغيرة والكبيرة، وعبر لحظات الانكسار التي تعيد تشكيل الوعي وتفرض على الانسان ان يرى الحياة كما هي لا كما يتمنى.

السلام الذي اشعر به لم يات من تلقاء نفسه، ولم يكن هدية من الحياة، ولم يهبط علي كنسمة عابرة. السلام الذي اسكنه الان ليس وطنا ولدت فيه، بل منفى اخترته حين ضاقت بي الاوطان.  لم يكن هبة أعطيت لي، بل معرفة انتزعتها انتزاعا من قلب التجربة.

دفعت فيه شيئا من احلامي، وبعضا من قدرتي على الانبهار والدهشة، وجزءا لا يستهان به من براءتي الاولى. بل دفعت ثمنه بعضا من روحي واماني واغترابي ووحدتي. كل هدوء أحمله في داخلي يخفي خلفه معركة لم تحكي، وكل سكون يبدو للاخرين نعمة هو في حقيقته بقايا صخب انهك حتى خفت صوته.

دفعت ثمن هذا السلام من اعمق ما في، من اندفاعي الاول نحو الاشياء، من تلك الرغبة الطفولية في ان يكون كل شيء ممكنا، من يقيني القديم بان العالم يمكن ان يكون عادلا اذا ما احببناه بما يكفي. لكن العالم لم يكن كذلك، وانا ايضا لم اعد كما كنت.

هذا السلام الذي يبدو ناعما لم يكن الا حصيلة احتراق طويل. لقد تعلمت ان الوحدة ليست دائما عزلة، بل احيانا نجاة، وان الاغتراب ليس فقدانا للمكان، بل اكتشافا مؤلما للذات. وان الانسان حين يرهقه العالم لا يبحث عن السعادة بقدر ما يبحث عن اقل قدر ممكن من الالم، عن مساحة ضيقة يتنفس فيها دون ان يتمزق.

كنت اظن ان السلام صفاء، حتى اكتشفت انه في حقيقته نوع من الادراك، ادراك ان الحياة لا تمنح كاملة، وان كل امتلاء يخفي في داخله فراغا خفيا، وان الانسان لا يبلغ الطمانينة الا بعد ان يتخلى عن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.

السلام الذي اعيشه الان ليس امتلاء، بل توازن هش بين ما تبقى مني وما فقدته في الطريق. هو اشبه بوقوف حذر على حافة الحياة، لا اندفع فيها كما كنت، ولا انسحب منها تماما، بل اراقبها من مسافة كافية.

هو نتيجة لتعب طويل، لصبر مرهق، ولمعرفة قاسية بان بعض الاشياء لا تستعاد. ذلك هو السلام الحقيقي، ان تتصالح مع خساراتك دون ان تنكرها، وان تعيش بنقصك كما لو انه شكل اخر من الاكتمال، وانت واع تماما لهذا النقص.

شيئا فشيئا تعلمت ان اعيد ترتيب خساراتي، لا لاستردها بل لافهمها، ان انظر الى وحدتي لا كفراغ يخيف، بل كمساحة استرد فيها نفسي من ضجيج الاخرين، وان اقبل اغترابي لا كعطب، بل كعلامة وعي باني لم اعد انتمي بسهولة، لا الى الامكنة ولا الى اليقين.

السلام كما ادركته اخيرا ليس راحة خالصة، بل هو ترويض للالم، ليس غياب العاصفة بل القدرة على الوقوف في قلبها دون ان انهار. هو تلك اللحظة التي اتوقف فيها عن سؤال الحياة لماذا اخذت، وابدا في سؤال نفسي ماذا بقي، وكيف احسن العيش به.

لم اعد ابحث عن اكتمالي، فقد فهمت ان النقص ليس خللا طارئا، بل هو البنية العميقة للوجود الانساني، واننا لا نشفى تماما، بل نتعلم كيف نحمل جراحنا بخفة، وكيف نحولها من عبء يثقلنا الى معنى ينضجنا.

هذا السلام الذي يبدو الان هادئا هو في حقيقته اتفاق صامت بيني وبين الحياة، ان لا اطالبها بالكمال، وان لا تطالبني بالقوة المطلقة.

السلام الحقيقي ان تتصالح مع هشاشتك دون خجل، ان تحمل كسورك كانها جزء من هندستك الداخلية لا عيب فيها، وان تمضي لا لان الطريق صار اسهل، بل لانك صرت اعمق. هناك، في تلك النقطة التي لا يعود فيها القلب يطالب، ولا الروح تقاوم، ولا الذاكرة تساوم، يولد السلام. سلام لا يشبه البدايات، بل يشبه الحقيقة بعد ان سقطت عنها كل الاوهام.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تعد مقولة بالضرورة أن يكون المثقف فاعلا في المجتمع من أكثر الاطروحات تداولًا في الفكر الثقافي الحديث، لأنها تمس سؤالا جوهريا يتعلق بوظيفة المثقف وحدود دوره بين انتاج المعرفة والمشاركة في الشأن العام. غير ان التعامل مع هذه المقولة بوصفها حقيقة مطلقة يفتح الباب امام اشكالات فلسفية ومعرفية معقدة، تتعلق بطبيعة الفعل ذاته، وبحدود العلاقة بين الفكر والمجتمع، وبما اذا كان من المشروع اصلا فرض الفاعلية كشرط وجودي للمثقف.

في البداية، لا يمكن انكار ان تاريخ المثقفين يكشف عن حضور قوي في المجال العام. فقد لعب العديد من المفكرين دورا حاسما في تشكيل الوعي الجمعي، سواء عبر النقد المباشر للسلطة، او عبر تفكيك البنى الاجتماعية والثقافية السائدة، او من خلال الدفاع عن قيم الحرية والعدالة. هذا التصور يجعل من المثقف كائنا مرتبطا بالمجتمع ارتباطا عضويا، لا يمكنه الانعزال في برج عاجي دون ان يفقد جزءا من مشروعيته الاخلاقية. فالمعرفة، في هذا السياق، ليست ترفا ذهنيا، بل مسؤولية تجاه الواقع، خاصة حين يتعلق الامر بقضايا الظلم او التهميش او الاستبداد.

من هذا المنظور، تبدو فاعلية المثقف امتدادا طبيعيا لوظيفته النقدية. فالمثقف لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى الى مساءلته وتفكيكه وكشف تناقضاته. وحين يتحول الى عنصر مؤثر في تشكيل الرأي العام او في اعادة صياغة الوعي الاجتماعي، فإنه يؤدي دورا يتجاوز حدود التنظير الى التأثير الفعلي. لذلك، يرى انصار هذا الاتجاه ان صمت المثقف او انسحابه من المجال العام يمثل نوعا من التنازل عن مسؤوليته الاخلاقية، بل وقد يفهم احيانا كنوع من القبول الضمني بالواقع القائم. لكن هذا التصور، رغم وجاهته الاخلاقية، يطرح اشكالات عميقة اذا ما جرى تعميمه وتحويله الى قاعدة الزاميه. فليس كل انتاج فكري موجها بطبيعته الى الفعل المباشر. هناك مساحات واسعة من الفكر الانساني تعمل داخل مستويات نظرية او تأملية بعيدة عن الانخراط المباشر في القضايا اليومية، ومع ذلك فإن تأثيرها قد يكون عميقا وطويل الامد. فالفكر الفلسفي او العلمي، على سبيل المثال، لا يقاس دائما بمدى حضوره في اللحظة السياسية، بل بقدرته على اعادة تشكيل طرق التفكير ذاتها.

يظهر خطر اختزال وظيفة المثقف في النشاط الاجتماعي المباشر. فعندما يطلب من المثقف ان يكون فاعلا بالمعنى الحركي او السياسي فقط، فإنه يدفع تدريجيا نحو فقدان استقلاليته النقدية. اذ قد يصبح جزءا من صراعات ايديولوجية او ادوات توظيف سياسي، بدل ان يبقى مراقبا ومحللا ومفككا للواقع من مسافة نقدية. وهذا التحول قد يؤدي الى اضعاف دوره الاساسي، الذي يقوم على المساءلة لا على الانحياز. اضافة الى ذلك، فإن مفهوم الفاعلية نفسه ليس مفهوما محايدا او واضح الحدود. هل تعني الفاعلية المشاركة السياسية المباشرة؟ ام التأثير الثقافي؟ ام انتاج خطاب نقدي يعيد تشكيل الوعي؟ ام التعليم والتكوين؟ ان حصر الفاعلية في شكل واحد ضيق يجعل من الحكم على المثقف حكما اختزاليا، يتجاهل تعدد مسارات التأثير الممكنة. فهناك مثقفون لم ينخرطوا في السياسة اليومية، لكن افكارهم شكلت تحولات كبرى في التاريخ الفكري والاجتماعي.

من ناحية اخرى، يمكن القول ان الضغط على المثقف ليكون فاعلا باستمرار قد يخلق نوعا من الالتزام القسري الذي يضر بجوهر العمل الفكري. فالمثقف حين يجبر على الرد الفوري على كل حدث اجتماعي او سياسي، قد يفقد القدرة على التعمق والتأمل والتحليل البعيد المدى. وهذا ما يجعل الفعل السريع احيانا على حساب الفهم العميق. فالفكر يحتاج الى بطء نسبي، والى مسافة نقدية تسمح بانتاج رؤية متماسكة، لا مجرد ردود فعل آنية.لا يمكن ايضا تبني موقف الانعزال الكامل للمثقف عن مجتمعه. فالفكر المنفصل تماما عن الواقع يتحول الى خطاب مغلق على ذاته، يفقد قدرته على التأثير او التفاعل. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار بين الفعل او اللافعل، بل في اعادة تعريف العلاقة بينهما بشكل اكثر توازنا. فالمثقف يمكن ان يكون فاعلا دون ان يتحول الى ناشط مباشر، ويمكن ان يؤثر دون ان ينخرط في كل تفاصيل الصراع الاجتماعي.

ان الفاعلية الحقيقية للمثقف قد تتجلى في مستويات متعددة في نقد الخطاب السائد، في تفكيك المسلمات، في انتاج مفاهيم جديدة، في تعليم الاجيال، وفي فتح افق التفكير النقدي. هذه الاشكال من الفعل ليست اقل اهمية من الفعل السياسي المباشر، بل قد تكون اكثر عمقا واستمرارية. فهي لا تتعامل مع الاعراض فقط، بل مع البنى الفكرية التي تنتج تلك الاعراض.في ضوء ذلك، يمكن اعادة صياغة المقولة الاصلية بشكل اكثر دقة ليس بالضرورة ان يكون المثقف فاعلا بمعنى الانخراط المباشر، بل من الضروري ان تكون للمثقف قدرة على التأثير النقدي في مجتمعه، بأشكال متعددة لا يحددها قالب واحد. فالمثقف ليس موظفا في خدمة الفعل الاجتماعي المباشر، بل هو منتج للمعنى، ومساءل للواقع، ومعيد تشكيل للوعي.

 إن الاشكال لا يكمن في وجود المثقف داخل المجتمع او خارجه، بل في طبيعة العلاقة بين الفكر والواقع. فكلما تحولت الفاعلية الى مفهوم متعدد الابعاد، امكن انصاف ادوار المثقف المختلفة دون اختزال او اقصاء. وبين الانخراط الكامل والانعزال التام، تظل المساحة الاكثر اهمية هي مساحة النقد العميق، الذي لا يكتفي بالفعل ولا يهرب من المسؤولية، بل يعيد تعريف معنى التأثير ذاته داخل المجتمع.

***

زكريا - نمر

 

في مأزق الوعي المعاصر

تضرب الأزمة الجوهرية للإنسان المعاصر جذورها في خلل بنيوي عميق يمس آليات تشكل الوعي الفردي والجمعي على حد سواء. يتجلى هذا الخلل في تضاد صارخ بين ما يمكن تسميته بـ "انشغالات العامة" و"تأملات الفيلسوف". إن هذا الانقسام ليس مجرد تفاوت عارض في القدرات الذهنية بين الأفراد، بل هو الثمرة المرة لهندسة اجتماعية واقتصادية شديدة الدقة، تستثمر فيها الرأسمالية الرمزية، بالتحالف الوثيق مع نظام التفاهة، لفرض هيمنة أيديولوجية شاملة على الفضاء العام.

يعتمد هذا النظام في ديمومته على تحويل الرداءة من حالة هامشية إلى معيار وجودي ومؤسسي، وإعادة صياغة الأنماط السلوكية المطبوعة (البنى النفسية الراسخة) لضمان انصياع الجماهير عفوياً لمنطق السوق والسيادة الطبقية. إن الخطورة هنا تكمن في أن هذا الانقياد يحدث دون حاجة إلى وسائل القمع التقليدية الخشنة، بل عبر استغلال ذكي لآليات سيكولوجية الجماهير والتحولات الرقمية التي جعلت من الرقابة فعلاً طوعياً يمارسه الفرد على نفسه.

معمارية الرأسمالية الرمزية: العنف الناعم ومشروعية الهيمنة

تتأسس الرأسمالية الرمزية على قدرة النخب على تراكم "الرأسمال غير المادي"، الذي يشمل السمعة، التقدير الاجتماعي، والوجاهة، ومن ثم تحويل هذا التراكم إلى سلطة فعلية قادرة على توجيه السلوك الجمعي. هذا النوع من السلطة يمارس ما يمكن وصفه بـ "العنف الرمزي"؛ وهو عنف ناعم، خفي، وغير محسوس، يجهله الممارس والضحية معاً. يكمن دهاء هذا العنف في أنه ينتزع اعترافاً بمشروعيته من الضحايا أنفسهم، الذين يرون في تراتبية السلطة نظاماً طبيعياً لا مفر منه.

تعمل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المدرسة والإعلام، كمصانع لإنتاج هذه المشروعية. فالمدرسة، بدلاً من أن تكون جسراً للتحرر، تعمل غالباً كأداة لفرض ثقافة الطبقة المهيمنة بوصفها الثقافة الوحيدة الرفيعة. هذا "الاعتباط الثقافي" يؤدي بالضرورة إلى أن يستبطن أبناء الطبقات الدنيا شروط دونيتهم، فيعيدون إنتاج تبعيتهم بأنفسهم عبر تبني قيم الانقياد التي رُسخت في لاوعيهم تحت مسمى "النجاح" أو "الاندماج الاجتماعي".

من القوة القسرية إلى الإذعان "الأخلاقي"

إن المسار التاريخي للسلطة انتقل من إخضاع الأجساد بالترهيب إلى إخضاع النفوس بالرموز. تصبح السلطة هنا مبنية على "الهيبة المكتسبة" للرموز والمظاهر، مما يجعل الإذعان فعلاً منعكساً يشبه الاستسلام اللاشعوري لمراسم المحاكم أو أردية القضاة؛ ليس اقتناعاً بالعدالة بالضرورة، بل لأن الرموز تفرض سطوتها على الوجدان. هذا الاندماج الجسدي في بنية العالم يجعل من المستحيل على الفرد التمييز بين رغباته الأصيلة وبين تلك التي تمليها عليه المنظومة المهيمنة. وهنا يكمن التفسير السوسيولوجي لاستمرارية الأنظمة الجائرة؛ فهي لا تُحكم قبضتها على الأجساد فحسب، بل تسكن في مخيلة المحكومين.

عندما تصبح الرداءة نظاماً وجودياً: حكم التافهين

في هذا السياق، يبرز "نظام التفاهة" كمرحلة تاريخية متقدمة، لم تعد فيها الرداءة مجرد استثناء، بل غدت القاعدة المحركة لكافة مفاصل المجتمع. يُطالب الفرد في ظل هذا النظام بأن يكون "متوسطاً" أو "نمطياً" ليحوز القبول المهني والاجتماعي. إن القاعدة الذهبية التي تحكم عصرنا هي: "لا تكن مبدعاً بشكل يربك المنظومة، بل كن بارعاً في إتقان قواعد اللعبة التي وضعها التافهون".

هذا النظام لا يسحق الكفاءة علانية، بل يعيد تعريفها لتصبح مجرد قدرة على التكيف مع البيروقراطية الرتيبة. وحتى الحقول التي يُفترض أنها معاقل للفكر النقدي، كالحقل الأكاديمي، تحولت إلى مصانع لإنتاج "الأوراق البحثية الكمية" التي تخدم مصالح النخب التقنية (التكنوقراط) بدلاً من البحث عن الحقيقة الجوهرية. لقد تحول الباحث من مفكر حر إلى موظف في آلة كبرى لإنتاج التفاهة المسلفنة.

ديناميكيات التحول المؤسسي: خصخصة السيادة وتسليع الوعي

تسلل التافهون إلى مفاصل السلطة عبر استبدال السياسة الحقيقية بمفهوم "الحوكمة" التقنية. هؤلاء الخبراء يمارسون دوراً تجميلياً لفساد المنظومات، مستخدمين لغة إدارية معقدة وجوفاء تهدف إلى حجب الحقائق الاقتصادية عن الجمهور. ويمكن رصد هذا التحول عبر أربع مسارات:

تحويل الحرفة إلى وظيفة: فقدان العامل لصلته الروحية بمنجزه، وتحوله إلى برغي في ماكينة لا يدرك غاياتها.

سيادة النخب التقنية: استخدام المصطلحات "المعقمة" لشل القدرة على التفكير النقدي.

خصخصة السيادة: إدارة الدولة بمنطق الشركات الكبرى، حيث المواطن هو "مستهلك" والوطن هو "سوق".

تسليع الوعي: تحويل المثقف والفنان إلى "مؤثر رقمي" يقاس نجاحه بعدد المتابعين لا بعمق الأثر.

تصنيع الرضا: الفلاتر البنيوية للهيمنة الإعلامية

لا تكتمل منظومة الانقياد دون جهاز إعلامي يصنع الرضا طوعاً. إن نموذج "تصنيع الرضا" يكشف كيف تقوم وسائل الإعلام بخدمة مصالح الشركات والنخب عبر "مرشحات" بنيوية خفية. هذه المرشحات تضمن بقاء النقاش العام محصوراً في تفاهات يومية، بعيداً عن القضايا المصيرية التي تمس جوهر الهيمنة. الإعلام هنا لا يملي عليك "ماذا تفكر"، بل ينجح ببراعة في إملاء "ما الذي يجب أن تفكر فيه"، محيداً بذلك أي صوت معارض حقيقي.

من مجتمعات الانضباط إلى مجتمعات التحكم الرقمي

لقد انتقلنا من عصر "السلطة الانضباطية" التي كانت تراقب الأجساد داخل جدران السجن أو المصنع، إلى عصر "مجتمعات التحكم" المرنة. في هذه المرحلة، لم يعد الفرد بحاجة إلى جدران مادية ليكون سجيناً؛ بل أصبح ملاحقاً بهويته الرقمية، وتقييماته المستمرة، وأكواد الوصول. السلطة اليوم شبكية، تعمل عبر تعديل السلوك اللحظي من خلال الخوارزميات، مما ينتج طاعة بنيوية "ذكية" تستبق حتى رغبة الفرد في التمرد.

 الجهل البنيوي وسيكولوجية الإنسان المقهور

يمثل "الجهل البنيوي" الركن الثالث في هذا المثلث؛ وهو جهل مصمم مؤسسياً، ليس ناتجاً عن نقص المعلومات، بل عن وفرة المعلومات التافهة التي تحجب الوعي النقدي. في الفكر العربي، حلل مصطفى حجازي سيكولوجية الإنسان المقهور الذي يتبنى "وعياً زائفاً" كآلية دفاعية لتجنب مواجهة واقعه الأليم. هذا الإنسان يتحول إلى كائن منغلق معرفياً، يفضل الانتماءات الضيقة (القبلية أو الطائفية) على التحليل العقلاني، مما يجعله فريسة سهلة للرأسمالية الرمزية التي تحول جهله إلى "مادة خام" للاستثمار السياسي.

خطاب السلطة: من "الحكمة" إلى "الوعظ الجماهيري"

تاريخياً، ميز خطاب السلطة بين "الخاصة" و"العامة" لاستقرار الحكم. فبينما يرى ابن رشد ضرورة مخاطبة الجمهور عبر "الخطاب الإنشائي" المعتمد على الصور الخيالية لضمان الاستقرار، نجد في الخطاب المعاصر توظيفاً مشوهاً لهذه الفكرة. السلطة اليوم تستخدم "التفاهة" كخطاب وعظي حديث، حيث يتم إغراق الجمهور بتمثيلات زائفة عن النجاح والسعادة الاستهلاكية لضمان انشغالهم عن تفكيك بنى الهيمنة.

انشغالات الفيلسوف كفعل مقاومة

في مواجهة هذا التحالف الشرس بين الرأسمالية الرمزية ونظام التفاهة، تبرز "انشغالات الفيلسوف" كفعل مقاومة وجودي. إن المقاومة لا تبدأ من الشارع فحسب، بل من استعادة السيادة على الوعي. إنها تبدأ بـ "التعليم النقدي" الذي يعلم الأجيال كيف يفككون شيفرات الخطاب السلطوي، وكيف يرفضون القيم المعلبة التي يفرضها السوق.

إن إنقاذ "الإنسان الأخير" من براثن التفاهة يتطلب ثورة فكرية تعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية، وتستعيد حق الإنسان في أن يكون سيد نفسه، لا جزءاً من قطيع يساق نحو حتفه بإغراءات الاستهلاك السطحية. إن المعركة اليوم هي معركة استعادة "الخيال السياسي"؛ القدرة على تصور عالم لا تحكمه الرداءة، ولا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى انصياعه للنظام، بل بمدى قدرته على التفكير الحر.

***

غالب المسعودي

يظن البعض أنهم يرون الواقع أمامهم بوضوح كامل، وكأن ما يلتقطوه من تفاصيل هو الصورة الكاملة للحقيقة، لكن التجربة العلمية في علم النفس الإدراكي تشير إلى عكس ذلك تمامًا، حيث يعمل الانتباه البشري بطريقة انتقائية تجعل جزءًا صغيرًا فقط من الواقع هو ما يدخل فعليًا إلى الوعي، بينما يتم تجاهل أجزاء أخرى بالكامل دون أن يشعر الإنسان بذلك.

هذه الفكرة ظهرت بشكل واضح في تجربة شهيرة في علم النفس تعرف بتجربة “الغوريلا الخفية”، التي أجراها العالمان دانيال سيمونس وكريستوفر تشابريس. في هذه التجربة، تم عرض فيديو بسيط أمام المشاركين، يظهر فيه فريقان من الأشخاص، أحدهما يرتدي قمصانًا بيضاء والآخر سوداء، يقومون بتمرير كرة فيما بينهم. طُلب من المشاركين أن يركزوا انتباههم على الفريق الأبيض فقط، وأن يقوموا بعدّ عدد التمريرات بدقة، وهو تمرين يبدو بسيطًا لكنه يتطلب تركيزًا عاليًا.

أثناء انشغال المشاركين في العدّ، حدث أمر غير متوقع داخل المشهد، إذ دخل شخص يرتدي زي غوريلا، ومرّ ببطء في منتصف الشاشة، توقف، قرع صدره بيديه، ثم خرج من المشهد. هذا الحدث استمر لعدة ثوانٍ وكان واضحًا من حيث الشكل والحركة، ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون بعد انتهاء الفيديو، كانت النتيجة صادمة، إذ إن نسبة كبيرة منهم لم تلاحظ وجود الغوريلا أصلًا، رغم أنها كانت أمام أعينهم مباشرة.

هذه النتيجة كشفت أن الانتباه البشري لا يعمل كنافذة مفتوحة على كل ما يحدث، بل يعمل كضوء مركز يتم توجيهه نحو جزء معين من المشهد، بينما يتم ترك باقي المشهد في الظل. عندما يركز العقل على مهمة محددة مثل عدّ التمريرات، فإنه يقوم تلقائيًا بتقليل حساسيته تجاه أي شيء لا يخدم هذه المهمة، حتى لو كان هذا الشيء واضحًا وكبيرًا في المشهد.

هذه الظاهرة لا تتوقف عند المختبرات العلمية، وإنما تظهر في الحياة اليومية بشكل مستمر، حيث يمكن للإنسان أن يركز على هدف معين أو فكرة معينة، ثم يفوته الكثير من التفاصيل المحيطة به دون أن ينتبه لذلك. وهذا ما يجعل الإدراك البشري انتقائيًا بطبيعته، وليس شاملًا كما نعتقد في العادة. ما يركز عليه يبقيه تحت الضوء وما يتجاهله يتركه في الظل.

 هذه التجارب تكشف لنا طريقة عمل الإدراك البشري في الحياة اليومية، وكيف يرى الحداث وتفاصيلها في الواقع. حيث لا يرى الإنسان كل ما أمامه في وقت واحد، وإنما يقوم بعملية فرز مستمرة لما يدخل إلى وعيه وما يبقى خارجه. هذا الفرز يحدث بشكل عفوي في أغلب الأحيان، ويعمل بشكل تلقائي حيث أنه مرتبط بالهدف الذي يركز عليه الشخص في تلك اللحظة، سواء كان هدفًا بسيطًا أو ضغطًا نفسيًا أو حتى رغبة داخلية قوية.

يمكن فهم ذلك بشكل أعمق عندما نربط التجربة بفكرة الطاقة الإدراكية المحدودة، وهي الفكرة التي تشير إلى أن الانتباه موردًا محدود للطاقة، حيث يتم توزيعها على ما نعتبره مهمًا في تلك اللحظة. ولهذا السبب، عندما يوجه الإنسان انتباهه إلى مهمة معينة بشكل مكثف، فإنه يخسر القدرة على ملاحظة أشياء أخرى قد تكون موجودة بوضوح في محيطه. وهذا ما يجعل الإدراك دائمًا انتقائيًا، وليس شاملًا كما يبدو من الخارج. ومن هنا تكمن أهمية المشاركة في الأفكار والتصورات.  فهي تغني الصورة لدينا بجوانب كانت في منطقة ظلنا.

وقد أشار عالم النفس جوردان بيترسون إلى هذا المعنى من زاوية مختلفة عندما تحدث عن بنية الإبصار البشري، موضحًا أن جزءًا صغيرًا جدًا من العين مسؤول عن الرؤية الدقيقة، بينما يتم استخدام باقي المجال البصري بشكل محيطي وأقل دقة، مما يعني أن الدماغ مضطر دائمًا إلى اختيار ما يركز عليه بدقة عالية، وما يتركه في الهامش. هذه البنية البيولوجية تعكس حقيقة أعمق، وهي أن الإنسان لا يستطيع إدراك كل شيء بنفس الدرجة من الوضوح في وقت واحد، بل يحتاج دائمًا إلى عملية اختيار.

هذه الفكرة تنعكس أيضًا في الحياة الاجتماعية، حيث يظهر ما يمكن تسميته بالانتباه الانتقائي العاطفي. فالشخص المراهق الذي ينغمس في العشق تراه يقصر في دراسته كون العشق استحوذ على كامل الصورة الادراكية لديه وترك الدراسة في الظل. وكذلك أيضًا الشخص الذي يكون منشغلًا بفكرة معينة، أو بحاجة داخلية ملحة، قد لا يرى تفاصيل واضحة أمامه في ذلك الوقت لأنها لا ترتبط مباشرة باهتمامه الحالي. ومن هنا جاء التعبير الشعبي “صاحب الحاجة أعمى”، الذي لا يشير إلى فقدان البصر الحقيقي بل النفسي، حيث يضيق مجال الإدراك تحت تأثير الحاجة أو التركيز الشديد.

إذا عدنا إلى تجربة الغوريلا، يمكننا أن نفهم أن المشكلة الفعلية التي حدثت هي في طريقة توزيع الانتباه داخل العقل. وليست مشكلة في الأبصار. فعندما يتم توجيه الانتباه بالكامل نحو مهمة محددة، يتم تقليل حساسية الدماغ تجاه أي عنصر خارج هذه المهمة، حتى لو كان هذا العنصر واضحًا وكبيرًا في المشهد. وهذا يفسر لماذا يمكن لشخصين أن يشاهدا نفس الحدث، لكن يخرجان بتجربتين مختلفتين تمامًا.

في النهاية، ما تكشفه هذه الظاهرة هو أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يتم التقاطه من خلال عدسته الإدراكية في تلك اللحظة. وهذه العدسة قابلة للتضييق أو الاتساع بحسب الحالة الذهنية، والهدف، والضغط، والسياق. وكلما ضاق هذا الانتباه، زادت احتمالية فقدان تفاصيل مهمة، وكلما اتسع، زادت القدرة على رؤية الصورة بشكل أكثر شمولًا، دون أن يعني ذلك رؤية كل شيء في الوقت نفسه.

بهذا المعنى، يصبح الإدراك البشري عملية اختيار مستمرة، أكثر من كونه عملية استقبال كاملة للواقع، وهو ما يجعل فهم “كيف نرى” لا يقل أهمية عن “ماذا نرى.

***

الكاتب نبيل عيدو

علينا أن نقول أولا بأنّ نيتشه " موسيقيّ" (وإن لم يُعرف بذلك بقدر ما عرف بكونه فيلسوفا) وانّه كذلك (موسيقيّ) بوصفه عارفا، يكتب عن الموسيقى ويضع الألحان أيضا. وليس هذا الاهتمام الخاص بالموسيقى بالأمر المستغرب فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة سابقون أمثال أفلاطون و الفارابي وغيرهما...وجدوا في الموسيقى علاقة وثيقة بالفلسفة من حيث مشاركتهما في مبدأ الوحدة والتناسق...غير أنّ نيتشه، ولرؤية خاصة للفلسفة بوصفها " تجربة حياة "، لم يجد في الموسيقى أمرا متخارجا عن الفلسفة قد يشاركها من بعض الوجوه، بل إنّه يرى فيها، وربما في الفن عموما التصاقا بالفلسفة تكاد تختفي معه التخوم حينما ينظر إليها بوصفهما تجسيدا لتجربة " الكائن" وتعبيرا عن " إرادة الاقتدار " لديه أو بوصفهما " تجسيدا " لقوّة " الحياة في اندفاعها، بل قد يجد في الموسيقى تفوّقا في هذا المعنى على الفلسفة. ولعلّ هذا ما يفسّر العلاقة الخاصّة لنيتشه بالموسيقيين، علاقة تجاوزت مجرد الاهتمام الفلسفي - الاستيتيقي، ضمن دائرة التفكير الفلسفي في الموسيقى وفي الفن عامّة، إلى علاقة " صداقة " عميقة لا تخلو من هزّات وغِيرة وألم.. شأن ما كان من "صداقته" "لفاغنار" التي انتهت إلى قطيعة سببها خلاف حادّ حول " الموسيقى " بالخصوص، من جهة منزلتها من الحياة. ولم يقتصر اهتمام نيتشه بالموسيقيين على " فاغنار"، صديقا حميما من دون شكّ شغله وملأ حياته إلى حين، بل تعداه إلى الاهتمام بأعمال موسيقيين غيره أمثال موازرت و فرانزو وغيرهما. غير أنّ هذا الاهتمام بالموسيقيين، كما أسفلنا لم يكن اهتمام " المعجب" ولا حتى المفكّر، بل اهتمام الموسيقيّ، العارف بالموسيقى وشعابها؛ الأمر الذي سمح لنيتشه لا أن يؤلّف فيها مقطوعات عديدة خلفها لنا بعضها مكتوبا وبعضها" مسموع" أيضا (أبرز أعماله كانت على البيانو خاصة تشمل "ترنيمة الحياة" (Hymnus an das Leben)، و"تأملات" (Meditation)، و"أراك أيها الملاك الهادئ" (Es zieht ein stiller Engel)، بالإضافة إلى مقطوعة أرسلها لكوزيما فاغنر). وبالرغم من أن نيتشه لم يبلغ بهذه المقطوعات الموسيقية مبلغ " العظماء" من الموسيقيين أمثال فاغنار أو موزارت..، فإّنه كشف من خلالها عن حسّ فنّي راق وعن ذوق مرهف، فضلا عن اطلاع ومعرفة بالموسيقى وخاصة بما عرف بالموسيقى " السمفونية".

 وقد سمح هذا الاطلاع على الموسيقى وأحوال الموسيقيين لنيتشه أن يلعب على نحو ما دور " الناقد الفنّي" يحلّل ويقيّم إبداعات الموسيقيين ويبدي رأيه في القيمة " الفنّية والموسيقيّة " لهذه الأعمال وخصوصيتها فنيا بل ومقارنتها ببعضها البعض، كلّ ذلك انطلاقا من ثقافته الموسيقية أولا ووفق معايير " فنية" تستند إلى بالأحرى إلى خلفية فلسفية (فلسفة موسيقى). ذلك أن "نيتشه "الفيلسوف" يظلّ نيتشه الموسيقيّ حينما يتكلّم عن الموسيقى" حسب فلورانس فابر، "يعبّر عن الموسيقى بوصفه موسيقيّا لا بكونه باحثا في الموسيقى أو إستيتيقيا، أي موسيقيّا تمثّل الموسيقى لديه النواة المكوّنة لشخصيته وحياته"(1). وبصفته تلك كان يبدي رأيه في موسيقى غيره ويحكم على موسيقاهم. وقد ترك لنا نيتشه شذرات من آراءه تلك في أكثر من مؤلّف وخاصّة في كتابه" إنساني مفرط في الإنسانية" أو " المسافر وظلّه"، نسوق بعضا منها تباعا مقدّرين ما يذهب إليه شرّاح فلسفته الموسيقية من كون نيتشه قد مرّ بمرحلتين في تكوين هذه الاستيتيقا الموسيقية: أولاهما تأثر فيها بالموسيقى الكلاسيكية لباخ وموزار وبتهوفن وغيرهم، ثمّ مرحلة ثانية سميت لديهم "بحالة فاغنار" الذي كان له مع نيتشه شأن خاص لم يشهده مع غيره من الموسيقيين. ولكي نقف على مقدار اطلاع نيشته واستيعابه لموسيقى عصره وتقديره لقيمتها الفنية، نبسط فيما يلي آراءه حول بعض موسيقييي عصره، فهو القائل عن:

- " سيباستيان باخ اSébastien Bach: " إذا لم نسمع موسيقى باخ بوصفنا عارفين تماما بما يميّزها عن غيرها وبكلّ تنوّعات الأسلوب الشارد، وكان علينا بالتالي الاستغناء عن المتعة الفنية بالخصوص، فسيكون لنا، بالاستماع لموسيقاه، انطباعا (حتى نعبّر بطريقة "جوته" الرائعة) بكوننا حاضرين بالذات في اللحظة التي يخلق فيها الإله العالم. ونريد أن نقول، بأنّنا نحسّ بأنّها تحمل شيئا ما عظيما، غير أنّه لم يوجد بعدُ: موسيقانا الحديثة العظيمة. فقد تخطّت موسيقاه بعدُ العالم، وتجاوزت الكنيسة والقوميات وما يوازيها. يوجد بعدُ لدى "باخ" كثير من أثر المسيحيّة، ومن الجرمانية والمدرسيّة، وكلّ ذلك في الحالة الأولى البكر؛ فهو يقف على عتبة الموسيقى الأوروبية (الحديثة)، ولكنه يتجه بنظره من هناك إلى العصر الوسيط". "

- "هندال Händel: " مجدّد جريء في الإبداع الموسيقيّ، صادق وقويّ، يتّجه برقّة صوب البطولة التي يقدر عليها الشعب. كان هندال غالبا ما ينزعج ويصيبه الفتور في تجسيد أعماله، بمعنى يسأم من نفسه؛ فيستخدم إذن طرقا مجرّبة للإنجاز، فيكتب بسرعة وبكثرة، وكان سعيدا حينما يتمّ عمله، ولكن لا على نحو ما يكون الإله وغيره من المبدعين عشية تنفيذ مهمّتهم".

-"هايدن Haydn: بقدر ما تجتمع الروعة بالطيبة البسيطة للطبع، فهايدن يملكها. يذهب بالضبط إلى حدّ ما تفرضه الأخلاقية على الذكاء؛ فليس لكلّ الموسيقى التي يصنعها " أي ماض."

- "بيتهوفن وموزار Beethoven et Mozart: غالبا ما تبدو موسيقى بيتهوفن تأمّلا متأثّرا بعمق بإعادة الاستماع غير المنتظر لقطعة موسيقية نعتقد أنّها قد ضاعت منذ أمد، براءة الموسيقى؛ إنّها موسيقى عن الموسيقى. يكتشف يبتهوفن "ألحانه" من أغنية متسوّلين أو أطفال الشوارع، من نغمات رتيبة لمشرّدين إيطاليين، ومن مجموعة رقصات في فندق القرية أو من خلال ليالي كرنفال: يجنيها مثلما تجني النحلة الرحيق، يبحث هنا وهناك عن نوتة، عن تتمّة موجزة. إنّها ذكريات تتجلّى من "عالم أفضل"، تقريبا مثلما يتخيّل أفلاطون " أفكاره". لموزار علاقة مغايرة تماما مع ألحانه؛ فهو لا يجد إلهاماته بالاستماع للموسيقى، بل بمشاهدة الحياة، الحياة الجنوبية الأكثر نشاطا: يحلم دائما بإيطاليا حينما لا يكون فيها."

***

عبد الوهاب البراهمي

.......................

(1) نيتشه والموسيقي. الموسيقى وظلها" فلورانتس فابر "بيف" ص 276.

 

الْتفتُّ ورائي وقد تقدم بي العمر وبعُدت بي المسافات، فلا رجوع، واستحال العوْدُ الآن، بعد أن جمعتُ بداية الأمنيات، سوْف، وليْت، ولو، ولعلّ، كبرتُ وتسلل من بين السّنوات العمر، انتبهتُ فلم أجد إلاّ السّراب يحيطني ويحتويني ويبتلعُني.

بين الصّمت والكلام، تختبئُ الحكمة والنّدامة وتأتي هذه التّأمُّلات، الوصايا، المقامات، الأبواب، جامعة لمسار طويل من النّظر والتّأمُّل والتفكير والوعي والتساؤل، لتكون تمرة يانعة لقاطف، لا تدّعي الإلْمام كلّه أو التفريط كله، بل هي تأمّلات على الطريق تحاول سبر أغوار الإنسان الذي كُنْتُه، وما يختلج بداخله من خير وشر، وجمال وقبح، وحب وكراهية.

تجرُّني السنوات إلى الأمام المحتوم جرّاً، والأمام مجهول، غامض، ضبابي، لا يستبين خطوُه، كل أثرٍ للخَطْو يذوب بين أُخَرَ كثيرة، يحثني العمر للسيْر سريعاً، حبوا وهرولة وجريا، حتّى تتقطّع منّي الأنفاس، لا محطّات للاستراحة أو الوقوف، إذ لا وقت لذلك، ولا وقت لاحق. كل الثواني والدقائق والسّاعات محسوبة ومراقَبة. أسْتحضر الماضي والآن وأُفكّر في الغد الغامض، أفكّر في الذين يلحقون بي، أبحث لهم عن مكان آمن، أحكي لهم ما كنتُ وما هم إليه سائرون، لعلّ في الأثر عبرة، لعلّ هذه التّأمُّلات تّضيئُ لهم موضع وَطْء القدم، ليسيروا مُحمّلين بالأمل والتّجربة والسّؤال.

سأترك وصاياي وتأمُّلات على مسارٍ وصل خطّ النّهاية، أو في الطّريق إليه، وهي لا تُلزم أحداً، وصايا هي الأثر، وما تبقّى منّي، وما عاش من لم يترك الأثر، ومن لم يستهد بما اكتسب من تجارب الحياة وتجارب الآخرين. الحياة علّمتني أن من الإصغاء تأتي الحكمة، ومن الكلام والثّرثرة تأتي النّدامة، لدرجة أني أصبحتُ أحاسب لساني وأزن كلامي بميزان التدبّر والتّريُّث، والصّمت والتّعقُّل، فأصبحتُ أنطقُ جمالا حين يكون للكلام حاجة، دور أو هدف أو معنى، وأتجمّل بالصّمت حين يكون الصّمت من ذهب، على حدّ قول قُطب المتصوِّفة، «انطق جمالا أو تجمّل بالصّمت[1]». هذه الوصايا والتّأمّلات، تحمل توقيع خطواتي وما كنتُه في جميع حالاتي، هادئاً، غاضباً، متأمّلاً، متسائلاً، حالات أفرزت تجارب للتقاسم والتشارك مع الآخر ليسير إلى برّ الأمان، مزوّدا بما يفكّ به أسرار الوصايا ممّا يجعله واثقا من موضع خطوِه الذي يسيره عبر سنين عمره، طال أو قصر، محمّلا بما يغالب به اليأس، وبالتّجربة التي يبني بها الآتي، وبالسؤال الذي يفتحه على الوجود والمنغلق من أسراره.

هي وصايا وتأمُّلات بمثابة مقامات تعزف على وتر تجاوز في حزنه وشجنه وهدوءه مقامات «صُنِعَ بسحْر»[2]، وترٌ لا هو بالحزين ولا المُفرح ولا المبكي، مقامات توقفنا للسّؤال أكثر ممّا تُطرب، تتصاعد قوتها لتصل إلى درجة الانتباه والتفكير النقدي الواعي، وإلى السؤال. مقامات تبحث عن المعنى حين تُقرّبنا من الكمال، تموج من دون كمنجات ولا أعواد ولا نايات ولا دفوف، تسير بنا في مواكب رهيبة بعيداً عن البكاء والعويل والتّأسُّف والتّفرّج على الحال، توقفنا أمام مسؤولياتنا الوجودية والإنسانية.

وصايا اللحظة الأولى والأخيرة قبل الوداع، نورِّثُها لعلّ الفكر يستفيق وينتبه ويفتح للسؤال والعبرة أبواب التّأمّل، لعلّنا أمامها نحسُّ بنا لردم الخواء الذي يأكلنا ويلفُّ حياتنا حين قلّ الإيمان وعمِيت الأبصار وخاب الرّجاء. هي أيضاً أبوابٌ تنفتح على مصراعيها لنَلِجَها كفاعلين لا متفرّجين، فالأبواب رمزٌ للعبور والأسرار، وكل باب يؤدّي إلى عالم من التّأمّل جديد، إلى مغامرات وتحدّيات، بل ينفتح على تفاصيل تستحقُّ أن تُروى وتُعاش.

أمام الأبواب والمقامات ترتجف بين أصابع القارئ المفاتيح والأوتار، تنفتح له الأبواب على أسرارها والمقامات على أنغامها لتهب للحياة معنى. مقامات، أبواب، تأمّلات، وصايا، مسمّيات لتجارب ولحظات تفكير عميق وهادئ يغوص في الحال ويتأمّل المآل يقترب من جوهر الإنسان القابض على المعنى كالقابض على الجمر أو كالغريب في دائرة لا نهاية لدورانها، يبحث عن مكان آمن لتوطين النفس والسير سير العقلاء بعيون مفتوحة على النّور وقلوب عامرة بالأمل.

هذه الوصايا لا تعني من يقول «أنا وبعدي الطّوفان» ولا «الإمّعة» الذي يخوض مع من يخوض في الوحل ويقول «إذا أحسن النّاس أحسنت وإذا أساءوا أسأت» ولا الذي يقول «نفسي نفسي» أو «إذا متّ ظمآناً فلا نزل القطر»[3]، لكنّها تخاطب عقولاً أنضجتها التّجارب، ونفوساً صقلها التّأمّل وابتعدت عن القاع المزدحم بالعقول الصّغيرة والأفكار التّافهة، والرؤى الفارغة.

1ـ «ليس لي وقتٌ لوقت لاحق»[4].

هكذا أُعلن تمرّدي على عادة التّأجيل والتّسويف والانتظار، وأفضح وَهْمَ الغد الذي أستندُ إليه لأُبرّرَ صمتي وتردّدي وخوفي. «الوقتُ اللاّحق» هو أكبر كذبة اخترعها العقل البشري لتأجيل المواجهة، وتأجيل السعادة، واللحظة المواتية، وتأجيل الحلم.. الوقت لا ينتظر أحدا، لكنه يُسرق منّا دفعة واحدة، أويؤخذ منّا بالتأجيل. قد تأتي النّهايات في لمح البصر، فلْنُغادر صالات الانتظار، فالوقت اللاّحق سرابٌ يبتعد كلّما اقتربنا منه، و«الآن» هو الحقيقة الوحيدة التي تضعنا على سكّة المسير بكل الأخطاء، لكنّ الطريق كفيل بأن يُصلح ما فسد، ويُحقّق الوصول النّاجح.

«الآن»، ولا وقت لاحق، «الآن»، هو الفُرصة الوحيدة والأخيرة التي قد لا تتكرّر، والتّسويف يكسّر مجاذيف العوْم نحو الشُّطآن الآمنة، فلا تجعل من انتظار الوقت اللاحق مقبرة للأحلام والأفكار والمشاعر، لا تترك للغد ما يجعلك حيا الآن. فالحياة ليست تمرينا على مسرحية تُعاد مرّات عديدة، بل هي عرض واحد مستمر الآن.

هذه الوصية جمعت كل الوصايا والتّأمّلات لأنّها فلسفة الحضور في اللحظة المواتية، ودعوة إلى أن نفكّر الآن، لا عندما تهدأ العاصفة، أن نحب الآن، لا حين تسمح الظروف، أن نبدأ الآن، لا حين تكتمل الصّورة، لأنّ الصورة لن تكتمل أبدا، والتفكير الحقيقي لا يعيش في المستقبل الغامض، بل في لحظة الوعي، والوعي لا يُؤجّل.

2 ـ «القاع مزدحم، خفّفْ من أحمالك لتُحلّق»[5].

المُثقل لا يبلغ القمّة، والقاع مزدحم وغاصٌّ بمن أثقلتهم المخاوف، والانتظارات، والتّراجعات. القاع عميق ممتلئ بالقُبح والجُثث الآدمية التي اسْتَحْلَت المهانة والعبودية، وكل ما يشُدّ إليه من تراجع وانكسار وخيبة وبؤس، ولا مخرج من هذا القاع النّتِن والآسن إلا بِفَرْد الجناح والتّحليق عاليا بعيدا على وُسْع المدى وانفتاح الفضاء، فالتّحليق قوة يبدأ بالتّخلّي، التّخلّي عن الشّك الذي يُربك الخطى، وعن كل ما يشدُّ إلى القاع، التّحليق يحتاج خفّة، والخفّة قرار.

حلّق عاليا، وأنت تفتح كتابا لتقرأ، أو تسمع موسيقى راقية لتسبح عاليا في الملكوت، أو تشارك في نقاش مثمر لينفتح وعيك، أو تطرح سؤالا يدفع بك إلى الرقي والسّمو والتغيير. ارتق الفكر سُلّما يوصلك إلى السّطح، ويُبعدك عن القاع المظلم العامر بالتّفاهات والتّافهين والقيل والقال، وافتح للسّؤال بابه وادخل بحر القراءة واركب أمواجه، فالسؤال قنطرة للعبور، باب لا يدخله إلا من خبر أسرار المغامرة والمجهول، اقرأ وارتق واترك القاع للتّافهين.

القاع حضيضٌ مزدحمٌ يُعيق الحركة، ومن آثر القاع قُصَّتْ أجنحته وأتلف نعمة الطّيران، فالأحمال ثقيلة، والازدحام في القاع ليس أمانا، وليس كلاماً من قبيل، «المصيبة إذا عمّت هانت»، بل، لا تكن ممن اختاروا الرّاحة على المحاولة، والصّمت على المواجهة، فالسّماء تتّسع لمن يجرؤ، لمن يبادر، لمن يؤمن بمؤهّلاته ولا ييأس.

خفّف من أحمالك لتُحلّق عالياً، توقّف عن الاهتمام بصغائر الأمور، تخلّص ممّا يمنعك من الطّيران والصُّعود، جرّد أحمالك، وما يستنزفُ طاقاتك تخلّص منه، قرّر بوعي وتأمّل جيداً منْ هُم في القاع وما يشدُّهم إليه وركّز في القمّة.

3 ـ «كن عابراً، لا تكن قنطرة للعبور»[6].

العابر يترك الأثر، أما القنطرة فهي للعبور والركوب والوَطْء. "امشِ مع الماشين، لا تقف لتُراقب مواكب العابرين" فالوقوف سقوط في الهاوية، بل موتٌ، والمَشْيُ حياة.

كن عابراً وصاحب رحلة ومسار مدروس، تحرّكْ، تغيَّرْ، اسعَ إلى التّغيير، لا تكن محطّة انتظار أو قنطرة ثابتة للعبور يطؤها العابرون. كن عابراً واترك الأثر، اِعطِ ما يمنح حياتك معنى وللآخرين، ركّز على مسارك المهني والشخصي وقدّم الدعم والعون لمن سأله من دون أن تضيع منك مساحتك الخاصّة وكذا كرامتك.

لا تقف متفرّجا تُصفّق ضاحكا كالأبْله، بل اعبر وامش، واترك الأثر، ضع بصمتك في الحياة يستفيد منها العابرون، ولا تحتَقِرنَّ من الأثر جناح بعوضة، فالتّاريخ يسجّل وأعيُن النّاس لا تنام، تلتقط كل كبيرة وصغيرة، كل شاردة وواردة، عش حياتك وفْق اختياراتك ولا تذُبْ في خدمة الآخرين حدَّ محْوِ ذاتك، ولا تكن أنانيا، فالعطاء جميل ورائع، لكنّه عندما يتحوّل إلى تضحية دائمة بالذات، يفقد توازنه، والحياة زمنٌ محدود فلا تقضيه في تمهيد العبور والطّريق للآخرين من دون أن تعبر أنت فتصير بذلك قنطرة للعبور.

4 ـ «الحاجة صفةُ نَقْص، فمهما كثُرت كثُر النّقْص».[7]

الحاجة افتقار إلى الشيء، وهي صفة نقص، أي علامة على عدم الاكتمال، بمعنى أن كل من يحتاج إلى غيره، فهو ناقص بذاته، لأن الكمال الحقيقي لا يكون محتاجا. ورغم أن الإنسان قائم وجوده على الحاجة، مال، شكر، مدح، رضا النّاس، شهوات..، وكلّما كثرت حاجاته دلَّ ذلك على ازدياد فقره وضعفه، أي ازدياد نقصه. وكلّما كثرت التّعلُّقات، كثرت القيود، وكثرت مظاهر النّقص، وكلّما كثرت الحاجات ازداد الشعور بالنّقص والعجز والتّبعيّة. فالإنسان الكامل من قلّت حاجاته وافتقاره للآخرين.

الامتلاك وطلب المزيد يُشعل نار الاحتياج، فالحاجة ليست فراغاً يُسدُّ، بل ثُقب يتَّسع كلّما مرّتْ من خلاله الحاجات، إذ لا سعة لوعاء الحاجة، بل يتمَدّدُ بالطلب والزّيادة، وكلّما اتّسعت رُقعة الحاجات تضخّمت مساحة القلق والفقد فيتولّد نقصٌ جديد وخوف جديد. والافتقار إلى الله كمالٌ، لا نقصٌ.

5 ـ «كلما ضاقت، يُفرجها الأمل»[8].

الأمل يغير طريقة نظرنا إلى الظروف وما يحيط بنا من أحوال ووضعيات، فهو لا يغيرها مباشرة. من هنا يبدأ الفرج. الأمل يغير زاوية رؤيتنا للأشياء، فعندما تضيق السبل وتشتدّ الأمور، يميل العقل إلى التركيز على المشكلة، لكن الأمل يقدّم احتمالات جديدة، حلولا لم ننتبه لها، فرصا مَخْفِية خلف الألم، فنتحمّل أكثر، ونصبر أكثر، ونحاول مرّاتٍ عِدّة.

الأمل ليس شعوراً عاطفياً، بل هو في حقيقته فعلٌ وإرادة، فعلُ استشراف لا انتظار الفرج، نصنعه بالعقل والتّفكير وفتح ما انسدَّ في الرؤية، كما أنه ليس نهاية الطّريق حين تضيق الأمور. ابحث عن ثغرة يدخل منها النّور، لأنّ الأمل هو القدرة على رؤية الضّوء في ذروة العتمة.

لا شيء يبقى على حاله، والضّيْقُ حالة مؤقّتة والثّبات فيه وهمٌ قاتل الأمل قرار بينما الضيق حالة، فعندما نختار الأمل، فإنّنا نختار ألاَّ نبقى أسيري اللحظة. «اشتدّي أزمة تنفرجي / قد آذن ليلك بالفرج»[9]

6 ـ «هدفك غَيْر قابل للتّحقيق، لا تغير الهدف، غَيِّر الخُطّة»[10]

«العائق أمام الفعل يُعزّز الفعل، وما يقف في الطّريق يُصبح هو الطّريق»[11]، فالعائق لا يُلغي الغاية، بل يفرض تعديل الوسيلة.

الهدف قيمة عليا وغرض وجودي، أمّا الخطّة فمجرّد فرضية خاضعة للتّجريب والخطأ. وإن تغيير الخطّة ليس تراجعاً بل هو استجابة لتحديث البيانات والمعطيات والخطة وُضعت بناء على معطيات لحظة التّخطيط، والواقع متغيّر، والإصرار على خطّة فاشلة رغم تغيير المعطيات نوع من الجمود العقلي الذي ينافي العقلانية، وخسارة غير محمودة العواقب قد تصل إلى خسارة الهدف نفسه وخسارة الوقت والجهد، وتغيير الخطة في حقيقته عمليةٌ لإنقاذ الهدف.

الهدف رؤيتك، لا تتخلّ عنه بسهولة، لأنّ الفشل الحقيقي ليس في تغيير الخطّة، بل في التّخلي عن الهدف بسببها. والهدف يحتاج إيماناً، بينما الخطّة تحتاج ذكاء وأدوات، فلا تُبدّل غاياتك كلما ضاقت بك السّبل، ولكن بدّل السبل فإن الطريق قد يلتفّ ويتعرّج، لكن الهدف فهو نقطة الوصول وتغيير الهدف ضعفٌ في العزيمة، فالنهر لا يُغيّر وجهته نحو البحر، لكنه يغير مجراه ألف مرة.

7 ـ «لا يوجد الإنسان أنصافا أو على أقساط، يوجد دفعة واحدة أو لا يكون»[12]

الانسان الحقيقي يكون حاضرا بكلّيته، بمشاعره، بمواقفه، بمسؤوليته، لا يكون كما يشتهي أو كما يُناسبه، فأنصاف الأشياء تبعدك عن إنسانيتك وقد تؤذي، تُرْبك، تفقد المعنى، والهوية لا تبنى بالأنصاف أو بالتّقسيط، أو حسب المصلحة. وهي قولةٌ تعبّر بعمق عن رفضٍ قاطع لتَشْييء الإنسان أو تجزئته، فالإنسان ليس تراكما لقطع غيار مشاعرية أو عقلية، بل هو وحدة وجودية تتجلّى في المواقف والاختيار.

«الإنسان مشروع» لا يمكن أن يكون نصف حر، لأن الحرية لا تتجزّأ، أو يكون نصف شجاع أو بنصف كرامة، فالخيار أن تكون «كلّك» لا أن توجد نصف وجود. فإمّا أن تكون حاضراً بوعيك ومسؤوليتك في اللحظة، أو أنّك غائب لا حس ولا خبر.

التاريخ لا يصنعه المتردّدون أو الذين يعيشون على هامش الزمن، في انتظار وضوح الرؤية أو اللحظة الحاسمة والمواتية. فالذين تواجدوا أنصافا ذابوا في الزحام ولم يتركوا الأثر، لأن الأثر يتطلّب كثافة وجودية تتحقّق بالانصهار الكامل في الموقف.

الإنسان ليس كائناً يُبنى بالتّقسيط، بل هو كُلٌّ وفيض يتجلّى أو ينحسر، وهو ليس مجموع أجزاء، بل كُلٌّ يمنح لكل جزء معناه.

كن واضحا مع نفسك ومع الآخرين، كن حقيقيا من دون قناع أو رُتوش، لا تخلق لنفسك نسخة مزوّرة غيابها خير من حضورها.

8 ـ «أخرجوا الطفل الذي بداخلكم حتى لا تشيخوا قبل الأوان، وتسقط أسنانكم، وتتعثّر الكلمات في أفواهكم»[13]

عندما نكبت الطّفل الذي بداخلنا فإنّنا نكبت الدّهشة والمغامرة والسؤال، إذ من دونها نفقد الروح ولذّة الحياة وسر المعنى الإنساني. فالطّفل ليس مرحلة زمنية نتجاوزها، بل نمط وعي مستمر، والشيخوخة قبل الأوان هي تصلُّب الروح عندما تتبنّى عقلية الراشد العاقل جداًّ، وهي غياب أو موت الطفل بداخلنا.

الطفل، فضول، عفوية، سؤال، حلم، فرح واستمتاع بالأشياء والتفاصيل الصّغيرة، صوت المطر، قهوة ساعة الظّهيرة أو عند غروب. الطفولة فعلُ مقاومة وجودية، فهي بداية جديدة، واستعادة القدرة على الحياة بدل المعاناة والاستسلام للواقع والمرض والألم والخرف والزهايمر، وهي الممارسة التلقائية والعفوية للحياة وليست لهواً، بل آلية دفاعية تحمي الجهاز العصبي من التّآكل والموت تحتَ ضغْط الأنا والمطالب الاجتماعية التي لا تنتهي، والحركات العاقلة جدا والمحسوبة والمراقَبَة، وإخراج الطفل الذي بداخلنا بمثابة ضخّ دماء في شرايين المعنى، فنحن لا نشيخ لأنّنا كبرنا في السنّ، بل نشيخ لأنّنا قتلنا فينا حسّ الفضول وقرّرنا أن نكون رسميّين أكثر من اللاّزم. الطفولة هي الضّمانة الوحيدة لبناء روح حية حادة تفيض بالحياة والفضول والدهشة والمغامرة والسؤال.

أخرج حماسك، لا تكبر وتلبس أقنعة الجِدِّية والالتزامات، فالشيخوخة ليست سنوات نعُدّها في انتظار الموت، أو لحظات نفقد فيها الشغف، بل بداخلك طفل، حي بقلب أخف، وروح أقوى، يتجاوز الأزمات.

9 ـ «معادن الناس تكشفها المواقف، لا الكلمات»[14]

تُقال الكلمات في ساحات آمنة بينما المواقف تُعاش تحت الضّغط. تسقط الزوائد ويبقى الجوهر ويظهر المعدن الصّقيل. لهذا يبدو النّاس على حقيقتهم في الشّدائد لا في الأحاديث وترصيع الكلمات.

الكلمات بطبيعتها قابلة للتّزيين يمكنها أن تمنحك أشياء لا تملكها حقيقة، أخلاقا على مقاسك، ومقاما مُلفت ولا تكلّفك ثمنا، أمّا المواقف فلها كُلفة، فهي الشرف حين يخون الآخرون، والصبر حين يرتاحون، والوفاء حين ينسحبون في صمت، لهذا ما يُدفع في المواقف ثمناً، هو ما يكشف القيمة الحقيقية للإنسان.

10 ـ «من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجاً ومن أراد ودّك ثقب في الصخرة مدخلاً»[15]

هذه القاعدة الذهبية تلخّص مفهوم التعامل مع الآخرين. فكلّما ذبُلت الرغبة في البقاء تحوّل العقل إلى آلة لإنتاج المبرّرات، فيصبح الخطأ البسيط خطيئة لا تُغتفر، والظروف العادية حواجز مستحيلة للتّواصل، فيُصبح «ثقب الباب» رغم صغره، مخرجا للهروب والصدّ والابتعاد. في المقابل، بقاء الودّ والحفاظ عليه يحطّم الصّخر لاستمراره. فمن يريد الهجر يبحث عن الثّغرات والأسباب الواهية، يُركّز عدسته على العيوب والنّقائص، وتصيُّد الهفوات ولحظات التّقصير ليُقنع ضميره بأن الرحيل كان خياراً ضروريا. ومن أراد الود يبحث عن المساحات والمشتركات، ويتغاضى عن الزّلاّت والعثرات، ويخلق من العدم فُرصاً جديدة للاستمرار.

فلا تبدّد طاقاتك في سدّ ثقوب الباب أمام من قرّر الهجران والرحيل، فمن أراد الخروج سيخترق الجدران ليبتعد، وبالمقابل قدِّرْ عاليا من يبحث في الصّخر لأجلك، لأن مجهوده ليس دليلا على قوته فحسب، بل على موقف إنساني يُطيل به الود والمحبة.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/ المغرب

...........................

[1] قول ينسب لجلال الدين الرومي، وللشاعر نزار قباني قولة في نفس المعنى «أنطق جمالا أو تجمّل بالسكوت».

[2] «صُنع بسحْر» جَمعت الكلمة حروف المقامات السبعة: الصبا، النهاوند، العجم، البيات، السيكا، الحجاز، الراست.

[3] هذا البيت هو للشاعر العربي أبو فراس الحمداني. والبيت هو عجز لقصيدة مشهورة يقول فيها: "مُعللـتي بـالوصـلِ والـمـوتُ دونهُ، إذا مِـتّ ظَـمْآناً فَلا

نَـزَل الـقَـطْرُ!". وتُعد هذه القصيدة من أشهر قصائد الفخر والشوق.

[4] قولة للكاتبة الإماراتية بدور القاسمي في رسالة ملهمة عبر حسابها على انستغرام تدعو فيها إلى عدم تأجيل الأعمال، مؤكدة أن تأخير القرارات يؤدي إلى ضياع الفرص وندم في المستقبل،

[5] قولة جمعت بين قولٍ لجلال الدين الرومي: «خفف من أحمالك لتُحلّق» وقولٍ لجبران خليل جبران: «ارتقوا فالقاع مزدحم» قولةٌ تحمل دلالات عميقة

حول ضرورة الارتقاء بالنّفس والتّخلّص من قيود الدنيا.

[6] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص 9)

[7] هذه العبارة هي جزء من فلسفة الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" حول الزهد وتهذيب النفس، حيث يرى أن كثرة الاحتياجات هي أسباب للغم،

الحزن، ونقص الرتبة الروحية، لأن كل حاجة تمثل تعلقاً بغير الله أو استعباداً للقلب، فكلما زادت، زاد معها النقص.

[8] ـ من أقوال الشافعي. وهو الإمام محمد بن إدريس القرشي المُطَّلِبِي الشافعي، يوصف بأنه "عقل فقهي ومنهجي عبقري"؛ وبأنه "مجدد القرن الثاني

الهجري"، ويعد أول من وضع لبنات علم أصول الفقه بكتابه "الرسالة". إمام في الفقه والحديث وعلم التفسير، وأديب وشاعر.

[9] كاتب كلمات القصيدة "المنفرجة" الشهيرة هو الشاعر والعالم الفقيه أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف التوزري، المعروف بـ ابن النحوي.

توفي عام 513 هـ (1119 م) وهو من أهل توزر في الجنوب التونسي، وتعتبر قصيدته من أشهر قصائد التوسل والفرج.

[10] تُنسب القولة للفيلسوف الصيني القديم كونفوسيوش.

[11] قولة لماركوس أوريليوس: هو فيلسوف رواقي والإمبراطور الروماني السادس عشر.

[12] الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد هو شاعر تونسي ولد يوم 4 أبريل 1955 في سيدي بوزيد وتوفي في يوم 5  أبريل. 2016.عاش في بيئة فقيرة

وقاسية في فترة خروج الاستعمار الفرنسي وبداية بناء الدولة التونسية.

[13] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص10)

[14]هذه العبارة تعتبر حكمة مأثورة وشائعة، وغالباً ما تُنسب في السياقات الأدبية والخواطر إلى الروائي المصري نجيب محفوظ، كما تتردد بأشكال

مشابهة في العديد من الأمثال والحكم العربية التي تؤكد أن الأفعال والمواقف هي المعيار الحقيقي لتقييم البشر، وليست الكلمات المنمقة.

[15] جلال الدين الرومي هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (1207-1273)    شاعر وفقيه حنفي ومنظِّر وقانوني صوفي. أصوله

فارسية، وعاش في تركيا، وعرف بالرومي لأنه قضى حياته في بلخ بالأناضول أيام سيطرة الروم السلاجقة.