عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قضايا

في مأزق الوعي المعاصر

تضرب الأزمة الجوهرية للإنسان المعاصر جذورها في خلل بنيوي عميق يمس آليات تشكل الوعي الفردي والجمعي على حد سواء. يتجلى هذا الخلل في تضاد صارخ بين ما يمكن تسميته بـ "انشغالات العامة" و"تأملات الفيلسوف". إن هذا الانقسام ليس مجرد تفاوت عارض في القدرات الذهنية بين الأفراد، بل هو الثمرة المرة لهندسة اجتماعية واقتصادية شديدة الدقة، تستثمر فيها الرأسمالية الرمزية، بالتحالف الوثيق مع نظام التفاهة، لفرض هيمنة أيديولوجية شاملة على الفضاء العام.

يعتمد هذا النظام في ديمومته على تحويل الرداءة من حالة هامشية إلى معيار وجودي ومؤسسي، وإعادة صياغة الأنماط السلوكية المطبوعة (البنى النفسية الراسخة) لضمان انصياع الجماهير عفوياً لمنطق السوق والسيادة الطبقية. إن الخطورة هنا تكمن في أن هذا الانقياد يحدث دون حاجة إلى وسائل القمع التقليدية الخشنة، بل عبر استغلال ذكي لآليات سيكولوجية الجماهير والتحولات الرقمية التي جعلت من الرقابة فعلاً طوعياً يمارسه الفرد على نفسه.

معمارية الرأسمالية الرمزية: العنف الناعم ومشروعية الهيمنة

تتأسس الرأسمالية الرمزية على قدرة النخب على تراكم "الرأسمال غير المادي"، الذي يشمل السمعة، التقدير الاجتماعي، والوجاهة، ومن ثم تحويل هذا التراكم إلى سلطة فعلية قادرة على توجيه السلوك الجمعي. هذا النوع من السلطة يمارس ما يمكن وصفه بـ "العنف الرمزي"؛ وهو عنف ناعم، خفي، وغير محسوس، يجهله الممارس والضحية معاً. يكمن دهاء هذا العنف في أنه ينتزع اعترافاً بمشروعيته من الضحايا أنفسهم، الذين يرون في تراتبية السلطة نظاماً طبيعياً لا مفر منه.

تعمل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المدرسة والإعلام، كمصانع لإنتاج هذه المشروعية. فالمدرسة، بدلاً من أن تكون جسراً للتحرر، تعمل غالباً كأداة لفرض ثقافة الطبقة المهيمنة بوصفها الثقافة الوحيدة الرفيعة. هذا "الاعتباط الثقافي" يؤدي بالضرورة إلى أن يستبطن أبناء الطبقات الدنيا شروط دونيتهم، فيعيدون إنتاج تبعيتهم بأنفسهم عبر تبني قيم الانقياد التي رُسخت في لاوعيهم تحت مسمى "النجاح" أو "الاندماج الاجتماعي".

من القوة القسرية إلى الإذعان "الأخلاقي"

إن المسار التاريخي للسلطة انتقل من إخضاع الأجساد بالترهيب إلى إخضاع النفوس بالرموز. تصبح السلطة هنا مبنية على "الهيبة المكتسبة" للرموز والمظاهر، مما يجعل الإذعان فعلاً منعكساً يشبه الاستسلام اللاشعوري لمراسم المحاكم أو أردية القضاة؛ ليس اقتناعاً بالعدالة بالضرورة، بل لأن الرموز تفرض سطوتها على الوجدان. هذا الاندماج الجسدي في بنية العالم يجعل من المستحيل على الفرد التمييز بين رغباته الأصيلة وبين تلك التي تمليها عليه المنظومة المهيمنة. وهنا يكمن التفسير السوسيولوجي لاستمرارية الأنظمة الجائرة؛ فهي لا تُحكم قبضتها على الأجساد فحسب، بل تسكن في مخيلة المحكومين.

عندما تصبح الرداءة نظاماً وجودياً: حكم التافهين

في هذا السياق، يبرز "نظام التفاهة" كمرحلة تاريخية متقدمة، لم تعد فيها الرداءة مجرد استثناء، بل غدت القاعدة المحركة لكافة مفاصل المجتمع. يُطالب الفرد في ظل هذا النظام بأن يكون "متوسطاً" أو "نمطياً" ليحوز القبول المهني والاجتماعي. إن القاعدة الذهبية التي تحكم عصرنا هي: "لا تكن مبدعاً بشكل يربك المنظومة، بل كن بارعاً في إتقان قواعد اللعبة التي وضعها التافهون".

هذا النظام لا يسحق الكفاءة علانية، بل يعيد تعريفها لتصبح مجرد قدرة على التكيف مع البيروقراطية الرتيبة. وحتى الحقول التي يُفترض أنها معاقل للفكر النقدي، كالحقل الأكاديمي، تحولت إلى مصانع لإنتاج "الأوراق البحثية الكمية" التي تخدم مصالح النخب التقنية (التكنوقراط) بدلاً من البحث عن الحقيقة الجوهرية. لقد تحول الباحث من مفكر حر إلى موظف في آلة كبرى لإنتاج التفاهة المسلفنة.

ديناميكيات التحول المؤسسي: خصخصة السيادة وتسليع الوعي

تسلل التافهون إلى مفاصل السلطة عبر استبدال السياسة الحقيقية بمفهوم "الحوكمة" التقنية. هؤلاء الخبراء يمارسون دوراً تجميلياً لفساد المنظومات، مستخدمين لغة إدارية معقدة وجوفاء تهدف إلى حجب الحقائق الاقتصادية عن الجمهور. ويمكن رصد هذا التحول عبر أربع مسارات:

تحويل الحرفة إلى وظيفة: فقدان العامل لصلته الروحية بمنجزه، وتحوله إلى برغي في ماكينة لا يدرك غاياتها.

سيادة النخب التقنية: استخدام المصطلحات "المعقمة" لشل القدرة على التفكير النقدي.

خصخصة السيادة: إدارة الدولة بمنطق الشركات الكبرى، حيث المواطن هو "مستهلك" والوطن هو "سوق".

تسليع الوعي: تحويل المثقف والفنان إلى "مؤثر رقمي" يقاس نجاحه بعدد المتابعين لا بعمق الأثر.

تصنيع الرضا: الفلاتر البنيوية للهيمنة الإعلامية

لا تكتمل منظومة الانقياد دون جهاز إعلامي يصنع الرضا طوعاً. إن نموذج "تصنيع الرضا" يكشف كيف تقوم وسائل الإعلام بخدمة مصالح الشركات والنخب عبر "مرشحات" بنيوية خفية. هذه المرشحات تضمن بقاء النقاش العام محصوراً في تفاهات يومية، بعيداً عن القضايا المصيرية التي تمس جوهر الهيمنة. الإعلام هنا لا يملي عليك "ماذا تفكر"، بل ينجح ببراعة في إملاء "ما الذي يجب أن تفكر فيه"، محيداً بذلك أي صوت معارض حقيقي.

من مجتمعات الانضباط إلى مجتمعات التحكم الرقمي

لقد انتقلنا من عصر "السلطة الانضباطية" التي كانت تراقب الأجساد داخل جدران السجن أو المصنع، إلى عصر "مجتمعات التحكم" المرنة. في هذه المرحلة، لم يعد الفرد بحاجة إلى جدران مادية ليكون سجيناً؛ بل أصبح ملاحقاً بهويته الرقمية، وتقييماته المستمرة، وأكواد الوصول. السلطة اليوم شبكية، تعمل عبر تعديل السلوك اللحظي من خلال الخوارزميات، مما ينتج طاعة بنيوية "ذكية" تستبق حتى رغبة الفرد في التمرد.

 الجهل البنيوي وسيكولوجية الإنسان المقهور

يمثل "الجهل البنيوي" الركن الثالث في هذا المثلث؛ وهو جهل مصمم مؤسسياً، ليس ناتجاً عن نقص المعلومات، بل عن وفرة المعلومات التافهة التي تحجب الوعي النقدي. في الفكر العربي، حلل مصطفى حجازي سيكولوجية الإنسان المقهور الذي يتبنى "وعياً زائفاً" كآلية دفاعية لتجنب مواجهة واقعه الأليم. هذا الإنسان يتحول إلى كائن منغلق معرفياً، يفضل الانتماءات الضيقة (القبلية أو الطائفية) على التحليل العقلاني، مما يجعله فريسة سهلة للرأسمالية الرمزية التي تحول جهله إلى "مادة خام" للاستثمار السياسي.

خطاب السلطة: من "الحكمة" إلى "الوعظ الجماهيري"

تاريخياً، ميز خطاب السلطة بين "الخاصة" و"العامة" لاستقرار الحكم. فبينما يرى ابن رشد ضرورة مخاطبة الجمهور عبر "الخطاب الإنشائي" المعتمد على الصور الخيالية لضمان الاستقرار، نجد في الخطاب المعاصر توظيفاً مشوهاً لهذه الفكرة. السلطة اليوم تستخدم "التفاهة" كخطاب وعظي حديث، حيث يتم إغراق الجمهور بتمثيلات زائفة عن النجاح والسعادة الاستهلاكية لضمان انشغالهم عن تفكيك بنى الهيمنة.

انشغالات الفيلسوف كفعل مقاومة

في مواجهة هذا التحالف الشرس بين الرأسمالية الرمزية ونظام التفاهة، تبرز "انشغالات الفيلسوف" كفعل مقاومة وجودي. إن المقاومة لا تبدأ من الشارع فحسب، بل من استعادة السيادة على الوعي. إنها تبدأ بـ "التعليم النقدي" الذي يعلم الأجيال كيف يفككون شيفرات الخطاب السلطوي، وكيف يرفضون القيم المعلبة التي يفرضها السوق.

إن إنقاذ "الإنسان الأخير" من براثن التفاهة يتطلب ثورة فكرية تعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية، وتستعيد حق الإنسان في أن يكون سيد نفسه، لا جزءاً من قطيع يساق نحو حتفه بإغراءات الاستهلاك السطحية. إن المعركة اليوم هي معركة استعادة "الخيال السياسي"؛ القدرة على تصور عالم لا تحكمه الرداءة، ولا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى انصياعه للنظام، بل بمدى قدرته على التفكير الحر.

***

غالب المسعودي

يظن البعض أنهم يرون الواقع أمامهم بوضوح كامل، وكأن ما يلتقطوه من تفاصيل هو الصورة الكاملة للحقيقة، لكن التجربة العلمية في علم النفس الإدراكي تشير إلى عكس ذلك تمامًا، حيث يعمل الانتباه البشري بطريقة انتقائية تجعل جزءًا صغيرًا فقط من الواقع هو ما يدخل فعليًا إلى الوعي، بينما يتم تجاهل أجزاء أخرى بالكامل دون أن يشعر الإنسان بذلك.

هذه الفكرة ظهرت بشكل واضح في تجربة شهيرة في علم النفس تعرف بتجربة “الغوريلا الخفية”، التي أجراها العالمان دانيال سيمونس وكريستوفر تشابريس. في هذه التجربة، تم عرض فيديو بسيط أمام المشاركين، يظهر فيه فريقان من الأشخاص، أحدهما يرتدي قمصانًا بيضاء والآخر سوداء، يقومون بتمرير كرة فيما بينهم. طُلب من المشاركين أن يركزوا انتباههم على الفريق الأبيض فقط، وأن يقوموا بعدّ عدد التمريرات بدقة، وهو تمرين يبدو بسيطًا لكنه يتطلب تركيزًا عاليًا.

أثناء انشغال المشاركين في العدّ، حدث أمر غير متوقع داخل المشهد، إذ دخل شخص يرتدي زي غوريلا، ومرّ ببطء في منتصف الشاشة، توقف، قرع صدره بيديه، ثم خرج من المشهد. هذا الحدث استمر لعدة ثوانٍ وكان واضحًا من حيث الشكل والحركة، ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون بعد انتهاء الفيديو، كانت النتيجة صادمة، إذ إن نسبة كبيرة منهم لم تلاحظ وجود الغوريلا أصلًا، رغم أنها كانت أمام أعينهم مباشرة.

هذه النتيجة كشفت أن الانتباه البشري لا يعمل كنافذة مفتوحة على كل ما يحدث، بل يعمل كضوء مركز يتم توجيهه نحو جزء معين من المشهد، بينما يتم ترك باقي المشهد في الظل. عندما يركز العقل على مهمة محددة مثل عدّ التمريرات، فإنه يقوم تلقائيًا بتقليل حساسيته تجاه أي شيء لا يخدم هذه المهمة، حتى لو كان هذا الشيء واضحًا وكبيرًا في المشهد.

هذه الظاهرة لا تتوقف عند المختبرات العلمية، وإنما تظهر في الحياة اليومية بشكل مستمر، حيث يمكن للإنسان أن يركز على هدف معين أو فكرة معينة، ثم يفوته الكثير من التفاصيل المحيطة به دون أن ينتبه لذلك. وهذا ما يجعل الإدراك البشري انتقائيًا بطبيعته، وليس شاملًا كما نعتقد في العادة. ما يركز عليه يبقيه تحت الضوء وما يتجاهله يتركه في الظل.

 هذه التجارب تكشف لنا طريقة عمل الإدراك البشري في الحياة اليومية، وكيف يرى الحداث وتفاصيلها في الواقع. حيث لا يرى الإنسان كل ما أمامه في وقت واحد، وإنما يقوم بعملية فرز مستمرة لما يدخل إلى وعيه وما يبقى خارجه. هذا الفرز يحدث بشكل عفوي في أغلب الأحيان، ويعمل بشكل تلقائي حيث أنه مرتبط بالهدف الذي يركز عليه الشخص في تلك اللحظة، سواء كان هدفًا بسيطًا أو ضغطًا نفسيًا أو حتى رغبة داخلية قوية.

يمكن فهم ذلك بشكل أعمق عندما نربط التجربة بفكرة الطاقة الإدراكية المحدودة، وهي الفكرة التي تشير إلى أن الانتباه موردًا محدود للطاقة، حيث يتم توزيعها على ما نعتبره مهمًا في تلك اللحظة. ولهذا السبب، عندما يوجه الإنسان انتباهه إلى مهمة معينة بشكل مكثف، فإنه يخسر القدرة على ملاحظة أشياء أخرى قد تكون موجودة بوضوح في محيطه. وهذا ما يجعل الإدراك دائمًا انتقائيًا، وليس شاملًا كما يبدو من الخارج. ومن هنا تكمن أهمية المشاركة في الأفكار والتصورات.  فهي تغني الصورة لدينا بجوانب كانت في منطقة ظلنا.

وقد أشار عالم النفس جوردان بيترسون إلى هذا المعنى من زاوية مختلفة عندما تحدث عن بنية الإبصار البشري، موضحًا أن جزءًا صغيرًا جدًا من العين مسؤول عن الرؤية الدقيقة، بينما يتم استخدام باقي المجال البصري بشكل محيطي وأقل دقة، مما يعني أن الدماغ مضطر دائمًا إلى اختيار ما يركز عليه بدقة عالية، وما يتركه في الهامش. هذه البنية البيولوجية تعكس حقيقة أعمق، وهي أن الإنسان لا يستطيع إدراك كل شيء بنفس الدرجة من الوضوح في وقت واحد، بل يحتاج دائمًا إلى عملية اختيار.

هذه الفكرة تنعكس أيضًا في الحياة الاجتماعية، حيث يظهر ما يمكن تسميته بالانتباه الانتقائي العاطفي. فالشخص المراهق الذي ينغمس في العشق تراه يقصر في دراسته كون العشق استحوذ على كامل الصورة الادراكية لديه وترك الدراسة في الظل. وكذلك أيضًا الشخص الذي يكون منشغلًا بفكرة معينة، أو بحاجة داخلية ملحة، قد لا يرى تفاصيل واضحة أمامه في ذلك الوقت لأنها لا ترتبط مباشرة باهتمامه الحالي. ومن هنا جاء التعبير الشعبي “صاحب الحاجة أعمى”، الذي لا يشير إلى فقدان البصر الحقيقي بل النفسي، حيث يضيق مجال الإدراك تحت تأثير الحاجة أو التركيز الشديد.

إذا عدنا إلى تجربة الغوريلا، يمكننا أن نفهم أن المشكلة الفعلية التي حدثت هي في طريقة توزيع الانتباه داخل العقل. وليست مشكلة في الأبصار. فعندما يتم توجيه الانتباه بالكامل نحو مهمة محددة، يتم تقليل حساسية الدماغ تجاه أي عنصر خارج هذه المهمة، حتى لو كان هذا العنصر واضحًا وكبيرًا في المشهد. وهذا يفسر لماذا يمكن لشخصين أن يشاهدا نفس الحدث، لكن يخرجان بتجربتين مختلفتين تمامًا.

في النهاية، ما تكشفه هذه الظاهرة هو أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يتم التقاطه من خلال عدسته الإدراكية في تلك اللحظة. وهذه العدسة قابلة للتضييق أو الاتساع بحسب الحالة الذهنية، والهدف، والضغط، والسياق. وكلما ضاق هذا الانتباه، زادت احتمالية فقدان تفاصيل مهمة، وكلما اتسع، زادت القدرة على رؤية الصورة بشكل أكثر شمولًا، دون أن يعني ذلك رؤية كل شيء في الوقت نفسه.

بهذا المعنى، يصبح الإدراك البشري عملية اختيار مستمرة، أكثر من كونه عملية استقبال كاملة للواقع، وهو ما يجعل فهم “كيف نرى” لا يقل أهمية عن “ماذا نرى.

***

الكاتب نبيل عيدو

علينا أن نقول أولا بأنّ نيتشه " موسيقيّ" (وإن لم يُعرف بذلك بقدر ما عرف بكونه فيلسوفا) وانّه كذلك (موسيقيّ) بوصفه عارفا، يكتب عن الموسيقى ويضع الألحان أيضا. وليس هذا الاهتمام الخاص بالموسيقى بالأمر المستغرب فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة سابقون أمثال أفلاطون و الفارابي وغيرهما...وجدوا في الموسيقى علاقة وثيقة بالفلسفة من حيث مشاركتهما في مبدأ الوحدة والتناسق...غير أنّ نيتشه، ولرؤية خاصة للفلسفة بوصفها " تجربة حياة "، لم يجد في الموسيقى أمرا متخارجا عن الفلسفة قد يشاركها من بعض الوجوه، بل إنّه يرى فيها، وربما في الفن عموما التصاقا بالفلسفة تكاد تختفي معه التخوم حينما ينظر إليها بوصفهما تجسيدا لتجربة " الكائن" وتعبيرا عن " إرادة الاقتدار " لديه أو بوصفهما " تجسيدا " لقوّة " الحياة في اندفاعها، بل قد يجد في الموسيقى تفوّقا في هذا المعنى على الفلسفة. ولعلّ هذا ما يفسّر العلاقة الخاصّة لنيتشه بالموسيقيين، علاقة تجاوزت مجرد الاهتمام الفلسفي - الاستيتيقي، ضمن دائرة التفكير الفلسفي في الموسيقى وفي الفن عامّة، إلى علاقة " صداقة " عميقة لا تخلو من هزّات وغِيرة وألم.. شأن ما كان من "صداقته" "لفاغنار" التي انتهت إلى قطيعة سببها خلاف حادّ حول " الموسيقى " بالخصوص، من جهة منزلتها من الحياة. ولم يقتصر اهتمام نيتشه بالموسيقيين على " فاغنار"، صديقا حميما من دون شكّ شغله وملأ حياته إلى حين، بل تعداه إلى الاهتمام بأعمال موسيقيين غيره أمثال موازرت و فرانزو وغيرهما. غير أنّ هذا الاهتمام بالموسيقيين، كما أسفلنا لم يكن اهتمام " المعجب" ولا حتى المفكّر، بل اهتمام الموسيقيّ، العارف بالموسيقى وشعابها؛ الأمر الذي سمح لنيتشه لا أن يؤلّف فيها مقطوعات عديدة خلفها لنا بعضها مكتوبا وبعضها" مسموع" أيضا (أبرز أعماله كانت على البيانو خاصة تشمل "ترنيمة الحياة" (Hymnus an das Leben)، و"تأملات" (Meditation)، و"أراك أيها الملاك الهادئ" (Es zieht ein stiller Engel)، بالإضافة إلى مقطوعة أرسلها لكوزيما فاغنر). وبالرغم من أن نيتشه لم يبلغ بهذه المقطوعات الموسيقية مبلغ " العظماء" من الموسيقيين أمثال فاغنار أو موزارت..، فإّنه كشف من خلالها عن حسّ فنّي راق وعن ذوق مرهف، فضلا عن اطلاع ومعرفة بالموسيقى وخاصة بما عرف بالموسيقى " السمفونية".

 وقد سمح هذا الاطلاع على الموسيقى وأحوال الموسيقيين لنيتشه أن يلعب على نحو ما دور " الناقد الفنّي" يحلّل ويقيّم إبداعات الموسيقيين ويبدي رأيه في القيمة " الفنّية والموسيقيّة " لهذه الأعمال وخصوصيتها فنيا بل ومقارنتها ببعضها البعض، كلّ ذلك انطلاقا من ثقافته الموسيقية أولا ووفق معايير " فنية" تستند إلى بالأحرى إلى خلفية فلسفية (فلسفة موسيقى). ذلك أن "نيتشه "الفيلسوف" يظلّ نيتشه الموسيقيّ حينما يتكلّم عن الموسيقى" حسب فلورانس فابر، "يعبّر عن الموسيقى بوصفه موسيقيّا لا بكونه باحثا في الموسيقى أو إستيتيقيا، أي موسيقيّا تمثّل الموسيقى لديه النواة المكوّنة لشخصيته وحياته"(1). وبصفته تلك كان يبدي رأيه في موسيقى غيره ويحكم على موسيقاهم. وقد ترك لنا نيتشه شذرات من آراءه تلك في أكثر من مؤلّف وخاصّة في كتابه" إنساني مفرط في الإنسانية" أو " المسافر وظلّه"، نسوق بعضا منها تباعا مقدّرين ما يذهب إليه شرّاح فلسفته الموسيقية من كون نيتشه قد مرّ بمرحلتين في تكوين هذه الاستيتيقا الموسيقية: أولاهما تأثر فيها بالموسيقى الكلاسيكية لباخ وموزار وبتهوفن وغيرهم، ثمّ مرحلة ثانية سميت لديهم "بحالة فاغنار" الذي كان له مع نيتشه شأن خاص لم يشهده مع غيره من الموسيقيين. ولكي نقف على مقدار اطلاع نيشته واستيعابه لموسيقى عصره وتقديره لقيمتها الفنية، نبسط فيما يلي آراءه حول بعض موسيقييي عصره، فهو القائل عن:

- " سيباستيان باخ اSébastien Bach: " إذا لم نسمع موسيقى باخ بوصفنا عارفين تماما بما يميّزها عن غيرها وبكلّ تنوّعات الأسلوب الشارد، وكان علينا بالتالي الاستغناء عن المتعة الفنية بالخصوص، فسيكون لنا، بالاستماع لموسيقاه، انطباعا (حتى نعبّر بطريقة "جوته" الرائعة) بكوننا حاضرين بالذات في اللحظة التي يخلق فيها الإله العالم. ونريد أن نقول، بأنّنا نحسّ بأنّها تحمل شيئا ما عظيما، غير أنّه لم يوجد بعدُ: موسيقانا الحديثة العظيمة. فقد تخطّت موسيقاه بعدُ العالم، وتجاوزت الكنيسة والقوميات وما يوازيها. يوجد بعدُ لدى "باخ" كثير من أثر المسيحيّة، ومن الجرمانية والمدرسيّة، وكلّ ذلك في الحالة الأولى البكر؛ فهو يقف على عتبة الموسيقى الأوروبية (الحديثة)، ولكنه يتجه بنظره من هناك إلى العصر الوسيط". "

- "هندال Händel: " مجدّد جريء في الإبداع الموسيقيّ، صادق وقويّ، يتّجه برقّة صوب البطولة التي يقدر عليها الشعب. كان هندال غالبا ما ينزعج ويصيبه الفتور في تجسيد أعماله، بمعنى يسأم من نفسه؛ فيستخدم إذن طرقا مجرّبة للإنجاز، فيكتب بسرعة وبكثرة، وكان سعيدا حينما يتمّ عمله، ولكن لا على نحو ما يكون الإله وغيره من المبدعين عشية تنفيذ مهمّتهم".

-"هايدن Haydn: بقدر ما تجتمع الروعة بالطيبة البسيطة للطبع، فهايدن يملكها. يذهب بالضبط إلى حدّ ما تفرضه الأخلاقية على الذكاء؛ فليس لكلّ الموسيقى التي يصنعها " أي ماض."

- "بيتهوفن وموزار Beethoven et Mozart: غالبا ما تبدو موسيقى بيتهوفن تأمّلا متأثّرا بعمق بإعادة الاستماع غير المنتظر لقطعة موسيقية نعتقد أنّها قد ضاعت منذ أمد، براءة الموسيقى؛ إنّها موسيقى عن الموسيقى. يكتشف يبتهوفن "ألحانه" من أغنية متسوّلين أو أطفال الشوارع، من نغمات رتيبة لمشرّدين إيطاليين، ومن مجموعة رقصات في فندق القرية أو من خلال ليالي كرنفال: يجنيها مثلما تجني النحلة الرحيق، يبحث هنا وهناك عن نوتة، عن تتمّة موجزة. إنّها ذكريات تتجلّى من "عالم أفضل"، تقريبا مثلما يتخيّل أفلاطون " أفكاره". لموزار علاقة مغايرة تماما مع ألحانه؛ فهو لا يجد إلهاماته بالاستماع للموسيقى، بل بمشاهدة الحياة، الحياة الجنوبية الأكثر نشاطا: يحلم دائما بإيطاليا حينما لا يكون فيها."

***

عبد الوهاب البراهمي

.......................

(1) نيتشه والموسيقي. الموسيقى وظلها" فلورانتس فابر "بيف" ص 276.

 

الْتفتُّ ورائي وقد تقدم بي العمر وبعُدت بي المسافات، فلا رجوع، واستحال العوْدُ الآن، بعد أن جمعتُ بداية الأمنيات، سوْف، وليْت، ولو، ولعلّ، كبرتُ وتسلل من بين السّنوات العمر، انتبهتُ فلم أجد إلاّ السّراب يحيطني ويحتويني ويبتلعُني.

بين الصّمت والكلام، تختبئُ الحكمة والنّدامة وتأتي هذه التّأمُّلات، الوصايا، المقامات، الأبواب، جامعة لمسار طويل من النّظر والتّأمُّل والتفكير والوعي والتساؤل، لتكون تمرة يانعة لقاطف، لا تدّعي الإلْمام كلّه أو التفريط كله، بل هي تأمّلات على الطريق تحاول سبر أغوار الإنسان الذي كُنْتُه، وما يختلج بداخله من خير وشر، وجمال وقبح، وحب وكراهية.

تجرُّني السنوات إلى الأمام المحتوم جرّاً، والأمام مجهول، غامض، ضبابي، لا يستبين خطوُه، كل أثرٍ للخَطْو يذوب بين أُخَرَ كثيرة، يحثني العمر للسيْر سريعاً، حبوا وهرولة وجريا، حتّى تتقطّع منّي الأنفاس، لا محطّات للاستراحة أو الوقوف، إذ لا وقت لذلك، ولا وقت لاحق. كل الثواني والدقائق والسّاعات محسوبة ومراقَبة. أسْتحضر الماضي والآن وأُفكّر في الغد الغامض، أفكّر في الذين يلحقون بي، أبحث لهم عن مكان آمن، أحكي لهم ما كنتُ وما هم إليه سائرون، لعلّ في الأثر عبرة، لعلّ هذه التّأمُّلات تّضيئُ لهم موضع وَطْء القدم، ليسيروا مُحمّلين بالأمل والتّجربة والسّؤال.

سأترك وصاياي وتأمُّلات على مسارٍ وصل خطّ النّهاية، أو في الطّريق إليه، وهي لا تُلزم أحداً، وصايا هي الأثر، وما تبقّى منّي، وما عاش من لم يترك الأثر، ومن لم يستهد بما اكتسب من تجارب الحياة وتجارب الآخرين. الحياة علّمتني أن من الإصغاء تأتي الحكمة، ومن الكلام والثّرثرة تأتي النّدامة، لدرجة أني أصبحتُ أحاسب لساني وأزن كلامي بميزان التدبّر والتّريُّث، والصّمت والتّعقُّل، فأصبحتُ أنطقُ جمالا حين يكون للكلام حاجة، دور أو هدف أو معنى، وأتجمّل بالصّمت حين يكون الصّمت من ذهب، على حدّ قول قُطب المتصوِّفة، «انطق جمالا أو تجمّل بالصّمت[1]». هذه الوصايا والتّأمّلات، تحمل توقيع خطواتي وما كنتُه في جميع حالاتي، هادئاً، غاضباً، متأمّلاً، متسائلاً، حالات أفرزت تجارب للتقاسم والتشارك مع الآخر ليسير إلى برّ الأمان، مزوّدا بما يفكّ به أسرار الوصايا ممّا يجعله واثقا من موضع خطوِه الذي يسيره عبر سنين عمره، طال أو قصر، محمّلا بما يغالب به اليأس، وبالتّجربة التي يبني بها الآتي، وبالسؤال الذي يفتحه على الوجود والمنغلق من أسراره.

هي وصايا وتأمُّلات بمثابة مقامات تعزف على وتر تجاوز في حزنه وشجنه وهدوءه مقامات «صُنِعَ بسحْر»[2]، وترٌ لا هو بالحزين ولا المُفرح ولا المبكي، مقامات توقفنا للسّؤال أكثر ممّا تُطرب، تتصاعد قوتها لتصل إلى درجة الانتباه والتفكير النقدي الواعي، وإلى السؤال. مقامات تبحث عن المعنى حين تُقرّبنا من الكمال، تموج من دون كمنجات ولا أعواد ولا نايات ولا دفوف، تسير بنا في مواكب رهيبة بعيداً عن البكاء والعويل والتّأسُّف والتّفرّج على الحال، توقفنا أمام مسؤولياتنا الوجودية والإنسانية.

وصايا اللحظة الأولى والأخيرة قبل الوداع، نورِّثُها لعلّ الفكر يستفيق وينتبه ويفتح للسؤال والعبرة أبواب التّأمّل، لعلّنا أمامها نحسُّ بنا لردم الخواء الذي يأكلنا ويلفُّ حياتنا حين قلّ الإيمان وعمِيت الأبصار وخاب الرّجاء. هي أيضاً أبوابٌ تنفتح على مصراعيها لنَلِجَها كفاعلين لا متفرّجين، فالأبواب رمزٌ للعبور والأسرار، وكل باب يؤدّي إلى عالم من التّأمّل جديد، إلى مغامرات وتحدّيات، بل ينفتح على تفاصيل تستحقُّ أن تُروى وتُعاش.

أمام الأبواب والمقامات ترتجف بين أصابع القارئ المفاتيح والأوتار، تنفتح له الأبواب على أسرارها والمقامات على أنغامها لتهب للحياة معنى. مقامات، أبواب، تأمّلات، وصايا، مسمّيات لتجارب ولحظات تفكير عميق وهادئ يغوص في الحال ويتأمّل المآل يقترب من جوهر الإنسان القابض على المعنى كالقابض على الجمر أو كالغريب في دائرة لا نهاية لدورانها، يبحث عن مكان آمن لتوطين النفس والسير سير العقلاء بعيون مفتوحة على النّور وقلوب عامرة بالأمل.

هذه الوصايا لا تعني من يقول «أنا وبعدي الطّوفان» ولا «الإمّعة» الذي يخوض مع من يخوض في الوحل ويقول «إذا أحسن النّاس أحسنت وإذا أساءوا أسأت» ولا الذي يقول «نفسي نفسي» أو «إذا متّ ظمآناً فلا نزل القطر»[3]، لكنّها تخاطب عقولاً أنضجتها التّجارب، ونفوساً صقلها التّأمّل وابتعدت عن القاع المزدحم بالعقول الصّغيرة والأفكار التّافهة، والرؤى الفارغة.

1ـ «ليس لي وقتٌ لوقت لاحق»[4].

هكذا أُعلن تمرّدي على عادة التّأجيل والتّسويف والانتظار، وأفضح وَهْمَ الغد الذي أستندُ إليه لأُبرّرَ صمتي وتردّدي وخوفي. «الوقتُ اللاّحق» هو أكبر كذبة اخترعها العقل البشري لتأجيل المواجهة، وتأجيل السعادة، واللحظة المواتية، وتأجيل الحلم.. الوقت لا ينتظر أحدا، لكنه يُسرق منّا دفعة واحدة، أويؤخذ منّا بالتأجيل. قد تأتي النّهايات في لمح البصر، فلْنُغادر صالات الانتظار، فالوقت اللاّحق سرابٌ يبتعد كلّما اقتربنا منه، و«الآن» هو الحقيقة الوحيدة التي تضعنا على سكّة المسير بكل الأخطاء، لكنّ الطريق كفيل بأن يُصلح ما فسد، ويُحقّق الوصول النّاجح.

«الآن»، ولا وقت لاحق، «الآن»، هو الفُرصة الوحيدة والأخيرة التي قد لا تتكرّر، والتّسويف يكسّر مجاذيف العوْم نحو الشُّطآن الآمنة، فلا تجعل من انتظار الوقت اللاحق مقبرة للأحلام والأفكار والمشاعر، لا تترك للغد ما يجعلك حيا الآن. فالحياة ليست تمرينا على مسرحية تُعاد مرّات عديدة، بل هي عرض واحد مستمر الآن.

هذه الوصية جمعت كل الوصايا والتّأمّلات لأنّها فلسفة الحضور في اللحظة المواتية، ودعوة إلى أن نفكّر الآن، لا عندما تهدأ العاصفة، أن نحب الآن، لا حين تسمح الظروف، أن نبدأ الآن، لا حين تكتمل الصّورة، لأنّ الصورة لن تكتمل أبدا، والتفكير الحقيقي لا يعيش في المستقبل الغامض، بل في لحظة الوعي، والوعي لا يُؤجّل.

2 ـ «القاع مزدحم، خفّفْ من أحمالك لتُحلّق»[5].

المُثقل لا يبلغ القمّة، والقاع مزدحم وغاصٌّ بمن أثقلتهم المخاوف، والانتظارات، والتّراجعات. القاع عميق ممتلئ بالقُبح والجُثث الآدمية التي اسْتَحْلَت المهانة والعبودية، وكل ما يشُدّ إليه من تراجع وانكسار وخيبة وبؤس، ولا مخرج من هذا القاع النّتِن والآسن إلا بِفَرْد الجناح والتّحليق عاليا بعيدا على وُسْع المدى وانفتاح الفضاء، فالتّحليق قوة يبدأ بالتّخلّي، التّخلّي عن الشّك الذي يُربك الخطى، وعن كل ما يشدُّ إلى القاع، التّحليق يحتاج خفّة، والخفّة قرار.

حلّق عاليا، وأنت تفتح كتابا لتقرأ، أو تسمع موسيقى راقية لتسبح عاليا في الملكوت، أو تشارك في نقاش مثمر لينفتح وعيك، أو تطرح سؤالا يدفع بك إلى الرقي والسّمو والتغيير. ارتق الفكر سُلّما يوصلك إلى السّطح، ويُبعدك عن القاع المظلم العامر بالتّفاهات والتّافهين والقيل والقال، وافتح للسّؤال بابه وادخل بحر القراءة واركب أمواجه، فالسؤال قنطرة للعبور، باب لا يدخله إلا من خبر أسرار المغامرة والمجهول، اقرأ وارتق واترك القاع للتّافهين.

القاع حضيضٌ مزدحمٌ يُعيق الحركة، ومن آثر القاع قُصَّتْ أجنحته وأتلف نعمة الطّيران، فالأحمال ثقيلة، والازدحام في القاع ليس أمانا، وليس كلاماً من قبيل، «المصيبة إذا عمّت هانت»، بل، لا تكن ممن اختاروا الرّاحة على المحاولة، والصّمت على المواجهة، فالسّماء تتّسع لمن يجرؤ، لمن يبادر، لمن يؤمن بمؤهّلاته ولا ييأس.

خفّف من أحمالك لتُحلّق عالياً، توقّف عن الاهتمام بصغائر الأمور، تخلّص ممّا يمنعك من الطّيران والصُّعود، جرّد أحمالك، وما يستنزفُ طاقاتك تخلّص منه، قرّر بوعي وتأمّل جيداً منْ هُم في القاع وما يشدُّهم إليه وركّز في القمّة.

3 ـ «كن عابراً، لا تكن قنطرة للعبور»[6].

العابر يترك الأثر، أما القنطرة فهي للعبور والركوب والوَطْء. "امشِ مع الماشين، لا تقف لتُراقب مواكب العابرين" فالوقوف سقوط في الهاوية، بل موتٌ، والمَشْيُ حياة.

كن عابراً وصاحب رحلة ومسار مدروس، تحرّكْ، تغيَّرْ، اسعَ إلى التّغيير، لا تكن محطّة انتظار أو قنطرة ثابتة للعبور يطؤها العابرون. كن عابراً واترك الأثر، اِعطِ ما يمنح حياتك معنى وللآخرين، ركّز على مسارك المهني والشخصي وقدّم الدعم والعون لمن سأله من دون أن تضيع منك مساحتك الخاصّة وكذا كرامتك.

لا تقف متفرّجا تُصفّق ضاحكا كالأبْله، بل اعبر وامش، واترك الأثر، ضع بصمتك في الحياة يستفيد منها العابرون، ولا تحتَقِرنَّ من الأثر جناح بعوضة، فالتّاريخ يسجّل وأعيُن النّاس لا تنام، تلتقط كل كبيرة وصغيرة، كل شاردة وواردة، عش حياتك وفْق اختياراتك ولا تذُبْ في خدمة الآخرين حدَّ محْوِ ذاتك، ولا تكن أنانيا، فالعطاء جميل ورائع، لكنّه عندما يتحوّل إلى تضحية دائمة بالذات، يفقد توازنه، والحياة زمنٌ محدود فلا تقضيه في تمهيد العبور والطّريق للآخرين من دون أن تعبر أنت فتصير بذلك قنطرة للعبور.

4 ـ «الحاجة صفةُ نَقْص، فمهما كثُرت كثُر النّقْص».[7]

الحاجة افتقار إلى الشيء، وهي صفة نقص، أي علامة على عدم الاكتمال، بمعنى أن كل من يحتاج إلى غيره، فهو ناقص بذاته، لأن الكمال الحقيقي لا يكون محتاجا. ورغم أن الإنسان قائم وجوده على الحاجة، مال، شكر، مدح، رضا النّاس، شهوات..، وكلّما كثرت حاجاته دلَّ ذلك على ازدياد فقره وضعفه، أي ازدياد نقصه. وكلّما كثرت التّعلُّقات، كثرت القيود، وكثرت مظاهر النّقص، وكلّما كثرت الحاجات ازداد الشعور بالنّقص والعجز والتّبعيّة. فالإنسان الكامل من قلّت حاجاته وافتقاره للآخرين.

الامتلاك وطلب المزيد يُشعل نار الاحتياج، فالحاجة ليست فراغاً يُسدُّ، بل ثُقب يتَّسع كلّما مرّتْ من خلاله الحاجات، إذ لا سعة لوعاء الحاجة، بل يتمَدّدُ بالطلب والزّيادة، وكلّما اتّسعت رُقعة الحاجات تضخّمت مساحة القلق والفقد فيتولّد نقصٌ جديد وخوف جديد. والافتقار إلى الله كمالٌ، لا نقصٌ.

5 ـ «كلما ضاقت، يُفرجها الأمل»[8].

الأمل يغير طريقة نظرنا إلى الظروف وما يحيط بنا من أحوال ووضعيات، فهو لا يغيرها مباشرة. من هنا يبدأ الفرج. الأمل يغير زاوية رؤيتنا للأشياء، فعندما تضيق السبل وتشتدّ الأمور، يميل العقل إلى التركيز على المشكلة، لكن الأمل يقدّم احتمالات جديدة، حلولا لم ننتبه لها، فرصا مَخْفِية خلف الألم، فنتحمّل أكثر، ونصبر أكثر، ونحاول مرّاتٍ عِدّة.

الأمل ليس شعوراً عاطفياً، بل هو في حقيقته فعلٌ وإرادة، فعلُ استشراف لا انتظار الفرج، نصنعه بالعقل والتّفكير وفتح ما انسدَّ في الرؤية، كما أنه ليس نهاية الطّريق حين تضيق الأمور. ابحث عن ثغرة يدخل منها النّور، لأنّ الأمل هو القدرة على رؤية الضّوء في ذروة العتمة.

لا شيء يبقى على حاله، والضّيْقُ حالة مؤقّتة والثّبات فيه وهمٌ قاتل الأمل قرار بينما الضيق حالة، فعندما نختار الأمل، فإنّنا نختار ألاَّ نبقى أسيري اللحظة. «اشتدّي أزمة تنفرجي / قد آذن ليلك بالفرج»[9]

6 ـ «هدفك غَيْر قابل للتّحقيق، لا تغير الهدف، غَيِّر الخُطّة»[10]

«العائق أمام الفعل يُعزّز الفعل، وما يقف في الطّريق يُصبح هو الطّريق»[11]، فالعائق لا يُلغي الغاية، بل يفرض تعديل الوسيلة.

الهدف قيمة عليا وغرض وجودي، أمّا الخطّة فمجرّد فرضية خاضعة للتّجريب والخطأ. وإن تغيير الخطّة ليس تراجعاً بل هو استجابة لتحديث البيانات والمعطيات والخطة وُضعت بناء على معطيات لحظة التّخطيط، والواقع متغيّر، والإصرار على خطّة فاشلة رغم تغيير المعطيات نوع من الجمود العقلي الذي ينافي العقلانية، وخسارة غير محمودة العواقب قد تصل إلى خسارة الهدف نفسه وخسارة الوقت والجهد، وتغيير الخطة في حقيقته عمليةٌ لإنقاذ الهدف.

الهدف رؤيتك، لا تتخلّ عنه بسهولة، لأنّ الفشل الحقيقي ليس في تغيير الخطّة، بل في التّخلي عن الهدف بسببها. والهدف يحتاج إيماناً، بينما الخطّة تحتاج ذكاء وأدوات، فلا تُبدّل غاياتك كلما ضاقت بك السّبل، ولكن بدّل السبل فإن الطريق قد يلتفّ ويتعرّج، لكن الهدف فهو نقطة الوصول وتغيير الهدف ضعفٌ في العزيمة، فالنهر لا يُغيّر وجهته نحو البحر، لكنه يغير مجراه ألف مرة.

7 ـ «لا يوجد الإنسان أنصافا أو على أقساط، يوجد دفعة واحدة أو لا يكون»[12]

الانسان الحقيقي يكون حاضرا بكلّيته، بمشاعره، بمواقفه، بمسؤوليته، لا يكون كما يشتهي أو كما يُناسبه، فأنصاف الأشياء تبعدك عن إنسانيتك وقد تؤذي، تُرْبك، تفقد المعنى، والهوية لا تبنى بالأنصاف أو بالتّقسيط، أو حسب المصلحة. وهي قولةٌ تعبّر بعمق عن رفضٍ قاطع لتَشْييء الإنسان أو تجزئته، فالإنسان ليس تراكما لقطع غيار مشاعرية أو عقلية، بل هو وحدة وجودية تتجلّى في المواقف والاختيار.

«الإنسان مشروع» لا يمكن أن يكون نصف حر، لأن الحرية لا تتجزّأ، أو يكون نصف شجاع أو بنصف كرامة، فالخيار أن تكون «كلّك» لا أن توجد نصف وجود. فإمّا أن تكون حاضراً بوعيك ومسؤوليتك في اللحظة، أو أنّك غائب لا حس ولا خبر.

التاريخ لا يصنعه المتردّدون أو الذين يعيشون على هامش الزمن، في انتظار وضوح الرؤية أو اللحظة الحاسمة والمواتية. فالذين تواجدوا أنصافا ذابوا في الزحام ولم يتركوا الأثر، لأن الأثر يتطلّب كثافة وجودية تتحقّق بالانصهار الكامل في الموقف.

الإنسان ليس كائناً يُبنى بالتّقسيط، بل هو كُلٌّ وفيض يتجلّى أو ينحسر، وهو ليس مجموع أجزاء، بل كُلٌّ يمنح لكل جزء معناه.

كن واضحا مع نفسك ومع الآخرين، كن حقيقيا من دون قناع أو رُتوش، لا تخلق لنفسك نسخة مزوّرة غيابها خير من حضورها.

8 ـ «أخرجوا الطفل الذي بداخلكم حتى لا تشيخوا قبل الأوان، وتسقط أسنانكم، وتتعثّر الكلمات في أفواهكم»[13]

عندما نكبت الطّفل الذي بداخلنا فإنّنا نكبت الدّهشة والمغامرة والسؤال، إذ من دونها نفقد الروح ولذّة الحياة وسر المعنى الإنساني. فالطّفل ليس مرحلة زمنية نتجاوزها، بل نمط وعي مستمر، والشيخوخة قبل الأوان هي تصلُّب الروح عندما تتبنّى عقلية الراشد العاقل جداًّ، وهي غياب أو موت الطفل بداخلنا.

الطفل، فضول، عفوية، سؤال، حلم، فرح واستمتاع بالأشياء والتفاصيل الصّغيرة، صوت المطر، قهوة ساعة الظّهيرة أو عند غروب. الطفولة فعلُ مقاومة وجودية، فهي بداية جديدة، واستعادة القدرة على الحياة بدل المعاناة والاستسلام للواقع والمرض والألم والخرف والزهايمر، وهي الممارسة التلقائية والعفوية للحياة وليست لهواً، بل آلية دفاعية تحمي الجهاز العصبي من التّآكل والموت تحتَ ضغْط الأنا والمطالب الاجتماعية التي لا تنتهي، والحركات العاقلة جدا والمحسوبة والمراقَبَة، وإخراج الطفل الذي بداخلنا بمثابة ضخّ دماء في شرايين المعنى، فنحن لا نشيخ لأنّنا كبرنا في السنّ، بل نشيخ لأنّنا قتلنا فينا حسّ الفضول وقرّرنا أن نكون رسميّين أكثر من اللاّزم. الطفولة هي الضّمانة الوحيدة لبناء روح حية حادة تفيض بالحياة والفضول والدهشة والمغامرة والسؤال.

أخرج حماسك، لا تكبر وتلبس أقنعة الجِدِّية والالتزامات، فالشيخوخة ليست سنوات نعُدّها في انتظار الموت، أو لحظات نفقد فيها الشغف، بل بداخلك طفل، حي بقلب أخف، وروح أقوى، يتجاوز الأزمات.

9 ـ «معادن الناس تكشفها المواقف، لا الكلمات»[14]

تُقال الكلمات في ساحات آمنة بينما المواقف تُعاش تحت الضّغط. تسقط الزوائد ويبقى الجوهر ويظهر المعدن الصّقيل. لهذا يبدو النّاس على حقيقتهم في الشّدائد لا في الأحاديث وترصيع الكلمات.

الكلمات بطبيعتها قابلة للتّزيين يمكنها أن تمنحك أشياء لا تملكها حقيقة، أخلاقا على مقاسك، ومقاما مُلفت ولا تكلّفك ثمنا، أمّا المواقف فلها كُلفة، فهي الشرف حين يخون الآخرون، والصبر حين يرتاحون، والوفاء حين ينسحبون في صمت، لهذا ما يُدفع في المواقف ثمناً، هو ما يكشف القيمة الحقيقية للإنسان.

10 ـ «من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجاً ومن أراد ودّك ثقب في الصخرة مدخلاً»[15]

هذه القاعدة الذهبية تلخّص مفهوم التعامل مع الآخرين. فكلّما ذبُلت الرغبة في البقاء تحوّل العقل إلى آلة لإنتاج المبرّرات، فيصبح الخطأ البسيط خطيئة لا تُغتفر، والظروف العادية حواجز مستحيلة للتّواصل، فيُصبح «ثقب الباب» رغم صغره، مخرجا للهروب والصدّ والابتعاد. في المقابل، بقاء الودّ والحفاظ عليه يحطّم الصّخر لاستمراره. فمن يريد الهجر يبحث عن الثّغرات والأسباب الواهية، يُركّز عدسته على العيوب والنّقائص، وتصيُّد الهفوات ولحظات التّقصير ليُقنع ضميره بأن الرحيل كان خياراً ضروريا. ومن أراد الود يبحث عن المساحات والمشتركات، ويتغاضى عن الزّلاّت والعثرات، ويخلق من العدم فُرصاً جديدة للاستمرار.

فلا تبدّد طاقاتك في سدّ ثقوب الباب أمام من قرّر الهجران والرحيل، فمن أراد الخروج سيخترق الجدران ليبتعد، وبالمقابل قدِّرْ عاليا من يبحث في الصّخر لأجلك، لأن مجهوده ليس دليلا على قوته فحسب، بل على موقف إنساني يُطيل به الود والمحبة.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/ المغرب

...........................

[1] قول ينسب لجلال الدين الرومي، وللشاعر نزار قباني قولة في نفس المعنى «أنطق جمالا أو تجمّل بالسكوت».

[2] «صُنع بسحْر» جَمعت الكلمة حروف المقامات السبعة: الصبا، النهاوند، العجم، البيات، السيكا، الحجاز، الراست.

[3] هذا البيت هو للشاعر العربي أبو فراس الحمداني. والبيت هو عجز لقصيدة مشهورة يقول فيها: "مُعللـتي بـالوصـلِ والـمـوتُ دونهُ، إذا مِـتّ ظَـمْآناً فَلا

نَـزَل الـقَـطْرُ!". وتُعد هذه القصيدة من أشهر قصائد الفخر والشوق.

[4] قولة للكاتبة الإماراتية بدور القاسمي في رسالة ملهمة عبر حسابها على انستغرام تدعو فيها إلى عدم تأجيل الأعمال، مؤكدة أن تأخير القرارات يؤدي إلى ضياع الفرص وندم في المستقبل،

[5] قولة جمعت بين قولٍ لجلال الدين الرومي: «خفف من أحمالك لتُحلّق» وقولٍ لجبران خليل جبران: «ارتقوا فالقاع مزدحم» قولةٌ تحمل دلالات عميقة

حول ضرورة الارتقاء بالنّفس والتّخلّص من قيود الدنيا.

[6] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص 9)

[7] هذه العبارة هي جزء من فلسفة الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" حول الزهد وتهذيب النفس، حيث يرى أن كثرة الاحتياجات هي أسباب للغم،

الحزن، ونقص الرتبة الروحية، لأن كل حاجة تمثل تعلقاً بغير الله أو استعباداً للقلب، فكلما زادت، زاد معها النقص.

[8] ـ من أقوال الشافعي. وهو الإمام محمد بن إدريس القرشي المُطَّلِبِي الشافعي، يوصف بأنه "عقل فقهي ومنهجي عبقري"؛ وبأنه "مجدد القرن الثاني

الهجري"، ويعد أول من وضع لبنات علم أصول الفقه بكتابه "الرسالة". إمام في الفقه والحديث وعلم التفسير، وأديب وشاعر.

[9] كاتب كلمات القصيدة "المنفرجة" الشهيرة هو الشاعر والعالم الفقيه أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف التوزري، المعروف بـ ابن النحوي.

توفي عام 513 هـ (1119 م) وهو من أهل توزر في الجنوب التونسي، وتعتبر قصيدته من أشهر قصائد التوسل والفرج.

[10] تُنسب القولة للفيلسوف الصيني القديم كونفوسيوش.

[11] قولة لماركوس أوريليوس: هو فيلسوف رواقي والإمبراطور الروماني السادس عشر.

[12] الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد هو شاعر تونسي ولد يوم 4 أبريل 1955 في سيدي بوزيد وتوفي في يوم 5  أبريل. 2016.عاش في بيئة فقيرة

وقاسية في فترة خروج الاستعمار الفرنسي وبداية بناء الدولة التونسية.

[13] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص10)

[14]هذه العبارة تعتبر حكمة مأثورة وشائعة، وغالباً ما تُنسب في السياقات الأدبية والخواطر إلى الروائي المصري نجيب محفوظ، كما تتردد بأشكال

مشابهة في العديد من الأمثال والحكم العربية التي تؤكد أن الأفعال والمواقف هي المعيار الحقيقي لتقييم البشر، وليست الكلمات المنمقة.

[15] جلال الدين الرومي هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (1207-1273)    شاعر وفقيه حنفي ومنظِّر وقانوني صوفي. أصوله

فارسية، وعاش في تركيا، وعرف بالرومي لأنه قضى حياته في بلخ بالأناضول أيام سيطرة الروم السلاجقة.

 

يظهر الدور المريع للخوارزميات في الحروب بوصفه أحد أكثر التحولات غرابة وإثارة للذعر، إذ يفاقم قلقًا متناميًا مع كل خطوة جديدة في مسار تطوير أسلحة ذاتية التشغيل. تلوح في الأفق حروب، يقول عنها الخبراء إنها تشهد تطورًا مثيرًا، إذ تستغني فيها ساحات القتال عن الإنسان كليًا، فتدار المعارك من دون حضور المقاتل البشري، ويغدو الجندي الغائب الأكبر عن الحرب التي كان يومًا مَن يخوضها ويصنع الانتصارات في ساحاتها أو ينهزم فيها.

 في حروب الخوارزميات لا يُلغى القانون الدولي وقوانين الحروب من حيث المبدأ، لكنها تفقد فاعليتها في الواقع، لأن هذه القوانين تفترض فاعلًا إنسانيًا يمتلك ضميرًا قادرًا على التمييز والتردّد والشعور بالمسؤولية، بينما تتخذ الخوارزميات قراراتها بوصفها عمليات حسابية صماء لا تعرف الشفقة ولا تختبر المعنى الأخلاقي للفعل. حين تنفصل المسؤولية عن الفعل، ولا يعود أحد مسؤولًا عن القتل والتدمير بصورة واضحة، يتعطل القانون بعد تفريغه من مضمونه. في هذا الواقع يصير الإنسان مجرد بيانات وأنماط واحتمالات، فتفقد فكرة التمييز بين المدني والمقاتل عمقها الأخلاقي، وتتحول إلى قرار إحصائي رقمي، لا يرى الإنسان ككائن حي له مشاعر ومخاوف وقلق. ويجري استنزاف التجربة الوجودية للحرب، فلا يرى الفاعل نتائج فعله، ولا يختبر صدمة الألم أو الندم، فتخمد الحساسية الأخلاقية التي كانت تحد من العنف العبثي في الحروب التقليدية. حين يغيب الإنسان في حروب الخوارزميات تغيب معه الرحمة والعطف والندم، فتغدو الأخلاق غائبة لا بإعلان موتها، بل بتحويل الفعل إلى عملية حسابية، ويظل القانون حاضرًا في النص غائبًا في الواقع.

تشير دراسات المختصين في الحروب اليوم إلى أن ساحات القتال لم تعد تقوم على المواجهة المباشرة بين البشر، إذ تولّت الروبوتات والطائرات المُسيَّرة جانبًا حاسمًا من القتال، وتراجع حضور الإنسان إلى دور المشغِّل عن بُعد، الذي يجلس خلف الشاشات، منفصلًا عن الميدان، ومقطوع الصلة بالتجربة الحسية المباشرة للحرب. حروب الخوارزميات ينطفئ فيها الشعور ويموت الضمير الإنساني، ويفقد القتل طابعه الإنساني بوصفه فعلًا يضع الفاعل وجهًا لوجه أمام ضحيته، ويتحول إلى إجراء تقني تديره خوارزميات وحسابات باردة بلا قلب، وبلا مشاعر وعواطف، لا تعرف الخوف، ولا تختبر التردد، ولا تستشعر ثقل المسؤولية الأخلاقية. يصدر قرار من روبوت لممارسة عمليات كما لو كان اختيارًا رقميًا داخل نظام مغلق، لا يمر عبر الضمير، ولا يتوقف عند معنى الحياة التي تُزهق، أو الألم الذي يكابده الضحية.

في هذا النمط من الحروب القذرة يغدو الانتصار على الأرض مرهونًا بكفاءة إدارة الخوارزميات، وتطور الروبوتات متعددة المهام، وقدرة الأنظمة الذكية على التعلم السريع والتكيف. يتراجع الإنسان من موقع الفاعل الأخلاقي إلى عنصر تقني داخل منظومة أعقد منه، ويزداد خطر أن تنفصل الحرب نهائيًا عن أي ضابط إنساني أو قانوني أو أخلاقي، حين تتخذ الآلة موقع القرار، ويُختزل معنى القتل إلى معادلة رياضية لا ترى في الإنسان أكثر من هدف رقمي قابل للإزالة. "أسلوب الحرب تغيّر، وإن بقيت طبيعتها"، بحسب مارك ميللي وإريك شميت في مقالة نشرتها "فورين أفيرز"، فحددا أربعة أشياء غيّرت أسلوب الحرب: "المسيّرات والصواريخ، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي"، مما سجل تغييرات مهمة جداً، "المسيّرات أنهت سيطرة الدبابات، فصاروخ فرط صوتي واحد مما لدى الصين يمكنه تدمير حاملة طائرات أميركية. ومسيّرة تكلّف 500 دولار تدمر دبابة روسیة تكلف 10 ملايين دولار. والمسيّرات والصواريخ التي أطلقتها إيران في أبريل (نيسان) عام 2025 على إسرائيل كلفت 100 مليون دولار. لكن الاعتراض الأميركي والإسرائيلي بوسائل الدفاع كلّف ملياري دولار".  جريدة اندبندنت عربية، الأربعاء 8 أبريل 2026.

في الحروب التي تديرها الخوارزميات نرى بريطانيا، على سبيل المثال، تستهدف أن يكون ربع جيشها بحلول عام 2030 مكوّنًا من روبوتات قتالية، فقد صرّح الجنرال نيك كارتر في نوفمبر 2020 أن بلاده تخطط لنشر نحو 30 ألف وحدة روبوتية، أي ما يعادل ربع الجيش البريطاني، البالغ آنذاك 120 ألف جندي، وستعمل هذه الوحدات بالقرب من الخطوط الأمامية لدعم القوات البشرية وتعزيز فعالية المهمات القتالية، في تحول خطير ينقل الحرب من ميدان دموي مألوف إلى ساحة يغيب عنها الإنسان ليحضر الذكاء الاصطناعي بثقله المدمر كله. مع العلم أن الجنرال نيك كارتر شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة البريطانية بين عامي 2018 و2021، وهو أعلى منصب عسكري في بريطانيا، أي القائد المهني الأول للجيش البريطاني والمسؤول عن قيادة جميع أفرع القوات المسلحة وتطويرها.

من جانبها تكشف الصين عن روبوتات متقدمة، مثل بايونير 2 (Pioneer II)، وروبوتات بيونيكية متناهية الصغر (Bionic Microrobots) بحجم البعوض، تمتلك إمكانات قادرة على تغيير ديناميكيات الحرب تغييرًا جذريًا. يمكن توظيف هذه الروبوتات في مهمات استطلاع سرية، أو في هجمات دقيقة داخل بيئات شديدة الحساسية، كغرف النوم، حيث تعمل بصمت شبه غير مرئي، فتغدو أداة فعالة لجمع المعلومات أو لتنفيذ عمليات مميتة من دون إنذار. في هذا الواقع لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تبديل أساليب القتال، وإنما يفتح أبوابًا لأشكال غير مسبوقة من الدمار، تمس عمق الحياة الإنسانية وخصوصيتها. لذلك تبرز الحاجة الملحة إلى تشريعات دولية صارمة تكبح انفلات هذه التقنيات، وتمنع تحولها إلى أدوات دمار شامل تنتهك الكرامة الإنسانية، وتقوّض فرص السلام، وتدفع العالم إلى حروب بلا مسؤولية أخلاقية ولا ضمير إنساني.

 في عرض الصين العسكري عام 2025 برز التحول من القوة التقليدية إلى أنظمة غير مأهولة وذاتية التشغيل، في رسالة تؤكد سعي بكين إلى توظيف التقنيات الناشئة لتغيير ميزان القوة. يقوم تحديث الجيش الصيني على ثلاث مراحل: الميكنة، ثم المعلوماتية، ثم "التذكية" القائمة على الذكاء الاصطناعي، وقد أحرز تقدمًا كبيرًا في المرحلتين الأوليين، ويندفع سريعًا نحو الثالثة. تكشف الوثائق العسكرية عن توسع واسع في دمج الذكاء الاصطناعي في القيادة، والاستهداف، والحرب السيبرانية، وتحليل البيانات، إلى جانب توظيفه في "الحرب الإدراكية" عبر التضليل والتلاعب بالوعي، ومحاكاة المعارك، واستهداف الفضاء والبحار بأنظمة ذاتية. هذا المسار لا يمثل برامج متفرقة، وإنما بناء منظومة قتالية متكاملة تتعلم وتتكيّف بسرعة.

 في المقابل تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق في الحوسبة والخبرة، لكنها تواجه تسارعًا صينيًا يعتمد على التجريب السريع، ودمج التكنولوجيا المدنية بالعسكرية، والإنتاج واسع النطاق. ومع تشابه بعض البرامج بين الطرفين المتنافسين، يتجه التنافس نحو سباق تطوير متسارع قد يجعل التفوق مؤقتًا، بينما يظل التحدي الحاسم في التوازن بين القرار البشري والقرار الخوارزمي، إذ قد يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى أخطاء في التقدير وتصعيد غير محسوب. وعلى الرغم من العقبات التي تواجه الصين، فإن سرعة التعلم والتجريب قد تمكّنها من تقليص الفجوة، في وقت تتجه فيه الحروب نحو صراع بين أنظمة مترابطة، يصبح فيه الذكاء الاصطناعي عاملًا حاسمًا في كشف نقاط الضعف، وتسريع القرار، وصياغة ملامح الحرب المقبلة. راجع مقالة: سام بريسنيك، إميليا بروباسكو، كول ماكفول، "ترسانة الصين من الذكاء الاصطناعي: استراتيجية جيش التحرير الشعبي تؤتي ثمارها"، المنشورة في: جريدة اندبندنت عربية، الاثنين 6 أبريل 2026. مترجمة عن: "فورين أفيرز"، 2 مارس (آذار) 2026.

أما حضور الخوارزميات بدل الإنسان في الحرب داخل الجيش الروسي فيتجه نحو تعميق الأتمتة القتالية استنادًا إلى الخبرة الميدانية المتراكمة، ولا سيما في الحرب الأوكرانية، حيث غدت الأنظمة غير المأهولة جزءًا أساسيًا من بنية القتال. توسّع روسيا اعتمادها على الطائرات المُسيّرة والروبوتات القتالية المزودة بخوارزميات للتعرّف البصري وتحليل الأهداف واتخاذ قرارات آنية في الاستطلاع والضرب، كما في نماذج Lancet وKUB وغيرها، وهي تمثل طيفًا من الطائرات المسيّرة والأنظمة الروبوتية التي تعكس توسّع الدور الخوارزمي في العقيدة العسكرية الروسية. مع السعي إلى تطوير أسراب تعمل بتنسيق ذاتي يقلل من الحاجة إلى التوجيه البشري المباشر. في هذا المسار يتحول الجندي تدريجيًا من فاعل ميداني إلى مشغّل تقني أو مراقب عن بُعد، بينما تنتقل لحظة الاشتباك من الخبرة الإنسانية المباشرة إلى حسابات خوارزمية تحكمها السرعة والكفاءة. رغم التقدم، فإن الطائرات المُسيّرة الروسية ليست مستقلة بالكامل؛ غالبًا ما تحتاج إلى إشراف بشري في لحظة القرار النهائي، فالأتمتة الكاملة ما زالت طموحًا أكثر من كونها واقعًا. هذا التحول يعكس توجهًا روسيًا واضحًا نحو حرب تعتمد على التفوق التقني لتعويض الكلفة البشرية، لكنه يفتح في الوقت نفسه أفقًا مقلقًا، إذ تتآكل المسؤولية الأخلاقية مع تصاعد استقلالية الأنظمة، ويتحول القتل إلى إجراء تقني منفصل عن القلب والعواطف الشعور الإنساني، فتغدو الحرب نشاطًا تحكمه الخوارزميات أكثر مما تحكمه الإرادة البشرية والضمير الأخلاقي.

أما في أوكرانيا، ففي مقابلة مع مجلة "المجلة"، بتاريخ 19 مارس 2026، يؤكد الجنرال ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة المركزية في الجيش الأميركي، أن الحروب المعاصرة تشهد تحولًا جذريًا نحو الاعتماد الكثيف على الطائرات المُسيّرة بوصفها الأداة الأكثر تأثيرًا في ميدان القتال، مستندًا إلى التجربة الأوكرانية التي كشفت نقلة نوعية في طبيعة الصراع من حيث الكم والسرعة والابتكار. إذ تشير المعطيات إلى أن أوكرانيا يمكنها أن تنتج نحو 7 ملايين طائرة مُسيّرة سنويًا، بعدما صنعت قرابة 3.5 مليون طائرة خلال عام واحد، وهو رقم غير مسبوق مكّنها من تشغيل ما بين 9 آلاف إلى 10 آلاف مُسيّرة يوميًا، ما جعلها عنصرًا حاسمًا في العمليات لا مجرد أداة مساندة. ولا يتوقف التحول عند الكثافة العددية، إذ يتجه الجيل القادم نحو الاستقلالية، مع اقتراب ظهور أسراب المسيّرات القادرة على تنفيذ هجمات منسقة دون تدخل بشري مباشر عبر برمجة الأهداف مسبقًا، وهي تقنية دخلت مراحل متقدمة. ويحذر بترايوس من أن مواجهة هذه الأسراب تمثل تحديًا معقدًا يتطلب تقنيات نوعية مثل الموجات الميكروية عالية القدرة أو وسائل إلكترونية لتعطيلها جماعيًا، في وقت لا يزال فيه الاستعداد الدولي دون المستوى المطلوب. في المقابل، تواصل أوكرانيا التكيّف بوتيرة سريعة من خلال تحديثات برمجية كل أسبوع أو أسبوعين، وتعديلات على العتاد كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ما يكشف أن الحروب الجديدة لم تعد تحسم بالقوة التقليدية وحدها، وإنما بالقدرة على مواكبة المعطيات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، والتطوير المستمر، واستثمار التكنولوجيا في إدارة الصراع.

في هذا السياق يعمل البنتاغون على مشروع JADC2/CJADC2 الذي يسعى إلى ربط أنظمة الاستشعار والقيادة والأسلحة في شبكة متكاملة، تُنتج ما يُسمّى "ميزة القرار" عبر تسريع جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار في ثوانٍ معدودة، بسرعة تتجاوز الإدراك البشري. هنا لا يتقلص الزمن فقط، وإنما يتبدل معنى الفهم، إذ تتولى الخوارزميات قراءة المعطيات الكثيفة واستخراج أنماطها، فيغدو القرار استجابة آنية عاجلة. لا يُفهم مشروع JADC2/CJADC2 بوصفه نظامًا واحدًا مكتملًا، وإنما بوصفه نسيجًا شبكيًا يتكون من قدرات مترابطة لم تبلغ بعد صورتها النهائية، إذ ما يزال في طور التشكّل والتطوير.

 وتكشف المعطيات الرسمية عن استثمار وزارة الدفاع الأمريكية مليارات الدولارات سنويًا في الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، بالتوازي مع خطط لإدخال أعداد كبيرة من الطائرات المُسيّرة القتالية الذكية خلال العقد الحالي ضمن برامج الطائرات القتالية، لتعمل إلى جانب الطائرات المقاتلة، وتضطلع بمهام الاستطلاع والهجوم والتشويش، فيتقلص حضور الجندي في الميدان، ويتحول الإنسان إلى مشغّل عن بُعد أو مراقب خلف الشاشات، بينما تتقدم أنظمة قادرة على التحليل والاختيار والتنفيذ بسرعة تتجاوز طاقة الإدراك البشري، فتغدو الحرب عملية تُدار عبر الخوارزميات، حيث تنتقل من مواجهة بشرية مباشرة إلى فعل تقني تُنجزه الخوارزميات.

غير أن هذا التحول لا يقتصر على تبدل الأدوات، وإنما يلامس جوهر المعنى الأخلاقي للحرب، إذ يفضي تسريع القرار وتفويض الخوارزميات بمهام الحياة والموت إلى تآكل المساءلة، وتلاشي الشعور بالمسؤولية، فيتحول القتل إلى إجراء تقني منفصل عن القلب والمشاعر والضمير، في عالم تتصاعد فيه قدرة الآلة على الفعل، ويتراجع فيه حضور الضمير الإنساني بوصفه رقيبًا على معنى الفعل وحدوده.

تجدر الإشارة إلى تطور هائل يحدث في الذكاء الاصطناعي المعروف بـ AI، وهو ذكاء اصطناعي أداتي محدود يُصمَّم لأداء مهام محددة داخل نطاق ضيق، لذلك يظل مرتبطًا بسياق معين ولا يتجاوزه، في حين تشير القفزة الجديدة التي يسميها الخبراء AGI إلى نمط من الذكاء الاصطناعي القادر على الفهم والتعلم في مجالات متعددة، ونقل الخبرة من حقل إلى آخر، بما يجعله أقرب إلى البنية الذهنية للإنسان.

 يتجلى الفرق بينهما بوضوح في الحروب، حيث يُستعمل AI بوصفه أداة مساندة: تحليل البيانات، وتوجيه الطائرات المُسيّرة، ودعم القرار العسكري، وكل ذلك يتم تحت إشراف الإنسان الذي يظل صاحب القرار النهائي، لأن هذا الذكاء لا يمتلك قدرة مستقلة على الفهم الشامل. أما AGI، في حال تحققه، فيمكن أن يتولى التخطيط الاستراتيجي، وإدارة العمليات، واتخاذ القرارات في الزمن المناسب عبر تحليل شامل للمعطيات، مع قدرة على التعلّم والتكيّف، ما يفتح أفقًا لإمكانية الاستغناء التدريجي عن الإنسان في بعض وظائف الحرب، وربما إبعاده عن مركز القرار.

هنا لا يظل الفرق تقنيًا، وإنما يغدو فرقًا وجوديًا، لأن انتقال القرار من الإنسان إلى AGI يعني انتقال سلطة الفهم والتأويل إلى نظام يعمل بكفاءة عالية، من دون أن يختبر المعنى الإنساني للفعل أو يشعر بتبعاته في الضمير الأخلاقي، فتغدو القرارات الحاسمة في الحياة والموت صادرة عن عقل لا يعرف الأخلاق والقانون، ولا يستشعر ثقل المسؤولية، ولا ينفتح على معنى الرحمة والتعاطف والشفقة، فيتحول الفعل إلى إجراء محسوب بالكفاءة والسرعة، فيما يتراجع حضور الإنسان بوصفه كائنًا يشعر بتلك المعاني ويعيشها في داخله.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

عندما نتأمل في حال الفكر العربي المعاصر نجد أننا نبصر العالم بعيون مستعارة، تأتي نتيجة ارتهاننا لرؤية إدراكية صُنعت في مختبرات الغرب الفلسفية لتناسب سياقاً تاريخياً واجتماعياً لا يشبه سياقنا في شيء. مما جعل المفكر العربي يقف في منطقة الظل المعرفي، يراقب كيف تسطع الأسئلة الغربية في سمائنا بينما تظل أسئلتنا الجوهرية قيد العتمة والإهمال.

إن ما نحتاجه اليوم هو جرأة في إعادة توزيع الضوء داخل وعينا الفلسفي، وهذا لا يعني بالضرورة القطيعة مع المنجز الإنساني العالمي، وإنما يتطلب الانتقال من حالة الانعكاس التي نكتفي فيها بترديد أصداء النظريات، إلى حالة التوليد التي تجعل من واقعنا العربي الملموس هو المختبر الأول لإنتاج المفاهيم. في التراث العربي الكامن خلف ركام التاريخ، توجد طاقة بيانية هائلة تمنح اللغة قدرة عجيبة على توليد المعاني من جذورها الحية، وهي ميزة تجعل الفكر العربي قادراً على صياغة علاقة فريدة بين اللفظ والمعنى وبين العقل والوجود، بشكل يتجاوز المأزق الذي وصلت إليه الفلسفات الغربية الحديثة التي انتهت إلى تفكيك كل شيء حتى فقدت القدرة على الإمساك بجوهر الإنسان.

إن التفكير الضوئي يطرح علينا ضرورة الانتباه إلى الإزاحة التي تمارسها المناهج المستوردة على واقعنا، فحين نطبق نظرية غربية جاهزة على مجتمع عربي، نحن نقوم قسراً بإزاحة مركز الضوء عن مناطق الألم والاحتياج الحقيقي في الواقع العربي، لنسلطه على قضايا فرعية تخدم بنية النظرية والبيئة التي نشأت بها. الميزة الكبرى التي يمتلكها تراثنا، والتي يجب أن نستعيدها فوراً، هي مفهوم الحكمة بوصفه إطارًا يربط بين المعرفة والقيمة، بحيث لا تُفصل الحقيقة عن غاياتها الأخلاقية.  فبينما ساد في الغرب في العلم الأداتي الذي أنتج قوة بلا روح وتكنولوجيا بلا بوصلة، يظل العقل العربي قادراً على تقديم نموذج "المعرفة النافعة" التي تربط الحقيقة بالقيمة، وتجعل من التفكير فعلاً أخلاقياً يهدف إلى إصلاح الوجود الإنساني وتناغمه مع الفطرة الأولى، تلك الفطرة التي تمثل نظام التشغيل القبلي الذي يسبق كل تجربة، ويحمي الإنسان من الوقوع في فخ العدمية أو التيه الوجودي الذي تعاني منه المجتمعات الحديثة اليوم.

نحن نريد أن نكتب فلسفة تستخدم طاقة الماضي لتنير ممرات المستقبل، وهذا يتطلب منا أن نتوقف عن معاملة التراث كـأرشيف ميت أو نصوص للحفظ، لنبدأ في معاملته كـحقل إمكانات مفتوح لا يزال يخبئ في طياته حلولاً لأزمات الإنسان المعاصر. إن الانتقال من عتمة الإمكان إلى سطوع التحقق يبدأ عندما ندرك أن قوتنا تكمن في خصوصيتنا الإبستمولوجية التي تجعل منا شركاء في تشكيل أسئلة الوجود الكبرى، لا مجرد تلاميذ يرفعون أيديهم طلباً للإذن بالكلام في قاعة الدرس الكبرى التي يديرها الآخرون.

إن المعضلة الكبرى التي تواجه العقل العربي المعاصر تكمن في ذلك الخلل البنيوي في نقطة التوصيل التي تربط الفكر بالواقع، فنحن نمتلك تراثاً زاخراً بالطاقات البيانية والقيم الأخلاقية، لكننا حوّلناه إلى حالة شعورية مغلفة بالحنين وبعيدة كل البعد عن مختبرات الفعل اليومي. إن المأزق الذي جعل الغرب يسود رغم أزماته الوجودية هو أنه نجح في تحويل أفكاره المشوشة إلى فيزياء اجتماعية ومؤسسات وقوانين وتقنيات تتحرك بشكل آلي، بينما ظل الفكر العربي يدور حول المركز في حلقات مفرغة، يعيد إنتاج الأسئلة ذاتها دون أن يعمل على تحويل الحكمة إلى نظام تشغيل يحكم المعاملات والصناعة وإدارة الوجود المادي.

إن حالة "السطوع حد العمى" التي نعيشها حين نستورد النظريات الغربية تجعلنا نغفل عن حقيقة أن الفكر تحركه مصالح وصراعات قوى وشركات رأسمالية وبنى اجتماعية صلبة، وهو ما أسقطه الفكر العربي من حساباته حين غرق في التجريد الفلسفي وابتعد عن سوسيولوجيا الواقع. إننا بحاجة إلى "إزاحة ضوئية" تعيد الاعتبار للإنسان العربي ليس كمتلقٍ للأوامر المعرفية، بل كفاعل يمتلك القدرة على عجن التراث في صلب التحولات المعاصرة، فلا يكفي أن نتغنى بشمولية البيان أو بمركزية الأخلاق في علومنا القديمة، بل يجب أن نتساءل عن الكيفية التي يمكن بها لهذه المفاهيم أن تعيد صياغة العقد الاجتماعي، وأن توفر شبكة أمان نفسية ووجودية تحمي الفرد من الفردانية المتطرفة التي تمزق المجتمعات الحديثة.

إن التفكير الضوئي يفرض علينا كسر "عتمة الإمكان" عبر شجاعة النقد الذاتي، والاعتراف بأننا حوّلنا "الفطرة" من طاقة انفتاح وتناغم مع الوجود إلى جدار من الانغلاق عن التجربة، وحوّلنا "الحكمة" من بوصلة للفعل إلى مجرد نصوص تُحفظ لتزيين المجالس. إن الخروج من حالة التبعية إلى حالة الإنتاج يتطلب منا أن نوجد ذلك تلك الأدوات الإجرائية التي تنقل الفلسفة من الأوراق إلى الشوارع، ومن بطون الكتب إلى قوانين المؤسسات، لنثبت أن التراث العربي يمتلك زمنه النفسي الخاص الذي يحرر الإنسان من استعباد الزمن الآلي. وفي هذا السياق يمكن فهم مفهوم الزمن بوصفه امتدادًا لبنية الإدراك نفسها؛ إذ يتجلى ما يمكن تسميته بالزمن الآلي الغربي باعتباره زمنًا خطيًا صارمًا يُقاس بالإنجاز والعمل وفق منطق “الوقت هو المال”، حيث يُختزل الإنسان في وحدات إنتاج قابلة للقياس. في المقابل، يفتح الزمن النفسي العربي أفقًا لزمنٍ أكثر مرونة يرتبط بالمعنى والسياق، لا بالقياس الميكانيكي وحده، بما يسمح بإعادة وصل الفعل الإنساني بدلالته الأخلاقية وليس بمجرد مدته الوقتية.

 الفلسفة العربية التي تبدأ في توليد ضيائها الخاص من خلال الاشتباك الحقيقي مع تفاصيل الألم والآمال المحلية، حيث يصبح المعنى طاقة محركة للشعوب، وتصبح القيم مرجعاً للتشريع، وتتحول اللغة من وعاء للبلاغة الجوفاء إلى محرك للنهضة الشاملة. عندها فقط، يمكن للفكر العربي أن يخرج من قاعة الانتظار التاريخية ليشارك في صياغة مستقبل البشرية، وذلك عبر تقديم نموذج وجودي يجمع بين سطوع العقل وطمأنينة الروح.

***

الكاتب نبيل عيدو

قراءة نقدية في فلسفة العقد الاجتماعي من هوبز إلى سبينوزا

تقدم هذه الدراسة قراءة نقدية لمفهوم الدولة في إطار نظرية العقد الاجتماعي، من خلال تحليل تصورات كل من توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو، وباروخ سبينوزا. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الدولة الحديثة ليست معطى طبيعياً، بل بناء تعاقدي يعكس تصورات مختلفة للطبيعة البشرية وحدود السلطة. وتسعى إلى الكشف عن التوتر البنيوي داخل النظرية بين مطلب الحرية ومقتضيات السلطة، كما تقف عند تحولات العلاقة بين الدين والسياسة في الفكر التعاقدي. وتخلص الدراسة إلى أن نظرية العقد الاجتماعي، رغم طابعها التأسيسي، لم تنه إشكالية الشرعية، بل أعادت إنتاجها في صورة أكثر تعقيداً داخل الدولة الحديثة.

على سبيل الافتتاح:

لم يكن ظهور الدولة الحديثة حدثًا عرضيا في تاريخ الفكر السياسي، بل كان نتيجة تحولات عميقة مست البنية المعرفية والقيمية للمجتمع الأوروبي، خاصة مع تراجع سلطة الكنيسة وصعود العقل بوصفه مرجعية مركزية في تفسير العالم وتنظيمه. وفي هذا السياق، برزت نظرية العقد الاجتماعي باعتبارها محاولة فلسفية لتأسيس السلطة السياسية على قاعدة إنسانية عقلانية، بدل الارتكاز على المشروعية اللاهوتية.

لقد أعادت هذه النظرية صياغة سؤال الدولة من جذوره، حين افترضت وجود حالة طبيعية سابقة على التنظيم السياسي، يكون فيها الإنسان حرًا خارج كل سلطة، ثم جعلت من التعاقد آلية انتقال إلى المجتمع المدني. غير أن هذا البناء النظري، رغم وحدته المنهجية، يخفي داخله اختلافات جوهرية تتعلق بطبيعة الإنسان، ومصدر الشرعية، وحدود السلطة.

ومن هنا، تطرح هذه الدراسة الإشكالية التالية: هل أسست نظرية العقد الاجتماعي لدولة الحرية، أم أنها أعادت إنتاج منطق الهيمنة في صيغة عقلانية؟

الحالة الطبيعية كأصل إشكالي للسياسة:

تشكل الحالة الطبيعية لحظة تأسيسية في الفكر التعاقدي، لكنها ليست معطى تاريخياً بقدر ما هي بناء افتراضي يكشف عن تمثلات الفلاسفة للطبيعة البشرية. وفي هذا المستوى، يظهر التباين الحاد بين التصورات.

يقدم توماس هوبز تصورًا جذريًا للطبيعة الإنسانية، حيث تتحول المساواة الطبيعية إلى مصدر للصراع لا للتكامل، إذ يرى أن البشر، بحكم تساويهم في القدرة والرغبة، يدخلون في حالة تنازع دائم، تجعل من الوجود الإنساني مهددًا باستمرار. لذلك، يصف هذه الحالة بأنها حرب شاملة، حيث " حياة الإنسان منعزلة، وفقيرة، وبغيضة، ووحشية وقصيرة" . إن هذا التشخيص لا يعكس فقط نظرة تشاؤمية، بل يؤسس منطقياً لضرورة قيام سلطة قاهرة.

في مقابل ذلك، يرفض جون لوك هذا التصور، معتبرًا أن الحالة الطبيعية محكومة بقانون طبيعي يستمد شرعيته من العقل، ويضمن للأفراد حقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والملكية. غير أن غياب سلطة محايدة يجعل هذه الحقوق عرضة للانتهاك، مما يبرر الانتقال إلى المجتمع السياسي.

أما جان جاك روسو، فيقلب المعادلة جذريًا، إذ لا يرى في الحالة الطبيعية مصدر الفساد، بل يعتبرها وضعًا منسجمًا، حيث كان الإنسان يعيش في بساطة وبراءة، قبل أن تفسده الملكية الخاصة وتؤسس لعدم المساواة، وهو ما يلخصه قوله: "ولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مكبل بالأغلال.

هكذا تكشف الحالة الطبيعية عن مفارقة أساسية: فهي في الآن ذاته أصل الحرية وأصل الحاجة إلى السلطة.

العقد الاجتماعي بين التأسيس والتحويل:

يمثل العقد الاجتماعي لحظة انتقال نوعي من الطبيعة إلى الثقافة، ومن الحرية المطلقة إلى النظام السياسي. غير أن هذا الانتقال لا يتم وفق منطق واحد، بل يتخذ أشكالًا متعددة تعكس اختلاف الرؤى الفلسفية.

عند هوبز، يقوم العقد على تنازل كلي عن الحقوق لصالح سلطة مطلقة، تمثل الضامن الوحيد للأمن. وهنا تتحول الحرية الطبيعية إلى طاعة سياسية، ويصبح الاستبداد مبررًا عقلانيًا لتجنب الفوضى. أما عند لوك، فإن العقد لا يلغي الحقوق الطبيعية، بل يحميها، مما يجعل السلطة محدودة ومشروطة برضا المحكومين، بل وقابلة للنقض في حال الإخلال بها.

أما روسو، فيسعى إلى تجاوز هذا التعارض من خلال مفهوم "الإرادة العامة"، حيث لا يكون التنازل لصالح الحاكم، بل لصالح الجماعة، بما يضمن تحقيق الحرية في إطار المساواة. غير أن هذا التصور، رغم طابعه الديمقراطي، يطرح إشكالًا عميقًا: هل يمكن للإرادة العامة أن تعبر فعلاً عن الجميع دون أن تتحول إلى أداة قسر؟

الدولة بين الحرية والسلطة:

تكشف تحليلات الفلاسفة أن الدولة ليست مجرد أداة تنظيم، بل فضاء توتر دائم بين الحرية والسلطة. فبينما يرى هوبز أن الأمن يسبق الحرية، يؤكد لوك أن الحرية هي أساس الشرعية، في حين يحاول روسو التوفيق بينهما عبر السيادة الشعبية.

أما باروخ سبينوزا، فيقدم تصورا أكثر تركيبا، حيث يربط بين قوة الدولة وحريتها الفكرية، مؤكدًا أن "الغاية الحقيقية للدولة هي الحرية". ومن هنا، يدافع عن فصل الدين عن السياسة، ليس بوصفه موقفًا إيديولوجيًا، بل كشرط لإمكان التفكير الحر.

إن هذا التحول من الدولة القهرية إلى الدولة العقلانية يعكس تطورًا عميقًا في فهم السلطة، لكنه لا يلغي التوتر البنيوي الذي يظل قائمًا بين الضبط والتحرر.

الدين والسياسة وإعادة تشكيل الشرعية:

لم تكن نظرية العقد الاجتماعي مجرد نظرية في الدولة، بل شكلت أيضًا لحظة حاسمة في إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة. فقد سعت إلى إخضاع الدين لسلطة الدولة (هوبز)، أو فصله عنها (سبينوزا)، أو حصره في المجال الأخلاقي (لوك).

هذا التحول يعكس انتقال الشرعية من السماء إلى الأرض، ومن الوحي إلى العقل، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا جديدًا: إذا كانت الدولة لم تعد تستند إلى الدين، فما الذي يضمن مشروعيتها؟

نتائج الدراسة:

تكشف الدراسة عن مجموعة من النتائج الأساسية:

أن الدولة الحديثة نتاج بناء فلسفي يعكس تصورات متباينة للطبيعة البشرية.

أن العقد الاجتماعي لا يلغي التوتر بين الحرية والسلطة، بل يعيد تنظيمه.

أن العلمنة شكلت شرطًا بنيويًا لقيام الدولة الحديثة.

أن الشرعية السياسية تظل إشكالية مفتوحة وليست محسومة.

التوصيات

ضرورة تجاوز القراءة المدرسية لنظرية العقد الاجتماعي نحو قراءة نقدية.

إعادة التفكير في مفهوم الشرعية في ضوء التحولات السياسية المعاصرة.

تعميق البحث في العلاقة بين السلطة والحرية خارج النماذج الكلاسيكية.

على سبيل الختام:

إن نظرية العقد الاجتماعي، رغم ما تحمله من طموح تأسيسي لإقامة دولة عقلانية، لا تمثل نهاية الإشكال السياسي، بل بدايته الفعلية. فقد نجحت في تحرير السلطة من مرجعياتها اللاهوتية، لكنها لم تنجح في القضاء على منطق الهيمنة، بل أعادت إنتاجه في شكل جديد، أكثر تعقيدًا وأشد خفاء.

وهكذا، فإن الدولة الحديثة لا يمكن فهمها باعتبارها تحققًا نهائيًا للحرية، بل بوصفها فضاءً مفتوحًا للصراع بين الإرادة الفردية والسلطة الجماعية، وبين الأمن والتحرر، وبين العقل والقوة. ومن ثم، يظل التفكير في الدولة مهمة فلسفية مستمرة، لا تقبل الاكتمال.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ.

.........................

لائحة المصادر والمراجع

Hobbes, T. (1996). Leviathan. Cambridge University Press. (Original work published 1651)

Locke, J. (1988). Two Treatises of Government. Cambridge University Press. (Original work published 1689)

Rousseau, J.-J. (2002). The Social Contract. Dover Publications. (Original work published 1762)

Spinoza, B. (2001). Theological-Political Treatise. Cambridge University Press. (Original work published 1670)

ونحن نقف على اعتاب مرحلةٍ عاصفةٍ بالتباينات، يستدعي تقييمُ العمل العربي المشترك قراءاتٍ أكثر عمقاً مما أُنجز حتى الآن؛ دراساتٍ جادة تتجاوز التأبين العاطفي والاتهام المُبسَّط/المُبطَّن، لتتوقف أمام أسئلة جوهرية: أين كانت الأخطاء؟ وما طبيعة المعوقات البنيوية التي أجهضت مشاريع الوحدة والتكامل؟ وكيف تشكّلت الخطابات التي حكمت هذه الدعوات وأطّرت تصوّراتها؟

في هذا المقال لن نُقدِّم إجابةً شاملة لكل هذه الأسئلة، بل نسعى إلى قراءةٍ تحليلية حول ظاهرتين بعينهما، تكشف كل منهما عن أعطابٍ عسيرةٍ في منهجية التفكير وطريقة العمل. الأولى هي وَهْمُ الوحدة المحتومة؛ ذلك الاعتقاد الراسخ الذي جعل الوحدة العربية تبدو مجرد تحصيلاً حاصلاً لا يحتاج إلى هندسة، فتم تحويل خيبات الأمل إلى عملةٍ رائجة ومزدهرةٍ من التهم والتخوين. والثانية هي أخلاق الفزعة؛ تلك المنظومة العلائقية المستمدة من ثقافة تقليدية حكمت العلاقات العربية البينية وأبقتها رهينةَ الأمزجة والمواقف اللحظية المتبدلة عوضاً عن بناء سكك إستراتيجية متينة تستطيع فيه عربات قطار العمل العربي المشترك السفر مع بعضٍ لمسافاتٍ طويلةٍ، ودون حدوث انفصالات غير ضرورية، أو ارتجاجات وخروج كليّاً عن السكّة.

وهم الوحدة المحتومة

سيطرت على الخطاب العربي السياسي فكرةٌ أقرب إلى العقيدة الراسخة منها إلى الفرضية القابلة للاختبار: أن الشعوب العربية هي حالةُ تكاملٍ ناجزةٍ في جوهرها، تنتظر فقط من يُفتح لها الأبواب لتدخل إلى فضاء الوحدة الكبرى بكل سلاسةٍ وتلقائيةٍ. وأن كل ما يفصلها عن ذلك المصير المحتوم ليس سوى تشطيباتٍ خطابيةٍ أو نضاليةٍ بسيطةٍ مع إزالة الأعشابٍ الاستعمارية التي نبتت على قارعة الطريق. وعلى هذا الأساس الهشّ صُيغت البيانات القومية وأُعلنت الجمهوريات المتحدة، واُقيمت مشاريع وحدوية عدّة، بأشكالٍ ومستوياتٍ مختلفة حفزتها المشاعر المتوثبة نحو إقامة مشروعٍ وحدويٍّ شاملٍ.

بيد أن الإنسان العربي، شأنه شأن كل إنسان على هذه الأرض، كائنٌ مركّب ومُعقد التضاريس، ولا يمكن اختزاله في نداء عرقيٍّ واحدٍ ولا في قاسمٍ ثقافيٍّ وحيدٍ، وهو مجموعةٌ حيّةٌ ومتحركةٌ من الولاءات المتشعبة، والتحيّزات المتراكمة والمُستجدّة، والمصالح المتنافسة، والهويات/الانتماءات المتداخلة والمتزاحمة. وحين يأخذ العقلُ السياسي العربي هذه الحقيقة على محمل الجد، لا على سبيل انتهازها كفرصة كسولة ولئيمة لشحن رصيد الأحكام المُسبقة، ولبناء ترسانة من الاتهامات والتخوينات، سيُدرِكُ فوراً أنه ليس أمام مجموعة من قطع السيراميك المرتبة والمتناسقة والجاهزة لوضع بعضها بجانب بعض بكل سهولةٍ ويُسرٍ أو في أسوأ الأحوال أمام مادة خام كل ما تحتاجه هو قليلٌ من الصهر فحسب، بل هو أمام مجتمعات إنسانية كاملة بكل ما في المجتمعات الإنسانية من تناقضات وتعقيدات وتقاطعات، متون أو هوامش للانعزال وللأنانية وللتفانٍ وللعمل الجماعي في الوقت ذاته، وكل ذلك يحتاج إلى هندسة دقيقة وصبورة، ولعملٍ مؤسسي شديد الإتقان والحساسية، ورؤية استراتيجية مُحصنة بالواقعية الطموحة وبتراكم التخطيط المُبتكر.

وبمراجعة تقييمه للكيفية التي ظهرت من خلالها الدعوة لإقامة مشاريع تكامل عربية، سيلاحظ المرء بسهولة أن المشكلة لم تكن في أن العرب أرادوا مشروع الوحدة أو التكامل على سبيل المثل، أو حلموا به طويلاً كاستجابةٍ لتحدياتٍ كثيرةٍ، بل لأنهم أرادوا كل شيءٍ على الفور وبضغطة زرٍ واحدةٍ، وظنّوا أن الإرادة تكفي، وأن الحماس يُغني عن هندسة المشروع، وأن الخطابة تنوب عن المؤسسة أو العمل المؤسسي. وحين ظهرت الخلافات، كما لا بد أن تظهر في كل مشروع إنساني، لم تُعامَل تلك الخلافاتِ والاختلافات بوصفها محطاتٍ في مسيرةٍ طويلة الأمد، بل استُقبِلت كدليلٍ واضح على الخيانة، وكشاهدٍ أكيدٍ على المؤامرة، فأُنتج بذلك سلسلة متتالية من مقاصل التخوين ودوامات الإحباط والطرد والانسحابات التي لم تتوقف للحظة.

وتجنباً للإطالة أو للإسهاب في توصيف الحالة التي يعرفها جميعناً جيداً، والانتقال إلى الحديث عن مصفوفة من المعوقات البنيوية تضافرت في إجهاض العمل العربي المشترك، يمكن الإشارة هنا إلى أبرزها:

أولاً: أزمة الدولة قبل أزمة الوحدة. لم تشهد معظم الدول العربية بناءً حقيقياً للدولة بمعناها المؤسسي العقلاني، بمعنى الدولة القادرة على تحويل الموارد إلى رفاه، وتحويل التنوع إلى تعدد منتِج، وتحويل المواطنة من شعار إلى عقد اجتماعي نافذ. الدولة التي لم تُوحّد الداخل لا تملك ما تقدمه في إطار التوحيد الخارجي، إذ لا يُصدَّر إلا ما يُنتَج. وقد أفضى هذا إلى ظاهرة مقلقة: أن المشاركة في المشاريع الوحدوية كانت في أغلب الأحيان أداةً من أدوات تعزيز الشرعية الداخلية الهشّة، يُلوَّح بها في مواجهة المعارضة الداخلية، لا التزاماً استراتيجياً بمشروع مشترك. ولهذا تحديداً كانت الانسحابات مباغتةً وقاسيةً كلما أصبح الثمن الداخلي أعلى بكثيرٍ من الربح الرمزي من أصول شعارات مشروع الوحدة.

ثانياً: غياب ثقافة التفاوض الندّي. اتسمت العلاقات العربية البينية في الغالب بأحد نمطين متطرفين: إما الاندماج العاطفي الكامل الذي لا يتسامح مع الاختلاف، وإما القطيعة التامة حين يبرز الخلاف. وغاب النمط الثالث والأهم: علاقة التفاوض المؤسسي بين أطراف متساوية في القيمة الاعتبارية ومتباينة في المصالح، تتفق حين تتفق وتختلف حين تختلف دون أن يُصبح الاختلاف كارثةً وجودية.

ثالثاً: سوء قراءة طبيعة النظام الدولي. تعاملت نخب الوحدة العربية مع النظام الدولي كأنه إما حليف يجب استرضاؤه، وإما عدوٌّ يجب مقاومته، وأهملت الاحتمال الأكثر قرباً إلى الواقع: أنه نظام فوضوي تُديره المصالح، لا الولاءات ولا العداوات الدائمة. وهذا القصور في الفهم أدى إلى نتيجتين متناقضتين: إما الإفراط في التبعية للقوى الكبرى ظنّاً أن الحماية الخارجية وحدها ستعوّض الأمن المشترك، وإما مغامرات المواجهة الانتحارية التي تحاول تجاوز موازين القوى بالشعارات الثورية وحدها. وغنيٌّ عن القول بإن كلا الخيارين كلّف وسيكلّفُ المنطقة ثمناً باهظاً.

رابعاً: فخ الخطاب الاستبدالي. أنتج الخطاب القومي والإسلامي معاً - وإن من منطلقات مختلفة - نمطاً من التعبئة يقوم على استبدال السياسة بالهوية. أي أن الشعور بالانتماء المشترك، سواء أكان عروبةً أم إسلاماً، طُرح بديلاً عن بناء المؤسسات وتنظيم المصالح، والتركيز على المشاريع التنموية، وإدارتها بصورة عقلانية. والخطورة في هذا الاستبدال أنه يُعطّل العقل السياسي، ويزيح عنه المسئولية، ويعفيه من المساءلة، لصالح الاكتفاء عن كل ذلك بفرض الكفاية الوخيد: الارتجال الخطابي عالي النبرة.

أخلاق الفزعة

لا تزال قاعدة العلاقات العربية البينية في معظمها قائمةً على ما يمكن تسميته بـ"أخلاق الفزعة": منظومة علائقية تنبثق من القيم التقليدية ومفاهيم الشرف المتبادل، حيث تدفع الهبّةُ الهبّةَ، ويستدعي النداءُ الإغاثةَ، وتُؤدي المساعدةُ وظيفة بناء العلاقة وتجديد الود والتموضع الرمزي. ولهذه الأخلاق قيمتها في سياقها الأصلي، بل إن فيها من الكرم والتضامن الإنساني ما يستحق الإجلال. غير أن المشكلة تقع حين تُصبح هذه الأخلاق بنيةً تحتيةً للعلاقات بين الدول، إذ قد تنقلب فضائلها إلى عوائق في أوقات الشدّة والتوترات.

فالهبّة، في سياق العلاقات بين الدول، لا تُبنى على تخطيطٍ صارمٍ ومصلحةٍ عقلانيّةٍ تعاقديّةٍ مشتركةٍ وقابلة للاستمرار، بل تُلقي بكل رهانها على الرأسمال الرمزي ومتطلبات الموقف اللحظي. وهي لذلك حادةٌ في التدفق، غير منتظمة في الاستمرار، مشروطةُ بتوافق الأمزجة السياسية لا بمتانة التفكير العقلاني والإطار التعاقدي.

ولا يعني الحديث هنا الدعوة إلى التخلي عن "أخلاق الفزعة" بما فيها من إيجابيات، وبالتالي التخلي عن التضامن، بل يعني إعادة تأسيسها على قواعد أكثر صموداً أمام اختبارات الزمن والمصلحة والتغيّر. والنموذج البديل الذي ندعو إلى بنائه يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:

العمود الأول: الانطلاق من واقعية بلا قسوة. أي القبول بأن الدول العربية كيانات سياسية عقلانية، تسعى كل واحدة منها إلى حماية أمنها وتعظيم مصالحها وفق منطقها الداخلي وضغوطها المحيطية. هذا القبول ليس تشاؤماً ولا استسلاماً، بل هو شرط أولي للتفكير الجاد. فالشراكة التي تقوم على افتراض أن الطرف الآخر سيتصرف كأخٍ لا كدولة، وهو متاحٌ وتحت التصرّف في كل الأوقات والأزمنة، سيُصاب بصدمة عنيفة عند أول لحظة سيتصرف فيها "الأخ" كدولة، وهو ما لا بد وأن يَحدُث. أما الشراكة التي تقوم على افتراض أن الطرف الآخر دولة تسعى إلى مصلحتها، وبالتالي الاجتهاد في تصميم الإطار المشترك المناسب حيث تكون المصلحة أفضل داخل هذا الإطار من خارجه، هذا النوع من الشراكة القادر على الصمود والاستمرار.

العمود الثاني: تفعيل الاتفاقيات المتعلقة ببناء مصفوفة مصالح مشتركة، وتطويرها وتوسيعها. فشبكة أو منظومة الروابط الاقتصادية والتقنية والبنية التحتية المتشابكة تعمل لوحدها على تمتين عُرى التكامل، بحيث يُصبح تفكيكها مكلفاً على جميع الأطراف، ومحاولة تدميرها تدميراً للنفس. ومصفوفة المصالح المشتركة تخلق حوافز داخلية للحفاظ على الشراكة بدلاً من الاتكال على الإرادة السياسية وحدها. ودون هذه الخطوة سنستمر طويلاً بالدوران في فلك الخطابات الإنشائية.

العمود الثالث: بناء مؤسسات للعمل الجماعي فاعلة، وتضمن تمثيلاً حقيقياً للكل، وبطريقة لا تعكس التقسيم السلبي الفج الذي ساد (مراكز وهوامش). وليس المقصود هُنا، ومن وجهة نظر شديدة الواقعية، إقامة مؤسساتٍ تقوم تذويب الفوارق وتتظاهر بأن الدول سواسية في القدرة والثروة والحجم، فذلك وهمٌ آخر يُضاف إلى قائمة الأوهام. المطلوب شيءٌ أدق وأعمق: إطارٌ قانوني ومؤسسي يُحوّل اللامساواة الموضوعية بين الدول من مصدر توتر وتنازع إلى محفّز تكامل ومحرّك للإنتاج المشترك. وفي سبيل ذلك، يُمكن ابتكار إطار يضمن نوع من "التكافؤ الاعتباري الإيجابي"؛ أي لا تساوٍ مصطنع بين غير المتساوين، ولا تراتبيةٌ تُكرّس التهميش والاستعباد والحط، بل علاقةٌ تعاقدية عقلانية يربح فيها الجميع بنِسَب مختلفة، ويدفع فيها الجميع تكاليف مختلفة، لكنهم يدفعونها باختيار لا باضطرار (لقد كشفت تجربة جامعة الدول العربية بصدقٍ مريرٍ الثمنَ الذي تدفعه المؤسسةُ حين تفتقر إلى سلطة إلزامية واستقلالية حقيقية في إدارة النزاعات: تتحوّل من أداة بناء إلى مرآة خلاف، ومن فضاء للتفاوض إلى منبرٍ للشكوى. والمؤسسة التي لا تملك شرعية اتخاذ القرار لا تستطيع أن تضمن لأي طرف ـ صغيراً كان أم كبيراً، ناشئاً أم متقدماً ـ أن مصلحته محميةٌ داخل الإطار المشترك، فتبقى كل دولة تُراهن على قوتها المنفردة، وهو الرهان الذي يخسر فيه الجميع في نهاية المطاف).

ليس دعوة التكامل العربي المؤسس على نوع العقلانية الواقعية ترفاً فكرياً أو اختلاجات وهواجس قومية/هوياتية، بل هي ضرورة تفرضها ثلاث مقتضيات موضوعية لا تقبل الإلغاء:

الأول: لعنة الجغرافيا. لا تختار الدول جيرانها، والجغرافيا العربية منظومة متصلة تربطها شبكة من التداخلات البنيوية: في المياه والصحاري والسهول ومسارات التجارة والهجرة. ما سيحدث في مكانٍ ما سينتقل إلى مكانٍ آخرٍ كما تنتقل الجوائح. الجغرافيا لا تُفرز خياراً بين التعاون والتنافر، بل تُفرز خياراً بين التعاون المُدار بالعقلانية وحسابات المصالح المتبادلة، وبين التنافر الذي يجعل كل طرف يدفع ثمناً مضاعفاً لما يمكن الحصول عليه بثمنٍ أقلٍ فيما لو اختار طريق التكامل.

الثاني: المجال الأمني المشترك. لا يمكن لأي دولة عربية، مهما بلغت من الثروة أو القوة العسكرية، أن تُحقق أمنها الاستراتيجي بمعزل تام عن محيطها الإقليمي. التهديدات الأمنية الكبرى التي تواجه المنطقة اليوم، من الإرهاب العابر للحدود إلى الهشاشة الدولتية إلى التنافسات الإقليمية الضارية، والصراعات الدولية الكُبرى، لا تُعالَج بالمنطق القُطري الضيق. الدولة التي تختار العزلة الأمنية تدفع فاتورةً أمنية أثقل وأقسى بمراحل من تكلفة الشراكة.

الثالث: المجال الثقافي المُهدَر. ثمة رأس مال ثقافي ضخم تمتلكه المنطقة العربية دون أن تستطيع تحويله إلى قيمة استراتيجية: وحدة اللغة، تكامل الإرث المعرفي، كثافة الإشعاع الحضاري التاريخي. هذا الرأسمال لم يستثمره عقلٌ تنمويٌّ جادٌ في بناء صناعات إبداعية مشتركة وخلاّقة، ولا في تشييد منظومات تعليم وبحث علمي إقليمية، ولا في تصميم سوق ثقافي عربي حقيقي يُعظّم عائد هذا الإرث ويُحوّله من نوستالجيا إلى طاقة فاعلة. إن الاستثمار في هذا المجال الثقافي ليس رفاهية جانبية، بل هو أحد أعمدة بناء المصالح المشتركة، لأنه يخلق طبقات مجتمعية عابرة للحدود لها مصلحة مباشرة في استمرار التكامل واتساعه.

كل ما سبق يستند في نهاية المطاف إلى شرط قِبلي أعمق وأصعب: نضجٌ سياسيٌّ جماعيٌّ يستطيع التمييز بين الاختلاف والعداوة، وبين الخلاف والخيانة، وبين المصلحة الوطنية المشروعة والأنانية المدمِّرة. هذا النضج لا يُستورَد ولا يُفرَض بمرسوم، بل يُبنى في الزمن الطويل عبر تراكم التجارب والخبرات المشتركةـ وتطوير ثقافة المساءلة والمحاسبةـ وترسيخ قيم العمل المؤسسي داخل كل دولة على حدة، وفي إطار منظومة العمل العربي، وقبل كل ذلك بناء نمط من التفكير العقلاني المرتبط بالنزعة الواقعية الموضوعية لدى الأطفال.

ما ندعو إليه في نهاية هذا المقال ليس إصلاحاً برنامجياً جاهزاً يُطبَّق في خطوات معدودة. إنه دعوة إلى تحوّل في طريقة التفكير ذاتها: أن ننتقل من نزعات الوحدة العاطفية المُستعجلة إلى منهج التكامل الصبور المتدرج؛ من منطق "إما كل شيء أو لا شيء" إلى منطق "ما يمكن بناؤه اليوم أفضل من الانتظار أبداً"؛ من ثقافة التخوين حين يظهر الخلاف إلى ثقافة الحوار والتفاوض. وهذه الدعوة تدعو إلى التعلم من كل الدروس المتاحة، دروس التجربة الذاتية وتجارب الآخرين. وما أنجزه البشر في سياقٍ ما، يُمكن إنجازه في سياقٍ آخرٍ، بشروط هذا السياق، وبمنطقه هو، وبإيقاعه الخاص به.

وبطبيعة الحال، الطريق ليست قصيرة، والعوائق ليست هيّنة، والدعوة ههنا ليست إلى الوصول، بل إلى ضرروة البدء، ليس إلى اليقين، بل إلى الجديّة (الواقعية) في الرؤية والعمل.

***

أمين اليافعي

 

الدولة المدنية الدستورية البرلمانية

لكل انجاز فكري سياق تاريخي يتقدم على زمن إنجازه زمنا وظرفا كما ان له اثارا ومتغيرات فكريه وتطبيقيه تحصل بعد زمن ظهوره واطروحة الشيخ النائيني ولدت في سياق تاريخي معقد غاية التعقيد فقد بدأت ارهاصات التفكير في نموذج سليم للدولة أواخر القرن التاسع عشر عندما تسربت التجربة السياسية الاوربية للعالم الإسلامي وقد تزامن ذلك مع تداعي الإمبراطورية العثمانية وتصدعها وهزائمها العسكرية (1839-1867)

وما تسرب هو: أولا مسالة الشرعية السياسية للدولة. وثانيا مسألة التخلف والتقدم ودور نمط الدولة) فيه وبسبب سلبيه (المراكز والمؤسسات الدينية) وعدم استشرافها متغيرات العالم الغربي المتسللة للعقل الإسلامي في تركيا وايران ومصر فقد غاب الوعي المستقبلي لقادة اللمجتمع في رصد المتغيرات المؤثرة وعليه فقد مال كثير من الباحثين المتطلعين للخروج من ازمة النظم الاستبدادية (المزمنة) التي عاشتها امتنا لقرون عديدة والخروج من (وضع التخلف المزمن) باختيار النموذج الغربي لإقامة دولة على الغرر الغربي وتبنى تلك (الاتحاد والترقي) وطلائع التفكير الحداثي في مصر وفي ايران وكان هذا الخيار من اكثر الخيارات انتشارا.

يقابله الخيار التقليدي وهو الدعوة الى استعادة (دوله على نموذج الخلافة التقليدية) بوصفها رمزية إسلامية وكان ممن تبناها محمد رشيد رضا ومعه التيارات التقليدية السلفية، وينافس هذا الخيار النموذج الوهابي السعودي (الذي يمزج بين الايدلوجية الدينية السلفية والمنظومة القبلية الابوية ومصداقها (نموذج الدولة السعودية) هذه الخيارات السائدة كانت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ولم يتقدم عليها مشروع سياسي لدولة حديثة صارت من معطيات الحرب الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية 1918 وتحول الولايات العثمانية الى (دول مستقلة) على وفق معاهدة سايكس بيكو، عند ذاك جاءت هذه الافكار في هذا الخضم وهذه الظروف بإزاء أطروحة الامام النائيني (الدولة الدستورية البرلمانية) التي اخذت افضل ما في النموذج الغربي من سمات وعاملتها على انها نتاج فكر انساني متاح للإفادة لمن يريد الإفادة منه ويكون له الحق عملية الفرز لما هو سليم وعلمي من النموذج واستبعاد مالم ينسجم مع تراث وثقافة المجتمع، وكان الى جانب تلك الآراء والنظريات، ما كان يعتقده المحافظون من علماء الفقه الشيعي من ان الدولة والحكم والسلطة من مختصات الامام الغائب (المنتظر) وعليه فانه من غير الجائز السطو على مختصاته وحقوقه المقدسة والبقاء على الراي التاريخي ان الشيعة لا يقيمون الدولة قبل زمن الظهور لانه (عمل محرم) ونزعه طاغوتيه.

ووسط هذه التجاذبات والآراء المتضاربة كانت أطروحة النائيني (نظريه خلاص ضرورية) تعتمد على قوة التنظير وصرامة الاستدلال وعمق البرهنة للتخلص من (نمط الاستبداد التاريخي لنموذج الخلافة) وصنمية الحاكم وحصانته اللانهائية ومصادرة الحقوق والحريات، وادماج موارد الدولة بملكية الحاكم، وخضوع القضاء لسلطته وتحجيم مهمات القضاء بفض النزاعات الفردية ومنعه من محاسبة الحاكم وهذا ما افرزته تجربه الخلافة في تاريخنا من زمن الخلافة الاموية على الأقل الى سقوط الخلافة العثمانية 1924

كما انها (مخلص ايديولوجي) لخيار الراغبين بالنموذج الغربي، اذ أوضح النائيني ان الدولة على غرار النمط الغربي عباره عن منظومة حل لمشكلات الواقع الأوربي مثل مشكلات الاقطاع، والحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك وتسلط الكنيسة وتحلل الروابط الاجتماعية وهذا الخيار عندما يعتمد فكأنه غرسا في غير ارضه وتكون تداعياته ضارة، لأنها أولا لا تتصل بتراثه وتاريخه ومنظومته القيمية، والدليل ان الدولة التي أقامتها الانتدابات الغربية كانت دولا هشة فشلت في أقامة التنمية والانعتاق وسقطت في مستنقع قمع المعارضين

وكان اهم ركن في مشروع النائيني هو مسألة الشرعية (التي سطرها النائيني بانها قداسة المصدر الفكري (نظرية الدولةوفلسفتها) مقرونه بقناعة المواطنين ان السلطة صحيحة وقانونية، وان الحاكم خادم للشعب لان الحكام (وظيفيون) وان المواطنين جميعا – بلا استثناء – متساوون قانونا، وان الطاعة ليست لشخص الحاكم انما لانتظام وتطبيق القانون وتحكيم الدستور الذي هو عماد الشرعية وحدد الشرعية بطبيعة السلطة ودورها وبنية المؤسسات وطبيعة قوانين الأحزاب ومنظمات المجتمع الذي يتحقق بقبول اغلبية الافراد بنظام الحكم من ذلك حقهم في اللجوء الى قواعد الشرعية لإخضاع السلطة للرقابة العامة ومحاسبة القانون وأوضحت رساله النائيني ان الحاكم الذي يصل الى السلطة لا بد له من طريق شرعي ولابد ان تكون قراراته حائزة على رضا المواطنين، فقد اخذ النائيني من النموذج الغربي ضرورة وجود برلمان يراقب السلطة ويشرع مالم تنص علية الشريعة نصا قاطعا قابلا للتطبيق وذهب الى ضرورة تحديث النظام القضائي مؤكدا على فصل السلطات مؤصلا كل هذه التحديثات من النصوص القرآنية والسنة النبوية ونصوص نهج البلاغة والاجتهادات العقلية منبها على فشل المشروع الغربي ونمط الدولة فيه في العالم الإسلامي، وابان ان هذا المشروع سيكون عاجزا عن الوصول الى جذور الوجدان الإسلامي ولا يتفق مع مرتكزاته وثقافتة ولا يتوغل في ضميره ووجدانه الفردي او الجمعي، وبهذا يسقط النائيني المقولة الغربية التي ظهرت بعد ثلاثة ارباع القرن من زمن النائينئ من ان الديمقراطية الغربية هي (نهاية التاريخ) وهي حتمية كونية فقد اسقط قيمة هذه الدعوى قبل ظهورها بزمن ليس بالقريب

ثم: غرست أطروحة النائيني الإشارة لما ظهر بعد اكثر من نصف قرن من ان النموذج الغربي للدولة الديمقراطية  يحمل تحديات جدية إزاء الانسان المسلم، فقد كشفت أدوارد سعيد إشكالية اغتراب المسلم الذي يقع في احابيل الفكر الاستشرافي وماكشفه وائل حلاق حول (التباينات والتناقضات بين معطيات دولة الغرب ومخرجات التراث والثقافة لدى الشعوب الإسلامية، ذلك ان الدولة على الطراز الغربي ليست دولة محايدة دينيا وفكريا وهي دولة خدمية فقط لانها معبرة عن أيديولوجية لصناعة فرد منتج ومنضبط بالجزاءات القانونية في حين ان أطروحة النائيني تسعى الى دولة لها دور تربوي لان أهم وظائفها صناعة مجتمع مثقف فاهم رشيد، وفرد منضبط باعتقاداته وايمانه وان مفهوم السيادة في أطروحة النائيني انها في الأصل لله تعالى ثم للامة بشراكة وتفاعل داخلي، لإنتاج القوانين وتنفيذها وتعظيم القيم النبيلة وتطبيقاتها وبذلك يكشف النائيني كشفا مبكرا عن (مزايا) الدولة المدنية البرلمانية الدستورية المنتزعة من الفكر الإسلامي التنويري وبين النموذج الغربي المادي المجدب

ويمكن القول: ان النائيني انتج من الفكر الإسلامي الأيديولوجي للدولة نسقا معرفيا، وسطر لها قواعد الشرعية وأوضح لها مسالك تحريك الموارد ورسم ملامح السلوك الاجتماعي وفعًل منظومة القيم النبيلة. لقد حول النائيني (الفقة السياسي الإسلامي) من نمطه التاريخي القديم الى أيديولوجية للناشطين وصاغ من الإسلام مفاهيم للحركة الاجتماعية والنشاط السياسي عندما جعل ثوابت الإسلام وقواعده العامة والكلية حاكمة على كل المجالات وبذلك فتح خزائن التصورات لحل معضلة التخلف المزمنة

ماذا علينا الان: ان اصل أطروحة النائيني كان (أصلا نظريا حاز درجة عالية من الاستشراف المستقبلي، وعلى من يرون انضاج أطروحته ان يطوروها بالكشف عن دور النظرية النائينيه في التعامل مع اثار عالمية الليبرالية، واثار ومعطيات العولمة على نموذج الدولة المدنية النائينية تلك التي تربط الدولة بمنظومات اقتصادية ومالية ومعرفية تهيمن من خلال مؤسساتها الاقتصادية والمصرفية الدولية على حركة راس المال والتجارة العالمية وترسم نظاما للتعليم لا يستنسخ النظام الغربي ويفكر عميقا بتوقي ثقافه الاستهلاك ان هذه التحديات تركها النائيني للمفكرين المسلمين بعد عصره ورسم لها أصولا فكرية اساسية اهمها ان الامة هي المستقبل وهي المستخلفة من الله لأعمار الكون وإقامة العدل واحقاق الحق وتطبيق الحريات والحقوق المدنية وان لها السلطة العليا وان التسلسل السياسي الصحيح (الله، الامة، الحاكم المنتخب) وان الشورى البرلمانية نظام واجب وملزم وان للديمقراطية في فهم النائيني خصائص وسمات تختلف عن الديمقراطية الغربية المغايرة لاطروحه تنبيه الامه وتنزية المله

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

(حينما يتكرر السلوك يتحول إلى عادة، وحينما تترسخ العادة تتحول إلى ثقافة) ق.م.

بذهول شديد شاهدت فيديوهات لفتاتين احدهما يمنية القت بجسده الحي من سطع عمارة والدها في الدور الثامن بعد إن ترددت خوفا ورهبة من ذلك الفعل العنيف جدا الذي لا يجرؤ عليه إلا شخصا فقد الأمل بكل ممكنات الحياة؛ ارتمت في حوش العمارة الصخرة وانتهى كل شيء وفيديو، من الإسكندرية في مصر تظهر فيه سيدة تدعى بسنت سليمان وهي تنهي حياتها انتحارا في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ القت بنفسها من الدور الثالث عشر بعد إن ودعت العالم بالبث المباشر.

فما الذي دفع هاتين السيدتين إلى الانتحار بهذه الطريق الشديدة العنف؟

ولأنني لا اكتفي بمشاعر المؤمن تجاه المشاهد المروعة بل احاول النظر إلى الإسباب والعوامل التي جعلتها ممكنة فقد حاولت في دراسة سابقة فهم البنية الحقيقة التي تتطلع منها رؤوس الأفاعي! اقصد هذه الشرور الخطيرة على الاستقرار الاجتماعي وذلك بالنظر إلى العنف، لا بوصفه فعلاً طارئًا، بل بوصفه بنية عميقة تتسلل إلى الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل. فالعنف في مجتمعاتنا لم يعد مجرد رد فعل على ظروف استثنائية، بل صار نسقًا مستبطنًا، يتجدد عبر التربية واللغة والعلاقات اليومية، حتى أصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا وللعالم من حولنا إذ إن أكثر ما يبعث على القلق ليس مشاهد العنف الصادمة في ذاتها، بل ذلك الاعتياد البارد عليها، ذلك التآكل التدريجي في الحساسية الإنسانية الذي يجعل المأساة حدثًا عابرًا، والخبر الدامي مادة استهلاك يومي. حين تقف فتاة على حافة الحياة، مترددة بين القفز والتراجع، فإنها لا تواجه الموت وحدها، بل تواجه تاريخًا من القهر، وثقافةً ضاقت بها حتى لم تترك لها منفذًا سوى السقوط. تلك اللحظة ليست لحظة فردية، بل خلاصة مسار طويل من العنف المادي والرمزي الذي يطوق الإنسان منذ ولادته. واكثر تجليات هذا العنف المادي والرمز تتبدى بوضوح في العلاقة المختلة مع المرأة، حيث لا يبدأ العنف عند لحظة الاعتداء، بل قبل ذلك بكثير، منذ التكوين الأول، منذ اللحظة التي يُستقبل فيها الجنين بالدعاء المشروط: أن يكون ذكرًا لا أنثى. هنا، في هذه اللحظة الرمزية المبكرة، يتأسس أول شكل من أشكال العنف، حيث يُمنح الوجود نفسه قيمة متفاوتة، ويُختزل الكائن البشري في نوعه البيولوجي. ومنذ تلك اللحظة، تدخل الأنثى في مسار طويل من التمييز، يبدأ بالقلق المحيط بالأم، ويمتد إلى لحظة الميلاد حيث تتجلى المفارقة الفجة بين الاحتفاء بالذكر والحزن من قدوم الأنثى.

إن هذه الصدمة الأولى ليست عابرة، بل تؤسس لعلاقة مضطربة بين المرأة ووجودها ذاته. فهي تتعلم، منذ لحظاتها الأولى، أنها ليست موضع ترحيب كامل، وأن عليها أن تبرر وجودها في عالم لم يُصمم لها. وهنا يتخذ العنف شكله الأكثر خبثًا: الوأد الرمزي، حيث لا تُقتل الأنثى جسديًا، بل تُمحى تدريجيًا عبر التهميش والإقصاء والتقليل من القيمة. تُخفى، تُقيد، تُربى على الخوف، وتُحاصر بسلسلة من المحظورات التي تجعل حياتها فضاءً ضيقًا لا يتسع لحريتها.

ومع نموها، تتسع دائرة العنف وتتعقد. فالعنف لا يُمارس فقط بالضرب أو الإكراه، بل يُمارس أيضًا عبر المنع: منع من اللعب، من التعلم، من الاختيار، من الحلم. تُحرم من أبسط حقوقها في تقرير مصيرها، ويُعاد تشكيلها لتكون كائنًا تابعًا، خاضعًا لمنطق السيطرة الذكورية. وفي كثير من الحالات، تُدفع إلى الزواج المبكر، قبل أن تكتمل ملامح وعيها، وكأن حياتها مشروع يُدار من الخارج لا تجربة تُعاش من الداخل.

هكذا يبدا العنف ضد النساء في مجتمعنا من لحظة الأخصاب الاولى إذ الأم الحامل في حالة قلق وتوتر طوال مدة حملها بشأن هذا الكائن الذي بدأ يتحرك في رحمها! خشية من غضب الزوج وذويه، ولا يزول القلق إلا في لحظة الولادة، حيث يبلغ التمييز أوجه، بانشراح الأسارير وإطلاق الزغاريد بالقادم الجديد إذا كان ذكرًا، بينما تعبس الوجوه وتذرف الدموع ويعم الحزن والغضب والتجهم إذا كان المولد الجديد أنثى، وبهذا تواجه الأنثى منذ لحظة ميلادها أول صدمة عنيفة في حياتها، صدمة تتمثل برفض المجتمع لوجودها بوصفها كائنًا غير مرحب به، ولا بد من وأدها بالمهد، كما كان يفعل العرب قبل الإسلام، غير أن العقلية الذكورية المهيمنة ابتكرت طرقًا شتى لممارسة وأد البنات بعد الإسلام الذي حرمه؛ الوأد الرمزي، إذ يتم وأد الجنين الأنثى بعدم الترحيب بميلادها وبإخفاء خبر مجيئها، بعكس المولود الذكر الذي يعد ميلاده في العائلة العربية موسم احتفال مستمر منذ الصرخة الأولى والختان والتهاني والهدايا والزيارات التي تستمر مدة أربعين يومًا وأكثر! منذ ذلك الحين يتم وأد أنثى الإنسان بالمزيد من الإخفاء عبر التمييز الجنوسي باختيار الملابس والألعاب، والإهمال، والقسوة في التربية، والتحقير والتخجيل من جميع أفراد العائلة، ومن ثم الحرمان من اللعب الحر في الشارع والفضاء العام كما هو حاصل في بعض الدول العربية الأشد تخلفًا، والتي تحرم على البنات الخروج للعب في الشارع والكلام مع الغرباء، والحرمان من التعليم، وإجبار الفتيات على البقاء في البيت حتى يأتي العريس الذي يتم تدبير أمره برغبة أهلها دون علمها وبغير إرادتها، قبل بلوغها سن النضج، وقد شهدت اليمن ودول الخليج حالات لا تحصى من زواج الصغيرات، وبعضهن يتم ربطهن منذ الولادة في ما يعرف بزواج المبادلة وهذا التمييز ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو بنية ثقافية متكاملة، تتغذى من العادات والتقاليد والتفسيرات المشوهة للدين، وتعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال. فالأم التي عانت من القهر قد تعيد إنتاجه على ابنتها، ليس بدافع القسوة، بل بوصفه “الطبيعي” الذي لا يمكن تغييره. وهكذا يتحول العنف إلى ميراث غير مكتوب، ينتقل من جيل إلى آخر، ويترسخ كجزء من “الهابيتوس” الاجتماعي، أي ذلك النسق من الاستعدادات الذهنية والسلوكية التي تحدد كيف نفكر ونشعر ونتصرف.

ولا يقف الأمر عند حدود الأسرة، بل يمتد إلى كل مجالات الحياة. فالمرأة تواجه عنفًا اقتصاديًا بحرمانها من العمل أو الاستقلال المالي، وعنفًا سياسيًا بإقصائها عن مراكز القرار، وعنفًا قانونيًا عبر تشريعات تنتقص من حقوقها، وعنفًا أخلاقيًا في النظرة التي تختزلها في جسد أو موضوع رغبة. وفي الفضاء العام، تصبح عرضة للتحرش والملاحقة، دون حماية كافية، وكأن المجتمع بأسره يشارك، بصمت أو بفعل، في تكريس هذا الوضع.

إن أخطر ما في هذا الواقع هو أنه لا يُنظر إليه دائمًا بوصفه ظلمًا، بل يُبرر أحيانًا باسم “الخصوصية الثقافية” أو “التقاليد”. وهنا يتجلى العنف الرمزي بأوضح صوره، حيث يتم تحويل القهر إلى قيمة، والتمييز إلى نظام طبيعي، والمساواة إلى تهديد. وهذا ما يجعل مقاومة العنف أكثر تعقيدًا، لأنها لا تتطلب فقط تغيير السلوك، بل تغيير البنية الفكرية التي تشرعنه.

غير أن نتائج هذا العنف لا تتوقف عند النساء وحدهن، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فالمرأة المقهورة لا تستطيع أن تكون مصدر أمان، والطفل الذي ينشأ في بيئة مشبعة بالخوف والإهانة يحمل داخله بذور اضطراب عميق. وهكذا يتشكل جيل يعيد إنتاج العنف، لا لأنه يريده، بل لأنه لم يعرف غيره. ومع كل جيل جديد، تتعمق الأزمة، ويصبح الخروج منها أكثر صعوبة.

إن المجتمعات التي تهمش نساءها تدمر نفسها ببطء. فهي تحرم نصف طاقتها البشرية من الإسهام، وتفقد توازنها الأخلاقي، وتنتج علاقات مشوهة قائمة على الهيمنة لا على الشراكة. لذلك فإن وضع المرأة ليس قضية هامشية، بل هو مؤشر حاسم على مستوى التحضر الإنساني. فحيث تُحترم المرأة، يُحترم الإنسان؛ وحيث تُهان، يُهان الجميع.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن بعض الجهود الإصلاحية قد بدأت تظهر في عدد من الدول، عبر سياسات تمكين وتشريعات أكثر عدالة. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل محدودة ما لم تترافق مع تحول ثقافي عميق. فالدولة قد تشرع القوانين، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير العقول. وهذا يتطلب انخراطًا واسعًا من المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، لإعادة بناء الوعي على أسس جديدة.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا يظل مطروحًا في السياقات المنهارة، حيث تغيب الدولة نفسها، كما هو الحال في بعض البلدان التي أنهكتها الحروب. في هذه البيئات، تصبح المرأة أكثر عرضة لكل أشكال العنف، دون أي شبكات حماية حقيقية. وهنا يتضاعف التحدي، لأن مواجهة العنف لا تتطلب فقط إصلاح الثقافة، بل إعادة بناء الدولة ذاتها. فنقد الصور النمطية للعنف ضد المرأة والتنوير بأهمية دور المرأة في التنمية المستدامة لا يكفي لوحده، بل لا بد من اتخاذ خطوات عملية ملموسة في واقع الممارسة الحياتية، خطوات تشريعية وسياسية ومؤسسية واضحة في منح المرأة المكانة المستحقة.

إن العنف، حين يتحول إلى ثقافة، يصبح أشبه بمرض مزمن يتغلغل في كل خلايا المجتمع. لا يظهر فقط في الحروب والجرائم، بل في التفاصيل اليومية الصغيرة: في الكلمات، في النظرات، في طرق التربية، في ما نعتبره عاديًا أو مقبولًا. ومع الزمن، يفقد الناس قدرتهم على تخيل عالم مختلف، ويصبح العنف قدرًا لا مفر منه لكن هذا القدر ليس حتميًا. فكما صُنع العنف، يمكن تفكيكه. غير أن ذلك يتطلب شجاعة فكرية وأخلاقية، تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، وتمر بنقد جذري للذات، وتنتهي بإعادة بناء منظومة القيم. ويتطلب أيضًا إعادة الاعتبار للإنسان كغاية لا وسيلة، وللكرامة كقيمة لا تقبل المساومة.

وفي قلب هذه المعركة، تظل قضية المرأة مركزية، لأنها تمثل نقطة التقاطع بين كل أشكال العنف: الجسدي والرمزي، الفردي والمؤسسي، الخاص والعام. وحمايتها ليست فقط واجبًا أخلاقيًا، بل شرطًا لبقاء المجتمع نفسه. لأن مجتمعًا يعجز عن حماية أضعف أفراده، إنما يعلن، بطريقة غير مباشرة، عجزه عن حماية ذاته.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نستطيع كسر هذه الحلقة؟ هل يمكن لمجتمع تشرب العنف لعقود أن يعيد اكتشاف إنسانيته؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من إدراك حقيقة أساسية: أن أخطر ما في العنف ليس ما يفعله بنا، بل ما يجعلنا نصبحه. وحين نصل إلى هذه النقطة، يصبح الصمت مشاركة، والتبرير جريمة، ويغدو التغيير، مهما بدا صعبًا، ضرورة لا خيارًا لأن كل ما في هذا العالم، مهما تضخم، لا يساوي لحظة كرامة مهدورة، ولا دمعة فجيعة في عيني طفلة.

***

أ. د. قاسم المحبشي - استاذ فلسفة التاريخ والحضارة مقيم في هولندا

 

في البديهيات المعرفية، يُفترض أن السؤال هو الجسر الذي نعبره نحو ضفة الإجابة، أو الكشاف الذي يزيح عتمة المجهول. لكن في أروقة الفلسفة المعاصرة، حدث انزياح ملحوظ؛ إذ استحال السؤال من أداة للاستكشاف إلى غاية قائمة بذاتها في بعض الخطابات. قرأت قبل عدة أيام مقالًا في صحيفة المثقف يمجّد السؤال ويبرره لذاته. ولا أخفي عليكم أنني كثيرًا ما كنت سابقًا أتباهى بعشقي للسؤال واعتباره دليلًا على فكر عميق أتمتع به. هنا يبرز عشق السؤال كظاهرة إشكالية، حيث يُطرح السؤال بهدف "التنكيش" في ركام المنظومات السابقة، ووضع اليقين التاريخي على محك الهز، دون التزام واضح بتقديم بديل معرفي متماسك. وهذا ما يجعل عملية الهز هي الغاية. إن الفيلسوف الذي يتبنى تأليه السؤال ينطلق من بديهية متناقضة: فهو يشكك في كل المبادئ إلا في قدسية سؤاله، ويرفض كل المسلمات إلا مسلمة أن الحقيقة غائبة بالضرورة. هذا الاستعلاء المنهجي يحول الفلسفة إلى رياضة ذهنية قد تصبح تخريبية؛ فالسؤال هنا لا يهدف إلى البناء، بقدر ما يهدف إلى زعزعة الاستقرار المعرفي دون تحديد أفق بديل. إنهم يعشقون السؤال الذي لا إجابة له، ويدّعون أن اللا جواب هو أرقى مراتب الوعي، بينما هو في الحقيقة قد يكون هروبًا من المسؤولية الأخلاقية والمنطقية التي تفرضها الإجابة. فكل إجابة هي التزام، وكل سؤال مفتوح قد يتحول إلى سيولة تعفي السائل من تقديم البديل.

بتطبيق "التفكير الضوئي"، نكتشف أن هذا المسار يعاني من "عتمة الغاية". الضوء الفلسفي هنا مسلط فقط على الآخر (المنظومات السابقة) لكشف عيوبها، بينما يظل السؤال نفسه ومشروعيته أو هدفه غير المفحوص قابعًا في العتمة، وبعيدًا عن أي نقد ذاتي. الفيلسوف الذي يقدس السؤال لذاته قد يمارس نمطًا من العدمية المنهجية؛ فهو يثقب قاع السفينة (المنظومات الاجتماعية والفكرية السابقة) بدعوى استكشاف ماهية الماء، دون أن يدرك أن الغرق هو الثمن. إن تحويل العقل إلى مطحنة للأسئلة دون نتاج معرفي صلب يؤدي إلى التيه المعرفي، حيث يُطرد اليقين لصالح شك لا ينتهي، ويُصنّف البحث عن الحقيقة كنوع من السذاجة الفكرية. هذا النمط من الفكر يرى في المنظومة تقييدًا للفكر الحر، وفي الإجابة نهاية للإبداع، ولذلك يفضل البقاء في المنطقة الرمادية بدل الانتقال إلى صياغات أكثر دقة.

لكن الحقيقة التي يجب استرداد ضوئها هي أن السؤال الذي ينفصل عن غاية الوصول يتحول من كشاف للضوء إلى آلة لتدمير المنجزات البشرية. إن القدرة التخريبية عند عشاق السؤال والتي تتباهى بصناعة الأسئلة لا تخدم الحقيقة، لأنها تطبق الشك بشكل انتقائي وتتجاهله في مواضع أخرى. هي ببساطة تخدم الأنا المتضخمة للمثقف الذي يريد أن يبقى سيدًا للهدم دون وازع للبناء. إن استعادة توازن العقل تقتضي الاعتراف بأن الإجابة القابلة للفحص والتصحيح هي غاية مرحلية ضرورية، وأن السؤال وسيلة شريفة لا تكتمل كرامتها إلا بالوصول. وليس غاية في حد ذاته يتم السعي إليها بهدف إنتاج أسئلة بلا أجوبة. السؤال الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة التوقف أمام الحقيقة عندما تلوح، وهو الذي يحترم التراكمات اليقينية للبشرية، بدل أن يهزأ منها، لأن التجربة الفكرية ليست بالضرورة تصاعدية خطية، ومن يقبع في مرحلة وعي مختلفة ليس بالضرورة ساذجًا أو متخلفًا؛ فقد تكون الحركة المعرفية نفسها قد أعادت إنتاج أسئلة سبق تجاوزها.

لقد حان الوقت لإعادة ضبط الفلسفة التي تعشق الحيرة، لتتجه نحو فكر يرى في الإجابة محطة ضرورية، وفي العقل أداة لصناعة المعنى، لا لصناعة الفراغ تحت غطاء "عشق السؤال.

***

الكاتب نبيل عيدو

 

ليس هناك ما هو اخطر على مجتمع من أن يتوهم أنه يتعلم، بينما هي في الحقيقة يعيد إنتاج الأمية بطريقة أكثر تنظيما واناقة. فتردي التعليم لا يبدأ بانهيار جدران المدرسة، أو بنقص عدد القاعات الدراسية، بل يبدأ عندما يصبح المقرر الدراسي نص يجب حفظه، والدروس روتين تنفذ، والشهادة هدفًا بحد ذاتها. عندها لا ينهار التعليم مباشرة، بل يتلاشى معناه يوما بعد يوم.

ويرى ابو حيان التوحيدي أن "خراب المعنى يحدث حين تنفصل الألفاظ عن الحقائق، ويغدو القول بلا روح، والعلم بلا حكمة". وإذا نقلنا هذا المفهوم إلى الواقع التعليمي، فاننا نجد أن تدهور التعليم ليست الا امتدادا ممنهجا لخراب المعنى.

ففي نمط التعليم القائم على الحفظ، يحفظ الطالب التعريف دون ان يفهم سياقه، ويردد النظرية دون ان يختبرها، ويكتب الجواب النموذجي دون ان ينتج سؤالا، وهنا تنفصل المعلومة عن التجربة، وتتحول المعرفة الى الفاظ محفوظة، وكما وصفها التوحيدي: انفصال اللفظ عن الحقيقة، فيصبح الدرس كلاما محفوظا، لا حدثا معرفيا.

والمنهج الدراسي في اغلب مؤسسات التعليم التقليدي لا يبنى على سؤال: كيف تفكر؟ بل على سؤال: كم تحفظ؟ تُخزن المعلومات، وتُختزل المفاهيم في اوراق كثيرة، ويُختصر التعلم في القدرة على استرجاع ما قيل. حينها يصبح الكتاب حاوية للكمّ لا وعاء للمعنى، ويتحول الامتحان الى اختباراً للحفظ، بدلاً من أن يكون معيارا للفهم. وهكذا يغدو التعليم الى وسيلة للاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة حتى يأتي وقت الامتحان، وبمجرد انتهاء هذا الامتحان، تتلاشى غالبية ما تم حفظه، لأن المعرفة التي لم تفهم لا تستقر في الذهن.

اما اسلوب التدريس التقليدي فيعيد تشكيل علاقة فوقية بين المعلم والمتعلم: المدرس يشرح، والطالب يستمع؛ المدرس يسال، والطالب يجيب، ولا حوار فعلي، ولا مناقشة معرفية، ولا مساحة للشك البناء للنقد. فعندها يتحول التعليم من فضاء للمعنى الى فضاء للامتثال؛ فالمعنى لا يولد من تلقين او حفظ الجواب الجاهز، بل من اثارة السوال والتفكير. وهكذا تختزل عملية التعليم في اتجاه احادي، ويختزل المتعلم في دوره التلقي. ومع الزمن، يتربى المتعلم على طاعة الافكار اكثر مما يتدرب على مناقشتها، فننتج عقل يتقن تدوير الاجابة ولا يجيد طرح الاسئلة.

وعندما يخشى المتعلم من طرح السؤال، يضعف التفكير الناقد؛ اذا لا ينشأ هذا التفكير في بيئة تكافئ الجواب النموذجي الجاهز، وتحاسب على الاختلاف. فاذا كان الامتثال هو الطريق الى النجاح، والمطابقة هو معيار التفوق، فأن روح المحاولة تذوب ويصبح السؤال خروجا عن المالوف لا بحثا مشروعا عن المعنى. في مثل هذا المناخ التربوي، ولا يكافئ المتعلم على التسائل ولا على الاجتهاد، بل يصبح سؤاله تهديدا للنظام الصفي.

والمفارقة المؤسفة أن تدهور التعليم يرتبط احيانا بزيادة كبيرة في عدد الشهادات، تزداد الجامعات، ويتوسع قبول الطلاب في كليات دون معايير حقيقية، وتتوسع برامج الدراسات العليا، وتمنح الألقاب الأكاديمية بشكل مفرط. لكن السؤال الحقيقي يبقى معلقا: اين الاثر المعرفي؟ اين الاضافة البحثية؟ اين الاثر الاقتصادي والصناعي لهذا الانتاج الاكاديمي؟ وعندما تتحول الشهادة إلى أداة للمكانة الاجتماعية أو للترقية في العمل فقط، تفقد معناها الحقيقي او قيمتها العلمية، ويغدو اللقب العلمي من كونه مسؤولية معرفية كبرى إلى مجرد زينة لفظية، عندها نجد أنفسنا أمام تناقض مؤلم: كثرة الألقاب، وقلة في الانتاج والابداع.

الجامعة، في حالتها المثالية، بيئة لانتاج المعرفة، لا مجرد وسيلة لنقلها، لكن عندما يتم إعادة صياغة البحث، ويتكرر تناول الموضوع، وتُكتب الاطاريح والرسائل من أجل تلبية متطلبات شكلية، هنا تفقد المؤسسة مكانتها التاريخية العريقة. وتتحول الجامعة إلى مجرد مكان لمنح الشهادات، وليست منتجة للأفكار والحلول المناسبة للمشكلات، لان المعرفة موجودة في النصوص الكتابية لكنها مفقودة في الواقع، والبحوث مركونة على الرفوف لكن اثرها غير موجود في السياسة والاقتصاد والصناعة.

ولفهم الفارق بشكل اوضح، نستطيع ان ننظر الى تجارب تعليمية مختلفة، ففي التعليم البريطاني من حيث المناهج واساليب التدريس، نلاحظ التعليم يميل بوضوح الى الحوار والتحليل، لا سيما في مراحل الدراسية العليا. ففي جامعات عريقة مثل اكسفورد او كامبريدج او هارفرد او ملبورن والخ، يقوم نظام الاشراف الفردي Tutorial سواء في تعلم اللغة الانجليزية او المواد الدراسية على توجه الطالب لكتابة مقال تحليلي فصلي ويناقش مع الاستاذ. ولا يقتصر التقييم على امتحان نهائي، بل يشمل مقالات تحليلية فصلية واوراق بحثية ومشاريع عملية. صحيح ان ثمة صعوبات، مثل الضغوط المعيارية وجدل واسع حول "تسليع" التعليم وزيادة الرسوم الدراسية، الا ان ثقافة الحفظ ليست هي السائدة، بل تعد الكتابة النقدية والتحليل والاستنتاج ركن اساسي في البناء المؤسسي التعليمي.

اما في الولايات المتحدة الامريكية، فالتعليم في الجامعات البحثية، يقوم على المشاريع والبحث العلمي التطبيقي، ويشارك المتعلم في المختبرات والابحاث الميدانية والنقاشات الصفية، مع ارتباط واضح بين الجامعة وسوق العمل والاقتصاد المعرفي، مما يعزز وجود البحث العلمي في الصناعة والابتكار. ومع وجود عدم تكافئ مناطقي في جودة التعليم، ونقد متزايد لنزعة بعض الجامعات الربحية، ورغم ازمة الديون الدراسة للطلاب، تبقى العلاقة بين البحث والابتكار الصناعي قوية.

وفي استراليا، يقترب التعليم من النموذج البريطاني، مع التركيز على مهارات التفكير العليا مثل التحليل والتقويم والابداع، وربط وثيق بين التعليم والبحوث التطبيقية في العلوم والهندسة والطب والعلوم الانسانية. غير ان صعوبات تمويل الجامعة تعتمد بشكل كبير على الطلبة الدوليين، مما يثير تساؤلات حول استدامة التمويل واستقرار السياسة التعليمية.

فأن ازمة التعليم تتخذ اشكال مختلفة بحسب السياسة والاقتصاد وفلسفة المنهج واساليب التقييم ومستوى التمويل ومهارات المعلم وعلاقة الجامعة بسوق العمل لكل مجتمع. وتستند كثير من انظمة التعليم التلقيني الى نمط سلوكي في التعلم بالتركز على الجواب اكثر من بناء الفهم، مما يبقي الطالب في ادنى مستويات هرم بلوم المعرفي (التذكر) دون انتقال فعلي الى التحليل والتقويم والابداع. ففي نموذج الحفظ تهيمن ثقافة التلقين والامتثال، بينما في نظام التعلم القائم على المشاريع تبرز اشكالية تسليع المعرفة وضغط السوق. غير ان كلا السياقان يواجهان تحدي مشترك يرتبط بعلاقة المعرفة بالمعنى. ويتضح أن الفارق لا يكمن في المحتوى فحسب، بل في الفلسفة التربوية التي يقوم عليها ذالك المنهج.

والمنهج في التعليم التلقيني يبنى حول المحتوى المطلوب حفظه، بينما في النظام المعرفي - البنائي يبنى حول المهارة المطلوب اكتسابها. ففي الاول، يكون المعلم محور العملية التعليمية، بينما في الثاني، يكون المتعلم ليس مجرد محور عملية التعلم، بل شريك في انتاج المعرفة. وكما يكافئ المتعلم في البناء المعرفي على طرح السؤال والنقاش، في حين ينظر الى السؤال في منهج الحفظ بوصفه خروج عن النص. وتعاني بعض الانظمة التعليمية من تضخم في اعداد الحاصلين على الشهادات دون ان يقابله زيادة في الانتاج المعرفي والاقتصادي. بينما ينبغي ان يرتبط الترقي العلمي في التعليم على القائم على المشاريع وحل المشكلات وغالبا بالنشر العلمي في المجلات العلمية الرصينة والحصول على تمويل مالي بحثي.

اذن ما الحل؟ اصلاح التعليم لا يقتصر على تغيير كتاب او منهج دراسي او وسيلة تعليمية، بل يتطلب تحولا في الفلسفة التربوية نفسها، ونحتاج الى مناهج تزيد من قيمة السؤال والحوار والشك قبل تقديم الجواب الجاهز، بمعنى الانتقال من "ثقافة الجواب الجاهز الى ثقافة السؤال"، والى بيئات تعليم تفتح مكان للنقاش والنقد بدل الاكتفاء بالالقاء والشرح. وكما يجب ان يقيس التقويم القدرة على الفهم والتحليل والاستنتاج، لا الحفظ والاسترجاع للمعلومات. ولابد من ثقافة تربوية تربط الالقاب العلمية بالانتاج المعرفي الحقيقي، لا بالمدة الزمنية. وكما يستدعي الاصلاح اعداد وتأهيل المعلم ليصبح موجه ومحفز على التفكير، لا ناقلا للمعرفة.

أن الاشكالية ليست في كثرة الاوراق والمعلومات، بل في غياب المعنى الحقيقي للتعلم الذي يمنحنا قيمة وفاعلية. فأذا استمر التعليم بشكله الحالي كوظيفة شكلية بلا وظيفة معرفية، فلن نكون امام مشكلة تعليم فقط، بل امام ازمة حضارية. فتراجع التعليم لا يحدث فجأة، بل هو عملية صامتة تتسلل الى الصفوف الدراسية، فتجعل المعلومة بلا معنى، والاوراق بلا اثر. وحين يموت المعنى الحقيقي في المدرسة، يبدأ المجتمع بضياع بوصلته، فاما أن نعيد للمعرفة معناها، او ان نمضي في انتاج اوراق مختومة وعقولا خالية من الحوار.

والفارق ليس في وجود ازمة، بل في طبيعتها: ازمة فلسفة تعليم ومهارة من جهة، وازمة ادارة وضغط سوق من جهة اخرى. فالتعليم الذي لا يعكس اثره خارج جدران المدرسة يبقى تعليما شكليا مهما تزايدت ارقامه او اعداده. وأن اعادة الاعتبار للمعنى في عملية التعليم تعني بناء مناخ يشجع على الحوار ويحترم النقد، ويربط المعرفة بالحياة، لا بالورقة الامتحانية وحدها، وفي حينها يتحدد مستقبلنا المعرفي ومكانتنا في العالم. 

***

علاء جواد كاظم

من يوبا الثاني إلى أوغسطين

يُعدّ التواجد الروماني في شمال إفريقيا من أكثر القضايا التاريخية إثارة للجدل، إذ يطرح إشكالية فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة هذا الحضور، ما إن كان احتلالا واغتصابا للأرض، أم تعميرا حضاريا يمكن الاعتزاز به؟ وتتفرّع عن هذه الإشكالية تساؤلات أكثر تعقيدا حين نتناول شخصيات عاشت في ظلّ هذا الواقع، مثل الفيلسوف أوغسطين ويوبا الثاني، حيث يبدو الحكم عليها متأرجحا بين التبعية والإبداع، وبين الخيانة والمرونة. فكيف يمكن فهم هذه الظواهر دون الوقوع في أحكام تبسيطية؟

هناك من يرى أن التواجد الروماني لم يكن سوى شكل من أشكال الاحتلال الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية بالقوة، حيث خضعت شعوب المنطقة لسلطة أجنبية، وتم توجيه خيرات الأرض لخدمة المركز الإمبراطوري، كما فُرضت أنماط ثقافية ولغوية غريبة عن السكان الأصليين. ومن هذا المنظور، فإن الآثار الرومانية لا تعكس ازدهارا محليا بقدر ما تمثّل شاهدا على الهيمنة، كما أن الشخصيات التي برزت في تلك المرحلة، ومن بينها أوغسطين، يمكن اعتبارها امتداد لهذا النفوذ الثقافي، خاصة وأنه كتب باللاتينية وتأثر بالفلسفة الرومانية. أما يوبا الثاني، فيُنظر إليه هنا كحاكم نشأ في كنف روما وعاد ليحكم تحت سلطتها، مما يجعله في نظر هذا الاتجاه أقرب إلى الخضوع السياسي منه إلى الاستقلال، بل وقد يصل الحكم إلى اعتباره خيانة للانتماء المحلي، وهاك من اعتبرها خيانة لعهد والده يوبا الاول الذي قتل وهو يذود عن ارضه .

غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يعكس الصورة الكاملة، إذ يذهب اتجاه ثان إلى أن التواجد الروماني حمل معه مظاهر تعمير حضاري لا يمكن إنكارها، تمثلت في بناء المدن، وتنظيم الإدارة، وإدخال قوانين وهياكل ساهمت في تطوير الحياة العامة، وربطت المنطقة بمجال حضاري أوسع. ووفق هذا التصور، فإن الآثار الرومانية تعد تراثا إنسانيا عالميا يمكن الاعتزاز به، لا بوصفه تعبيرا عن الخضوع، بل باعتباره دليلا على انخراط هذه الأرض في مسار حضاري متنوع. وفي هذا السياق، يُنظر إلى أوغسطين كابن لهذه الأرض استطاع أن ينتج فكرا إنسانيا عميقا تجاوز حدود زمانه ومكانه، بينما يُفهم يوبا الثاني كشخصية سياسية مثقفة سعت إلى تحقيق التوازن بين الانتماء المحلي والواقع الدولي، فعمل على تطوير مملكته وجعل من عاصمته موريطانيا قيصرية مركزا للإشعاع الثقافي.

غير أن الحقيقة الفلسفية لا تكمن في الانحياز المطلق لأي من هذين الموقفين، بل في تجاوزهما نحو رؤية تركيبية أكثر عمقا، ذلك أن التواجد الروماني كان في بدايته احتلالا قائما على القوة، لكنه مع مرور الزمن تحول إلى فضاء تفاعل حضاري معقد، امتزجت فيه العناصر المحلية بالوافدة، فنتجت عنه أشكال جديدة من الثقافة والفكر. وفي هذا الإطار، لا يمكن اختزال أوغسطين في كونه مجرد تابع لروما، ولا يوبا الثاني في كونه خائنا أو أداة، بل ينبغي فهمهما كنموذجين للإنسان الذي يتحرك داخل شروط تاريخية محددة، فيُبدع ضمنها ويعيد تشكيلها. فأوغسطين يجسد التفاعل الفكري العميق الذي يجعل من الهوية بناء مفتوحا، ويوبا الثاني يمثل الذكاء السياسي الذي يحوّل التبعية إلى مجال للفعل والتأثير بدل الاستسلام السلبي.

وعليه، فإن قراءة هذه المرحلة من التاريخ تقتضي تجاوز الأحكام الأخلاقية المبسطة، نحو فهم نقدي يعترف بأن التاريخ ليس صراعا ثنائيا بين خير وشر، بل هو شبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات. ومن ثم، فإننا لا نعتز بالاحتلال في حد ذاته، لكننا لا ننكر ما خلّفه من آثار أصبحت جزءا من ذاكرتنا، ولا نرفض شخصيات نشأت في ظله، بل نفهمها في سياقها، حيث تتحول المرونة إلى قوة، والتفاعل إلى إبداع، وبذلك نبني وعيا تاريخيا متوازنا يدرك أن الهوية ليست نقية ولا جامدة، بل هي حصيلة تراكمات متعددة صنعت ما نحن عليه اليوم.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

في السجال العربي المعاصر، تبدو العلمانية وكأنها كلمة ملغومة اكثر من كونها مفهوما قابلا للفهم. تستدعى في النقاش العام، اما بوصفها خلاصا نهائيا من التطرف الديني، او باعتبارها تهديدا مباشرا لهوية المجتمع وقيمه الروحية. هذا الاستقطاب الحاد لا يعكس قوة الفكرة بقدر ما يكشف هشاشة مقاربتنا لها ذ يتم التعامل مع العلمانية كحكم جاهز، لا كاشكالية فلسفية وسياسية معقدة تستحق التفكيك. السؤال الاكثر دقة ليس: هل نحن مع العلمانية ام ضدها؟ بل: هل تمثل العلمانية حيادا حقيقيا للدولة، ام انها قد تنزلق في بعض تطبيقاتها الى شكل من اشكال الاقصاء المقنع؟

العلمانية في معناها النظري تقوم على مبدأين اساسيين: فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، وضمان حرية الاعتقاد لجميع الافراد. بهذا المعنى، تبدو اقرب الى اطار قانوني ينظم العلاقة بين الدين والدولة، لا مشروعا فكريا يهدف الى الغاء الدين. غير ان الاشكال يبدأ حين يتحول هذا الاطار الى ايديولوجيا صلبة، تعيد تعريف المجال العام بطريقة تقصي كل ما هو ديني، لا فقط ما هو سلطوي. لذلك، يجب التمييز بين مستويين من العلمانية: مستوى اجرائي هدفه تنظيم التعدد الديني ومنع الاحتكار، ومستوى ايديولوجي يسعى الى اعادة تشكيل المجتمع وفق تصور غير ديني للحياة. المشكلة في الواقع العربي ان النقاش غالبا ما يخلط بين هذين المستويين، فيتم رفض الاول بسبب الخوف من الثاني.

نشأت العلمانية في واقع تاريخي خاص، حيث كانت المؤسسة الدينية تملك سلطة واسعة على السياسة والعلم والحياة اليومية لذلك كان الفصل بين الدين والدولة خطوة تحررية. لكن هذا الواقع لا يتطابق تماما مع واقع المجتمعات العربية، حيث لم تكن العلاقة بين الدين والسياسة دائما على نفس النمط. حين يتم استيراد العلمانية كنموذج جاهز دون اعادة تأويلها، تتحول من حل الى مشكلة ،اذ يشعر المجتمع ان الفكرة لا تنبع من داخله، بل تفرض عليه من خارج تجربته التاريخية. وهنا يبدأ الرفض، لا للدولة المحايدة، بل لفكرة القطيعة مع الذات. الاشكالية، اذن، ليست في العلمانية ذاتها، بل في طريقة نقلها: هل هي ترجمة حرفية ام تكييف نقدي؟

الحياد، نظريا، يعني ان الدولة لا تفضل دينا على اخر، ولا تفرض معتقدا بعينه؛ لكن في الواقع، هذا الحياد ليس دائما بسيطا. فالدولة، حتى وهي تدعي الحياد، تنتج سياسات ثقافية وتعليمية وقانونية تعكس تصورا معينا للحياة. عندما تمنع الدولة الرموز الدينية في الفضاء العام، هل تمارس حيادا ام تفرض تصورا علمانيا محددا؟ وعندما تسمح بحضور الدين في التشريع، هل تحترم هوية المجتمع ام تفتح الباب لهيمنة دينية؟ هذا التوتر يكشف ان الحياد ليس وضعا ثابتا، بل عملية توازن مستمرة، وقد يتحول، اذا لم يدار بحساسية، الى شكل من اشكال الاقصاء الناعم. جزء كبير من الاشكالية يعود الى الخلط بين الدين كايمان فردي، والدين كاداة سلطة. فالدين في جوهره تجربة روحية واخلاقية، لكنه قد يتحول في المجال السياسي الى وسيلة للهيمنة. عندما يدخل الدين الى السياسة، يكتسب صفة الالزام، ويتحول من خيار الى معيار؛ وهنا تظهر مخاطر الاقصاء، حيث قد يعتبر من لا ينتمي الى هذا الاطار خارج الجماعة او اقل شرعية. وفي المقابل، فان اقصاء الدين بالكامل من المجال العام لا يحل المشكلة، بل ينقلها الى مستوى اخر؛ اذ يشعر المتدين ان هويته يتم نزعها من الفضاء المشترك، وان الدولة تعيد تعريفه كمواطن ناقص الحضور.

الاقصاء لا يحدث فقط حين يمنع الدين، بل ايضا حين يفرض؛ لذلك يجب توسيع مفهوم الاقصاء ليشمل حالتين: اقصاء ديني، حين تهيمن قراءة دينية واحدة على الدولة، واقصاء علماني متشدد، حين يتم تهميش كل تعبير ديني من المجال العام. في الحالتين، النتيجة واحدة: تقليص التعدد، وتحويل الاختلاف الى مشكلة بدل ان يكون مصدر غنى. في المجتمعات العربية، لا يمكن فهم العلمانية بمعزل عن الدين؛ لان الدين ليس مجرد مؤسسة، بل مكون اساسي للهوية. لذلك، فان اي مشروع يفصل بينهما بشكل جذري قد يفهم كفصل بين الانسان وذاته. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل ان تسييس الدين ادى في كثير من الحالات الى صراعات حادة، والى تبرير العنف او الاقصاء. نحن، اذن، امام معادلة صعبة: لا يمكن الغاء الدين من المجال العام، ولا يمكن تركه يتحكم في الدولة.

الطرح التقدمي لا يقوم على اختيار احد الطرفين، بل على اعادة صياغة العلاقة بينهما عبر تمييز وظيفي، لا قطيعة عدائية؛ حيث يوجه الدين القيم، وتنظم الدولة الحقوق. كما يقوم على حماية الحرية الفردية، سواء في الايمان او عدمه، دون وصاية من الدولة او الجماعة؛ وعلى الاعتراف بالتعدد باعتباره واقعا يجب تنظيمه، لا مشكلة يجب القضاء عليها؛ وعلى منع احتكار الحقيقة، لا من قبل رجال الدين، ولا من قبل النخب العلمانية؛ وعلى بناء علمانية مرنة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع، بدل فرض نموذج واحد. بدل ان تطرح العلاقة بين العلمانية والدين كصراع صفري، يمكن اعادة تصورها كعلاقة تفاعل؛ فالدين يمكن ان يساهم في اثراء القيم الاخلاقية، والعلمانية يمكن ان توفر الاطار الذي يحمي هذا التنوع من التحول الى صراع. المشكلة ليست في وجود الدين او غيابه، بل في كيفية ادارته داخل المجال العام؛ وكذلك ليست في العلمانية كفكرة، بل في طريقة تطبيقها. لا يمكن اختزال الاشكالية في حكم بسيط؛ فالعلمانية ليست حيادا مطلقا، كما انها ليست بالضرورة اقصاء، بل هي اداة يمكن ان تستخدم لتحقيق العدالة او لفرض رؤية معينة.

السؤال الحقيقي الذي يجب ان نطرحه هو: كيف نبني نموذجا يضمن حرية الافراد، ويحترم هوية المجتمع، دون ان يتحول اي منهما الى اداة اقصاء؟ هذا السؤال لا يملك اجابة نهائية، لكنه يفرض علينا الانتقال من منطق الشعارات الى منطق التفكير النقدي؛ وربما في هذا الانتقال يكمن المعنى الحقيقي لاي طرح تقدمي.

***

زكريا - نمر

 

الحياة والموت كلاهما يحتاج شجاعة.. لذا قررت الهجرة وغادرت طوعا إلى ما وراء الإنسان..

اعتقد ان المرء ينتحر لا لأنه يريد أن يموت ولكن لأنه ميت بالفعل.. إنها شده الوعي بقساوة العالم. المنتحر ليس جبانا كما يروج، بل هو كائن بلغ حافة الشعور، وانهارت لديه المسافة بين الألم والوعي.. فبعض البشر لا يموتون حين يتوقف قلبهم، بل يموتون قبل ذلك بكثير.. حين يخذلون، حين يهانون، حين يتركون وحدهم في مواجهة قسوة العالم.. وفي هذا السياق، يصبح الانتحار سؤالا أخلاقيا موجها إلى المجتمع قبل أن يكون فعلا فرديا.

إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ينتحر الإنسان؟ بل: كيف وصل إلى درجة صار فيها العدم أكثر رحمة من الوجود؟. أي عالم هذا الذي يدفع إنسانا إلى كراهية الحياة؟. أي قسوة هذه التي تجعل البقاء عبئا أثقل من الرحيل؟ إنها ليست مأساة فرد، بل مأساة إنسانية تتكشف فيها هشاشة التضامن، وغياب الرحمة، وانطفاء المعنى.

رفقا بالإنسان.. فليس كل من يبتسم بخير، وليس كل من صمت سالما. فبيننا أرواح تتآكل في صمت، وقلوب تصرخ دون صوت.  إن أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان ليس الألم ذاته، بل أن يترك وحيدا داخله. فلنخفف عن بعضنا ثقل هذا العالم، ولندرك أن الرحمة ليست ترفا أخلاقيا، بل ضرورة وجودية.  فرب كلمة حانية تؤجل موتا، ورب حضن صادق يعيد إنسانا من حافة العدم.

الحياة تحتاج شجاعة.. نعم. لكن ما يحتاجه الإنسان أكثر من الشجاعة، هو إنسان آخر يشاركه ألمه وهمومه فكل روح هي كون هش، وكل قلب معركة خفية لا ترى. لا تحاكموا الساقطين من اعلي، بل انظروا إلى الحافة التي وقفوا عليها طويلا وحدهم

والفلسفة في أقصى تواضعها، لا تملك أن تمنع موتا لكنها تستطيع أن تزرع وعيا: وتقول لنا أن الوجود، رغم قسوته، لا يحتمل إلا بنا معا.. مشاركه الإنسان للإنسان. وأن الإنسان قبل أن يحتاج معنى للحياة، يحتاج من يشعره أنه مستحق للحياة.

تفقدوا أحوال بعضكم.. اسألوا عن الغائب قبل الحاضر، وعن الصامت قبل المتكلم. قد يكون السؤال البسيط: كيف حالك؟ طوق نجاة. فكونوا رحماء.. لأن الرحمة في عالمٍ كهذا، ليست فضيلة فحسب بل هي آخر ما تبقى لإنقاذ الإنسان من نفسه. فلا تؤجلوا الحضور الإنساني، فبعض الأرواح لا تنتظر طويلا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

حين ننظر إلى مجتمعاتنا العربية اليوم، نقف حائرين أمام سؤال مؤرق كيف تحولنا من مجتمع كان يعرف قيمه وثوابته إلى هذا الفضاء اللأخلاقي المشوه؟ كيف تمت هذه الرحلة الطويلة من اليقين إلى الشك، ومن الثبات إلى الانهيار، ومن الوضوح إلى العتمة؟

إنها رحلة نصف قرن، ليست طويلة بما يكفي لتغيير طبائع البشر، ولكنها طويلة بما يكفي لتدمير منظومة قيمية كانت عصية على الاختراق. خمسون عاماً من العشوائية المقنعة، من التفكك البطيء، من الموت التدريجي للضمير الجمعي.

كانت السبعينيات من القرن الماضي نقطة تحول حقيقية في تاريخنا المعاصر. كانت لحظة انفجار أخلاقي صامت. بدأت الأمور تتفكك بهدوء، كخيوط نسيج يتآكل خيطاً خيطاً، دون أن ننتبه إلى أن الصورة الكاملة تتشوه أمام أعيننا.

في تلك الفترة، اختلت موازين كنا نظنها راسخة كالجبال. تزعزعت ثوابت اعتقدنا أنها محفورة في صخر التاريخ. المجتمع الذي كان يحتكم إلى منظومة قيمية واضحة المعالم، يفرز من خلالها الصواب من الخطأ، ويميز المقبول من المرفوض، بدأ يفقد بوصلته الأخلاقية. تلك البوصلة التي كانت تشكل حصونه الدفاعية الأولى ضد التفلت والانحلال.

العقل المريض

كالعادة، ظهرت بوادر الاختلال أولاً في السياسة. فالسياسة -كما نعرف - هي العقل المدبر للجسد الاجتماعي. أي خلل يصيب هذا العقل لا بد أن ينعكس على كل عضو من أعضاء الجسد. والواقع أن العقل السياسي العربي أصيب بمرض عضال منذ تلك الحقبة. تحولت السياسة من أداة لتحقيق الصالح العام إلى وسيلة صراع شرسة على النفوذ والمكانة. صارت المفاهيم الكبرى مثل الوطنية والعدالة الاجتماعية والحرية مجرد شعارات ترفع في الخطب الرنانة، وتدفن في الممارسات اليومية. تآكلت الجسور التي كانت تربط الحاكم بالمحكوم، والدولة بالمواطن. صار كل طرف ينظر إلى الآخر بشك وريبة، وبدأت الثقة تتبخر كالندى تحت شمس الظهيرة.

لقد حولتنا السياسة إلى قطع شطرنج تتحرك على رقعة لا نرى أبعادها الحقيقية. صنعنا لأنفسنا أوهاماً كبيرة، أوهاماً بالديمقراطية التي لم نذق طعمها، وأوهاماً بالتنمية التي مرت علينا كالسحاب، وأوهاماً بالعدالة التي ظلت حبيسة الأدراج.

حصن ينهار

لم يكن التعليم بمنأى عن هذا الزلزال القيمي. المدرسة التي كانت حصناً منيعاً للقيم، ومعقلاً للعلم النزيه، تحولت إلى سوق للصفقات. النجاح صار سلعة تشترى، والشهادة أصبحت ورقة تتداول، والمعرفة تحولت إلى متاع يباع ويشترى. لقد فقد التعليم براءته. تلك البراءة التي تجعل من العلم غاية في حد ذاته، لا وسيلة لتحقيق مكاسب مادية. بدأنا نرى جيلاً يحمل شهادات عليا بدون معرفة حقيقية، يملك وثائق تثبت تخرجه من أفضل الجامعات ولكن بدون مهارات تمكنه من الإضافة والإبداع.

الطالب الذي كان يبحث عن المعرفة أصبح يبحث عن الدرجات. الأستاذ الذي كان قدوة ومنارة تحول إلى مجرد موظف يؤدي واجباً روتينياً. المناهج التي كانت تشعل شرارة الفضول أصبحت تخمد أي روح نقدية. تحول التعليم إلى آلة لتخريج حفظة لا مفكرين، ومقلدين لا مبدعين.

الإعلام مرآة مشوهة

وجاء الإعلام ليكمل الصورة المشوهة. تحول من مرآة تعكس واقع المجتمع إلى أداة لتشويه الواقع وتبسيطه وتسليعه. الخبر صار سلعة، والحقيقة مزاداً يعلو فيه أعلى مزايد، والرأي العام أصبح هدفاً يمكن التلاعب به واستغلاله بسهولة. فقد الإعلام مصداقيته تدريجياً. أصبحت الكلمة لا تقدر بقيمتها الحقيقية ولا بصدقها، وإنما بما تحققه من انتشار ومشاهدات وإثارة للجدل. صار الجمهور يتلقى صورة مشوهة عن نفسه، صورة لا تعبر عن حقيقته ولا تحترم عقله.

الإعلام العربي اليوم يعاني من انفصام حاد، فهو من جهة يقدم خطاباً أخلاقياً مثالياً، ومن جهة أخرى يمارس أساليب التحريض والتضليل. ينادي بالحرية وهو يكبت الأصوات، ويدعو للوحدة وهو يزرع الخلافات، ويثير القضايا المصيرية وهو غارق في التفاهات.

الرغبتان المتوحشتان

في خضم هذه الفوضى القيمية، سيطرت رغبتان أصبحتا المحرك الأساسي للسلوك الفردي والجماعي: الرغبة في المال والثراء، والرغبة في المكانة والوجاهة والنفوذ. صار تحقيق هاتين الرغبتين هو الهدف الأسمى، بغض النظر عن الوسائل، وبمعزل عن الجدارة والاستحقاق والمشروعية. لقد بات النجاح المادي معيار وحيد للقيمة. أصبح الغني - بغض النظر عن مصدر ثروته وأيًا كانت طريقة تكوينها - هو النموذج الذي يحتذى ويقلد. انهار مبدأ أن الغنى ليس بكثرة العرض ولكن غنى النفس، واستبدل بمبدأ الغني هو من يملك أكثر. في هذا المناخ، لم يكن مستغرباً أن يصبح التحايل والالتفاف والمرور من الثغرات هو أقصر الطرق لبلوغ الأهداف. تحولت المهارات الحقيقية إلى سلع مهجورة لا قيمة لها في السوق الاجتماعية، وحلت محلها مهارات جديدة: مهارة الغش، وفن التزوير، وبراعة انتهاك المعايير والأخلاق دون أن تكتشف. صارت القوانين واللوائح مجرد عوائق شكلية يمكن تجاوزها لمن يملك المال أو النفوذ أو الذكاء الماكر. أصبح القانون سلاحاً للأقوياء ضد الضعفاء، وللأغنياء ضد الفقراء، وللمتسلطين ضد المحرومين.

الصمت الأكبر

الأمر الأكثر إيلاماً في هذه القصة ليس فقط سقوط القيم، لكن الصمت على هذا السقوط. صمت مرعب أصاب المجتمع بأسره. كان هناك صمت الخائفين الذين ارتعدت قلوبهم من بطش السلطة أو من الإقصاء الاجتماعي. وكان هناك توافق من المستفيدين الذين وجدوا في الفوضى الأخلاقية فرصة لتعزيز مكاسبهم. وكان هناك تواطؤ من المشاركين في الجريمة الذين صاروا جزءاً من النظام الفاسد.

الجميع رأى، والجميع علم، ولكن قلة فقط تجرأت على الكلام. تحول الفساد من فعل استثنائي يشمئز منه الضمير إلى ظاهرة طبيعية مقبولة، ومن انحراف عن القاعدة إلى قاعدة جديدة تحكم العلاقات الاجتماعية بأسرها.

في مجتمع كهذا، صار الملتزم بقيمه الأصيلة شاذاً وغريباً. صار الصادق في حيرة، والنزيه في عزلة، والمبدع في سجن. انقلبت المفاهيم، فصارت الفضيلة رذيلة، والرذيلة فضيلة. تحول الصمت عن الفساد إلى واجب، والكلام عنه إلى جريمة.

المجتمع الذي صنعناه

نصف قرن على هذا الحال أنتج مجتمعاً جديداً تماماً، مختلفاً جذرياً عن المجتمع الذي كنا نعرفه. مجتمع نحن من صنعناه بأيدينا، باختياراتنا الصغيرة والكبيرة، بصمتنا وتواطؤنا، بمشاركتنا الفاعلة أو بسكوتنا المتواطئ.

إنه مجتمع نحن من ننكره الآن، ونشيح بوجوهنا عنه وكأننا لم نكن شركاء في صناعته. مجتمع نحن من نتنصل من مسئوليته، ونرمي باللائمة على الآخرين على النظام، على الظروف، على المؤامرات الخارجية، على أي شيء إلا أنفسنا. هذا المجتمع الجديد يعاني من أزمات متراكمة؛ أزمة ثقة في كل شيء وفي الجميع، أزمة هوية لم نعد نعرف من نحن وإلى أين نتجه، أزمة قيم لم يعد لدينا ما نؤمن به سوى المال والمظهر، أزمة أمل جعلت اليأس ينسل إلى قلوب شبابنا قبل شيوخنا.

مهمة إعادة البناء

اليوم، ونحن نقف على أنقاض منظومتنا القيمية، نجد أنفسنا أمام مهمة تاريخية عظيمة: مراجعة شاملة لكل شيء. القيم تحتاج إلى إعادة نظر، والمهن تحتاج إلى تصحيح مسار، المرافق والمؤسسات تحتاج إلى إصلاح جذري، والبناء الاجتماعي بأسره في حاجة إلى إعادة هيكلة من القاعدة إلى القمة. ولكن هذه المراجعة يجب أن تكون مسئولة، صادقة، أمينة. يجب أن تبدأ بأنفسنا أولاً، بأن ننظر في المرآة دون خوف أو مواربة. لا يمكن إصلاح مجتمع وأعضاؤه مصابون بالإنكار والهروب من المسئولية. إن إعادة بناء المنظومة القيمية ليست مهمة مستحيلة، كما قد يظن البعض. ولكنها تحتاج إلى شجاعة نادرة. شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة تحمل المسئولية، وشجاعة البدء من نقطة الصفر. نحن بحاجة إلى تعليم جديد يقدس العلم ويحترم العقل ويشعل روح النقد والإبداع. نحن بحاجة إلى إعلام يبحث عن الحقيقة ويحترم عقل الجمهور ويخدم المصلحة العامة. نحن بحاجة إلى سياسة تخدم الشعب لا تستهلكه، وإلى اقتصاد ينتج الثروة لا ينهبها، وإلى عدالة تحمي الضعيف قبل القوي.

الجيل الجديد: الأمل الوحيد؟

ربما يكون الأمل الوحيد في الجيل الجديد، الجيل الذي لم يشهد "الزمن الجميل" الأسطوري ولكنه يدفع ثمن خرابه اليوم. جيل يبحث عن معنى في عالم فقد معناه، ويبحث عن قيم في مجتمع تآكلت قيمه وتفسخت أخلاقه.

هذا الجيل الذي يرفض أن يكون نسخة مكررة منا، ويسعى لبناء عالمه الخاص بقيمه الخاصة ورؤيته الخاصة، ربما يكون حقاً هو المنقذ الذي ننتظره. إنه يمتلك من الأدوات ما لم نمتلكه نحن: وعياً أكبر، واتصالاً أوسع بالعالم، وإحباطاً من الواقع يدفعه للتغيير لا للاستسلام. ولكن علينا نحن أيضاً أن نمنحه الفرصة، أن نفتح له الطريق، أن نزيل عن كاهله إرث نصف قرن من العشوائية الأخلاقية. لا يمكن أن نطلب منه أن يبني على أنقاض قيمنا دون أن نعطيه أدوات البناء، أو أن ننتظر منه الخلاص ونحن مازلنا متمسكين بأساليبنا الفاسدة وعقلياتنا المتخلفة.

 البداية من هنا

لقد صنعنا هذا الواقع بأيدينا، وعلينا أن نصلحه بأيدينا أيضاً. ليس هناك من ينقذنا إلا نحن، وليس هناك وقت نضيعه في الانتظار أو التمني. البناء يبدأ بحجر واحد، والإصلاح يبدأ بقرار واحد، والتغيير يبدأ بإنسان واحد.

فلنكن نحن هذا الإنسان. ولتكن هذه اللحظة هي البداية. قبل أن يمر نصف قرن آخر، ونقف حائرين مرة أخرى، نبحث عن من يلومه على خراب جديد، ونحن نعلم في أعماقنا أن المسئولية تبدأ منا وتنتهي إلينا. إن استعادة القيم ليست حلماً رومانسياً، إنما ضرورة وجودية. بدون قيم، نفقد بوصلتنا. بدون أخلاق، نصبح مجرد كائنات تتصارع على البقاء والثراء. بدون ضمير جمعي، نصبح جزراً منعزلة في بحر من الفوضى. لقد آن الأوان لنقول كفى للصمت، كفى للتواطؤ، كفى للتنصل من المسئولية. آن الأوان لنبدأ رحلة العودة إلى أنفسنا، إلى قيمنا، إلى إنسانيتنا التي كدنا ننساها.

نصف قرن عشوائي كاف لتدمير أي مجتمع. ولكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تموت إلا حين تستسلم لموتها. ونحن لم نستسلم بعد. ولن نستسلم.

***

د. عبد السلام فاروق

لا يقل حضور الطفولة في الثقافة الشعبية عن مثيله في حقل الدراسات النفسية والتربوية المعاصرة، سواء محليا أو عالميا. تشهد بذلك الأمثال والألعاب والأهازيج، وآلاف الخرافات وحكايات الجدات التي تعد مدرسة في الإبداع، والجنوح بالخيال إلى أقصى مداه. فالثقافة الشعبية كانت، ولاتزال بدرجة ما، هي الحاضنة الأساسية للطفل، يتشرب منها القيم والعادات، ويكتسب منها معايير السلوك الاجتماعي، وقواعد العيش داخل فضاء الأسرة والقبيلة.

إن عملية تنشئة الطفل شكلت تحديا لدى كل أمة للوصول به إلى أفضل مستويات النمو والتعلم، من خلال تزويده بالتجارب والخبرات، والممارسات العملية التي يتوجب تمريرها من جيل إلى جيل. هكذا تصبح شخصية الطفل حصيلة معتقدات الراشدين، التي تعبر بدورها عن مخطط ثقافي، هاجسه الأساسي هو ضمان الاستمرارية والخصوصية، ومكافحة كل أشكال التغريب والاقتلاع.

والأمثال، باعتبارها إحدى قوالب الموروث الثقافي، تلعب دورا مستمرا في غرس معتقدات مشتركة، تتسم عادة بالثبات وصعوبة التغيير. فكما أنها تنطوي على مبادئ تربوية واجتماعية أصيلة، فإنها أيضا تُسهم في تغذية تمثلات خاطئة، وتضطلع بوظيفة الدفاع عن تصورات جرى تفنيدها بفعل التقدم الحاصل في شتى حقول المعرفة.

من هذا المنطلق، وسعيا للكشف عن صورة الطفل في الموروث الشعبي، والأدوار أو المعايير الثقافية التي يجد نفسه مرتبطا بها وملزما بالتكيف معها، تم رصد نماذج من الأمثال العامية المتداولة في المغرب، واستنطاق دلالاتها النفسية والتربوية، من خلال أربع مستويات تهم: صورة الطفل في المثل المغربي، وعلاقته بالأم، ثم الاتجاهات الإيجابية والسلبية المتعلقة برعاية الطفل وتنشئته. وفي الأخير نلقي نظرة على موقف المجتمع من الطفل في وضعية خاصة "الربيب، اليتيم، ابن الأمة..." والتي تؤسس لوضع مُفارق، بين توجيهات الخطاب الديني وتجلياته في الواقع.

بداية تجدر الإشارة إلى أن المثل، باعتباره خلاصة بليغة وموجزة للتجربة الإنسانية، لا يكتسي في جميع الأحوال طابع التوجيه والإلزام السلوكي، بل كما يرى الأستاذ عبد العزيز الأهواني، فإنه يضطلع أيضا بوظيفة أدبية وبلاغية، تقصد إلى عرض صور تحقق الإمتاع الفني، بما تشتمل عليه من تشبيه دقيق، أو مفارقة مضحكة، أو فن من القول طريف(1).

غير أن الممارسة التربوية، سواء داخل الأسرة أو على مستوى الفضاء المدرسي، تكشف عن تأثر واضح بالتوجيهات التربوية التي تتضمنها بعض الأمثال، حتى وإن كانت أدبيات التنشئة والرعاية المعاصرة تؤكد ضررها وآثارها السلبية. ولا أدل على ذلك من استمرار العقاب البدني داخل الفصول الدراسية اقتناعا بأن "العصا خرجات من الجنة!"

- صورة الطفل في المثل المغربي:

تتراوح صورة الطفل المغربي في الأمثال العامية بين القبول به كعطية من السماء، يضفي على الحياة بهجتها، ولا تستقر الحياة الزوجية إلا بوجوده، وبين اعتباره هما ينضاف إلى سائر الهموم التي تقيد حركة الإنسان وتؤرق معيشه اليومي.

وتبدو المسألة في عمقها رهينة بسوء فهم لمدلول الرزق وارتباطه بالمشيئة الإلهية، كما نبهت إلى ذلك النصوص الدينية والثقافة العالِمة. كما تحيل ضمن سياق تاريخي على مخاوف الأوبئة والمجاعات التي كان المغرب مسرحا لها خلال فترات محددة، والتي جعلت من القمح صاحب القول الفصل في تاريخه، كما يقول المؤرخ فرنان بروديل، وبالتالي ارتبط إنجاب الأولاد بزيادة الهم والبلاء.

في وضع اليسر والرخاء، تبرز أمثال بالغة الإشادة بالطفل من قبيل:

- الدراري ربيع القلب

- الخدمة على الأولاد سبقت العبادة والجهاد.

- اللي ما عنده بنات ما عرفوه الناس فوقاش مات.

أما في حال الضنك وقلة ذات اليد، يفقد الطفل حضوره كعطاء، ليصبح بلاء وهمّا يُنغّص المعيشة. بل وتكتسي بعض الأمثال صبغة احتجاج على الفوارق الاجتماعية:

- التاجر إيلا اطلب العيال كيجيه الريال، والمسكين إيلا اطلب الريال كيجيه العيال.

- أنا نشكي له بعذري، وهو يقول: الله يعطيك الدراري.

بيد أنه في الحالتين معا، يشكل الأولاد لبنة أساسية لاستمرار الحياة الزوجية، والمحافظة على مقدرات الأسرة المادية "الإرث"، والمعنوية "الشرف، المكانة الاجتماعية، الدينية..." لذا تدافع الأمثال عن حضورهم كتوثيق لتلك العلاقة:

- الزواج بلا عيال قليل دوامو للرجال.

- الزيتونة كتصبر للضرب على أولادها.

- علاقة الطفل بالأم:

يختزن المثل تعبيرات متفردة للأمومة في أوضاعها وحالاتها، التي يلتئم فيها الاستئناس بهم مع الشكوى من متاعب التنشئة والرعاية:

- الأولاد تينوّسوا وتيهوّسوا.

كما نجد في الأمثال مغربية تنوعا في الإشادة بأدوار الأمومة، ما بين ذكر الأم صراحة، أو استعارة أدوات ثقافية دالّة من عالم الطبيعة والحيوان:

- كل خنفوس عند أمه غزال.

- قالتها العودة: من نهار اللي ولدت ولادي، ما كليت علفي وافي، ولا شربت مايَ صافي.

- الزيتونة كتصبر للضرب على أولادها.

- الزيزون (الأبكم) ما تعرف لغته غير امه.

غير أن التعبير المفرط عن الأمومة يثير سلوكيات تربوية غير مقبولة، ويلقي على عاتق الأم مسؤولية تقييد مشاعرها الجارفة، لتنشئة الطفل بشكل متوازن، يؤهله لتحمل تبعات الحياة.

- حبّ أولادك من قلبك، وربّيهم بيدك.

- دردب تكسب؛ وهي عبارة تقال لحثهم على عدم الخوف، ومواجهة المواقف بشجاعة.

- تكبر وتنسى؛ وتقال للصغير حين يسقط على الأرض، لتسليته وحثه على الكف عن البكاء.

-  زيّر اللّوالب، لا تبقى راخي الحبل.

ويظل الاستثناء الوحيد الذي تسمح به الذاكرة الشعبية، على مضض ربما، هو وحيد أمه الذي رزقت به بعد عناء، إما بسبب المرض، أو تأخر الإنجاب، أو قدوم الإناث أولا. وسبب ذلك أن محيط الأسرة يتقاسم تلك المعاناة بشكل حاد، ويدفع الأم بشكل مباشر أو غير مباشر، لبذل مساع مؤثرة، تطرق من خلالها المرأة فضاءات الزوايا والأضرحة، وتقدم النذور، وتستجيب لألوان الشعوذة والدجل:

- هذاك الولد جا على تَاتَه والفكرون، وسيدي قاسم بن رحمون.

- هذاك غير لقيمة مسعية.

- هذا لهرا طايب فالكدرة (القِدر).

- رعاية الطفل وتنشئته.. آراء واتجاهات:

تنطوي الأمثال المغربية على قيمة تربوية وتعليمية، تتمثل في رصد مختلف الاتجاهات والممارسات التي طبعت أداء الأسرة لهذه الوظيفة الاجتماعية الهامة. وإذا كانت الأصول والمبادئ العامة سليمة ومعبرة عن ثوابت المجتمع وقيمه، إلا أن الأساليب والمواقف اختلفت تبعا للأدوار التي سيلعبها الطفل في محيطه السوسيو ثقافي، وكذا للتصور السائد حول التعلم كمدخل للاندماج في فضاء أرحب.

تعكس بعض الأمثال تباينا في الآراء حول فعل التربية نفسه، والمحصلة النهائية من توجيه سلوك الطفل وإلزامه بمعايير اجتماعية وثقافية محددة. حيث يعتبر الفريق الأول أن التربية جهد إنساني خالص، يتصل فيه السبب بالنتيجة:

- العنقود الكبير من الدالية المخدومة.

- شبّع وطبّع!

- الفقوس من الصغر تَيْعواج.

- اللي ربى ولده نكا عدوه.

- اللي ما تربى على طبلة بوه ما يشبع.

بينما يربط الفريق الثاني جهد التربية بسبب غيبي، ويقدم ذريعة لبعض مظاهر السلبية والتواكل التي ترخي بظلالها حتى اليوم على علاقة الأسرة بالمدرسة، والفضاء السوسيو ثقافي بشكل عام:

- المربي من عند ربي.

- الشّا الرّا ما ربّات حمير.

- الوردة كتولد الشوكة، والشوكة كتولد الوردة.

- اللي ولد الغول ما عنده ما يقول.

من جهة أخرى تتفق الأمثال على أن التنشئة الحسنة تمنح الأسرة قيمة مضافة، وسمعة طيبة؛ مثلما أن التفريط فيها يعود بالضرر وسوء العاقبة:

- اللّي خلّا اسم مليح، ولادو يصلّيوا بلا تسبيح.

- الترابي قبل الجامع.

- أولاد عبد الواحد كاع واحد: كناية عن تربية الأبناء على نمط سيء مشابه للأب. ويحكى أن عبد الواحد هذا كان رجلا طماعا، ومحتالا على ما في يد الناس، وربى أبناءه على هذه الخصلة الذميمة.

- ولدك كوّنيه لا تكوّن ليه: ويحيل المثل هنا على توجيه تربوي فريد، يقوم على إعداد الطفل ليبني مستقبله بنفسه، بدل أن ينشغل الآباء بذلك. ويقال أن هذا المثل من مآثر أهل سوس جنوب المغرب، والذين يشتهرون بالحذق في التجارة.

- قرّيه وأنت اقتل وانا ندفن: وهي دعوة صريحة للتشدد في تعليم الصبيان، حتى يتعلموا العلم ويتربوا على الأخلاق السامية. وبالرغم من آثاره الضارة، لايزال هذا الموقف يحظى بتأييد من لدن الآباء والمدرسين حتى اليوم!

- اغرس قلّع ما فيه اربح، و" النبتة المقلعة ما تنبّت ربيع": وهي عبارة تقال لمن يكثر تغيير المدرسة لأبنائه، فلا يحقق ذلك التوفيق المطلوب.

وعلى المستوى التعليمي استوعبت الأمثال جانبا من النقاش المجتمعي حول أيهما الأفضل في تلقي العلم: الشفهية أم الكتابية؟ ويبدو أن للأمر علاقة بانتشار المدارس العصرية، وما مثّله ذلك من تراجع لدور الكتاتيب القرآنية، فأرخت المسألة بظلالها على أنماط تلقي العلوم والمعارف، رغم أن الثقافة لا تقيم تعارضا بين الاثنين:

-العلم فالراس ماشي فالكراس.

- ينسى الراس وما ينسى الكراس. 

- كيسكتو اللّحِي ويتكلمو الكواغط.

- أطفال في وضعية خاصة:

لعل أغرب موقف اختزنته ذاكرة الأمثال المغربية، هو موقف الأسرة من الربيب، والذي لا يكتفي بالتحذير من تقبله وإدماجه في نسيج الأسرة، بل يصل إلى حد الدعاء عليه بالفقدان والموت. كما جرى التحذير من "ولد بنادم" او الدخيل على العائلة، واعتبار محاولة تنشئته ورعايته جهدا بغير طائل، وهدرا للوقت والمال.

وقد يجد هذا الموقف تفسيره في تكلفة الرعاية إذا كان الوضع المعيشي للأسرة لا يسمح بذلك، كما قد يحيل على أسطورة زوجة الأب الشريرة، والتي تغذيها عشرات القصص، رغم وجود زوجات يتمتعن بحس العطاء، وتستوعب أمومتهن القريب والغريب. وقد يعود الأمر من جهة ثالثة إلى ما أثير من إشكالات فقهية مرتبطة بالإنفاق، واستغلال مال الربيب وغيرها.

- زِد هاذ الصبي على صبيانك تكمل احزانك.

- اللي تيربي ولاد الناس بحال اللي كيدق الما فالمهراس.

- ولد الأمَة ما يفلح، وإذا افلح يا عجبا!

- فرّش لأولاد الناس فاين ينعسو ولادك: وهي حالة فريدة في الدعوة للمعاملة بالمثل، تستلهم معطى الخطاب الديني، والثقافة العالِمة.

- الربيب كله علّة وطُليب، طيّره يا رحمن: والطُليب في مأثور أهل فاس هو العدو.

- ولد ابنــادم لا تربـيـه       بعد ما تربيه نادم

    يا السايلني على الغول       الغول، هو ابنادم.

 وهي إحدى رباعيات الشيخ عبد الرحمن المجذوب الذي جرت أقواله وأزجاله مجرى الأمثال في شمال إفريقيا.

وفي وضعية اليتم يفقد الطفل كل ناصر ومعين، لذا تقرنه الذاكرة الشعبية بصور الانكسار والضعف، وضياع الحقوق:

- رجلين ليتيم كيجيبو الغيس في السمايم.

- كيتعلموا الحجامة فريوس ليتامى.

أما وضعية الإعاقة فتحتفظ الأمثال بمواقف قاسية، وتمثلات خاطئة تحيل على العجز والتشفي الذي يقرن تلك الوضعية بالعقوبة الإلهية:

- ما يعواج ولا يعراج غير البلا المسلط.

- يدي ويد القابلة ويخرج الحرامي اعور.

- عيات أم الحمق ما تعض فشواربها، قال ليها: من جهتي غير قطعيه.

إن الأمثال باعتبارها وحدات كلامية تختزن ذاكرة الشعوب، بحاجة إلى مراجعة استخداماتها وإعادة فرزها، وتحرير مضمونها الإنساني من المواقف السلبية، خاصة في مجالات تتنافى أدوارها الحديثة، مع التمثلات المجانبة للصواب كمجال التربية والتعليم.

وتظل الأمثال، بالرغم من قيمتها و رمزيتها، ودلالتها على الانتماء الثقافي، وليدة خبرات ذاتية، بعضها يعكس حقائق تحظى بالواقعية في حياتنا الاجتماعية، بينما يحيل البعض الآخر على تصورات وعادات، وردود أفعال لا تقبل التعميم.

***

حميد بن خيبش

.....................

1- إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين: إعداد وإشراف عبد الرحمن بدوي. ص251- القاهرة1962

مشهدية العنف العاري وفحش السلطة

من السيادة القانونية إلى العرض المستمر; يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً ومقلقاً في طبيعة ممارسة السلطة وتجليات القوة الدولية. لقد غادر جوهر القوة مربعه التقليدي القائم على منطق "السيادة"؛ ذلك المنطق الذي كان يستند إلى وضوح القانون، وهيبة المؤسسات، والقرار السياسي المرتبط بنتائج مادية ملموسة على أرض الواقع. اليوم، نحن نعيش في عصر "المشهدية الطاغية"، حيث تُعاد صياغة الواقع السياسي والاجتماعي كعرض مسرحي أو سينمائي مستمر لا ينقطع، مما أدى إلى تآكل الفوارق الجوهرية بين الحقيقة الصلبة وتمثيلها الصوري.

إن التوصيف الفلسفي لما يدور في الساحة العالمية اليوم باعتباره "عرضاً عارياً وفجاً" ليس مجرد مجاز لغوي أو استعارة بلاغية لتجميل النص، بل هو تشخيص دقيق لحالة "الواقع المفرط" الذي استلب إرادة المجتمعات. في هذا الفضاء، يُصبح العنف المكشوف والمصور وسيلة استراتيجية لإخفاء آليات القوة البنيوية العميقة التي تتحكم في مصائر الشعوب. هنا، يُدفع بـ "الممثلين السياسيين" إلى الواجهة وهم يحملون أسلحة حقيقية ويديرون صراعات دامية، لا لغرض الحسم العسكري الذي ينهي النزاع فحسب، بل لتأكيد "صدقية" السيناريو المشهدي أمام جمهور عالمي يقبع خلف الشاشات، معزولاً تماماً عن مراكز القرار الحقيقية، ومكتفياً بدور المتفرج المستلب.

الميتافيزيقا السياسية للمشهد واستعمار الحيز العام

تنبثق الجذور المعرفية لهذه الحالة من النقد العميق الذي وجهه الفلاسفة لمجتمع الاستعراض. فالنظام العالمي في مراحله المتقدمة لم يعد يكتفي بإنتاج السلع المادية واستهلاكها، بل انتقل إلى مرحلة "إنتاج الصور" التي أصبحت هي الوسيط الوحيد للعلاقات الاجتماعية والبشرية. في هذا النظام، لم يعد الواقع يُعاش بشكل مباشر أو عفوي، بل يتم استبداله بتمثيلات صورية مبرمجة تُقدم للجمهور بوصفها النسخة الأفضل والأكثر لمعاناً من الحقيقة.

إن "المشهد" بهذا المعنى هو المرحلة التاريخية التي تنجح فيها الصورة في استعمار الحياة الاجتماعية بالكامل. هذا الاستعمار يؤدي إلى نشوء "عالم مسطح" محاصر بالوسائط البصرية، حيث يُنفي وعي الإنسان خلف جدران التمثيل الصوري. المواطن في هذا العالم لم يعد فاعلاً سياسياً يمتلك القدرة على التغيير، بل تحول إلى مستهلك للمادة السياسية المعروضة، تماماً كما يستهلك السلع التجارية. إنها عملية "تسطيح" للوعي البشري تجعل من المستحيل النفاذ إلى ما وراء الصورة لفهم المحركات الحقيقية للقوة.

تحولات القوة: من هيبة القانون إلى تصميم الحركات الجمالية

تاريخياً، كانت السلطة تُمارس عبر آليات واضحة للعيان؛ فالقوانين والمراسم الرسمية والقوة البدنية المباشرة كانت تستخدم لفرض النظام وحماية حدود الدولة. أما في العصر الراهن، فإن السلطة تحكم من خلال الإيماءات، والرموز، واللعب اللامتناهي بالتمثيلات الرقمية. لقد تحولت الحوكمة من تدبير شؤون الناس إلى ما يمكن وصفه بـ "التصميم الحركي" الجمالي الذي يهدف في المقام الأول إلى أسر الانتباه العام والسيطرة على مساحات الوعي الجمعي.

في هذا السياق، نجد أن وضع القائد العسكري أو السياسي في الصورة، وطريقة هندسة المؤتمرات الصحفية، واختيار زوايا التصوير، وترتيب السجاجيد والشعارات، أصبحت تفوق في أهميتها النتائج الفعلية للسياسات المنفذة على الأرض. إن هذا الانتقال نحو "الواقعية الأدائية" يمثل تخلياً صريحاً عن التماسك النظري للواقعية السياسية الكلاسيكية التي كانت تؤكد على الحذر، والتحليل السياقي، والدبلوماسية الهادئة. لقد استُبدل ذلك كله بأفعال مرئية صاخبة وخطاب يبسط التعقيدات العالمية بشكل مخل بالمعنى. يُعامل التعقيد اليوم كعائق أمام تدفق المشهد، ويتم تطبيع استخدام القوة العسكرية الفتاكة ليس لجدواها الاستراتيجية، بل لأنها توفر لغة بصرية واضحة ومباشرة لجمهور فقد الثقة في المؤسسات والخبرات التقليدية ويبحث عن "اليقين" في قوة الانفجار وسطوة الصورة العارية.

العنف العاري وفحش السلطة الدولية

عندما نتحدث عن "العنف العاري" في سياق القوة العالمية، فإننا نشير إلى حالة من "الرؤية الكلية" التي تلغي كل خصوصية أو ستر لصالح العرض الفج. الفحش السياسي هنا لا يعني الأخلاقيات بالمعنى الضيق، بل يعني بالمعنى الفلسفي "الانكشاف المطلق" الذي يلغي كل مسافة تأملية، ويضع حداً للتمثيل من خلال جعل كل شيء شفافاً ومطروحاً على السطح بقسوة منفرة.

عندما تصبح السلطة "فاحشة" بهذا المعنى، فإنها لا تعود تهتم بـ "مسرح القسوة" الذي كان يهدف قديماً لكشف حقائق يرفض الجمهور رؤيتها. بدلاً من ذلك، نحن أمام "مشهد مكشوف للعدم"، حيث يتميز الفعل السياسي باللاجدوى والارتهان الكامل للواقع المفرط. إن السلطة لم تعد تخفي سوءاتها، بل أصبحت تستعرض قسوتها كدليل على تمكنها، مما يخلق حالة من الذهول والانبهار الذي يشل القدرة على النقد الأخلاقي أو السياسي.

 العنف البنيوي والنزعة التلصصية في الإعلام الحديث

يُعد "عرض العنف الفج" تجلياً مرعباً لهذه الأوبسينية السياسية. فمن خلال التركيز المفرط على الجوانب الفيزيائية والرسومية للأذى (مثل صور الأشلاء، لقطات التعذيب المسربة، وبث عمليات القصف الحي)، يتم إخفاء الظروف البنيوية الأوسع للظلم والمعاناة النظامية. هذا التصوير التلصصي للمعاناة يحول فعل "الشهادة على المأساة" إلى تمرين بارد ومحايد يفرغ الاستجابة الأخلاقية من معناها الإنساني.

من خلال التركيز الحصري على الفعل الجسدي العنيف، ينجح المشهد في جعل "العنف اليومي الصامت" غير مرئي؛ فالفقر الممنهج، والجوع الناتج عن السياسات الاقتصادية، والإقصاء الاجتماعي، كلها أنواع من العنف البنيوي التي تقتل بصمت بعيداً عن صخب الكاميرات. هنا تتداخل المفاهيم مع "السلطة الحيوية"، حيث تُمارس الأنظمة المعاصرة قدرتها على التحكم في الحياة والموت عبر آليات تقنية وإدارية غير مرئية، ولكنها مميتة. تعمل مشهدية العنف كأداة تشتيت كبرى؛ فالوضوح الصارخ للفعل الحربي يمنع المشاهد من إدراك العمليات العميقة التي تنتج الهشاشة والموت ببطء في ثنايا النظام العالمي.

إنها "سياسة الموت" التي تنظم الفناء البشري حول نمط إدراك جنائزي، حيث يُختزل البشر إلى أرقام في إحصائيات أو صور عابرة في شريط الأخبار، مما يكشف عن مفارقة وجودية مريرة؛ حيث يُعامل الجسد البشري كشيء قابل للاستهلاك والممارسة الاجتماعية تماماً كأي مادة إعلانية.

الأسلحة الحقيقية في مسرح الواقع المصطنع

تؤكد مقولة "الممثلون يحملون أسلحة حقيقية" على الاندماج المرعب بين "المحاكاة" والعنف المادي الملموس. فالحروب الحديثة لم تعد نزاعات تقليدية تهدف إلى تحقيق مكاسب جغرافية فحسب، بل أصبحت أحداثاً "فائقة الواقعية". وبينما يكون التدمير المادي وفقدان الأرواح حقيقياً وموجعاً لأصحابه، فإن "الحرب" كحدث سياسي وتاريخي تُطمس معالمها تحت وطأة وجودها كبناء إعلامي مصمم سلفاً للتحكم في الرأي العام العالمي.

لقد امتدت هذه الحالة إلى الفضاء الرقمي والشبكي، حيث تُعامل "الأسلحة الفضائية والشبكية" كأدوات لعب أو تُخلط بالأسلحة التقليدية. هذه الأسلحة يمكنها أن تسبب دماراً فيزيائياً ووظيفياً هائلاً، لكنها تعمل ضمن مجال يفتقر إلى تعريفات دولية واضحة. في الصراعات الكبرى المعاصرة، يجد البشر أنفسهم يقاتلون في "حرب محاكاة مستمرة" تجري رحاها في خلاصات الأخبار وتطبيقات التواصل، مما يخلق حالة من الانفصال عن الواقع المادي للحرب وتداعياتها الإنسانية، لصالح الانغماس في الدراما الرقمية للصراع.

المسرح المغلق: ما بعد الديمقراطية وإقصاء الشعوب

يصف مجاز "المسرح المغلق" بيئة سياسية تظل فيها المؤسسات الديمقراطية (مثل مجالس النواب وصناديق الاقتراع) قائمة من حيث الشكل، ولكنها تفرغ تماماً من طاقتها الإبداعية وقدرتها الحقيقية على صنع القرار. هذه الحالة، التي يمكن تسميتها بمرحلة "ما بعد الديمقراطية"، تمثل الاندماج الكامل بين سلطة الشركات الكبرى والنخب المالية مع الأجهزة الحكومية.

في هذا النظام، تُنتج السياسة داخل دوائر نخبوية مغلقة تقوم على دورات مالية معقدة، بينما يُقدم للجمهور "واجهة استعراضية" من الانتخابات والمناظرات التي لا تغير من جوهر السياسات شيئاً. المواطن في هذا "المسرح المغلق" يلعب دوراً سلبياً بامتياز، حيث يكتفي بالاستجابة للإشارات والرسائل التي يبثها المتخصصون في فنون الإقناع والتوجيه الإعلامي. إن إقصاء الجمهور لا يتم عبر الصمت أو المنع القمعي كما في الاستبداد القديم، بل يتم عبر "التخمة المعلوماتية"؛ حيث يغرق المعنى في فيضان مستمر من الضجيج والبيانات التافهة، مما يخلق "رقابة جديدة" تجعل الحقيقة غير ذات صلة لأنها تبدو مطابقة تماماً للوهم المصطنع.

الديمقراطية المُدارة وحالة الاستثناء الدائمة

لقد تدهورت الأشكال السياسية الحديثة إلى ما يُعرف بـ "الديمقراطية المُدارة"، وهي شكل متطور من حكم القلة (الأوليغارشية) يستبدل "إرادة الشعب" بالإيمان المطلق بمديرين "كفؤين" يدعون فهم تعقيدات النظام العالمي. هؤلاء الأشخاص "الاستثنائيون" يُؤتمنون على إدارة ما يسمى بـ "حالات الاستثناء"، حيث يطغى منطق الضرورة الأمنية أو الاقتصادية على صنع القرار الديمقراطي.

يوفر الجمهور في هذه الحالة "وهم الموافقة" من خلال المشاركة في طقوس انتخابية مبرمجة، مصممة بعناية لإنتاج لحظات من الإثارة الدرامية العالية عبر وسائل الإعلام، بينما تُخفي وراءها التضاؤل المستمر لقوة الناخب وتأثيره. يخلق هذا النظام عالماً "ما بعد سياسي"، حيث لا يتم قمع البدائل للنظام القائم فحسب، بل يتم استبعاد فكرة وجود بديل أصلاً من المخيلة الجمعية. تتوقف السياسة كفعل بشري واعٍ لصنع المستقبل، وتتحول إلى آلية تقنية تحكم نفسها بنفسها بأقل قدر من التدخل البشري المباشر.

استبداد الصورة وفحش الحياة المُدارة

إن استبداد القوة في العصر الحديث مرتبط ارتباطاً عضوياً بـ "استبداد الصورة"؛ فالظهور الإعلامي هو الذي يحدد حدود ما يُعتبر حقيقياً أو موجوداً. كل فعل تتخذه الدولة أو المؤسسات الكبرى يتبع "منطق الرؤية"، حيث تُستخدم المنصات الرقمية للحفاظ على "وهم الحضور". السلطة اليوم تتصرف "كما لو أنها تحكم"، وهذا التظاهر كافٍ لاستمرارية النظام لأن المشهد يتطلب التدفق لا الجوهر.

في هذا العالم المكشوف والشفاف بقسوة، يصبح الفرد مجرد "شاشة" لامتصاص تأثيرات الشبكة العالمية. يتجاوز انتشار المعلومات والأشياء قدرة البشر على التصور أو السيطرة، مما يؤدي إلى حالة من الارتباك الشديد وتآكل القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف. والنتيجة هي مجتمع تُعتبر فيه القسوة "قوة"، ويُعد الإقصاء الجماعي برنامجاً نظامياً مقبولاً. لقد تم تطبيع القيم الحربية والعدائية لا كجنون، بل كـ "منطق سليم" تفرضه ضرورة العيش في عالم متصارع.

رفض المشهد واستعادة كرامة الواقع

إن "مسرح القوة العالمي" هو الآلية التي تحول الحياة البشرية إلى مجرد مادة صورية، مما يجعل الأصالة والصدق فعلاً ثورياً بامتياز. هذا النظام لا يستند إلى كذبة يصدقها الناس، بل إلى اتفاق جماعي غير معلن لرفض الحقيقة لصالح المصطنع المريح. "الأسلحة الحقيقية" والعرض "الفج" هما الأداتان اللتان يحافظ بهما هذا المسرح على هيمنته، مما يضمن بقاء الجمهور منخرطاً كـ "أسير طوعي" للخشبة.

لكسر هذه الحلقة المفرغة، يتطلب الأمر رفضاً فلسفياً وسياسياً جذرياً. هذا الرفض لا يوجد بالضرورة في الاحتجاجات التي يمكن للمشهد امتصاصها بسهولة وتحويلها إلى "أداء" إضافي، بل يوجد في "عدم المشاركة" الواعية: الصمت، إيقاف اللعب، وترك المشهد دون جمهور. إن الطريقة الوحيدة لتحدي استبداد الواقع المفرط هي "استعادة" أدوات الممارسة الاجتماعية من يد العرض المسرحي وإعادتها للاستخدام الحر للبشرية. وحتى يحدث هذا التحول، سيبقى العالم مسرحاً مغلقاً حيث يلوح الممثلون بأسلحة حقيقية في مسرحية الرؤية الكلية والإقصاء الشامل، بانتظار لحظة يستعيد فيها الإنسان قدرته على الرؤية وراء الستار.

***

غالب المسعودي

................................

هوامش ومرجعيات

ديبور، غي. مجتمع الاستعراض. (تحليل كلاسيكي لتحول الحياة إلى صور في ظل الرأسمالية المتأخرة).

بودريار، جان. المحاكاة والاصطناع. (دراسة مفهوم الواقع المفرط وكيف تسبق الصورة الواقع الأصلي).

فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة. (حول تحولات السلطة وآليات السيطرة على الأجساد).

كراوتش، كولين. ما بعد الديمقراطية. (حول تآكل الدور الشعبي في الأنظمة الليبرالية المعاصرة).

أغامبين، جورجيو. حالة الاستثناء. (حول تعليق القانون لصالح السلطة السيادية في الأزمات).

مبيمبي، أشيل. سياسة الموت. (حول كيفية إدارة السيادة للحق في القتل والعيش في الصراعات الحديثة).

آرنت، حنة. في العنف. (دراسة التمايز بين القوة والعنف والسلطة في الحيز العام).

باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. (حول تآكل الروابط الاجتماعية والثبات في عصر الاستهلاك المستمر).

 

نعيش في زمن يتسارع فيه كل شيء، وجبات أكل سريعة تدافع سريع للتقنية والمعلومات حتى وصل الأمر إلى الوجبات النفسية السريعة في قوائم تطوير الذات. يكفي أن تمرر إصبعك على شاشة هاتفك لتجد قوائم جاهزة تعدك بنسخة أفضل من نفسك: “عشر عادات للشخص المتوازن”، “سبع خطوات للثقة بالنفس”، “افعل ولا تفعل”. نقرأ ونفهم ونشعر بشيء يشبه الارتقاء اللحظي، ثم نعود بعد أيام إلى أنماطنا القديمة وكأن شيئًا لم يحدث. هنا تظهر مشكلة لا تتعلق بالقوائم بحد ذاتها، وإنما بطريقة فهمنا لطبيعة الوعي والتغيير.

المشكلة الأساسية هي افتراض ضمني أن الإنسان يتغير كما يتغير جهاز الكمبيوتر حيث تُدخل له معلومات صحيحة، فيُنتج سلوكًا صحيحًا. ولكن هذا لا يحدث في حالة الإنسان. فالمعرفة ليست دائمًا قوة، هي قوة عندما تستخدمها فقط. وما عدا ذلك، ربما تكون مجرد وهم بالقوة. إن فهم مبدأ لا يعني القدرة على تطبيقه تحت الضغط. هناك فرق جوهري بين أن تعرف شيئًا، وأن تكون قادرًا على تطبيقه والعيش وفقه.

العقل البشري يعمل كمنظومة متداخلة من التجارب والانفعالات والتوقعات. ويمكن تشبيه هذه المنظومة بالعجين الذي يتشكل عبر سنوات طويلة من المخاوف القديمة والخبرات المؤلمة ولحظات النجاح وأنماط تفسير العالم. وبعد هذا الامتزاج العميق، كما أننا لا نستطيع أن نقول هنا طحين وهنا ماء داخل العجين، لا نستطيع أيضًا أن نفصل في العقل بين ما هو تفكير وما هو شعور وكأن كل واحد منهما عنصر مستقل. فكل ما يصدر عن الإنسان يكون مزيجًا متداخلًا من الاثنين معًا، حتى في أكثر لحظاتنا التي نظنها عقلانية. لذلك، ما نسميه تفكيرًا عقلانيًا يكون في كثير من الأحيان مشبعًا ببنية عاطفية عميقة تعمل في الخلفية دون أن ننتبه إليها.

من هنا، تصبح قوائم تطوير الذات أدوات محدودة الوظيفة. هي تعمل في أفضل حالاتها كوسيلة تذكير أو توجيه. فائدتها تظهر لدى من يمتلك أصلًا بنية داخلية قريبة من تلك السلوكيات؛ أي أنها تصف ما هو موجود أكثر مما تصنع ما هو مفقود. أما تحويل السلوك بشكل مستقر، فهو يتطلب تدخلًا أعمق من مجرد التذكير. وهذا ما دعانا إلى كتابة هذا المقال.

 ذلك لا يعني أن القوائم بلا قيمة. ففي بعض الحالات، يمكن للسلوك أن يسبق الإدراك، ويحقق التغيير المطلوب وهي فكرة معروفة في العلاج المعرفي السلوكي، حيث يُستخدم التكرار المقصود للسلوك لإحداث تعديل تدريجي في البنية الداخلية. غير أن نجاح هذا المسار مشروط بعوامل محددة: الاستمرارية، الارتباط العاطفي، والسياق الذي يُمارس فيه السلوك. بدون هذه الشروط، يتحول التطبيق إلى أداء شكلي سرعان ما ينهار عند أول اختبار حقيقي.

إذًا، الإشكال ليس في القوائم، بل في المبالغة في تقدير قدرتها. حين نتعامل معها كأدوات تحويل جذري، نقع في وهم معرفي: نخلط بين إدراك الفكرة وامتلاكها. أما حين نراها كبوصلة تشير إلى اتجاه مرغوب، فإنها تستعيد قيمتها الحقيقية.

حين ننتقل من السلوك إلى التطبيق، يتغير السؤال من ماذا أفعل؟ إلى كيف أرى؟، وهنا تبدأ المسافة الحقيقية بين القوائم والتغيير الفعلي. فالسلوك االمطلوب هو المحطة الأخيرة لسلسلة طويلة من العمليات الداخلية التي تعمل بصمت، وتعيد إنتاج نفسها مع كل موقف مشابه. يمكن وصف هذه السلسلة بأنها عدسة إدراكية تتكون من تراكمات الذاكرة والانفعال والتوقع، وهي التي تحدد زاوية التقاطنا للواقع قبل أن نقرر كيف نتصرف حياله. وعندما تكون هذه العدسة مشبعة بإحساس خفي بالتهديد أو المقارنة أو النقص، فإن أي سلوك يُبنى فوقها يحمل هذا الأثر، حتى وإن بدا متزنًا في شكله الخارجي.

في هذا المستوى يصبح الحديث عن الجذور والثمار أكثر وضوحًا. فمحاولة تغيير السلوك دون فهم الطريقة التي يتشكل بها تشبه محاولة تعديل نتيجة دون النظر إلى السبب الذي أنتجها. ومع مرور الوقت يظهر فرق بين ما نحاول أن نظهره للآخرين وما نشعر به في الداخل، ويزداد هذا الفرق في لحظات الضغط، حيث تعود ردود الفعل القديمة للظهور بشكل تلقائي. لذلك، يبقى الحديث عن تطوير الذات غير مكتمل إذا لم يتجه إلى طريقة فهمنا للأحداث، وكيف نعطي معنى لما يحدث لنا.

 هذا يقودنا إلى إعادة فهم السلوك لا إلى إنكار دوره ضمن منظومة أوسع. فالتكرار يمكن أن يترك أثرًا مرغوبًا، خاصة حين يكون مصحوبًا بانتباه صادق وتجربة شعورية وعاطفية حاضرة، وعندها يتحول الفعل من محاولة تطبيق خارجي إلى عملية إعادة ترميز تدريجية، حيث تبدأ العدسة نفسها في التحول ببطء.   وهي عملية تحتاج زمنًا كافيًا يسمح بإعادة ترتيب العلاقات الداخلية دون استعجال النتائج.

التغيير الحقيقي، أو ما أسميه تنظيف العدسة الإدراكية، يبدأ من معالجة توزيع الضوء داخلنا. عندما نفهم لماذا نشعر بالتهديد من تميز الآخرين، يبدأ العجين النفسي في التحلل وإعادة التشكل من جديد. إن مدح الآخرين، إضافة إلى كونه مهارة اجتماعية، هو أيضًا فيض طبيعي يحدث عندما يستوعب العقل فكرة الوفرة؛ أي عندما يدرك أن ضوء الآخرين لا ينقص من ضوئك شيئًا، بل يضيف إلى العالم مزيدًا من الإنارة.

ضمن هذا الفهم، تستعيد قوائم تطوير الذات مكانها الواقعي كإشارات اتجاه، تذكّر بما يمكن أن يكون عليه السلوك عندما تنضبط الرؤية الداخلية، وتفتح باب المراجعة دون أن تدّعي القدرة على إعادة البناء.

الاتزان النفسي لا يأتي من إضافة سلوكيات جديدة، بل من تغيير الطريقة التي يتشكل بها السلوك من الداخل. وعندما يحدث هذا التغيير، تبدأ الصفات الجيدة بالظهور بشكل طبيعي ودون جهد كبير، بدل أن تكون مجرد محاولة لإظهار صورة معينة أمام الآخرين.

***

الكاتب: نبيل عيدو

المفكر والمثقف يبدوان للوهلة الأولى متشابهين، لكن بينهما فروق في الوظيفة وطريقة التعامل مع المعرفة والواقع. المفكر، حسب اعتقادي، هو ذلك الرجل الذي يتمتع بمواهب لا تنكر، وطلاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض على الجميع أن يكون أحد الأسماء المهمة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية التي يضعها بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون، وألا يكون مجرد مفكر يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعًا بمبادئ الحق والخير والجمال، بل لا بد أن يكون إنسانًا في تفلسفه، وفيلسوفًا في إنسانيته.

 علاوة على ذلك، فإن المفكر في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخرى، منها: أن يكون مغامرًا لا يحده خوف، ومناضلًا لا تتعبه خيبة، ومقاومًا لا تكسره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتبًا لم تكن في الحسبان، بحيث يكون سلاحه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متقد انتهج النقد سبيلًا، والتجديد أسلوبًا، والكشف عن المنسي هدفًا، وألا يرضى بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يسن قلمه وينهض بنفسه في حراك لا يهدأ، سفرًا وبحثًا وإنتاجًا، وأن تكون له حركة هادرة لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة على الدوران في المعنى، والاستنطاق المستدام الذي لا يعرف السكون، وأن يكون جيشًا من الفاعلين، وأن يكون مبدعًا في أكثر من مجال، وكأنه مركز أبحاث أو خلية نحل.

  بينما نجد المثقف يتميز بعدة ميزات من أهمها :

1- المثقف شخص يكوّن عبر سنوات عمره مخزونًا معلوماتيًا يحوي بيانات ومعلومات وأفكار المفكرين والمتخصصين والفلاسفة وغيرهم. فهو شخص يحمل العلم، لكنه لا يصنعه أو يصوغه أو يخلقه أو يبدعه.

2- المثقف وسيط بين المعرفة والمجتمع، يقرأ ويطلع على الفلسفة والأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية، ثم يعيد صياغة هذه المعارف في شكل خطاب موجه إلى الجمهور، مثل المقالات والمحاضرات والدروس المميزة والبرامج الإعلامية والمحاضرات الثقافية وغيرها.

3- المثقف ينشر الوعي ويدخل الأفكار في الفضاء العام، ويحول النقاش النظري إلى قضية رأي عام. قد يكون المثقف مبدعًا في أسلوبه ومناقضًا للواقع، لكنه غالبًا ما يعتمد على رصيد فكري أنتجه آخرون، ثم يعيده في ثوب سياق اجتماعي محدد.

مع ذلك، فالعلاقة بين المثقف والمفكر ليست علاقة قطيعة تامة. في أحسن الأحوال يتداخل الدوران، وذلك حين يخرج المثقف من برجه النظري ليخاطب المجتمع، ويكون المثقف مفكرًا عندما يتجاوز مجرد التعليق على الأحداث إلى إنتاج أسئلة جديدة وهدم بنى فكرية راسخة. لكن التمييز بين المفهومين يبقى مهمًا لكي نفهم أن امتلاك رصيد معرفي واسع، أو الظهور في الإعلام، لا يعني بالضرورة أن صاحبه مفكر، وأن العمل الفكري لا يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الفكرة على إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

   في اعتقادي أن عبد الجبار الرفاعي (مع حفظ الألقاب) مفكر من طراز فريد، ووريثًا لسلسلة من المفكرين العراقيين النوابغ، أمثال: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد رضا المظفر، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم من الذين آثروا الخروج بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يغلب في خطابه العقلي الفلسفي على النقل. وذلك من حيث مناشدته في كل كتاباته التي كتبها لفكرة التغير الجذري الرامية إلى إحداث خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعة الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجي بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلًا الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفيًا لتقاليد الأتباع، وتأسيسًا لقيم الابتداع.

    لقد كان عبد الجبار الرفاعي بارعًا في ذلك، سيما أنه نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبية مشرقة، وفكَّ أصعب مسائل قضايا العقيدة، وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية. واستطاع بكتاباته أن يخرج علم الكلام الجديد من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات، ليؤدي دوره في حياتنا الفكرية المعاصرة، وذلك من خلال سعيه إلى تقديم قراءة تأويلية إنسانية للنصوص، بعيدة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي، تهدف إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وذلك ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية، تكره الخضوع لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس والمدنس.

لذلك تميز المشروع العقدي عند عبد الجبار الرفاعي، كما قال كاظم عبد النبي لعيبي وعلي عبد الهادي المرهج، برؤية نقدية تتناول جذور الأزمات الفكرية التي أنتجت خطاب العنف، مع تأكيده على ضرورة تجديد آليات التفكير الديني لتكون أكثر انسجامًا مع المتغيرات الحضارية والإنسانية.كما يعد من الأصوات القليلة التي سعت إلى تفكيك العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، محذرًا من مخاطر التوظيف السياسي للنصوص في إذكاء الصراعات. ويبرز في فكره اهتمام خاص بالبعد الإنساني للدين، إذ يرى أن الأديان جاءت في جوهرها لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. ومن هنا تكتسب دراسة مشروعه أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في التصدي للفكر المتطرف.

   عبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، ولد عام 1954 في محافظة ذي قار بجنوب العراق. يُعنى بقضايا تجديد علم الكلام والفكر الديني، ويُعرف بدعوته إلى أنسنة الدين وتطوير الفكر الديني ليكون أكثر انفتاحًا على قيم الرحمة والحرية والعقلانية. نشأ في بيئة دينية ريفية، ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية والجامعات، وله مؤلفات عديدة في الفكر الديني وفلسفة الدين.

والسؤال الآن: ما مبرراتي وإصراري على جعل عبد الجبار الرفاعي مفكرًا من الطراز الأول؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من أهمها:

أولا: أن عبد الجبار الرفاعي من المفكرين الذين جعلوا من إنتاج الأفكار مهمتهم الأولى، وذلك حين انطلق في مشروعه في فلسفة الدين بأجزائه المتعددة من أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والمعنى، ويشتغل على بناء مفاهيم جديدة أو تفكيك مفاهيم سائدة، مستخدمًا أدوات الفلسفة والنقد والتحليل المنهجي.

ثانيًا: أن ما يميز عبد الجبار الرفاعي أنه لا يكتفي بنقل المعرفة أو تلخيصها، بل يحاول إعادة بناء الإطار النظري نفسه، حيث يبتكر ويشكك ويعيد الصياغة ويقترح رؤى بديلة. لذلك كثيرًا ما نجده في صراع مع السائد واللغة اليومية، ومع البنى الراسخة في الثقافة والدين والسياسة.

ثالثًا: أن عبد الجبار الرفاعي منتج للمعنى، وليس ناقلًا ومنظمًا ومفسرًا له؛ لذلك فهو يهتم بالبنية العميقة للفكرة والأسئلة الأولى مثل: ما الحرية؟ وما الحقيقة؟ وما العدالة؟ ما الدين؟ ما الإنسان؟ وغيرها. لم يهتم بترجمة هذه الأسئلة إلى مواقف وممارسات، مثل: كيف ندافع عن الحرية في هذا البلد، أو كيف نصلح التعليم، أو كيف نواجه الاستبداد والفساد.

رابعًا: أن عبد الجبار الرفاعي غالبًا ما يظهر في كتاباته ومقالاته على المستوى النظري التجريدي، لا العمومي العملي؛ لذلك كثيرًا ما أجد لديه حديثًا عن علاقة بالسلطة والجمهور. الرفاعي غالبًا ما يكون معزولًا، يعمل في صمت، ويكتب نصوصًا قد يصعب على الجمهور الواسع قراءتها، لأنها تفكك المسلمات، وتستعمل لغة مفهومية دقيقة.

خامسًا: إن عبد الجبار الرفاعي يصر دائمًا على أن يجعل دوره كمفكر متصلًا بحركة الحياة، وهداية المجتمع، وتغيير الإنسان وإنضاجه أو تحسين حاله. وفي الوقت نفسه، أراه يتقمص وظيفة المثقف والعالم، الرامية إلى إدارة الحياة، ودفع المجتمع إلى التقدم، وتحصيل القوة والمنفعة والرفاهية، وتحسين أوضاع الإنسان.

سادسًا: أن وظيفة المفكر تتصل بحركة الحياة، وكأن عبد الجبار الرفاعي كان مصرًا على تأكيد قول علي شريعتي في كتابه "العودة إلى الذات" (2006)، بأن السمة البارزة فيه هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة، ويحسن التفاهم مع قومه، ويتقن معرفة عصره، ويعيش الإحساس بآلام العصر، ويدرك في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه، ويكون واعيًا بزمانه الاجتماعي.

سابعًا: إن أهم ما يميز فكر عبد الجبار الرفاعي أيضًا هو ما أسماه علي حرب في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف" (1996م) بـ"جبهة الممتنع"، ويقصد به ما يتصل بعالم الفكر والتفكير. لذلك يهتم الرفاعي بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، وكأنه في النهاية مفكر صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية. لذلك لم أكن مبالغًا حين نعتُه بأنه: "نحّات المفاهيم الجديدة".

ثامنًا: من الأمور التي جعلتني أصف عبد الجبار الرفاعي بأنه مفكر من الطراز الأول نقدُه لأدلجة الدين، من خلال قضية ترحيل الدين من مجاله الأنطولوجي العميق إلى سياقات وظيفية ضيقة يُستلب فيها ويُسخَّر لخدمة أهداف محدودة، ما يميت رحمانيته ورحابته الأنطولوجية، ويجعله أكثر عنفًا وانغلاقًا ونبذًا للآخر. ومن هنا جاء نقده لـ علي شريعتي تحت عنوان: "المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا". ونفس الشيء يُقال عن حسن حنفي حين اختزل الدين في الأيديولوجيا.

تاسعًا: كذلك لا ننسى براعة عبد الجبار الرفاعي في تأسيس فهمه للدين على: إعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي والنبوة، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادة تحديد وظيفته في الحياة، والكشف عما يمكن أن يقدمه الدين للإنسان من احتياجات روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسان من عواطف ورفق، وما يمنحه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة. في ضوء ذلك يعيد الرفاعي تعريفه الخاص للدين، بوصفه شفقة ورحمة تمنحها الأديان للحياة، فيراه في كتاباته: "حياة في أفق المعنى" استجابة لحاجة الإنسان إلى المعنى.

عاشرًا: وأخيرًا وليس آخرًا، أرفع القبعة لـ عبد الجبار الرفاعي في جمال دعوته نحو تعريف منظور حداثي للدين، حيث انتقل فيه الرفاعي من كون الدين منظومة مغلقة من الأحكام والطقوس إلى كونه تجربة وجودية مفتوحة تستجيب لحاجات الإنسان في أبعاده العميقة. فحين يعرف الدين بأنه "حياة في أفق المعنى"، فهو يعيد ربطه بالأسئلة الكبرى للوجود، ويخرجه من أسر الصراعات الأيديولوجية أو التفسيرات الجامدة إلى فضاء أرحب يلتقي فيه الروحي مع الجمالي والخلقي مع الإنسان... وللحديث بقية..

***

أ. د. محمود محمد علي

مفكر مصري

القبيلة إطار اجتماعي، والدولة إطار سياسي. عبارة تبدو في ظاهرها توصيفا بسيطا، لكنها في العمق تكشف عن بنية مأزومة، حيث تختلط الحدود بين ما هو تقليدي وما هو حديث، بين ما يفترض أنه مجال للانتماء الثقافي، وما يفترض أنه مجال لتنظيم السلطة. في المجتمعات المستقرة، يظل هذا الفصل واضحا نسبيا: القبيلة تحتفظ بوظيفتها الرمزية والاجتماعية، بينما تحتكر الدولة المجال السياسي والقانوني. أما في المجتمعات التي تعاني من هشاشة بنيوية، فإن هذا الفصل يتآكل تدريجيا، حتى يصل إلى مرحلة التداخل الكامل، حيث لا تعود القبيلة مجرد إطار اجتماعي، ولا الدولة مجرد إطار سياسي، بل يتحول كل منهما إلى امتداد مشوه للآخر.

الأزمة السياسية التي تتصاعد وتزداد تعقيدا ليست مجرد نتيجة لصراع على السلطة، بل هي انعكاس لفشل عميق في تعريف من يملك الحق في إدارة الشأن العام، وبأي أدوات، وعلى أي أساس. حين تكون مساهمة أطراف الصراع في إدارة الملف السياسي محدودة أو معدومة، فإن ذلك لا يعني غياب الفعل السياسي، بل يعني احتكاره من قبل قوى ضيقة، غالبا ما تستند إلى الولاءات الأولية، وفي مقدمتها القبيلة. وهنا تبدأ السياسة في الانحدار من فضاء التفاوض العقلاني إلى فضاء الاصطفاف الهوياتي، حيث لا تحسم القضايا وفق منطق المصلحة العامة، بل وفق ميزان القوة والانتماء.

تتحول القبيلة من بنية اجتماعية إلى فاعل سياسي مركزي. لم تعد مجرد إطار يوفر الحماية المعنوية أو التكافل الاجتماعي، بل أصبحت أداة تعبئة، ومنصة للشرعية، وقناة للوصول إلى الموارد والسلطة. ومع هذا التحول، يعاد تعريف مفاهيم أساسية مثل الحق والتمثيل والعدالة. فالحق لم يعد مرتبطا بالمواطنة، بل بالانتماء؛ والتمثيل لم يعد قائما على البرامج أو الكفاءة، بل على القدرة على حشد الجماعة؛ أما العدالة، فتفقد طابعها المؤسسي لتتحول إلى تسوية عرفية تدار داخل حدود القبيلة أو بين القبائل.

الدولة، في المقابل، لا تختفي، لكنها تفقد مضمونها. تبقى مؤسساتها قائمة شكليا، وتستمر القوانين في الوجود كنصوص، لكن الفاعلية الحقيقية تنتقل إلى خارجها. يصبح القانون انتقائيا، يطبق حين يخدم موازين القوة، ويعطل حين يتعارض معها. وتتحول المؤسسات إلى واجهات، تستخدم لإضفاء شرعية شكلية على قرارات تتخذ في أماكن أخرى، غالبا خارج الإطار الرسمي. هكذا، تتحول الدولة إلى كيان هجين: لا هي دولة قانون حقيقية، ولا هي بنية تقليدية خالصة، بل مساحة رمادية يسودها الالتباس.

هذا الوضع لا ينشأ من فراغ، بل من تاريخ طويل من الإخفاقات. فالدولة، منذ نشأتها، قد تكون فشلت في بناء عقد اجتماعي جامع، أو في تحقيق حد أدنى من العدالة في توزيع الموارد، أو في خلق شعور عام بالانتماء الوطني يتجاوز الانتماءات الضيقة. وفي غياب هذه الشروط، لم يجد الأفراد سببا كافيا للثقة في الدولة، فعادوا إلى ما هو أقرب وأكثر موثوقية: القبيلة. لكن هذا الرجوع ليس بريئا، لأنه لا يتم في فراغ، بل في سياق صراع على السلطة، مما يجعل القبيلة نفسها عرضة للتسييس، وبالتالي للتشويه. المفارقة أن هذا التداخل بين القبيلة والدولة لا ينظر إليه دائما بوصفه أزمة، بل يعاد إنتاجه وتبريره. تستخدم مفاهيم مثل الخصوصية الثقافية أو الواقع الاجتماعي لتبرير استمرار الهيمنة القبلية على المجال السياسي. لكن هذه التبريرات تتجاهل أن ما يحدث ليس مجرد تعبير عن الثقافة، بل هو توظيف سياسي لهذه الثقافة. فالقبيلة، في حد ذاتها، ليست مشكلة؛ المشكلة تكمن في تحويلها إلى أداة للسلطة، وفي استخدامها كبديل عن مؤسسات يفترض أن تكون أكثر شمولا وحيادا.

النخب السياسية تلعب دورا محوريا في تكريس هذا الوضع. بدل أن تعمل على بناء دولة تتجاوز الانقسامات، فإنها غالبا ما تستثمر فيها. تعتمد على القبيلة كقاعدة دعم، وتعيد إنتاج خطاب يعزز الانتماءات الضيقة، لأنها تدرك أن بقاءها في السلطة مرتبط بقدرتها على التحكم في هذه الشبكات. وهكذا، تتحول النخبة من فاعل إصلاحي محتمل إلى جزء من المشكلة، بل إلى أحد أهم أسباب استمرارها. هذا التواطؤ بين النخبة والبنية القبلية يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها. فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قوة القبيلة؛ وكلما ازدادت قوة القبيلة، تراجعت فرص بناء دولة قوية. وفي ظل هذا التوازن المختل، يصبح أي مشروع إصلاحي مهددا بالفشل، لأنه يصطدم ببنية مصالح متجذرة، لا ترى في الإصلاح إلا تهديدا مباشرا لنفوذها. أن هذا الوضع يعيد تعريف الصراع نفسه. لم يعد صراعا سياسيا يمكن حله عبر التفاوض أو التسوية، بل يتحول إلى صراع هوياتي، حيث تختزل القضايا في ثنائيات حادة: نحن مقابل هم. وفي هذا النوع من الصراعات، تصبح التسويات أكثر صعوبة، لأن التنازل لا ينظر إليه كخيار سياسي، بل كخيانة للانتماء. وهنا، تدخل المجتمعات في دوامة من العنف الرمزي والمادي، يصعب الخروج منها.

كما أن سيطرة المنطق القبلي على المجال السياسي تؤدي إلى تشويه الاقتصاد نفسه. فبدل أن توزع الموارد وفق معايير الكفاءة أو الحاجة، يتم توزيعها وفق اعتبارات الولاء والانتماء. تتحول الوظائف العامة إلى أدوات للمحاصصة، وتستخدم المشاريع التنموية كوسائل لكسب الدعم، لا كخطط لتحقيق التنمية. وفي ظل هذا الوضع، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويصبح الفساد ليس استثناء، بل قاعدة. لكن، رغم هذا التشخيص القاتم، فإن الحل لا يكمن في إعلان حرب على القبيلة، ولا في محاولة اقتلاعها من جذورها. القبيلة، في نهاية المطاف، جزء من النسيج الاجتماعي، ولها وظائف لا يمكن إنكارها، خاصة في مجتمعات تعاني من ضعف الدولة. المطلوب ليس إلغاءها، بل تحييدها سياسيا، وإعادة وضعها في إطارها الطبيعي كحامل للهوية والثقافة، لا كأداة للسلطة.

تحقيق ذلك يتطلب إعادة بناء الدولة من الأساس، ليس فقط كمؤسسات، بل كفكرة. يجب أن تقوم على عقد اجتماعي جديد، يضمن المساواة أمام القانون، ويوفر حدا أدنى من العدالة في توزيع الموارد، ويخلق شعورا حقيقيا بالانتماء. كما يتطلب إصلاح النظام السياسي بحيث يتيح مشاركة فعلية لمختلف الأطراف، بدل إقصائها أو تهميشها، لأن الإقصاء هو أحد أهم الأسباب التي تدفع الجماعات إلى الاحتماء بالقبيلة. إلى جانب ذلك، لا بد من إعادة تعريف دور النخبة. يجب أن تتحول من وسيط قبلي إلى فاعل وطني، من مستثمر في الانقسام إلى منتج للتوافق. وهذا لن يحدث بسهولة، لأنه يتطلب تغييرا في بنية الحوافز نفسها، بحيث يصبح البقاء في السلطة مرتبطا بالأداء، لا بالولاء.كما أن المجتمع نفسه له دور لا يقل أهمية. فالتغيير لا يمكن أن يفرض من الأعلى فقط، بل يحتاج إلى تحول في الوعي، إلى إدراك أن الاعتماد على القبيلة كبديل للدولة هو حل قصير المدى، يحمل في داخله بذور أزمات مستقبلية أكبر. هذا الوعي يمكن أن يتشكل عبر التعليم، والإعلام، والنقاش العام، لكنه يحتاج أيضا إلى نماذج ناجحة تثبت أن الدولة يمكن أن تكون بديلا حقيقيا.

الأزمة ليست في وجود القبيلة، ولا في فكرة الدولة بحد ذاتها، بل في العلاقة المختلة بينهما. حين تفشل الدولة في أن تكون إطارا جامعا، تتقدم القبيلة لملء الفراغ؛ وحين تسيّس القبيلة، تفقد الدولة قدرتها على الاستقلال. وبين هذا وذاك، تضيع السياسة، ويتحول الصراع إلى معركة مفتوحة بلا أفق.إعادة التوازن بين الإطارين ليست مهمة تقنية، بل مشروع تاريخي معقد، يتطلب إرادة سياسية، ووعيا مجتمعيا، وصبرا طويلا. لكنه، رغم صعوبته، يظل الخيار الوحيد للخروج من الدائرة المغلقة، وبناء دولة لا تكون مجرد اسم، بل حقيقة قادرة على احتواء الجميع، دون أن تلغي أحدا، ودون أن تختزل في جماعة أو قبيلة.

***

زكريا نمر

 

في عالم يستهلك المعرفة بسرعة، ويقدس المظهر اكثر من الجوهر، اصبح من السهل تمييز المثقف الحقيقي عن مثقف المظاهر. فالمجتمع اليوم يخلط بين من يمتلك شهادات، او كتب، او حضور اعلامي، وبين من يمتلك القدرة على التفكير النقدي واثارة الاسئلة التي تحرك الفكر. كثير من الذين يسمون بالمثقفين يعيشون في فقاعة ظاهرية، يكررون الافكار الجاهزة، ويكرسون الوقت للجدل العقيم بدل مساءلة الواقع. ويظهر الفرق الجوهري المثقف الحقيقي هو من يصنع الاسئلة، بينما المثقف المزيف يكتفي بتكرار الاجوبة الجاهزة.

صناعة السؤال ليست مجرد مهارة ذهنية، بل موقف وجداني وفكري. انها شجاعة مزدوجة: شجاعة تجاه الذات، للاعتراف بالجهل والتواضع امام المجهول، وشجاعة تجاه المجتمع، لمواجهة المألوف وكسر الثوابت الاجتماعية والفكرية. المثقف الحقيقي يعرف ان السؤال احيانا اقوى من الجواب، لان الجواب يقف عند حدود المعرفة، بينما السؤال يفتح افقا جديدا للتفكير، يهدد الثوابت، ويحرر الفكر من القيود المفروضة عليه. المثقف المزيف غالبا ما يظهر في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، يكرر شعارات جاهزة عن الحرية والعلم والفكر، لكنه يتجنب مواجهة الواقع الحقيقي. يتحدث عن العدالة لكنه يخاف مساءلة السلطة، يتحدث عن التغيير لكنه يخاف التحدي. دوره يقتصر على نقل الاسئلة القديمة والاجوبة المتكررة، بينما العالم يتغير من حوله، وتتسرب الفرص للتفكير الحر من بين يديه.

المثقف الحقيقي لا يكتفي بالاسئلة التقليدية، بل يخلق اسئلة جديدة، يزعج بها المجتمع، ويكشف التناقضات التي يفضل الناس تجاهلها. يسأل لماذا يستمر التعليم في تكريس افكار قديمة، لماذا السياسة تدور في حلقة مفرغة، ولماذا يقبل المجتمع بقيود على الفكر وكأنها قوانين طبيعية. السؤال بالنسبة له ليس تمرينا عقليا، بل اداة للمواجهة، وللتغيير، ولتحريك الفكر من الجمود. صناعة السؤال ايضا تعني مواجهة المخاطر. كل سؤال جريء قد يزعج جماعة، قد يحرج السلطة، وقد يفضح المظاهر الزائفة للمجتمع. المثقف الحقيقي يختار الطريق الصعب، ويستمر في طرح اسئلته رغم كل التهديدات، لان الصمت او تكرار الاجوبة الجاهزة هو الموت الحقيقي للفكر. بينما المثقف المزيف يبحث عن الامان الاجتماعي، ويتجنب اي سؤال قد يجرح صورته او مكانته.

اليوم، كثير من المثقفين الزائفين يروجون لفكر سطحي، يتحدثون عن حقوق الانسان والحرية والعلم، لكنهم لا يجرؤون على طرح اسئلة عن الفساد، التمييز الاجتماعي، او دورهم في مواجهة القهر. اسئلتهم دائما مأمونة، اسئلتهم تخدم الشهرة اكثر من الحقيقة. اما المثقف الحقيقي، فكل سؤال يطرحه يهدف الى كشف الحقيقة، دفع المجتمع للتفكير النقدي، واحداث اثر مستدام.

المثقف الحقيقي هو من يترك اثر طويل المدى. اسئلته لا تختفي مع رحيله، بل تستمر في ايقاظ العقول، تحفيز النقاشات، واجبار الاخرين على البحث والمساءلة. السؤال بالنسبة له اداة للحرية، للفكر، وللتحرر من القيود الفكرية والاجتماعية. في النهاية، المثقف الحقيقي ليس من يعرف كل شيء، ولا من يمتلك اجوبة لكل استفسار، بل من يجرؤ على طرح اسئلة لم يجرؤ احد على طرحها، ويستمر في ذلك رغم كل الصعاب، لان تقدم الفكر يعتمد على الجرأة في السؤال والمثابرة في البحث.

***

زكريا نمر

 

اطَّلعت هذه الأيام على كتابين، يقدم كل منهما رؤية خاصة لتاريخ الاقتصاد، ومن ثم نظرية اقتصادية متمايزة عن الآخر. الكتاب الأول «مقالة في طبيعة علم الاقتصاد وأهميته» أصدره ليونيل روبنز في 1932، وكرَّسه للبرهنة على أن موضوع الاقتصاد هو سلوك الأفراد حين يواجهون محدودية الموارد التي يحتاجون إليها لتحقيق غاياتهم. كمثال: تحتاج للطعام كي تبقى على قيد الحياة. توفير الطعام يتطلب المال لشرائه أو العمل لإنتاجه. وكلاهما (المال والعمل) كميته محدودة. أما حين تتوفر الموارد/ الوسائل بما يغطي الحاجة، فلا موضوع للاقتصاد. طالع مثلاً الماء والهواء: الماء متوفر لكنه محدود، فكلما صرفت شيئاً توجَّب أن تدفع ثمنه، مما يدفعك للاقتصاد فيه؛ خصوصاً لو كنت تريد استعمال المال لغايات أخرى، كالسفر أو العلاج أو غيرهما. أما الهواء فمتاح مجاناً وبكميات لا متناهية، لذا نستطيع استهلاكه قدر ما نشاء.

ندرة الموارد تملي على الإنسان أن يختار بين الغايات المختلفة، كي ينفق أقل قدر من موارده، لتحصيل أكبر قدر من غاياته. وتطابق هذه الرؤية نظرية مشهورة، هي نظرية «الاختيار العقلاني». وخلاصتها أن الإنسان –بطبعه– يسعى لزيادة مكاسبه في أي معاملة. جوهر العقلانية أن تسعى للاستفادة القصوى من تبادلاتك مع الآخرين، وليس تقبُّل الخسارة.

أثارت رؤية روبنز جدلاً كثيراً في وقتها. ثم ترسخت بمرور الزمان كأساس لمبدأ السوق الحرة، أو السوق الذاتية التنظيم، الذي تقوم على أرضيته معظم اقتصادات العالم المعاصر.

أما الكتاب الثاني فهو «التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر» للمفكر النمساوي- المجري كارل بولانيي (1886- 1964). ومساره معاكس تماماً للكتاب السابق. ولهذا اعتبره باحثون كثيرون أهم المقاربات النقدية لاقتصاد السوق ومنطلقاته الفلسفية.

كان روبنز قد افترض أن مشكلة الندرة جزء من طبيعة الحياة، وليست مسألة عارضة ولا مؤقتة، ولا حل لها غير تبادل الموارد بين من يحتاج ومن لا يحتاج، أو الاختيار بين الغايات بأخذ بعضها وترك الآخر. وقال إن هذه العناصر تشكل الموضوع الجوهري للمسألة الاقتصادية.

أما بولانيي فقرر أن هذه الرؤية تحول المجتمع من نظام لحياة البشر إلى جزء من الماكينة التي تتولى توزيع المال والسلع، أي إلى ملحق بالسوق وتابع لحركتها. والصحيح أن اقتصاد المجتمع جزء من صلب حياته، فلا يمكن فهمه بمعزل عن العالم المفهومي والثقافي للجماعة.

كل مؤسسة أو نشاط، اقتصاداً كان أو غيره، لا يُفهم خارج التجربة التاريخية التي شهدت تطوير المجتمع لنظام حياته وامتداداتها المؤسسية.

عالم الإنسان لا يدور حول تبادل المال. غالبية المجتمعات البشرية -أو ربما جميعها- تتضامن للحفاظ على حياة أفرادها وأملاكها وثقافتها وأعرافها، وتنفق على هذه المهمة كثيراً من المال، حتى لو كان عائدها المادي ضئيلاً أو معدوماً.

يجادل بولانيي بأن نظرية الاختيار العقلاني واقتصاد السوق، تفترض أن الأفراد يتخذون قراراتهم المعيشية أو التجارية في عزلة تامة عن قواعد المجتمع وهمومه. حين يكون الإنسان في السوق، فلا شيء يهمه سوى تعظيم منافعه المادية. هذا التفكير يؤثر بعمق في تنظيم السلوك الفردي وتحديد ما يعد مصلحة أو العكس. فإذا هيمن هذا المنطق، فإن المجتمع سيخسر دوره كنظام للحياة الطيبة، ويتحول إلى مجرد احتشاد للأفراد المشغولين بمصارعة بعضهم لبعض من أجل المال.

يقول بولانيي أن اقتصاد السوق واحد من النماذج الاقتصادية التي عرفها التاريخ، وليس أفضلها، وأن الندرة ليست حتمية، فهي مفهوم يجري تعريفه على ضوء ثقافة المجتمع وهمومه. ما يعد مورداً نادراً في مكان، قد يكون مهملاً في مكان آخر أو زمان آخر. وهو يخص بالذكر الأرض التي باتت سلعة في ظل اقتصاد السوق، وكان ينبغي أن تبقى موضوعاً للعمل كأي جزء من أجزاء الطبيعة، من دون تملُّك أو احتكار على النحو الذي نعرفه اليوم

***

د. توفيق السيف

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 21 شوّال 1447 هـ - 9 أبريل 2026 م

 

نتفاجأ يوميًا في مجتمعنا العراقي، في الداخل والخارج، بحالات طلاق لأزواج، وبخاصة من الشباب، كنا نظن أنهم يعيشون حياة مستقرة وسعيدة. وغالبًا ما كان يُعتقد أن زواجهم قائم على “علاقة حب!”، بما يُفترض معه أن يكون أكثر قدرة على الاستمرار. إلا أن الواقع يكشف، مع الأسف، عن انهيار سريع في بعض هذه الحالات، دون الالتفات الكافي إلى انعكاسات الطلاق على الأطفال وما قد يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى.

أصبحت ظاهرة الطلاق في العراق من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تدعو إلى القلق، والتي ينبغي أن تحظى باهتمام جاد من الدولة والمجتمع. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى إلى أن الطلاق أصبح من القضايا الاجتماعية البارزة خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ عدد حالات الطلاق في عام 2024 نحو 66,000–72,000 حالة، مقابل حوالي 291,000 حالة زواج في العام نفسه، أي أن نسبة الطلاق تقارب حالة واحدة لكل 4 إلى 5 زيجات (بنسبة 20%–25%). ويُقدَّر أن العراق يسجل نحو 8–9 حالات طلاق في الساعة، فيما تتصدر بغداد غالبًا أعلى نسب الطلاق مقارنة ببقية المحافظات.

كما تشير بيانات شهرية حديثة إلى استمرار هذه المعدلات المرتفعة؛ ففي شباط 2025 بلغت حالات الزواج 21,411 حالة، مقابل 6,962 حالة طلاق. وفي شباط 2026 سُجلت 28,479 حالة زواج مقابل 6,151 حالة طلاق (وفقًا لإحصائيات مجلس القضاء الأعلى المنشورة مؤخرًا). ومن الجدير بالإشارة أننا نلاحظ وجود زيادة في الإقبال على الزواج بين 2025 و2026، وهو مؤشر إيجابي يعكس استمرار الرغبة في بناء الأسرة رغم التحديات.

يحتل العراق مرتبة متوسطة بين الدول العربية (نحو المرتبة 7–8 عربيًا)، أي أنه ليس من بين الأعلى، لكنه أيضًا ليس منخفضًا، بل يقع ضمن المستوى “المتوسط المرتفع”. ومن المفارقات أن بعض الدول ذات الدخل المرتفع تسجل نسب طلاق أعلى، ما يدل على أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل ترتبط أيضًا بعوامل اجتماعية وثقافية وتكنولوجية.

تشكل الأسباب الاقتصادية ما يقارب 50% من حالات الطلاق في العراق، وتشمل البطالة، وضعف الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة توفير السكن. ومن الواضح وجود ارتباط وثيق بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الطلاق.

أدّت الطفرات المالية التي شهدها العراق مؤخرًا، والتي استفاد منها بعض الأفراد، إلى بروز حالات ثراء سريع لدى فئات كانت تنتمي إلى طبقات فقيرة أو محدودة الدخل، في حين بقي المحيط الاجتماعي لهؤلاء الأفراد من أقارب وأصدقاء عند مستوياته المعيشية السابقة أو تحسن بشكل محدود. وقد أسهم هذا التفاوت في نشوء مشاعر المقارنة والغيرة والحسد، وما يرافقها من ضغوط نفسية، مما قد يفضي إلى حالة من الإحباط تنعكس سلبًا على الاستقرار الأسري والعلاقات الاجتماعية، لتصل في بعض الحالات إلى الطلاق.

وتأتي الأسباب الاجتماعية في المرتبة الثانية، ومن أبرزها تدخل الأهل والأقارب في الحياة الزوجية، والعادات والتقاليد التي تحد من استقلالية الزوجين، إضافة إلى الزيجات القائمة على الإكراه أو الترتيبات العائلية دون قناعة الطرفين. كما يُعد الزواج المبكر (زواج القاصرين) من العوامل المهمة، نظرًا لغياب النضج الفكري والعاطفي وضعف القدرة على تحمل المسؤولية.

ومن الأسباب الأخرى: عدم التوافق بين الزوجين نتيجة اختلاف المستوى التعليمي والثقافي والفكري، فضلًا عن مشكلات العنف الأسري، والخيانة الزوجية، وضعف الحوار والتفاهم، نتيجة محدودية الوعي الأسري والديني، وعدم الاستعداد الكافي للحياة الزوجية، وغياب ثقافة إدارة الخلافات.

ولا يمكن إغفال تأثير التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أسهمت في زيادة الشك والخلافات، وتعزيز المقارنات الاجتماعية، وتسهيل إقامة علاقات خارج إطار الزواج (الخيانة الإلكترونية).

في الماضي، كانت بعض الفتيات يتأثرن بما تعرضه الأفلام العاطفية من صور مثالية وغير واقعية للحياة الزوجية، فيتشكل لديهن تصور مبالغ فيه عن طبيعة العلاقات. أما اليوم، فقد أصبح تأثير منصات التواصل الاجتماعي أكثر حضورًا، حيث تُعرض عبرها أنماط حياة مثالية ومبالغ فيها، وأحيانًا غير دقيقة، مما يسهم في تكوين توقعات مرتفعة قد لا تنسجم مع الواقع. وعند الاصطدام بالحياة الحقيقية، ينشأ شعور بالإحباط وخيبة الأمل، ينعكس أحيانًا على تقييم العلاقة الزوجية.

لقد وفّرت الجامعات بيئة واسعة للتفاعل بين الطلبة في مرحلة عمرية حساسة، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى نشوء علاقات غير ناضجة. وفي الوقت نفسه، يعتقد بعض الشباب أنهم يعيشون “علاقة حب!”، بينما تكون في حقيقتها استجابة لاحتياجات عاطفية أو شعور بالحرمان. وحتى عندما تنتهي بعض هذه العلاقات بالزواج، فإنها قد تكون غير مستقرة، وغالبًا ما تنتهي بالطلاق. ولا يقتصر هذا النمط على البيئة الجامعية، بل قد يتكرر أيضًا في بيئات العمل.

يلجأ بعض الطلبة أو صغار الموظفين إلى إظهار صورة من الثراء غير الحقيقي؛ إذ يعمد البعض إلى إظهار مستوى مادي غير واقعي. ففي ظل انخفاض تكلفة الملابس، أصبح من الممكن الظهور بمظهر لائق لا يختلف كثيرًا عن مظهر أبناء الميسورين. كما يلجأ البعض، وخاصة من الفتيات، إلى استعارة الحلي أو الإكسسوارات، بل وحتى الملابس، للظهور بمستوى معيشي أعلى من الواقع. ويُستغل هذا المظهر أحيانًا لاستقطاب أشخاص ينجذبون إلى المظاهر المادية، مما قد يوقع الطرفين في علاقات غير متوازنة تكون عواقبها سلبية على المدى البعيد.

ولمعالجة ظاهرة الطلاق المتزايدة، لا بد من تبني مجموعة من الإجراءات المتكاملة، من أبرزها:

- تعزيز الاستقرار الاقتصادي للشباب من خلال توفير فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتقديم قروض ميسرة، والمساعدة في توفير السكن.

- إلزام المقبلين على الزواج بدورات تأهيلية تشمل التوعية بحقوق وواجبات الزوجين، ومهارات التواصل، وإدارة الخلافات، والتخطيط المالي.

- الحد من الزواج المبكر عبر تشديد تطبيق القوانين ورفع الوعي المجتمعي بمخاطره.

- تقليل تدخل الأهل في الحياة الزوجية من خلال حملات توعوية تعزز استقلالية الأسرة الجديدة.

- إنشاء مراكز إرشاد أسري فعّالة لتقديم الاستشارات قبل الزواج وبعده، والمساهمة في حل النزاعات.

- مواجهة العنف الأسري قانونيًا ومجتمعيًا عبر تفعيل القوانين ونشر ثقافة الاحترام المتبادل.

- ترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من خلال برامج توعوية تعزز الاستخدام الواعي.

- تعزيز دور الإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية في نشر ثقافة الزواج الواعي وقيم المسؤولية والتفاهم.

ختامًا، يمكن القول إن الطلاق في العراق ظاهرة متزايدة ومقلقة اجتماعيًا، ترتبط بشكل وثيق بالأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، فضلًا عن ضعف الاستعداد للحياة الزوجية. وهي ليست نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تداخل عوامل متعددة، مما يتطلب معالجة شاملة ومستمرة من جميع مؤسسات الدولة والمجتمع.

ومن المؤلم حقًا أن تكون أشد انعكاسات الطلاق قسوةً هو تأثيره على الأطفال، فهم الأكثر تضررًا نفسيًا وعاطفيًا من الانفصال. لذا، يتوجب على الأبوين الانتباه بعناية لهذا الجانب، والعمل على حمايتهم ودعمهم، لضمان استمرار شعورهم بالأمان والاستقرار رغم تغير ظروف الأسرة. وما زال بالإمكان احتواء هذه الظاهرة إذا توفرت الإرادة والتعاون بين جميع الأطراف.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

شهد العالم خلال العقدين الماضيين تحولاً رقمياً متسارعاً غير طبيعة العلاقات الاجتماعية وأنماط التعبير عن الذات، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ركناً أساسياً من الحياة اليومية للأفراد، ومنصة رئيسة لبناء الصورة الشخصية والتفاعل الاجتماعي والمهني. ولم تعد الهوية الفردية مرتبطة فقط بالواقع المباشر، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي يتيح للأفراد تقديم أنفسهم بصورة انتقائية ومنمقة تعكس ما يرغبون ويتمنون أن يكونوا عليه بعيداً عنا يلاقونه ويتعرضون له في حياتهم من صعوبات أو تحديات تهدد نجاحاتهم وتحقيق ذواتهم بشكل ملائم ومناسب. وهكذا ظهرت الهوية الرقمية بوصفها تمثيلاً افتراضياً للذات يتشكل من خلال المحتوى المنشور، وطبيعة التفاعلات معه، والصورة الذهنية التي يبنيها الفرد يود أن يعيش أبعادها وأطرافها عبر المنصات الرقمية.

تتكون الهوية الرقمية من مجموعة العناصر التي يقدمها الفرد عبر حساباته عبر وسائل التوصال الاجتماعي المختلفة مثل فيس بوك، انستجرام، تويتر، لينكد إن، تيك توك وغيرها، مثل الصور الشخصية، والمنشورات، والفيديوهات، والتعليقات، وطبيعة اللغة المستخدمة، وأنماط التفاعل مع الآخرين. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه العناصر لتشكل تصوراً عاماً لدى المتابعين حول شخصية الفرد، واهتماماته، وقيمه، ومكانته الاجتماعية أو المهنية. ومن هنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أداة لإدارة الانطباع الشخصي والاجتماعي والوظيفي المهني، حيث يسعى الأفراد إلى تقديم صورة إيجابية تعزز القبول الاجتماعي والانتماء لدى الآخرين.

وقد أسهمت طبيعة المنصات الرقمية في تعزيز هذا التوجه، إذ توفر أدوات متعددة للتحكم في طريقة عرض الذات، مثل اختيار الصور الأكثر جاذبية، وإبراز اللحظات الإيجابية والسعيدة من حياتهم، ونشر النشاطات والإنجازات الشخصية أو الاجتماعية والمهنية. في المقابل، يميل كثير من المستخدمين إلى إخفاء الجوانب السلبية أو التحديات اليومية والصعوبات التي تواجههم، مما يؤدي إلى بناء صورة رقمية مثالية تختلف بدرجات متفاوتة عن الواقع الفعلي المعاش. ومع تكرار هذه الممارسات، تبدأ الهوية الرقمية في التحول إلى نسخة محسنة ومعدلة من الذات، تعكس التوجهات والطموحات والرغبات والتوقعات الاجتماعية أكثر مما تعكس التجربة الواقعية التي يعيشها الأفراد حقيقة.

تلعب التفاعلات الرقمية دوراً مهماً في تعزيز هذه الهوية، حيث يحصل المستخدم على تغذية راجعة فورية من خلال الإعجابات والتعليقات والمشاركات من قبل المشاركين والأصدقاء عبر منصته. ويؤدي هذا التعزيز الاجتماعي إلى تشجيع الأفراد على الاستمرار في تقديم المحتوى الذي يحظى بقبول أكبر وثناء ومديح من الآخرين، ما يدفعهم إلى إعادة تشكيل حضورهم الرقمي باستمرار. ومع الوقت، قد يصبح الفرد أكثر اهتماماً بكيفية ظهوره أمام غيره، مقارنة بتركيزه على تجربته الواقعية، الأمر الذي يعزز ظاهرة إدارة الانطباع الاجتماعي في البيئة الرقمية.

كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للمقارنة الشخصية والاجتماعية أو المهنية، حيث يتعرض الأفراد يومياً لصور النجاح والسعادة والإنجاز لدى الآخرين. هذه المقارنات قد تؤدي إلى شعور بعض المستخدمين بأن حياتهم أقل جودة أو أقل نجاحاً  وأقل سعادة منهم، رغم أن المحتوى الرقمي غالباً ما يكون انتقائياً ويعكس الجانب الإيجابي فقط دون أن يسلط الضوء على سلبياتهم والأخطاء التي يقعون فيها. ونتيجة لذلك، يسعى بعض الأفراد إلى تحسين صورتهم الرقمية لمجاراة الآخرين ونيل الأعجاب والقبول منهم، مما يعزز دائرة بناء الهوية الافتراضية المثالية التي تسعى نحو الكمال، ويزيد من الفجوة الكبيرة بين الواقع الوجاهي والصورة الرقمية الأفتراضية.

من جهة أخرى، توفر المنصات الرقمية مساحة للتعبير عن الذات بصورة أكثر حرية مقارنة بالتفاعلات الواقعية المباشرة، الأمر الذي يدفع بعض المستخدمين إلى تبني هويات رقمية تختلف عن شخصياتهم الواقعية. فقد يظهر الفرد أكثر جرأة في التعبير عن آرائه وأفكاره ومشاعره، أو أكثر انفتاحاً وحرية في تفاعلاته، أو أكثر نجاحاً في عرض إنجازاته ونشاطاته اليت يقوم بها. هذه الهويات الرقمية قد تمنح المستخدم شعوراً بالتمكين والثقة والشعور بالراحة، لكنها قد تخلق أيضاً حالة من الازدواجية بين الذات الحقيقية والذات الرقمية المطروحة.

ورغم التحديات المرتبطة ببناء الهوية الرقمية المثالية، فإن لهذه الظاهرة جوانب إيجابية مهمة. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد فرصة التعبير عن أنفسهم، وبناء شبكات علاقات واسعة، وعرض مهاراتهم وخبراتهم، وتعزيز حضورهم المهني والاجتماعي والشخصي. كما ساعدت في تمكين الأفراد من مشاركة تجاربهم، والتفاعل مع مجتمعات افتراضية تشترك في الاهتمامات والقيم نفسها. إلا أن الاستخدام غير المتوازن لهذه المنصات قد يؤدي إلى التركيز على الصورة والمظهر أكثر من الجوهر، وعلى الانطباع أكثر من الواقع.

إن التوازن بين الهوية الرقمية والهوية الواقعية أصبح قضية مهمة في ظل الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية. فكلما زادت الفجوة بين ما يقدمه الفرد رقمياً وما يعيشه فعلياً، زادت احتمالية الشعور بالضغط والتوتر النفسي أو التناقض الداخلي. في المقابل، يسهم الاتساق بين الهوية الرقمية والواقعية في تعزيز الشعور بالأصالة، وبناء علاقات اجتماعية أكثر مصداقية، وتحقيق رضا شخصي أعلى.

في النهاية، لم تعد الهوية الرقمية مجرد امتداد للهوية الواقعية، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في تشكيلها. ويجد الأفراد أنفسهم اليوم في مساحة بين الواقع والشاشة، يعيدون من خلالها تعريف ذواتهم وبناء حضور اجتماعي يعكس طموحاتهم وتصوراتهم. ويبقى التحدي الأساسي في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتعبير الصادق عن الذات، دون الوقوع في فخ المثالية الرقمية، بحيث تعكس الهوية الرقمية حقيقة الفرد، لا صورة مثالية بعيدة عن الواقع.

***

د. أكرم عثمان

8-4-2026

متاهة الهوية والتوظيف السياسي للتاريخ - مقاربة فلسفية

الوجود المفتوح وصيرورة المكان

تُعد منطقة الشرق الأوسط، في جوهرها الوجودي، فضاءً مفتوحاً على صيرورة لا تنتهي من التدفقات البشرية والتحركات العسكرية التي شكلت ما يمكن وصفه بـ "المتاهة العرقية". هذه المتاهة استعصت تاريخياً على محاولات الحصر والتقنين القومي الحديث التي حاولت قولبة التعدد في أطر ضيقة. إن هذا الفضاء الجغرافي ليس مجرد مسرح للأحداث، بل هو بنية معقدة من المسارات التي تداخلت فيها الهويات والمصالح المرتبطة بالجغرافيا السياسية عبر آلاف السنين. إن الفهم الفلسفي لهذه المتاهة يقتضي تفكيك العلاقة الجدلية بين السلطة والأرشيف، وبين الذاكرة الجمعية والمشاريع السياسية التي تسعى لفرض سرديات متجانسة على واقع يتسم بالسيولة والتعدد الجذري.

التشكيل الإنساني للمتاهة: نقد النقاء المتوهم

تضرب جذور المتاهة العرقية في الشرق الأوسط في أعماق العصور القديمة، حيث كانت مسارات الهجرة والفتح تشكل أنماطاً سكانية لا تخضع لتصنيفات "العرق" أو "القومية" بالمعنى المعاصر. في عصر فجر السلالات ببلاد ما بين النهرين، كانت التحركات البشرية بين الشمال والجنوب، وبين بابل وآشور، تعكس تداخلاً ثقافياً جعل من الصعب الجزم بوجود حدود عرقية فاصلة. إن الاختلافات في النحت أو الفن، التي حاول بعض المؤرخين المتأثرين بالنزعات القومية تفسيرها كفوارق عرقية صلبة، تُفهم اليوم فلسفياً كاختلافات في المدارس الفنية المحلية والبيئات الجغرافية، أكثر من كونها انعكاساً لنقاء سلالي متوهم.

تطور هذا التداخل مع صعود الإمبراطوريات الكبرى، حيث أصبحت المنطقة ممراً إلزامياً للجيوش والقوافل، مما أدى إلى نشوء هويات "وظيفية" عابرة للروابط الجينية. في العصور الإسلامية، لم يكن الانتماء السياسي قائماً على "التصنيف العرقي"، بل على الولاء العقدي أو الدور الوظيفي داخل جهاز الدولة. فعلى سبيل المثال، ظلت الهوية "التركية" لقرون طويلة مرادفة لطبقة الحكم والإدارة العسكرية، بصرف النظر عن الأصول السلالية الدقيقة للأفراد، وهو ما خلق نموذجاً يربط السلطة بالدور لا بالدم.

آليات محو الأرشيف والعنف الرمزي

عندما نصف الشرق الأوسط بأنه "متاهة غير مؤرشفة"، فإننا نشير إلى عملية سياسية نشطة ومستمرة من "إلغاء الأرشفة". فالأرشيف في المنظور الفلسفي ليس مستودعاً محايداً للوثائق، بل هو أداة سلطوية تختار ما يستحق البقاء في الذاكرة وما يجب نفيه إلى النسيان. إن بناء الدولة القومية في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى استند إلى ممارسة "عنف أرشيفي" منظم، تم من خلاله إقصاء الهويات التي لا تتناسب مع النموذج القومي السائد.

تطرح الدراسات الإنسانية المعاصرة مفهوم "التاريخ غير المؤرشف" للإشارة إلى تلك السير والذكريات التي تُصنفها السلطة كـ "هامشية" أو "غير عقلانية “، نجد أن محاولات الاستعمار ثم بعض القوى اللاحقة طمس التعدد الثقافي واللغوي لصالح هوية أحادية كان يهدف إلى السيطرة على "المستقبل" عبر التحكم في "الماضي". إن هذا المحو المتعمد يخلق فجوات في الذاكرة الجماعية، مما يجعل المجتمع يعيش حالة من الاغتراب تجاه تاريخه الحقيقي المتمثل في المتاهة.

التوظيف السياسي لمسارات الفتح في الصراعات المعاصرة

لا تُعد مسارات الفتح القديمة مجرد ذكريات غابرة، بل هي "بنية تحتية ذهنية" تُستحضر لإعادة رسم خرائط النفوذ وتبرير التدخلات العسكرية والسياسية. إن القوى الإقليمية الكبرى تعيد اليوم "تمثيل" التاريخ لاستحضار شرعية مفقودة؛ فكل تحرك عسكري معاصر يُلبس رداءً تاريخياً قديماً، وكأن الجغرافيا السياسية الحالية هي استكمال لفتوحات مضى عليها ألف عام. هذا التوظيف يحول التاريخ من مجال للعبرة إلى سلاح للتحريض.

تفكيك "النزعة الثقافوية" والجوهر الثابت

يقدم المفكر عزيز العظمة نقداً جذرياً لما يسميه "النزعة الثقافوية" في دراسة المنطقة. يرى العظمة أن هناك ميلاً أيديولوجياً لجمع الظواهر التاريخية المشتتة في "كتلة واحدة" صلبة تسمى "الشرق"، ومن ثم افتراض وجود "جوهر" ثابت وعابر للزمن يحدد سلوك هذه المنطقة.

إن تصوير مسارات الفتح كاندفاعات لعناصر عرقية أو دينية صافية هو تزييف للواقع "المتاهي". يجادل العظمة بأن الخطاب المعاصر يسعى لـ "نمذجة" التاريخ لخدمة أغراض سياسية، حيث يتم تحويل الدين من تجربة روحية واجتماعية متنوعة إلى أيديولوجيا إقصائية تسعى لفرض النقاء الثقافي. إن تصوير الصراع بين "الشرق" و"الغرب" كصراع وجودي نابع من طبائع ثابتة هو إنكار للظروف المادية والاقتصادية (مثل السيطرة على طرق التجارة ومنابع الطاقة) التي كانت المحرك الفعلي للفتوحات تاريخياً.

 الزمنية الذاتية مقابل التسلسل الزمني الغربي

تنبني أرشفة التاريخ في منطقتنا غالباً على "تسلسل زمني أوروبي" يفرض تقسيمات (قديم، وسيط، حديث) قد لا تتوافق مع التحولات الذاتية للمنطقة. هذا الفرض القسري للقوالب الزمنية يساهم في تغريب الهوية المحلية، ويجعلها تبدو في حالة "تخلف" دائم عن الركب العالمي، مما يمنح القوى المهيمنة شرعية التدخل تحت دعاوى "التحديث". إن الفلسفة التاريخية تتطلب منا البحث عن "زمننا الخاص" الذي يعترف بفترات الازدهار والركود بناءً على معطياتنا الحضارية لا بناءً على مسطرة الآخر.

الذاكرة المضادة: المقاومة من قلب المهمش

في مواجهة محاولات الأرشفة القسرية، تبرز "الذاكرة المضادة" كفعل مقاومة. يستلهم هذا المفهوم من أفكار ميشيل فوكو، حيث يتم البحث في "المنسي" و"المهمش" لتقويض السرديات الكبرى. إن حكايات الأقليات، وأغاني القوافل، وذكريات المدن الحدودية التي دمرتها الحروب، كلها تشكل ذاكرة مضادة ترفض الاختزال في هوية قومية واحدة.

 الصراعات العرقية: ثمن الأرشفة القسرية

إن المتاهة العرقية لم تتحول إلى "أزمة" إلا عندما حاولت القوى الحديثة تصنيفها قسرياً. إن الفشل في تعريف هوية وطنية جامعة يعود إلى إرث "الحدود المصطنعة" (اتفاقيات سايكس بيكو) التي تجاهلت السيولة التاريخية للمنطقة. لقد تم تجميع مكونات متنوعة داخل حدود ضيقة، مع فرض هوية "من الأعلى" عبر أنظمة شمولية، مما أدى إلى انفجار الهويات "غير المؤرشفة" عند أول اهتزاز سياسي.

نحو أفق جديد: قبول المتاهة

إن المقاربة الفلسفية لطريق الفتح تقودنا إلى ضرورة إعادة التفكير في علاقتنا بالماضي. المتاهة ليست مشكلة تتطلب حلاً، بل هي غنى ثقافي يجب قبوله. لبناء دول مستقرة، يجب أن تشمل السرديات الوطنية تجارب المهمشين، والاعتراف بأن "صمت الأرشيف" هو بحد ذاته دليل على عنف ممارس.

يجب التوقف عن استحضار التاريخ لتبرير الهيمنة، والتحول نحو "عقد اجتماعي إقليمي" يحترم التعدد. إن طريق الفتح، بدلاً من أن يكون مساراً للسيطرة، يمكن أن يصبح طريقاً للفهم الحضاري إذا قرأناه كقصة مستمرة من اللقاء الإنساني. إن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المتاهة من ساحة للصراع إلى فضاء للتعايش، حيث تُحترم كل الذكريات وتُحفظ كل الهويات.

***

غالب المسعوي

.......................

مرجعيات

- عزيز العظمة: "العلمانية من منظور مختلف" و"دنيا الدين في غرب أفريقيا". (لبحث مفاهيم الثقافوية والجوهرانية).

- ميشيل فوكو: "حفريات المعرفة". (لفهم آليات الأرشيف والذاكرة المضادة).

- إدوارد سعيد: "الاستشراق". (حول تمثيلات الشرق في الذهنية الغربية).

- وجيه كوثراني: "الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل". (حول تشكل الهويات في المشرق العربي).

- محمد أركون: "المسكوت عنه في الفكر الإسلامي". (لبحث الفجوات في الأرشيف الديني والسياسي).

لم تكن مسألة الإبداع وليدة العصر الحديث، بل شغلت عقول الفلاسفة والعلماء منذ أقدم الأزمنة، فتباينت حولها التفسيرات بين من رآها انحرافاً بيولوجياً، ومن اعتبرها طاقة نفسية طبيعية، وآخرين أرجعوها إلى بنية الدماغ ووظائفه العليا. وفي هذا السياق، اقدم قراءة تعيد وصل الفكر العربي التراثي، ممثلاً بإخوان الصفا، مع معطيات علم النفس والأعصاب الحديثة.

ارى أن الإبداع ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين البنية الدماغية من جهة، والمحيط الاجتماعي والثقافي من جهة أخرى. فالدماغ، بما يحويه من مراكز ووظائف، يشكل الأساس المادي للإبداع، لكن مضمونه يتحدد عبر التجربة واللغة والتنشئة.

هذا التصور يتقاطع بشكل لافت مع ما طرحه إخوان الصفا قبل قرون طويلة، كما ورد في رسائلهم (الجزء الثالث من 244- 245) النص حين تحدثوا عن (قوى النفس) بوصفها منظومة متكاملة تعمل داخل الجسد، تتوزع بين الحس والتخيل والتفكير والحفظ والنطق، في صورة قريبة جداً مما يعرف اليوم بـ(الوظائف العقلية العليا).

في رسائلهم، شبه إخوان الصفا الدماغ بدولة يقودها "الملك" (القوة المفكرة)، وتعاونه قوى أخرى كالتخيل والحفظ والنطق والصناعة. هذا التصور الرمزي لا يبتعد كثيراً عن الفهم العلمي الحديث الذي يرى الدماغ جهازاً موحداً يعمل عبر مراكز متخصصة، لكنها مترابطة وظيفياً.

فالقوة المتخيلة، مثلاً، تقابل في المفهوم المعاصر عمليات معالجة الصور الذهنية، بينما تمثل القوة الحافظة الذاكرة، والقوة الناطقة الوظيفة اللغوية، أما القوة الصانعة فتشير إلى المراكز الحركية الدقيقة المرتبطة باليدين والأصابع.

تتجلى عبقرية إخوان الصفا أيضاً في تحليلهم لتدرج المعرفة الإنسانية. فقد ميزوا بين مراحل تبدأ بالإحساس، ثم الإدراك الحسي، وصولاً إلى الإدراك العقلي المجرد. وهذا ما أثبته لاحقاً علماء النفس المعاصرون مثل جان بياجيه (1856م)، الذين أكدوا أن المعرفة تنمو تدريجياً من التجربة الحسية إلى التفكير المجرد. فالإنسان، في بداياته، يدرك العالم عبر الحواس، ثم يبدأ بتمييز الأشياء وربطها بالأسماء، إلى أن يصل إلى مرحلة التجريد والتعميم، حيث تصبح اللغة أداة التفكير الأساسية.

تناول إخوان الصفا قضية العلاقة بين اللغة والفكر بعمق لافت، معتبرين أن الألفاظ هي (أجساد) والمعاني (أرواحها). وهذا التصور ينسجم مع ما ذهب إليه لاحقاً علماء مثل ليف فيغوتسكي (1896– 1934م)، الذي رأى أن الكلمة وحدة تجمع بين الصوت والمعنى، وأن الفكر واللغة متداخلان دون أن يذوب أحدهما في الآخر. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لتشكيل الفكر نفسه، والإبداع لا يمكن أن ينفصل عن هذه العلاقة العضوية بينهما.

يشير النص الثالث من رسائلهم إلى أن الفروق بين الأفراد في القدرات الإبداعية ليست ناتجة أساساً عن اختلافات جوهرية في الدماغ، بل عن تفاوت الظروف البيئية والثقافية. فالإمكانات متقاربة، لكن استثمارها يختلف باختلاف فرص التعليم، ومستوى الوعي، وطبيعة البيئة الاجتماعية. وهذا يضع مسؤولية كبيرة على المؤسسات التربوية والثقافية، إذ إن تنمية الإبداع ليست شأناً فردياً فقط، بل مشروعاً مجتمعياً يرتبط بالعدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.

ما يلفت في أطروحات إخوان الصفا هو دقتها العلمية رغم بساطة المصطلح، إذ لو استبدلت كلمات مثل (النفس) و(القوى) بمفاهيم حديثة كـ(الدماغ) و(المراكز العصبية)، لبدت هذه الأفكار وكأنها تنتمي إلى علم الأعصاب المعاصر. بل إن بعض ملاحظاتهم، تفوق في دقتها ما ذهب إليه فلاسفة لاحقون مثل ديكارت (1596- 1650م)، ما يدل على عمق التجربة الفكرية العربية وقدرتها على استباق كثير من النظريات الحديثة.

يخلص هذا الطرح إلى أن الإبداع، في جوهره، ليس لغزاً غامضاً ولا حالة استثنائية منفصلة، بل هو نتيجة تفاعل حي بين الدماغ والبيئة، بين الفطرة والتجربة، وبين اللغة والفكر.

وما قدمه إخوان الصفا قبل ألف عام، يثبت أن التراث العربي لم يكن بعيداً عن روح العلم، بل كان، في كثير من جوانبه، سابقاً لعصره… ينتظر فقط من يعيد اكتشافه بلغة العصر.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

تكشف التجربة العلمية في فضاء المغرب الإسلامي عن حقيقة حضارية عميقة، مفادها أن تشكّل المدرسة اللغوية لم يكن انعكاسًا لانقسام إثني أو تنازع لغوي، بل كان تجلّيًا لجدلٍ معرفي خصب، تفاعلت فيه روافد متعددة داخل أفق حضاري موحّد.

لقد انتصرت اللغة العربية، في هذا السياق، لا بوصفها لسان جماعة بعينها، بل باعتبارها أفقًا جامعًا للمعرفة والشرع والتدوين، أو ما يمكن تسميته، استلهامًا من تصور ابن خلدون، بـ"العصبية الرمزية" التي توحّد المختلفين داخل بنية ثقافية واحدة. فالعلماء، عربًا وأمازيغ، لم يتعاملوا مع اللغة كمعطى جاهز، بل ككائن حيّ قابل للتهذيب والتقعيد والتأويل.

في هذا الإطار، برزت إسهامات العلماء الأمازيغ في ترسيخ البعد التعليمي والصوتي والكتابي للغة العربية، حيث تحوّلت اللغة من أداة تواصل إلى نظام تربوي متكامل. فقد شكّلت "الآجرومية" مدخلًا بيداغوجيًا بالغ الأثر، لم يكتفِ بتيسير النحو، بل أعاد ترتيب العلاقة بين المتعلّم والبنية اللغوية، في أفق ما يشبه "اقتصاد المعرفة" الذي يختزل التعقيد دون أن يُفرغه من مضمونه. كما مثّلت "ألفية ابن معطي" علامة على نضج النحو في الغرب الإسلامي، حيث انتقل من طور التلقي إلى طور الإبداع.

 أما في مجال القراءات، فقد أسهم ورش النفزاوي في تثبيت قراءة نافع، ضمن تقليد صوتي صارم، يُذكّر بما يسميه فرديناند دي سوسير "نظام العلامات"، حيث لا تُفهم اللغة إلا في بنيتها الصوتية الدقيقة. وبموازاة ذلك، تطوّر الخط المغربي على أيدي نساخ مهرة، منحوا الحرف بُعدًا بصريًا مميزًا، جعل الكتابة نفسها تتحوّل إلى شكل من أشكال التفكير المرئي.

في المقابل، انخرط العلماء العرب في المغرب الإسلامي في بلورة مدرسة لغوية تحليلية، نقلت النحو من حدود التقعيد إلى آفاق الفهم والتأويل. فقد أعاد الشلوبين قراءة التراث النحوي المشرقي قراءة نقدية، تربط البنية بالمعنى، فيما يشبه انتقالًا من "نحو العبارة" إلى "نحو الدلالة". أما السهيلي، فقد مزج بين النحو والبلاغة والتفسير، محوّلًا اللغة إلى أداة لاكتشاف المقاصد، لا مجرد وسيلة لضبط الألفاظ. وهو مسار يلتقي، في عمقه، مع ما ذهب إليه بول ريكور حين اعتبر أن اللغة ليست وعاءً للمعنى، بل أفقًا لتوليده وتأويله.

ومن هذا التفاعل المركّب، تشكّلت مدرسة مغاربية ذات خصوصية معرفية، حيث تآلف التعليم بالتحليل، والصوت بالمعنى، والحرف بالفكرة. ولم تكن هذه المدرسة قائمة على منطق الإقصاء أو المفاضلة، بل على مبدأ التكامل الخلّاق، الذي يجعل من الاختلاف شرطًا للإبداع، لا عائقًا أمامه. وهنا يمكن استحضار قول ابن رشد إن "الحكمة صاحبة الشريعة"، في إشارة إلى أن المعرفة لا تتجزأ، بل تتكامل في أفق واحد.

ولم تبقَ هذه الإسهامات حبيسة المجال الجغرافي للمغرب الإسلامي، بل امتد أثرها إلى المشرق، عبر مسارات هادئة وعميقة، بعيدة عن الصخب والصدام. فقد أسّس أبو عمرو الداني منهجًا صارمًا في ضبط الرسم والقراءات، جمع بين الدقة النصية والوعي التاريخي بالمصحف، وهو ما جعل مؤلفاته مرجعًا في حلقات القرّاء بالمشرق، وأسهم في توحيد معايير الضبط والكتابة القرآنية. كما مثّل السهيلي حلقة وصل بين النحو والبلاغة والتفسير، ووجدت مقاربته صدى في بعض التيارات المشرقية التي تجاوزت الشرح المدرسي إلى مساءلة العلل والمعاني.

ويمكن تتبّع انتقال هذه المعارف عبر ثلاث قنوات كبرى:

حركة المخطوطات التي حملت نصوص الغرب الإسلامي إلى المشرق، والرحلة العلمية التي جسّدت ما يسميه الجاحظ "تداول المعاني بين الأمم"، ثم التفاعل المؤسسي داخل مدارس القراءات في الحرمين ومصر، حيث التقت تقاليد متعددة في أفق علمي مشترك. وهكذا، لم يكن الغرب الإسلامي هامشًا تابعًا، بل شريكًا فاعلًا في إعادة تشكيل أفق الدرس اللغوي الإسلامي، بما يعكس وحدة حضارية تتجاوز الحدود الجغرافية.

إن اللغة، في جوهرها، ليست مجرد نظام من القواعد أو أداة للتواصل، بل هي ذاكرة حيّة للتجارب الإنسانية، ومرآة للتحولات العميقة التي تعبر بها الحضارات. وكلما ظنّ الإنسان أنه يمتلكها، اكتشف أنها هي التي تعيد تشكيله في الخفاء. وربما كان سرّ خلود التجارب الكبرى، كالتجربة اللغوية في المغرب الإسلامي، أنها لم تبحث عن الهيمنة، بل عن الانسجام؛ ولم تؤسس لسلطة المعنى، بل لانفتاحه. ففي صمت الحروف، تنمو أكثر الأفكار صخبًا، وفي تواضع اللغة، يتجلّى أفق لا نهائي من المعنى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

الموت هو أحد أقدم الأسئلة التي واجهتها البشرية وأكثرها إثارة للقلق والتأمل، ويقدم هذا المقال التفسيرات الفلسفية والدينية والعلميه للموت، وهي المناهج الأساسية التي اعتمدت عليها البشرية في سعيها للفهم والمعرفة.

التفسير الفلسفي

يمتد التفسير الفلسفي للموت من العصر الاغريقي إلى العصر الحديث، ويشمل أفكار ديكارت والفلاسفة المثاليين، والوجوديين والماديين.

في العصر الاغريقي اعتقد اغلب الفلاسفه أن الموت ليس شراً، بل هو انتقال الروح إلى عالم أعلى، حيث توجد الحقيقة المطلقة والمعرفة الكاملة. على النقيض من ذلك، لم يكن أرسطو مهتماً بما يأتي بعد الموت، وركز على الحياة الفاضلة، واعتبر الموت النهاية الطبيعية للكائن الحي.

اعتقد فلاسفة العصور الوسطى (من القرن 5 إلى القرن 15 ميلادي) أن الموت انتقالًا وليس فناءً، و​​أن الروح جوهر مستقل عن الجسد، وركزوا على سعادة الروح بعد الموت.

في العصر الحديث (من القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن العشرين)، اعتبر ديكارت أن الروح لا تموت لأنها جوهر مستقل، وأوضح سبينوزا أن الإنسان الحر يفكر في الحياة وليس الموت. اعتقد كانط أن الموت ضروري لفكرة الأخلاق، وأن الإيمان بالخلود يضمن إمكانية تحقيق العدالة المطلقة.

في المدرسه الفلسفية الالمانيه، دعا لودفيغ فويرباخ إلى الليبرالية والإلحاد والمادية، والتصالح مع إنسانيتنا، وإدراك أن المشكلة ليست في الموت نفسه، بل في التقليل من قيمة الحياة. أما نيتشه، فقد نظر الي الموت على أنه أمرٌ يجب مواجهته بشجاعة، معتبرًا إياه جزءًا من البنية المأساوية للحياة، وانتقد الأنظمة الأخلاقية المبنية على الخوف من الموت لأنها تُضعف الروح الإنسانية. تعمق مارتن هايدجر في تحليل الموت،، مُجادلًا بأن البشر كائنات واعية تُدرك حتميته، وأن هذا الوعي يمنحهم إمكانية العيش بصدق.

في فرنسا، اعتبر سارتر والفلاسفة الوجوديون الموت شيئًا عبثيا يأتي من الخارج لتدمير مشاريع الإنسان، ولكنه جزء من الوجود.

اعتقد الفيلسوف البريطاني برتراند راسل أن الموت هو النهاية الطبيعية للوعي، وأنه لا توجد حياة بعد الموت، وأنه ينبغي خلق المعنى في الحياة نفسها، لا البحث عنه خارجها.

وهكذا، اختلف الفلاسفة في موقفهم من الموت، لكنه يبقى مرآة تعكس الطبيعة البشرية وحدودها.

التفسير الديني

من وجهة نظر الأديان، الموت ليس مجرد حدث بيولوجي، بل هو انتقال بين عالمين، ولذلك قدّمت الأديان آراءً متنوعة حول معنى الموت، وما يحدث بعده، وكيفية الاستعداد له. ورغم اختلاف التفاصيل، تتفق معظم الأديان على أن الموت ليس نهاية مطلقة، بل بداية وجود جديد.

ينظر الدين اليهودي إلى الموت على أنه انتقال الروح إلى عالم آخر، مع التركيز على اهميه الحياة الصالحة في الدنيا.

اما في الزرادشتيه، فالموت هو انفصال الروح عن الجسد لتعبر فوق جسرا واسعًا الي الجنه إذا كانت أعمال الشخص صالحة، ولكن اذا كانت أعماله سيئة، يضيق الجسر وتسقط الروح في عالم الظلام. تؤمن الزرادشتية بأن الشر هو سبب الموت والمعاناة، ولكن في نهاية الزمن، تُطهَّر كل الأرواح وتعود إلى الله.

تؤمن المسيحية بخلود الروح ومحاسبتها بعد الموت، وأن المؤمنين ينالون الحياة الأبدية.

ينظر الإسلام إلى الموت على أنه انتقال من دار الفناء إلى دار الخلود، ويبدأ الحساب بعد الموت ويبلغ ذروته يوم القيامة، حيث يُحدد الجزاء في الجنة أو النار بحسب أعمال المرء ونواياه.

في الديانات الشرقيه، ترى الهندوسية الموت كجزء من دورة كونية، حيث تنتقل الروح من جسد إلى آخر. ويعتمد نوع التناسخ على أعمال الشخص قبل الموت، والهدف النهائي هو التحرر من دورة الولادة والموت. بالمثل، ترى البوذيه ان الموت كجزء من دورة الحياة، وأن التحرر من الخوف يأتي عبر التحرر من التعلّق، لأن التعلّق هو مصدر المعاناة. أما الطاوية، فتعتبر الموت عودة إلى الانسجام الكوني، لا كنهاية، بل كتحوّل طبيعي. ولا ينبغي مقاومته، بل فهمه كجزء لا يتجزأ من الطبيعة.

التفسير العلمي

يري العلم ان جسم الإنسان يتكون من ذرات يتم استبدالها طوال حياة الشخص دون اي تغير في سلوكها، فهي خالده ولا يمكن تدميرها. تتكون جميع الذرات في النجوم من اندماج ذرات الهيدروجين والهيليوم لتكوين ذرات جميع عناصر المادة. بعد الموت، تختلط ذرات الإنسان بالتربة والنباتات والحيوانات والهواء على الأرض، وتنتشر في نهاية المطاف في أرجاء الكون لتبقى إلى الأبد.

وهكذا، الموت وفقا لعلماء الفيزياء هو انطلاق ذرات الجسم من نظام يسمح بالأنشطة البيولوجيه، الي حاله من الفوضي في الكون الجامح وفقا لقانون الانتروبيا في الديناميكا الحراريه. ومن غير المرجح أن تعود الذرات إلى مصدرها الأصلي، لكنها قد تشارك في النظام البيولوجي لكائن حي آخر.

بعد تفسير الموت من منظور علم الفيزياء، نعرض التعريف الطبي له وهو التوقف الكامل وغير القابل للعكس لجميع وظائف المخ بما في ذلك وظائف جذع المخ. تبدأ رحلة الموت البيولوجي عندما يتوقف القلب عن ضخ الدم، مما يؤدي إلى فقدان الوعي في غضون 10 ثوانٍ نتيجة نقص الأكسجين في المخ. ثم يتوقف النشاط الكهربائي في غضون 30 ثانية، لكن الخلايا العصبية لا تموت فورًا. يبدأ الضرر الذي لا رجعة فيه في خلال 5 دقائق، ويموت المخ بعد 10 دقائق من توقف القلب بسبب نقص الأكسجين الشديد.

اذا تم بنجاح اعاده عمل القلب بعد توقفه واسترجاع مستوي الاكسجين في المخ، فإن الوعي يعود تدريجيا، وبعض الاشخاص يتعرضون لتجربه الاقتراب من الموت ”Near‑Death Experience“، التي قد تتضمن رؤية ضوء ساطع أو المرور عبر نفق، ورؤية مشاهد من الماضي، وبعض التجارب قد تكون مخيفة. يرى الناس “النفق” في تجارب الاقتراب من الموت بشكل متكرر، والتفسير العلمي لذلك هو انه مع نقص الأكسجين في المخ، تتعطل المناطق المسؤولة عن الرؤية المحيطية التي تصور الاطراف، بينما يبقى عمل الرؤية المركزية لثوانٍ أطول، مما يجعل الشخص يرى الوسط مضيئاً والأطراف مظلمة، ويفسرالمخ هذاالاحساس البصري بانه نفق.

ختاما، استعرض هذا المقال التفسير الفلسفي والديني والعلمي للموت، المقال القادم سيتناول ما يحدث بعد الموت لا سيما من منظور فيزياء الكم.

***

د. سامح مرقس

 

مقدمة: توجد ظاهرة نفسية شائعة غالبا ما تتكرر أمامنا، وهي أن الكثير من الأشخاص يقعون في الأخطاء ذاتها مرة بعد أخرى، وكأنهم لا يتعلمون من أخطائهم أبداً، فنندهش ونتساءل: هل هذا غباء؟ أم ماذا؟!

في الحقيقة يا صديقي القارئ، الموضوع أعقد بكثير من كونه غباءً، فهذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتداخلة، بعضها جاء من الماضي وبعضها الآخر يتعلق بالحاضر، ولكن قبل البدء بشرح أسبابها ومعالجاتها، دعنا أولا نلقي نظرة على بعض مظاهرها لنلفت انتباهك إليها وتصبح قادرا على تشخيصها في مواقف مختلفة:

- في التعليم مثلا، قد نرى معلما شابا، أفضل في تعليم التلاميذ والتعامل معهم والسيطرة على سلوكياتهم من معلم آخر لديه 10 سنوات من الخبرة أو أكثر. وقس على ذلك المهن الأخرى (الطب – المحاماة – الخياطة – الفن - ...الخ)

- في العلاقات الاجتماعية، قد نجد شابا في بدايات عمره لديه قدرة كبيرة على مد جسور المحبة، وحسن التعامل مع الآخرين وكسب ما يريده منهم، بينما قد نجدا شخصا آخر، أكبر منه سنا لكنه لا يجيد التعامل مع الناس ويكرر الأخطاء نفسها معهم. رغم اختلاطه بالناس أكثر من ذلك الشاب ولفترة أطول. وقس على ذلك بقية العلاقات (العاطفية – الزوجية – علاقات العمل والدراسة - ...)

طبعا، يبقى العكس صحيحا أيضا، حيث يمكن جدا أن نجد شابا أقلَّ كفاءةً بكثير من شخص كبير في العمر، ولكننا نتحدث هنا عن تلك الفئة من الناس التي تبدو وكأنها لا تتعلم من أخطائها؟. لماذا يكررون الأخطاء نفسها في جانب ما من حياتهم أو أكثر من جانب؟

لماذا نجد مهندسا بارعا يتعلم من أخطائه في الهندسة بسهولة؟ بينما يكرر أخطاءه في مجال العلاقات العاطفية؟ والعلاقات الاجتماعية؟ ولماذا تاجر ناجح يتطور في التجارة ويتعلم من أخطائه؟ لكنه فاشل في توطيد العلاقة مع أبنائه ويعيد تكرار الأخطاء نفسها في تربيتهم؟. لماذا طبيبٌ يتعلم من أخطائه وتتطور خبرته بسرعة؟ بينما طبيب آخر لا يتعلم ويكرر أخطاءه الطبية نفسها؟ وأسئلة أخرى كثيرة جدا.

الإجابة على هذه الأسئلة التي تبدأ بـ "لماذا" ستكون من إحدى عشر نقطة:

أولا: فخ الانحياز التأكيدي: حيث أن عقولنا لا تبحث دائما عن الحقيقة، وإنما تبحث عما يؤكد معتقداتنا الحالية عن أنفسنا والحياة والآخرين، فإذا كان الشخص يعتقد داخليا أنه مثلا "غير محظوظ" فإن عقله سيتجاهل الحادثة تماما ولن يعيد تحليلها وإنما ينسب الحادثة إلى "سوء الحظ" فقط، وبالتالي لا يتعلم شيئا من الحادثة. والذي لديه معتقد أنه "فاشل" ويتم رفضه في وظيفة ما مثلا، فإنه لن يعيد تحليل هذا الرفض بشكل منطقي ويبحث عن الأسباب التي أدت إلى رفضه كالارتباك في المقابلة أو قلة مهاراته أو قدراته مقارنةً بالمتقدمين الآخرين... الخ، وإنما سيعيد الحادثة كلها إلى أنه "فاشل" لا أكثر ولا أقل... وهكذا.

ثانيا: كيمياء الدماغ ومكافئة الخطأ: يعمل الدماغ أحياناً كآلة "تآمر" ضد مصلحتنا الشخصية بسبب نظام المكافأة الذي يعطي الأولوية للإثارة اللحظية على الأمان بعيد المدى، خاصة حين تضعف كفاءة القشرة الحزامية الأمامية (الرادار المسؤول عن رصد الأخطاء وتعديل السلوك)، مما يحول الخطأ المتكرر إلى مسار عصبي مريح يصعب تجاوزه. ففي حالة الإدمان مثلا، تقوم المواد المخدرة بإفراز كميات هائلة من الدوبامين تجعل المدمن يفضل لذة كيميائية مدمرة على واقع صحي مجهول وصعب، بينما في العلاقات السامة يقع الشخص في فخ "التعزيز المتقطع" حيث يفرز الدماغ مزيجاً من الأوكسيتوسين والدوبامين بعد كل صلح مؤقت يلي الإهانة، مما يجعل العقل يدمن "نشوة النجاة" ويفضل هذا الجحيم المألوف على وحدة مجهولة. أما في المقامرة أو التداول العشوائي، فإن الدماغ يفرز الدوبامين حتى عند "الخسارة الوشيكة" فيما يُعرف بتأثير الربح القريب، مما يخدع العقل ويحفزه على تكرار رهان المال الخاسر لأن الجهاز العصبي يرى الفشل القريب كإشارة للاستمرار وليس للتوقف، وبذلك يصبح تكرار الخطأ نتيجة لبرمجة كيميائية تجعل الدماغ يرى في "المعروف السيئ" مكافأة مضمونة، بينما يخشى بذل الجهد الذهني اللازم للتغيير واكتشاف المجهول الجيد.

ثالثا: الهروب من الألم: مواجهة الخطأ والاعتراف به تؤدي إلى مشاعر سلبية لدى الانسان (عار – حزن – غضب – دونية -... الخ) وبالتالي يلجأ بعض الناس لعدم محاكمة الخطأ وتحليل السلوك الشخصي، تجنبا لعيش هذه المشاعر، ويفضلون بدلا من ذلك إلقاء اللوم على أمور أخرى (الحظ – التوقيت – الآخرين – الماضي - ... الخ)، وهنا نحرم عقولنا فرصة التعلم من التجارب التي تمر بنا.

رابعا: قوة العادات: الدماغ البشري يميل لتوفير الطاقة، لذا يحول الأفعال المتكررة إلى عادات تلقائية. فبمجرد أن يترسخ نمط سلوكي معين (مثل الغضب السريع عند مواجهة ضغط)، يصبح من الصعب جداً كسره حتى لو كانت نتائجه كارثية. فالشخص هنا لا يقرر ارتكاب الخطأ، بل "ينزلق" إليه لأن مساراته العصبية مبرمجة على ذلك. الموضوع يشبه قيادة السيارة مثلا، ففي بداية تعلمك لها تحسب حساب كل خطوة، ولكن مع الوقت والممارسة المستمرة، تصبح في وضع آلي، بحيث تقضي مشاويرك الاعتيادية بالسيارة دون أن تتذكر كيف مررت بالطرق أصلا.

خامسا: عدم الاهتمام للتعلم: التعلم من التجربة ليس عملية تلقائية تحدث بمجرد مرور الوقت أو التعرض لتجارب حياتية، بل هي عملية نشطة تتطلب اهتماما، فالأشخاص الذين لا يخصصون وقتاً للتأمل وتحليل ما حدث (لماذا فعلت ذلك؟ وماذا كانت النتيجة؟ وكيف أتجنبه؟) يبقون محبوسين في تجاربهم دون استخلاص "الحكمة" منها. التجربة بلا تأمل هي مجرد حدث عابر، أما التجربة مع التأمل فهي "خبرة".

سادسا: الاعتقاد بأن الصفات ثابتة: يعتقد العديد من الأشخاص، بأن صفاتهم وقدراتهم ثابتة ولا تتغير، ولا جدوى من محاولة تغييرها، وهذا يمنعهم حتى من محاولة تحليل الأحداث والتجارب التي تمر بهم. وبالتالي لا يتعلمون من أخطائهم. فهو مثلا يدرك أنه عصبي، أو أن لديه عقدة نفسية ما، ولكنه يعتقد بأن هذا لن يتغير أبدا.

سابعا: العجز المكتسب: عندما يحاول الإنسان تغيير نفسه أو تغيير علاقته بماضيه أو محيطه، أو تصحيح أخطائه، ويفشل مرات متكررة نتيجة طريقة التغيير الخطأ أو نتيجة ظروف أكبر منه، سيقول مع نفسه (لا فائدة، لن يتغير شيء مهما حاولتُ) وبالتالي يتوقف عن محاولة التغيير حتى لو تغيرت الظروف أو حصل على توجيه مناسب من شخص ما.

ثامنا: ضيق الأفق بسبب التوتر المزمن: عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مادي أو نفسي مستمر، يدخل الدماغ في حالة يمكن أن نسميها "نفق التفكير". فالتوتر يقلل من قدرة القشرة الجبهية (مسؤولة عن المنطق) ويجعل الإنسان يتخذ قرارات مبنية على "البقاء" القصير المدى. فالفقير مثلا قد يتخذ قرارات مالية خطأ تزيد فقره، والمضغوط عاطفياً قد يتخذ قرارات تزيد مشاكله، ليس لنقص في الذكاء، بل لأن الإجهاد استنزف قدرات عقله.

تاسعا: التكرار القهري: يميل الإنسان أحياناً لتكرار تجربة مؤلمة مر بها، مثلا في الطفولة (مثل علاقة مع أب مهمل) من خلال البحث عن شركاء مهملين في الكبر. والهدف اللاواعي: هو محاولة "إصلاح" الماضي عبر تكراره في الحاضر للسيطرة عليه هذه المرة. فهو إذن يكرر الخطأ آملاً في "نهاية مختلفة"، لكنه يظل عالقاً في الدائرة نفسها لأنه يختار الأدوات نفسها.

عاشرا: نقص المهارات ما وراء المعرفية: بعض الناس ليس لديهم القدرة على مراقبة أفكارهم وسلوكياتهم وفهمها وتحليلها واستنتاج الأخطاء منها، وبالتالي فهو مهما حاول الاستفادة من أخطائه لن يستطيع.

أحد عشر: التطبع بالبيئة المحيطة: الانسان كائن اجتماعي يتأثر شعوريا ولا شعوريا بمن حوله، وبالتالي عندما يكون الإنسان في بيئة اجتماعية (عائلة – أصدقاء – زملاء - ...الخ) يعملون تلك الأخطاء وبشكل متكرر ولا يرونها أخطاء أصلا، فإنه يعيد تكرار الأخطاء نفسها وفي أحيان كثيرة دون أن يكون واعيا بها، ومن أمثلة ذلك، في بعض الثقافات المؤسسية، يُعتبر "التسويف" أو "سوء الإدارة" نمط حياة؛ هنا، الشخص لا يتعلم ليس لخلل فيه، بل لأن "المعيار" حوله منخفض جداً بحيث لا يحفزه على رصد أخطائه. وكذلك الذي يمضي وقته مع عاطلين العمل، أو مع منحرفين جنسيا، وهكذا.

الحل:

أستطيع أن أكتب لك قائمة كبيرة بالحلول التي يمكن اتباعها للتخلص من مشكلة "عدم التعلم من الأخطاء" ولكن، هل تعتقد ان عقلك الذي يمرضك بشكل مستمر، يمكن أن يساعدك على الشفاء، أبدا، ولذلك فالحل الوحيد هو أن تستشير متخصصا محترفا بتقديم خدمات الإرشاد أو العلاج النفسي، كي يساعدك باكتشاف أسباب مشكلتك ووضع الحلول المناسبة لها.

أنصحك أيضا بقراءة الكتب التالية وتطبيق محتواهم بما يناسب حالتك قدر الإمكان، لو كانت هناك عوائق تمنع وصولك إلى الخدمات النفسية الاحترافية، علما أن قراءة الملخصات لن تكون مفيدة:

- أعد ابتكار حياتك – جيفري يونغ وجانيت كلوسكو.

- تفكير الصندوق الأسود – ماثيو سيد

- العادات الذرية – جيمس كلير

- فكرة مرةً أخرى – آدم غرانت

- عقدك النفسية سجنك الأبدي – اعرف وجهك الآخر – قوانين التحرر من الصراعات النفسية – د. يوسف الحسني

***

وعد عباس

 

حين تتحوّل الترجمة إلى قدرٍ روحي وإعادة خلق للمعنى

يشكّل سامي الدروبي ظاهرة فريدة في تاريخ الترجمة العربية الحديثة، إذ لا يمكن مقاربته بوصفه مجرد وسيط لغوي بين نصٍّ أصلي وقارئٍ جديد، بل باعتباره فاعلًا ثقافيًا أسهم في إعادة تشكيل الوعي العربي من خلال مشروع ترجمي يتجاوز النقل إلى مستوى الخلق والتأويل، وتتجلّى هذه الخصوصية بوضوح في علاقته العميقة بأعمال فيودور دوستويفسكي، حيث لم تكن هذه العلاقة علاقة اختيار عابر لنصوص عالمية، بل كانت استجابة داخلية لأسئلة وجودية مشتركة، جعلت من الترجمة فعلًا روحيًا يتجاوز حدود اللغة إلى فضاء التجربة الإنسانية الكونية، فقد تكوّن الدروبي في بيئة معرفية متعددة الأبعاد جمعت بين الفلسفة والسياسة والأدب، وكان لهذا التكوين أثر بالغ في طبيعة اشتغاله على النصوص، إذ تعامل مع أعمال دوستويفسكي بوصفها نصوصًا فلسفية بقدر ما هي سردية، فكان يقرأها من داخل أسئلتها الكبرى المرتبطة بالحرية والألم والإيمان والشر، وهي الأسئلة ذاتها التي شغلت فكره بوصفه مثقفًا عربيًا عاش تحولات تاريخية عميقة، ومن هنا نشأت علاقة يمكن وصفها بالتماهي الوجودي، حيث لم يعد النص الروسي غريبًا عنه، بل غدا مرآة لقلقه الداخلي، الأمر الذي جعل الترجمة عنده تتخذ شكل إعادة خلق للنص داخل اللغة العربية، لا بوصفها نقلًا حرفيًا أو تقنيًا، بل بوصفها إعادة كتابة مشبعة بالوعي الفلسفي والذائقة اللغوية الرفيعة، ولذلك تبدو ترجماته لأعمال مثل الجريمة والعقاب والإخوة كارامازوف نصوصًا عربية مكتملة، تمتلك إيقاعها الخاص ونَفَسها الداخلي، حتى ليشعر القارئ أن دوستويفسكي يكتب بالعربية، لا لأنه فقد هويته الأصلية، بل لأن الدروبي نجح في نقل روحه إلى فضاء لغوي جديد دون أن يفقدها عمقها، وقد اعتمد في ذلك على ما يمكن تسميته بالأمانة الوجودية للنص، حيث ركّز على نقل الحالة النفسية والتوتر الداخلي بدل الاكتفاء بمطابقة الكلمات، وهو ما جعله يميل إلى استخدام جمل طويلة متدفقة، ذات بناء تركيبي متماسك، وإلى اختيار مفردات عربية فصيحة مشحونة بالدلالة، الأمر الذي أضفى على نصوصه طابعًا كلاسيكيًا رفيعًا، غير أن هذا الاختيار الأسلوبي لم يكن خاليًا من الإشكال، إذ أدى في بعض الأحيان إلى تلطيف خشونة النص الدوستويفسكي، الذي يقوم في أصله على التقطّع والتوتر والانكسار، وهنا يظهر الفرق بينه وبين مترجمين آخرين مثل غائب طعمة فرمان الذي سعى إلى الحفاظ على البنية الأصلية للنص الروسي بكل ما فيها من خشونة وقلق، فبدت ترجمته أكثر التصاقًا بروح الأصل من حيث الشكل، لكنها أقل سلاسة من حيث التلقي العربي، في حين يمثل صالح علماني نموذجًا مختلفًا في الترجمة الأدبية، يقوم على تبسيط اللغة وتحديثها دون الإخلال بجوهر النص، وهو ما يجعل المقارنة بين هذه النماذج الثلاثة كاشفة عن تعددية مقاربات الترجمة في الثقافة العربية، فبينما يتجه فرمان نحو الأمانة البنيوية، ويتجه علماني نحو الأمانة التواصلية، ينحاز الدروبي إلى الأمانة الفلسفية التي تعيد إنتاج النص داخل أفق ثقافي جديد، ومن هنا تبرز إشكالية مركزية تتعلق بصوت المترجم، إذ يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان القارئ العربي يقرأ دوستويفسكي كما هو، أم كما أعاد الدروبي تشكيله، غير أن هذا السؤال، بدل أن يُفهم بوصفه نقدًا، يمكن اعتباره مدخلًا لفهم طبيعة الترجمة بوصفها فعلًا إبداعيًا لا يقل عن الكتابة الأصلية، لأن كل ترجمة كبرى تحمل بالضرورة بصمة صاحبها، وتعيد تشكيل النص وفق حساسيته الثقافية والجمالية، وهو ما تحقق في تجربة الدروبي بامتياز، حيث لم يكتف بنقل الأدب الروسي إلى العربية، بل أسهم في تأسيس ذائقة جديدة لدى القارئ العربي، قائمة على التفاعل مع العمق النفسي والفلسفي للنص، كما أسهم في ترسيخ فكرة أن الترجمة ليست مجرد جسر بين لغتين، بل هي فعل حضاري يعيد توزيع المعنى بين الثقافات، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن العلاقة بين الدروبي ودوستويفسكي لم تكن علاقة مترجم بنص، بل علاقة شراكة خفية في إنتاج الدلالة، حيث يلتقي صوتان في نص واحد، أحدهما يكتب، والآخر يعيد الكتابة، دون أن يلغيه، بل يمنحه حياة أخرى في لغة جديدة، وفي سياق ثقافي مختلف، وهو ما يجعل تجربة الدروبي مثالًا حيًا على أن الترجمة، حين تبلغ ذروتها، تتحول من تقنية إلى قدر، ومن مهنة إلى مصير، ومن نقلٍ للنص إلى إعادة خلق للإنسان نفسه من خلال اللغة.

***

مجيدة محمدي

فلسفة تستجلي ظاهرة الرعب الخفي في مؤسّساتنا

لم يكن المشهد الذي رأيته عابرا. "إسلام" ابن أختي، طفل في سنته الأولى من التعليم الابتدائي، تقف أمّه أمامه في صباح عادي بعد عطلة ربيعية قصيرة، ترتّب حقيبته وتدعوه برفق للعودة إلى المدرسة، بينما هو ينهار بالبكاء، يرفض، يتشبث بالبيت كأنّه يهرب من خطر يتوعّده لا يُرى. كان بكاؤه صادقا، لا يحمل دلعا طفوليا عابرا، بل يحمل شيئا أعمق، رفضا غامضا، وخوفا لا يعرف كيف يشرحه. عندها فقط، بدأت أسأل نفسي، كيف يمكن لطفل ذكي ونشيط ومحبّ للحياة مثل إسلام أن يرى في المدرسة هذا الوجه المظلم الذي يدفعه إلى الانكسار؟ أرعبني بكاء هذا الطفل البريء، أهي المدارس مرعبة إلى هذا الحد؟ هل صارت المدارس تنتج طفولة مكسورة؟

هذا السؤال البسيط ظاهريا يقودنا إلى أزمة أعمق بكثير من حالة فردية. نحن لا نتحدّث عن طفل واحد، بل عن نمط يتكرّر في مدارس الجزائر، كما في كثير من مدارس العالم العربي، حيث يتحوّل الدخول إلى المدرسة من "افتتاح للمعرفة" إلى نوع من العبور القلق، وكأنّ الطفل يُدفع من فضاء الدفء والحرية إلى فضاء آخر أكثر صرامة وبرودة، لا يفهمه جسده الصغير ولا روحه المفتوحة على اللّعب والاكتشاف.

منذ قرون رأى "جان جاك روسو " أن الطفل يولد على الفطرة، محبّا للمعرفة بطبيعته، وأن العنف الحقيقي ليس في الجهل، بل في الطريقة التي نفرض بها التعلم. وحين ننظر إلى المدرسة التقليدية، نجدها في كثير من الأحيان تفصل الطفل عن هذه الفطرة، وتستبدل الفضول بالواجب، والاكتشاف بالحفظ، واللّعب بالجلوس الطويل والصمت المفروض. هنا تبدأ الطفولة في التشقّق بصمت، لا دفعة واحدة، بل تدريجيا، مع كلّ جرس، وكلّ اختبار، وكلّ نظرة تقييم.

وفي عمق هذا التشكل القاسي، يتوافق تحليل "ميشيل فوكو" مع وضع تعيشه مدارسنا، حيث كشف في مؤلّفه "المراقبة والمعاقبة" كيف تتحوّل المؤسسات الحديثة إلى أجهزة دقيقة لإنتاج الطاعة. فالمدرسة، في هذا التصور، ليست مجرد مكان للتعلّم، بل فضاء يُعاد فيه تشكيل الجسد والسلوك، الجلوس في صفوف، رفع اليد قبل الكلام، ضبط الوقت بدقّة صارمة، مراقبة مستمرة، وتقييم دائم. لا حاجة للعنف الصريح، فالمراقبة نفسها كافية لصناعة سلوك منضبط، لكنّه في كثير من الأحيان مثقل بالخوف الداخلي.

أدركت حينها أنّ بكاء "إسلام" صار مفهوما بشكل مختلف. إنّه ليس رفضا للمعرفة، بل رفضٌ لشكلها. ليس هروبا من التعلّم، بل من الطريقة التي يُقدَّم بها التعلّم. فالطفل لا يملك مفاهيم فلسفية عن السلطة، لكنّه يشعر بها. يشعر أن هناك شيئا يضغط على حركته الطبيعية، يطلب منه أن يكون أقلّ عفوية، أقلّ ضجيجا، بل أقلّ طفولة.

وقد حاول "جون ديوي" أن يعيد تعريف المدرسة باعتبارها حياة لا استعدادا للحياة، حيث يتعلّم الطفل من التجربة لا من التلقين، ومن الفعل لا من الصمت. وفي ذات السياق دافعت "ماريا مونتيسوري" عن فكرة أنّ الطفل يتعلّم أفضل حين يُترك في بيئة حرّة منظمة، تسمح له بالتحرك والاكتشاف وفق إيقاعه الخاص، لا وفق إيقاع مفروض من الخارج.

لكن المسافة بين هذه التصورات والواقع في كثير من مدارسنا لا تزال واسعة. في الجزائر والعالم العربي عموما، ما تزال المدرسة محكومة بثقل المناهج، وكثافة الأقسام، وضغط التقييم، مما يجعلها أحيانا أقرب إلى مؤسسة لضبط السلوك منها إلى فضاء لبناء الإنسان. وهكذا، دون أن تقصد، تتحوّل إلى تجربة تُرهق الطفل عاطفيا، وتدفع بعضه إلى ما يشبه الرفض المبكر للعالم المدرسي.

إن أخطر ما في الأمر أن هذا الانكسار لا يظهر دائما كصرخة واضحة، بل كدموع صغيرة عند الباب، كصمت داخل القسم، كنفور صباحي متكرر. ومع مرور الوقت، قد يتحوّل إلى علاقة مضطربة مع التعلم نفسه، حيث ينفصل الطفل عن الفكرة الأولى للمعرفة بوصفها متعة، ويبدأ في رؤيتها بوصفها عبئا.

إن ما رأيته مع "إسلام" ليس حادثة شخصية، بقدر ما هو علامة على ضرورة إعادة التفكير في معنى المدرسة نفسها، هل هي فضاء لصناعة الطاعة أم لصناعة الإنسان؟ هل نريد طفولة كاملة تنمو بالدهشة، أم طفولة مكسورة تتعلم مبكّرا كيف تخاف من المعرفة؟ أو أماكن تلقّي المعرفة؟

ربما لا تحتاج المدارس إلى أن تُلغى، بل أن تُستعاد روحها الأولى، أن تكون أقرب إلى اللّعب، إلى الحياة، إلى الطفل كما هو، لا كما نريده أن يكون. حينها فقط قد تتوقّف الطفولة عن الانكسار على عتبة القسم، ويعود باب المدرسة بابا للدهشة لا للخوف.

***

ليلى تبّاني ـــ الجزائر

بدءًا علينا أن نقرَّ ببدهية تقول بمقتضى الحال لا المقال، أنه لا شيء بقي على وضعه، فكل ظاهرة اجتماعية أو غيرها من المجالات التي تنتمي إليها هذه الظاهرة أو تلك، لا تبقى على حالها، فالتعليم أو التسويق أو غير ذلك من عادات وتقاليد وممارسات، تطرأ عليها كثير من المتغيرات، سواء في طريقة الطرح، أو في بعض التفاصيل التي تشكّلها، أو غير ذلك، بمعنى أنه لا يمكن بحال أن ننظر إلى ظاهرةٍ ما يمكن أن توجد في عصريه مختلفين، بمستوىً واحد من الطرح وكيفية واحدة ، إذ لا بد أن نشهد اختلافات في الظاهرة الواحدة بالنسبة لخصوصية كل زمن من الأزمان الذي انطلقت من رحمه تلك الظاهرة/ العادة/ التقليد ..الخ

وهنا إذا أردنا الحديث بخصوص المشهد السياسي، فقد تجد تمثلاته بخصوص هذا التحوّل أو التبدّل واضحاً للعيان من دون بذل مزيد من التأمل، فما عليك وانت تطالع عن سيرة رجال السياسة قبل خمسين سنة أو أقل، وتقارن بينهم وبين المتصدّين منهم حاليا للشأن السياسي، ستجد نفسك إزاء فروقات كبيرة يتصل بعضها بالمؤهلات التي توفّرت لذلك السياسي حتى صار يتبوّأ هذا المنصب أو تلك السلطة، ويتصل بعضها بالكارزما الشخصية التي يحظى بها ذلك السياسي ويفتقر إليها كل الافتقار هذا السياسي الذي صار – بقدرة قادر – سياسيا يجوب القنوات الفضائية أو غير ذلك من وسائل الإعلام، وغير ذلك من أمور كثيرة..

هذا التحوّل وإن كان خفيًّا – أو غير ملفت - لكنه عميق الأثر، إذ أخذ يتسلل إلى بنية الخطاب السياسي المعاصر، حتى كاد يبدّل معناه ووظيفته معًا. فلم يعد السياسي - في بعض صوره - ذلك الذي ينشغل ببناء الرؤية وصياغة المشروع، بل غدا أقرب إلى “صانع المحتوى” اليومي، يقيس حضوره بمدى التفاعل، ويستمد قيمته من سرعة الانتشار. وهنا، لا يكون القول موجّهًا إلى العقل بقدر ما يُلقي أهميةً إلى الانفعال، ولا تُبنى الفكرة بقدر ما تُستثار الغريزة.

إن من يرصد ممثلي هذه الظاهرة، سيلحظ في خطاب هذه الفئة من السياسيين، أنه يقوم على ثلاثية مقلقة: تبسيط مُخلّ، واستثارة مقصودة، وإدامة للتوتر. فاللغة تُختزل حتى تفقد دقتها، لتغدو أقرب إلى شعارات سريعة الاستهلاك، والخصومة تُضخّم حتى تتحول إلى مادة جاهزة للتعبئة، والجمهور يُستبقى في حالة يقظة انفعالية لا تهدأ. وكأن الخطاب لم يعد يسعى إلى الإقناع، بل إلى التحشيد؛ ولا يهدف إلى التبصير، بل إلى الاصطفاف.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه يُعيد تشكيل العلاقة بين السياسي وجمهوره. ففي النموذج الكلاسيكي، كان السياسي يُفترض أن يرتفع بالوعي العام، أو- على الأقل - يسعى إلى ترشيده. أما اليوم، فإن بعضهم ينحدر إلى مستوى المزاج السائد، لا ليعالجه، بل ليستثمر فيه. يقرأ ما يريده الجمهور، ثم يعيد إنتاجه بجرعة أعلى من الإثارة، فيدخل الطرفان في حلقة مفرغة: جمهور يطلب المزيد من الانفعال، وسياسي يقدّمه دون تردّد.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على بيئة بعينها؛ ففي الغرب، يمكن أن نجد نماذج لسياسيين أتقنوا توظيف المنصات الرقمية لإثارة الجدل واستدامة الحضور، كما في تجربة Donald Trump، حيث يغدو الخطاب أداةً للاستفزاز المنتج للتفاعل، وتتحول العبارة السياسية إلى حدثٍ إعلامي قائم بذاته. وفي المقابل، لا تخلو الساحة العربية – والعراقية في ضمنها - من ممارسات مشابهة، وإن اختلفت السياقات، إذ يتحول الخطاب السياسي إلى وسيلة يومية لشحن الجمهور، بدل أن يكون أداة لتهدئة المجال العام وترشيده.

وهنا يتبدل معيار النجاح: لا تُقاس قيمة الخطاب بعمق فكرته، ولا بقدرته على تقديم حلول، بل بعدد الإعجابات – أو اللايكات - وسرعة الانتشار، وحجم الجدل الذي يثيره. ومع الزمن، تتآكل هيبة المعنى، ويغدو القول - مهما اشتدّ صخبه - أقرب إلى ضجيج عابر، يعلو سريعًا ثم يخبو، دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في الواقع.

إن هذا النمط لا يكتفي بعكس الانقسام الاجتماعي، بل يسهم في تعميقه وتوسعته. فكل منشور مشحون بشتى النكهات: طائفية على قومية على عرقية، مع عبارة مستفزة، بما يُضيف طبقة جديدة إلى جدار الكراهية، حتى يصبح الخلاف - وهو أمر طبيعي - انقسامًا وجوديًا لا يقبل الجسر أو المراجعة. وبهذا، يتحول الفضاء العام إلى ساحة توتر دائم، تُستنزف فيها الطاقات، ويُغيَّب فيها التفكير الهادئ، أو المراجعة النقدية.

وليس من المبالغة القول إننا أمام انزياح من “السياسة بوصفها تدبيرًا” إلى “السياسة بوصفها استعراضًا”. ففي الأولى، يكون الفعل موجّهًا نحو الواقع، يسعى إلى تغييره أو تحسينه. أما في الثانية، فيكون موجّهًا نحو الجمهور، يهدف إلى التأثير فيه آنًا، ولو على حساب الحقيقة أو المصلحة العامة.

حقيقةً دائما ما أردد في نفسي سؤالا مفاده: لو عاد رجال السياسة من أجانب ومن عرب، ممن كان لهم شأنٌ قبل خمسين سنة أو اكثر، ورأوا هؤلاء الذين يمثلون السياسة في هذا العصر، ماذا ستكون ردة فعلهم، فمثلا لو عاد إلى الحياة كل من "هاري ترومان" أو "أيزنهاور" أو غيرهما من رؤساء الولايات المتحدة، وشاهدوا المعتوه "ترامب" وسياسته الرعناء ماذا سيقولون..؟! وهكذا الحال لو أعدنا هذا الافتراض في المشهد السياسي في غير امريكا من دول العالم الغربي، والعربي..!

غير أن المسؤولية في ذلك لا تقع على عاتق السياسي وحده. فالجمهور شريكٌ في صناعة هذا النموذج، حين يكافئ الخطاب الاستفزازي الباحث عن "الترند"، ويتغافل عن الخطاب الرصين الباحث عن الحلول للمشاكل لا إثارتها فحسب. فحيثما يكون التفاعل، يكون الإنتاج. وإذا ظلّ ميزان التلقي مختلًا، فلن يكون مستغربًا أن يستمر هذا النمط الهابط في التمدد، مستندًا إلى طلبٍ لا ينقطع.

ويبقى السؤال: هل العالم متّجه إلى خطاب سياسي سطحي يمثله من لا حصانة لهم ولا دراسة بالشأن السياسي، بل كل مؤهلاتهم ما يملكونه من أموال تجلب لهم السلطة، وجمهور يقتات على خطاب شعبوي غارق بالأنانية الحزبية أو التعنصر المذهبي أو القومي الذي لا يحقق عشر معشار ما يدعيه من وعود يمرِّرها على ذلك الجمهور..

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال، أحد ممثلي هذه الظاهرة، ممن سكن وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنه إعلامي أو ناشط أو "بلوگر" مشهور على الفيسبوك، لا تفتح الفيسبوك إلا وتجده أمامك، وكأنه لا شغل ولا عمل لديه في البرلمان العراقي الذي ترشّح لأجل أن يكون ممثلا عن جمهوره، ولكن مع ذلك أقول: ليس العتب عليه، بل على جمهوره، إذ الجمهور الواعي له أثره في اختيار النائب الواعي لدوره، والجمهور غير الواعي وإن أتيح له ممارسة ديمقراطية مثل الانتخابات، فهو لا يستفيد منها باختيار الافضل من بين الخيارات المطروحة، بل ينعكس اختياره لما يمثل مستواه الفكري المتواضع. وبتعبير أبي الطيب المتنبي حين علّل هذه الظاهرة بما له علاقة بالشأن الأدبي، ممن لم ينبهر بالشعر الجيد في معناه ومبناه، بقدر انبهاره بالرديء منه أو النمطي التقليدي في أفضل أحواله، بقوله:

وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً

وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ

*

وَلَكِن تَأخُذُ الآذانُ مِنهُ

عَلى قَدرِ القَرائِحِ وَالعُلومِ

***

د. وسام حسين العبيدي

دراسة مقارنة بين الأنظمة الشمولية والسياسات الاستعمارية

تشريح بنى السلطة في الفضاء النفسي: يُمثل التداخل بين الفلسفة السياسية وعلم النفس النقدي أحد أخصب الحقول المعرفية لتفكيك بنى السلطة في العصر الحديث. فعند تأمل أساليب إدارة الحكم في الأنظمة الشمولية وفي سياسات الاستبداد الاستعمارية، يتضح أن القاسم المشترك الأكثر عمقاً وجوهرية يتجاوز مجرد القهر المادي أو الهيمنة الاقتصادية المباشرة؛ إنه يتجسد في استخدام "السياسة النفسية" بوصفها أداة حكم غير مرئية تستهدف استعمار الحيز الوجداني للأفراد والجماعات. إن هذه السياسة، التي تتخذ أشكالاً متباينة بين التوجيه الخفي والبرمجة الفكرية الشاملة، تهدف بالدرجة الأولى إلى إنتاج رعايا مستلبين يتماهون طوعاً مع سرديات السلطة القمعية. وفي المقابل، يبرز السؤال الملح حول كيفية صياغة استراتيجيات مقاومة فعالة لا تسقط في فخ إعادة إنتاج آليات السيطرة ذاتها. هنا، تتبدى "ما وراء الواقعية" وتفعيل "وعي اللاوعي" كأدوات نقدية وجمالية بالغة الأهمية لتجاوز الاستلاب النفسي.

 من ترويض الأجساد إلى استعمار النفوس

تعتبر السياسة النفسية التحول الجذري الأبرز في آليات السيطرة السلطوية المعاصرة والتقليدية على حد سواء. فبينما كانت الأنظمة الانضباطية القديمة تركز على الأجساد وتطويعها في الفضاءات المادية، مثل السجون والمدارس والمصانع، اكتشفت السلطة الحديثة القوة الإنتاجية للنفس البشرية. لقد انتقلت الهيمنة من مستوى "السياسة الحيوية" التي تضبط الأجساد وتراقب المؤشرات الحيوية للسكان، إلى مستوى "السياسة النفسية" التي تحكم الوعي وتدير الرغبات.

في ظل الأنظمة الشمولية، تصبح السلطة أكثر نفاذاً وتأثيراً كلما عملت في صمت ودون جلبة. إن "السلطة الذكية" لا تلجأ بالضرورة إلى الإكراه الخشن، بل تتودد إلى النفس وتدفع الأفراد باستمرار إلى الإفصاح والمشاركة ومشاركة أسرارهم وتفضيلاتهم تحت مسميات "الحرية" و"التواصل". هذا النمط من السلطة يقلب مفهوم الحرية رأساً على عقب؛ حيث تصبح الحرية ذاتها أداة لتحقيق أهداف الهيمنة، ويتحول الفرد إلى مراقب ذاتي لنفسه، فيصبح سيداً وعبداً في آن واحد، في عملية استغلال ذاتي متواصلة تؤدي إلى الانهيار النفسي والاغتراب الكامل.

المقاربة الفانونية والتحليل النفسي للظاهرة الاستعمارية

على الجانب الآخر من معادلة السياسة النفسية، تبرز إسهامات فرانز فانون كأحد أهم المرجعيات في كشف الأبعاد النفسية للاستعمار. فانون، الذي انطلق من خلفيته كطبيب نفسي ومناضل ثوري، بيّن أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري أو نهب اقتصادي، بل هو بنية ممرضة نفسياً تستهدف تدمير الكيان المعنوي للشعوب. لقد أوضح كيف تنتج بنى الاستعمار ذواتاً ممتثلة من خلال زرع "عقد النقص" التي تبدأ كحاجة اقتصادية ثم تتحول إلى شعور بالدونية العرقية والوجودية.

إن النظام الاستعماري يمارس نوعاً مبكراً من السياسة النفسية عبر إجبار الإنسان المستعمر على تبني نظرة المستعمر الدونية إليه. وفي هذا السياق، انتقد فانون بشدة الطب النفسي التقليدي الذي يحاول تكييف المريض مع بيئته المريضة، معتبراً أن الشفاء الحقيقي يقتضي تدمير البنية الاستعمارية ذاتها. فالتحرر عند فانون يتطلب نضالاً مزدوجاً: نضال مادي ضد المستعمر، ونضال داخلي في "لاوعي" الإنسان المستعمر للتخلص من الأنماط الوجودية المفروضة عليه.

تأصيل الوعي النفقي وتأثير "الأعشاش القبلية"

هنا نصل إلى مفهوم "الأعشاش القبلية" وتشكيل "الوعي النفقي". تمثل دراسة التشكيلات الرمزية والمكانية مدخلاً لفهم الكيفية التي يتموضع من خلالها الكائن البشري في الوجود. إن سعي الإنسان لتأثيث حضوره ومقاومة قوى التلاشي يدفعه إلى بناء ملاذات مادية ومعنوية. الوعي النفقي هو حالة تنشأ عندما تتعرض هذه "الأعشاش" لضغط خارجي هائل، مما يدفع الذات الجماعية إلى الانكفاء من "ثغور" المبادرة والاشتباك المعرفي، إلى "جحور" الانغلاق والتحصن السلبي.

في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، نلاحظ أن الفشل في بناء دولة وطنية جامعة أدى إلى ارتداد الأفراد نحو "أعشاشهم" الأولى. هذا الارتداد لم يكن عودةً للطبيعة، بل كان حفراً في بنية الوعي لإنتاج مسارات "نفقية" لا تَرى من الحقيقة إلا ما يسمح به قطر النفق القبلي أو الطائفي. إن الانتقال من "الثغور" إلى "الجحور" يمثل استراتيجية انكسار للوعي؛ حيث تتحول المقاومة من فعل "تثغير" إلى فعل "تجهير" الغوص في باطن الانغلاق. في الوعي النفقي، يفقد الكائن قدرته على الإبصار الشمولي، ويصبح أسير الرؤية الأحادية، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الهوية بشكل مشوه وقائم على الخوف من الفضاء المشترك.

سيكولوجية الإنفاق وتحطيم جدران النفق

إذا كانت الأنفاق تؤمن للذات حضوراً متمركزاً حول الحفظ، فإن حركة الإنفاق والتبديد تأتي كفعل انفجاري ضروري لكسر هذا الانغلاق. هنا تبرز إسهامات جورج باتاي الذي قلب موازين الفهم الاقتصادي التقليدي من خلال تقديمه لمفهوم الاقتصاد العام ونظرية الإنفاق غير المنتج. يرى باتاي أن الكائنات الحية تحوز بطبيعتها على مصادر طاقة تتعدى حاجتها للبقاء، وهذا الفائض لا يمكن استخدامه باستمرار في النمو بسبب الحدود الفيزيائية.

بناءً على ذلك، يصبح التبديد أو البذخ أو الإتلاف حاجة ملحة للتخلص من هذا الفائض. في سياق الوعي النفقي، يمثل الإنفاق المحاولة المستميتة للذات للخروج من "جحرها" عبر فعل التضحية أو البذخ الروحي والقيمي، لاستعادة سيادتها الضائعة في حسابات الربح والخسارة التي فرضها العقل الأداتي الحديث. إن كسر "القصور الذاتي" للكتل النفسية المترسبة يتطلب بذل جهد واعٍ ومستمر يتناسب مع حجم الصدمات والبرمجيات القديمة.

مدرسة أمريكا اللاتينية وآليات الإصلاح الفكري الشمولي

ما أسسته مدرسة "علم نفس التحرر" في أمريكا اللاتينية، خاصة أطروحات إغناسيو مارتين-بارو الذي طالب بأن يكون علم النفس خدمة فعالة للأغلبيات المقهورة. وفي قلب هذا المشروع يبرز مفهوم "التوعية النقدية" لباولو فريري، وهو السيرورة التي يصبح من خلالها الأفراد أكثر وعياً بكيفية تشكيل الواقع الاجتماعي لاضطهادهم.

لكي ندرك حجم التحدي، يجدر بنا استعراض الآليات الدقيقة التي تستخدمها الأنظمة الشمولية في عمليات "غسيل الأدمغة". حدد الطبيب النفسي روبرت جاي ليفتون معايير لإعادة صياغة الشخصية، منها السيطرة على البيئة، والتلاعب الغامض بالمشاعر، والمطالبة بالنقاء المطلق، وتقديم العقيدة فوق الذات. هذه السيطرة النفسية المطلقة تجد تجلياتها الأدبية في رواية "1984" لجورج أورويل؛ حيث تسيطر مبادئ النظام على أدق تفاصيل الحياة. إن مقاومة هذا الاستبداد تتطلب وعياً بأن التنويم المغناطيسي للجماهير هو نتيجة لعزلة الفرد وقلقه؛ لذا فإن بناء فضاءات للتأمل والتفكير المستقل هو الحصن الأول لاستعادة الحرية.

إستراتيجيات الحضور وميتافيزيقا التفكيك

في سياق مقاربة هذه الأنماط فلسفياً، نجد أن المنهج التفكيكي لجاك دريدا يفسر هذه الحركات ببراعة. لقد نقد دريدا "ميتافيزيقا الحضور" التي تسعى لتثبيت المعنى والوصول إلى يقين مطلق. تتقاطع هذه الإستراتيجيات بقوة مع أطروحاتنا؛ فالأعشاش القبلية هي محاولة لتثبيت حضور الهوية، والإنفاق يمثل الخرق الضروري الذي يهدد هذا الحضور المكتمل ويفجره من الداخل لمنع التراكم القاتل.

نحو أفق تحرري شامل

إن السياسة النفسية، بوصفها القاسم المشترك بين الشمولية والاستبداد، تمثل التحدي الأكبر لكرامة الإنسان لأنها تزرع القيود في عمق الوجدان. ولمواجهة هذا الغزو النفسي المنظم، تتبدى "ما وراء الواقعية" كممارسة جمالية ترفض الاستسلام لواقع مشوه، وتطرح بدلاً من ذلك هندسة نفسية تستثمر وعي اللاوعي لإعادة بناء الذات. يبقى تعزيز الوعي النقدي عبر سيرورات التحرر النفسي هو البوابة الحقيقية التي يعبر منها الفرد من رتبة "التابع المستلب" إلى رتبة "الفاعل التاريخي". إن رهن التغيير المادي بالتحرر النفسي والروحي هو الرؤية الأكثر شمولاً التي تركتها لنا مدارس التحرر لنهتدي بها في مواجهة قوى الاستبداد الشامل.

***

غالب المسعودي

...........................

مرجعيات مقترحة

فانون، فرانز. (1961). معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي. بيروت: دار القلم.

فوكو، ميشيل. (1975). المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي.

هان، بيونغ تشول. (2017). السياسة النفسية: النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة. (مرجع لمفاهيم السلطة الذكية).

باتاي، جورج. (1949). الحصة الملعونة: رسالة في الاقتصاد العام. (مرجع لسيكولوجية الإنفاق).

مارتين-بارو، إغناسيو. (1994). كتابات من أجل علم نفس التحرر. تحرير أدريان نيل وآخرون.

فريري، باولو. (1970). تعليم المقهورين. ترجمة يوسف نور عوض. بيروت: دار القلم.

ليفتون، روبرت جاي. (1961). الإصلاح الفكري وسيكولوجية الشمولية: دراسة في غسيل الأدمغة في الصين.

أورويل، جورج. (1949). 1984. (رواية - مرجع أدبي للشمولية).

دريدا، جاك. (1967). الكتابة والاختلاف. (مرجع لميتافيزيقا الحضور والتفكيك).

المسعودي، غالب. (2024). تأثير الأعشاش القبلية في تشكيل الوعي النفقي. (دراسات ميدانية ومقالات فلسفية).

مقدمة: عديدة هي الدوافع والمعطيات التي تدفعنا إلى القول: أن هناك ضرورات ذاتية وموضوعية قصوى لتنمية ثقافة سياسية ـ ديمقراطية جديدة في المجالين العربي والإسلامي، تتجاوز كل عناصر التخلف والانحطاط والاستبداد العالقة في الثقافة السياسية السائدة.

وذلك لأنه لا يمكن الخروج من مآزق الراهن والتفاعل الإيجابي مع مكاسب الحضارة، بدون ممارسة قطيعة معرفية وسياسية مع ثقافة وتقاليد التخلف والاستبداد. وذلك لأنها هي المسئولة عن عرقلة الكثير من مشروعات التقدم والحرية في الأمة.

فالاستبداد السياسي الجاثم على صدر الأمة، هو الذي يعرقل انطلاقتها الحضارية الجديدة، وهو الذي يكبل الأمة بالمزيد من الكوابح التي تحول دون التقدم والتطور السياسي والحقوقي والحضاري. من هنا تتشكل الحاجة الماسة إلى تفكيك ثقافة الاستبداد والديكتاتورية في الفضاء الثقافي والسياسي العربي، وبناء فكر وثقافة سياسية جديدة، قوامها الديمقراطية وسيادة القانون واحترام وصيانة حقوق الإنسان.

الاستبداد جذر الأزمة:

ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن المسئول الأول عن إخفاقات الأمة المتتالي في كل حقول الحياة، هو الاستبداد والاستئثار بالرأي والقرار والاستفراد بالسلطة.

وذلك لأن الاستبداد بمتوالياته العديدة والخطيرة، هو الذي يؤسس للفشل والإخفاق، ويشرع للهزيمة والانكسار. فحيثما كان هناك استبداد سياسي. توفرت كل موجبات الإخفاق والهزيمة. بل لا يكتفي فعل الاستبداد بذلك، بل يحاول إسقاط كل عناصر القوة في الأمة، وذلك من أجل ضمان ديمومة استبداده واستمرار ديكتاتوريته.

لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع التقدم والتطور في المجالين العربي والإسلامي، هو نبذ الاستبداد وتفكيك ثقافية وموجباته، ودحر مبرراته، ومقاومة رجاله ومؤسساته. وبدون إزالة الاستبداد السياسي، ستبقى كل التطلعات مجردة، وكل الأعمال والأنشطة بدون أفق حقيقي.

من هنا ينبغي أن تتجه كل الجهود والطاقات لمقاومة الاستبداد، وإرساء معالم وحقائق سياسية ـ اجتماعية جديدة تستند على قيم الديمقراطية والشورى والتداول السلمي للسلطة. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تتجه إلى صياغة العقول وبناء الحقائق على هدى هذه الأسس والمرتكزات.

فالاستبداد هو أم الرذائل كلها، ولا خيار أمامنا إذا أردنا الأمن والتنمية والاستقرار، إلا التحول نحو الديمقراطية وبناء أنظمتنا السياسية والتربوية والثقافية على أسس الديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان.

فالاستبداد بمتوالياته وتأثيراته المتواصلة، هو الذي أوصل العديد من المناطق والدول في المجالين العربي والإسلامي إلى دوامة العنف والقتل المجاني. وذلك لأنه (الاستبداد) هو الذي يغذي مصادر العنف وينشط حركة الصراع السلبي في المجتمع، وهو الذي يشرع في كل الأحوال إلى ممارسة القهر والقوة في العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية. فالاستقرار لا يتحقق بالإرغام والإكراه المتعسف، بل بالرضا والمشاركة والتوزيع العادل للثروات وتكافؤ الفرص.

 " والاستبداد أو الطغيان (Tyranny) يمكن تعريفه على أنه ذلك الإكراه الذي تمارسه سلطة ليس لها الحق في استعمال القوة، أو حتى سلطة شرعية تتجاوز القيود والحدود في استعمالها. والإرغام (أو الإكراه) الذي (قد) تمارسه السلطة المستبدة هو عادة إرغام يمكن تجنبه (أو تجنب القسط الكبير منه) من ناحية، ويتعذر التنبؤ به (في أغلب الأحيان) من ناحية أخرى. أما ضحيته الأولى فواضحة وجلية: الفرد وحريته. ومن الشرور البارزة لهذا الإكراه الاستبدادي أنه يلغي الفرد كشخص مفكر ومقيم ويجعله مجرد أداة لتحقيق أهداف الآخرين. فهو مرغم على التصرف وفق خطه حياة ليست له. وعلى خدمة أهداف لا تخصه. والاستبداد، دون أدنى شك، من الممارسات الملازمة لأي نظام ديكتاتوري أو قل، لأي نظام حكم مطلق "".. (1)

 والاستبداد كثقافة وممارسة لا تتوقف فقط عند طبيعة وآليات صنع القرار السياسي وتسيير شؤون الدولة الكبرى، بل هي تتسرب إلى كل الحياة والتفاصيل. بحيث يكون الطابع الاستبدادي هو المسيطر على مختلف شؤون المجتمع وقضايا الوطن. وحاجتنا الطبيعية والإنسانية إلى الانضباط والنظام والوحدة، ينبــــغي أن لا تقودنا إلى مـــمارسة الكبت والاستبداد.

 وذلك لأن هذه الممارسات لا تؤدي إلى الغاية المنشودة، بل على العكس من ذلك تماما. حيث أن الكبت لا يصنع انضباطا، والاستبداد لا يخلق وحدة، بل تشتتا وتداعيا مستمرا. فالاستبداد ليس هو الحل العبقري والحضاري لتلبية حاجات الإنسان المتعددة. بل هو حل العاجزين والجاهلين لسنن الاجتماع الإنساني.

و " إن الدول الاستبدادية التي تبدو قوية للمراقبين في الخارج، كما بدا الاتحاد السوفيتي، وكما تبدو الصين نسبيا حتى الآن، هي في واقع الأمر دول ضعيفة من الداخل لا تجرؤ على الخيار الديمقراطي وعلى حمل جنين الديمقراطية في جوفها الضعيف والمريض. أما الدول القوية، فعلى ما نسمع عنها من مشكلات داخلية، فهي التي تواصل المسار الديمقراطي على رغم تلك المشكلات الداخلية، بل تحلها بالديمقراطية " (2).

حاجتنا إلى ثقافة سياسية جديدة:

من المهم القول: أن عملية تأسيس وبناء ثقافة سياسية جديدة، تتجاوز رواسب الانحطاط وموروثات الاستبداد السياسي، ترتبط بطبيعة الهدف أو الأهداف المتوخاة من هذه العملية. وعليه فإن الغاية المتوخاة من الثقافة السياسية الجديدة، هي إشاعة النمط الديمقراطي في الحياة العامة للعرب والمسلمين. بحيث تكون الديمقراطية كثقافة وآليات ووسائل ونظم، هي السائدة في الحياة السياسية وإدارة شؤون الدولة والسلطة، كما هي جزءا حيويا في النسيج الاجتماعي والثقافي.

فالثقافة السياسية الجديدة التي ننشدها ونتطلع إليها، هي تلك الثقافة التي تعزز التطور الديمقراطي والحقوقي في مجتمعاتنا، وتحول دون بروز السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية المفضية والمؤسسة إلى الديكتاتورية والاستبداد.

إننا بحاجة إلى ثقافة سياسية تعزز الخيار الديمقراطي في صفوف المجتمع، وتعمل على تهيئة المناخ لرفض كل محاولات تكميم الأفواه والعودة بالمجتمع إلى الأنظمة الشمولية التي تلغي الإنسان وحقوقه، وتحارب كل محاولاته للتحرر والانعتاق من ربقة الاضطهاد والقهر السياسي والاجتماعي.

ومحاولات الأنظمة الشمولية في رفع شعارات تقدمية لتعبئة المجتمع باتجاهها، دون خطوات عملية تترجم هذه المحاولات، أضحت عملية مكشوفة، ولا تثمر إلا المزيد من التوتر والاحتقان. لذلك فإن حاجتنا إلى ثقافة سياسية جديدة، تتكثف في النقاط التالية:

1.  بناء الوعي الاجتماعي والسياسي على أسس العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وتجاوز كل أشكال الوعي الاجتماعي والسياسي المشوه. الذي يبرر استخدام القهر ويسوغ ممارسة الاستبداد ويقبل بتأجيل مشروع حقوق الإنسان وامتهان كرامته.

إننا لا نبالغ حين القول: إن الذي ساعد بشكل مباشر في تغوّل الأنظمة الاستبدادية ـ الشمولية في العديد من دولنا ومجتمعاتنا، هو الوعي الاجتماعي والسياسي المشوه، الذي لم يتعامل بفعالية وصدق مع مشروع الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 إن هذا الوعي الممسوخ الذي يرحب بالاستبداد السياسي ما دامت السلطة في يده، ويتجاوز عن الكثير من الانتهاكات التي تتعرض لها الحريات السياسية وحقوق الإنسان، هو أحد المسئولين المباشرين عن تردي أوضاعنا وتدهور استقرارنا السياسي.

وحاجتنا إلى الثقافة السياسية الجديدة، تنبع من حاجتنا إلى بناء وعي اجتماعي وسياسي جديد، يمارس القطيعة بكل مستوياتها مع الديكتاتورية والاستبداد وكل مسوغات تعطيل مشروع الحريات السياسية والديمقراطية الشاملة. ويبني هذا الوعي الجديد حقائق العدالة والمساواة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة واحترام حق التعبير والاختلاف، وصياغة واقعنا كله وفق مقتضيات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

2.  إن الديمقراطية كبنية وآلية وممارسة، ترتكز على مفهوم المشاركة السياسية. إذ لا يمكن أن تبنى الديمقراطية في أي بيئة اجتماعية، بدون مشاركة سياسية ـ مجتمعية فاعلة.

إذ أن مستوى المشاركة هو الذي يحدد مستوى الديمقراطية، كما أن توسع دائرة المشاركة السياسية في الفضاء الاجتماعي، هو أحد التعبيرات المهمة على الوعي الديمقراطي في المجتمع.

لذلك كله فإننا بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تدفع وتحفز المجتمع بكل فئاته وشرائحه وأجياله إلى المشاركة السياسية وشؤون إدارة الشأن العام. من هنا فإن حاجتنا إلى الثقافة السياسية الجديدة، بمستوى حاجتنا إلى الديمقراطية والحريات السياسية. وذلك لأنه لا يمكـــن إنـجاز ديمقراطية في بنائنا الاجتمـــاعي والسياسي مـــن دون مشاركة الناس.

 ووسيلتنا الحضارية لتحفيز الناس للمشاركة في هذا المضمار، هو خلق ثقافة سياسية جديدة، تدفعهم بشكل ذاتي ـ دينامي إلى تحمل المسؤولية العامة والمشاركة بحيوية وفعالية في الشأن السياسي العام..

و " الثقافة السياسية الجديـــدة الــتي تفترضها إستراتيجية الانتقـــال الديمقراطي هي ـ باختصار ـ الثقافة التي تحل النزعة النسبية في وعي السياسية والمجال السياسي محل النزعة الشمولية (أي التوتاليتارية)، وتحل التوافق، والتراضي، والتعاقد، والتنازل المتبادل، محل قواعد التسلط، والاحتكار، والإلغاء....الخ، فتفتح المجال السياسي ـ بذلك ـ أمام المشاركة الطبيعية للجميع. وتفتح معه السلطة أمام إرادة التداول السلمي عليها. هذا يعني أن في قاع هذه الثقافة السياسية النظري مفهوما مركزيا تأسيسيا للسياسة والسلطة: إنهما ـ معا بحسبها ـ ملكية عمومية للمجتمع برمته يلتقي معها أي سلم معياري تتوزع بموجبه أقساط ومستحقات السياسية والسلطة على قواعد الامتياز أو الأفضلية أو ما في معناها من أسباب السطو على الرأسمال الجماعي السياسي.

 وغني عن البيان أن مفهوم السياسة والسلطة، بهذا المعنى، يعيد تعريف الشرعية السياسية بوصفها تلك التي تتحصل برضا الشعب وحرية اختياره، من حيث هو مصدر السلطة والتشريع في النظام المدني الحديث، وليس بوصفها حاصل امتياز ما: عرقي، أو فئوي، أو ثيولوجي، أو أيدلوجي....الخ "..(3).

3.  إن الكثير من التناقضات والتوترات السياسية والاجتماعية الداخلية، لا يمكن معالجتها بدون ثقافة سياسية جديدة، تؤسس لنمط جديد من العلاقة والتواصل بين مكونات وقوى المجتمع قوامها التسامح والحرية وسيادة القانون وقيم حقوق الإنسان. فالكثير من مشكلات الداخل في المجالين العربي والإسلامي، بحاجة إلى رؤية وحلول جديدة، تتجاوز النمط التقليدي في معالجة هذه المشاكل.  فأزمات السلطة وعلاقتها بالمجتمع وتعبيراته المتعددة وطبيعة الموقف من التعدد والتنوع المذهبي والقومي والعرقي المتوفر في العديد من المجتمعات، بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تعيد صياغة العلاقة وعلى أسس جديدة بين السلطة والمجتمع، كما أنه لا يمكن تجاوز معضلات التمييز الطائفي والعرقي والقومي، بدون ثقافة سياسية، تعيد الاعتبار إلى التنوع ومتطلباته، وترسي دعائم المواطنة وأسس الوحدة وفق رؤية وثقافة لا تلغي الخصوصيات الثقافية لكل فئة أو شريحة في المجتمع والوطن، دون أن تشرع إلى الانكفاء والانحباس في الذات.

من هنا فإن إعادة بناء أسس الثقافة السياسية في المجالين العربي والإسلامي، وبناء أنماط جديدة للعلاقة بين مختلف مكونات المجتمع والوطن على أسس الحرية والعدالة من المداخل والروافد الأساسية لبناء واقع ديمقراطي وسياسي جديد.

فالثقافة السياسية الجديدة هي الإطار الضروري لتمكين أفراد المجتمع من ممارسة وظائفهم العامة والقيام بمسؤولياتهم السياسية. وتنظيم العلاقات بين تنوعات المجتمع تنظيما حضاريا وبعيدا عن الصراعات والحروب المفتوحة.

4.  إن الإصلاح السياسي الذي تتطلع إليه الشعوب العربية والإسلامية اليوم، بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تبلور تطلعات الإصلاح السياسي، وتنضج المضامين السياسية والمجتمعية لعملية الإصلاح السياسي. وبالتالي فإن الثقافة السياسية المنشودة هي التي تساهم في إنضاج الشروط الاجتماعية والثقافية والسياسية للانخراط في مشروع الإصلاح السياسي.

 فالقطع المعرفي والعملي مع حقائق التسلط والهيمنة وموجبات احتكار السلطة والقرار والرأي وانتهاك حقوق وإرادة المواطنين، بحاجة إلى رؤية سياسية جديدة وثقافة مجتمعية ودستورية، تأخذ على عاتقها بلورة برنامج وطني متكامل للإنعتاق من كل أشكال وموجبات الاستبداد السياسي، والانخراط الفعلي في بناء حياة سياسية جديدة للمجالين العربي والإسلامي على قاعدة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إننا في العالم العربي والإسلامي اليوم، بحاجة إلى ثقافة سياسية تعيد تنظيم أولوياتنا السياسية وتصيغ علاقات مكوناتنا مع بعضها البعض على أسس الحرية والعدالة، وتولي اهتماما خاصا وحيويا لمسائل التنمية والتعايش الأهلي والمواطنة الدستورية. وتدعم سياق التحديث السياسي القيمي والمؤسسي الذي يتطلب القبول القانوني بالتعددية وتشكيل الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية والتشكيلات النقابية وضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

وبكلمة: إننا بحاجة إلى ثقافة سياسية تنسجم ومتطلبات الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية وقيم الحوار والتسامح وحقوق الإنسان.

 إننا بهذه العناصر والقيم الأساسية، نتمكن من تجديد حياتنا السياسية وتجاوز تحديات المرحلة والانطلاق من إمكانات الواقع وممكناته لبناء واقعنا الوطني على هدى هذه القيم ومقتضياتها الثقافية والمؤسسية.

أوليات الثقافة السياسية الجديدة:

والثقافة السياسية التي نتطلع أن تسود فضائنا الوطني والقومي والإسلامي، لها أجندة وأولويات، تسعى إلى التركيز عليها وإعطاءها الأولوية على مستوى المعرفة والموقف.

وهذه الأولويات هي التالي:

1.  الحريات السياسية: لقد أبانت تطورات المنطقة وتحولاتها المتلاحقة، أن الداء العضال الذي يعاني منه جسم الأمة، ويساهم في تدهور أوضاعها وانحطاط أحوالها. هو داء الاستبداد والاستفراد بالحكم والسلطة. إذ أن العديد من الإخفاقات والتوترات التي تعيشها المنطقة اليوم وفي مختلف المجالات، هي جراء سياسات وتأثيرات أنظمة شمولية – استبدادية، تمارس القهر والإقصاء تجاه شعبها، وتحول بكل الوسائل لمنعه من ممارسة حريته ونيل حقوقه.

إن هذه الأنظمة بسياساتها وخياراتها الداخلية والخارجية، هي المسئول الأول عن تردي أوضاعنا وتدهور أحوالنا في مختلف المجالات. وإن الخطوة الأولى في مشروع التحرر من هذه الظروف والأحوال السيئة، هو بناء ثقافة وواقع سياسي جديد، يعتبر الحريات السياسية للمواطنين بصرف النظر عن أصولهم القومية أو العرقية أو منابتهم الدينية والمذهبية من أوليات الأعمال التي ينبغي أن تتوجه جميع الجهود إلى بلورة الإطار النظري الذي يؤكد على هذه الحقيقة، ويعمل على إنضاج الشروط المجتمعية التي تدفع باتجاه تبني خيار الحريات السياسية أولا ودائما.

إن المجال العربي والإسلامي اليوم، بحاجة إلى ثقافة سياسية، تؤسس لقيم الحرية والشورى والديمقراطية، وتعطي الأولوية لبناء واقع اجتماعي وسياسي يقبل الالتزام بكل مقتضيات ومتطلبات الحريات السياسية في الواقع الاجتماعي.

فبمقدار ديمقراطية ثقافتنا السياسية وإصرارها على الحريات الأساسية للفرد والمجتمع، نتمكن من معالجة العديد من مآزق راهننا وتوترات مجتمعنا. وذلك لأن هذا المضمون الديمقراطي لثقافتنا، سيمارس دوره في صناعة رؤية جديدة لمعالجة أزمات الواقع، وسيعيد تنظيم العلاقة بين مختلف القوى والتعبيرات على أسس العدل والإنصاف والمساواة. وذلك لأنه " تفرض ديمقراطية الثقافة السياسية تحقيق المساواة وإتاحة المشاركة في العملية السياسية أمام أفراد المجتمع بغض النظر عن الاختلافات العقائدية أو الدينية أو اللغوية أو السلالية بين هؤلاء الأفراد. والديمقراطية تفرض المساواة بحكم التعريف. وإسباغ الطابع الديمقراطي على الثقافة السياسية المحلية قد يتم في سياق ضغوط عملية التحديث، وما تفرضه من تأكيد لدور العقل والعمل الفعال للإنسان وكثيرا ما تثار التحفظات في هذا الشأن على أساس أن هذا قد يؤدي إلى النيل من القيم الروحيــة والتراث الثقافي للمجتمع النامي وأن القيم الروحية لهذه المجتمعات يجب أن تكون هي المنطلق لتحقيق الديمقراطية ". (4).. فمن الأولويات القصوى التي ينبغي أن تتجه الثقافة السياسية إليها في مجالنا العربي والإسلامي، هي الحريات السياسية. وذلك من أجل أن تتشكل الإرادة المجتمعية المطالبة بها والمدافعة عن متطلباتها.

2.  حقوق الإنسان: حين التحليل العميق والتأمل المتواصل في أسباب الاستقرار السياسي وعوامل الانسجام الاجتماعي الذي لا يلغي الفعالية والدينامية. نكتشف أن توفر قيم حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي من العوامل الرئيسية لعملية الاستقرار السياسي والانسجام الاجتماعي. حيث أن المجتمع الذي تتوفر فيه حقائق ومتطلبات حقوق الإنسان وتصان فيه كرامة الإنسان، هو المجتمع الذي يتمتع باستقرار متين وانسجام صلب. أما المجتمع الذي تهان فيه كرامة الإنسان، ويمارس النظام السياسي فيه كل ألوان وأشكال التجاوز لحقوق الإنسان، فإن هذا المجتمع يعيش الإضراب وتتوفر في فضاء ه كل عوامل وأسباب الفوضى على الصعد كافة. لذلك فإن من الطرق الأساسية لتعزيز خيار الاستقرار السياسي والاجتماعي في فضائنا الوطني والقومي، هو العمل على صيانة حقوق الإنسان بكل مستوياتها، وتوفير كل ما من شأنه احترام هذه الحقوق، التي هي بمثابة الضرورات في حياة الإنسان الفرد والمجتمع.

من هنا فإن الثقافة السياسية، من الأهمية، أن تتجه إلى الإعلاء من شأن هذه القيم / الحقوق، وتسعى نحو تربية أبناء المجتمع على مقتضياتها. فكلما تعزز هذا الواقع في فضائنا، توفرت عوامل الاستقرار وأسباب الانسجام. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى نبذ كل الموروث الثقافي والسياسي والاجتماعي المضاد والمناقض لحقوق الإنسان وقيمه الأساسية. فكل رؤية تستهين بحقوق الإنسان أو تسوغ امتهانها، هي رؤية تزيد من الإرباك السياسي، وتساهم بشكل أو بآخر في عملية الاختراق الأمني والوطني. إنه آن الأوان بالنسبة لنا جميعا ومن مختلف مواقعنا العمل على تعزيز قيم حقوق الإنسان في فضائنا السياسي والثقافي والاجتماعي، ومقاومة كل توجه أو إرادة تمتهن هذه الحقوق أو تستخف بمتطلباتها وشروطها. وإن استقرارنا السياسي وأمننا الاجتماعي والوطني اليوم، يتوقف إلى حد بعيد على قدرة الأنظمة السياسية في مجالنا العربي والإسلامي على إجتراح واقع سياسي جديد، يعلي من شأن حقوق الإنسان، ويتجاوز كل حقائق ومحاولات الامتهان الذي يتعرض لها الإنسان في ظل أنظمة شمولية ـ استبدادية ساهمت بسياساتها وخياراتها الداخلية في القضاء على الكثير من حقائق وقيم حقوق الإنسان. لذلك فإن من الأولويات الأساسية لثقافتنا السياسية المطلوبة، هي العمل على تعميق وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان، ودفع قوى المجتمع وتعبيراته الحية إلى احترام وصيانة هذه الحقوق.

3.  بناء القوة الحضارية: ثمة حقيقة أساسية يكشفها المشهد السياسي المعاصر، وهي: أن الشعارات واليافطات الكبرى المجردة، لا تصنع واقعا جديدا، ولا تغير واقعا سيئا. وإن استرسالنا في إطلاق الشعارات ورفع اليافطات، لا يغير من أوضاعنا شيئا. لذلك فإن العمل الحيوي والهام، هو الذي يتجه إلى بناء القوة الحضارية للمجالين العربي والإسلامي. القوة التي لا تنحصر في جانب واحد، بل هي قوة شاملة وتستوعب القدرات العملية والقوة الاقتصادية والمادية والتطور السياسي والاجتماعي.

من هنا فإن الثقافة السياسية المطلوبة، ليست هي الثقافة التي ترفع شعارات فضفاضة أو تحمل يافطات كبرى، وإنما هي الثقافة التي تنصب بوعي وحكمة لأسئلة الواقع وتتفاعل على نحو إيجابي مع إمكاناته وقدراته، وتسعى نحو خلق الحقائق والوقائع البديلة، في سياق العمل على بناء القوة الحضارية للعالمين العربي والإسلامي.

 فالتحولات الكبرى والحقيقية، لا تنجز بالشعارات المجردة، بل بالكفاح المتواصل في بناء الحقائق وتشييد القوة وتوطيدها في الواقع الاجتماعي والسياسي.

ويخطأ من يتصور أن التغيير الاجتماعي، ينجز بالشعارات واليافطات. صحيح أن لهذه الشعارات الدور الأساسي في تعبئة المجتمع وتحشيد طاقاته، ولكن التحولات لا تتحقق بالتعبئة العاطفية بل بالعمل الذي يستلهم من القيم الكبرى والأهداف العليا برنامج عمل وطني، يستهدف بناء القوة الحضارية والحقيقية للمجتمع. حيث أن القوة الحضارية وحدها، هي القادرة على إخراجنا من دهاليز الضعف والتردي.

ولا ريب أن انخراط قوى المجتمع الحية في مشروع المطالبة بالديمقراطية وتعزيزها في الفضاء السياسي والاجتماعي، سيساهم بشكل كبير في رفد هذه الحركة بقوة إضافية حقيقية على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية.

 وذلك لأنه " دفع الإسلاميون غرامات باهضة من حرياتهم، وحقوقهم، وكرامتهم، في سجون النظام العربي أسوة بغيرهم. ولذلك، من الطبيعي أن يعرفوا جيدا قيمة الحرية، وأن يحرصوا عليها ضد الكبت والقمع والطغيان. لكن الأهم أنهم إذ اختاروا أن يضووا في مجرى الكفاح الديمقراطي الواسع، أدخلوا إلى ساحة هذا المعترك قوة جماهيرية ضخمة ذات ثقل في ميزان القوة، و ـ بالتالي ـ فقد عززوا من رصيد هذا النضال، وحسنوا من حالة التوازن التي كانت دائما مختلة لصالح النخب الماسكة بالسلطة " (5)..

وفي تقديرنا أن هذا الانخراط، سيضيف للواقع السياسي في الدائرتين الوطنية والإسلامية، العديد من عناصر القوة التي هي في المحصلة النهائية ذات أثر إيجابي وحيوي في مشروع التحول السياسي ـ الديمقراطي.

ولقد أثبتت أحداث المنطقة وتطوراتها، أنه لا يمكن مقايضة الديمقراطية وحقوق الإنسان بأهداف وتطلعات أخرى. وذلك لأنه لا يمكن إنجاز تطلعات المجتمع والأمة إلا على قاعدة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لذلك نقول وبشكل جازم، أن الديمقراطية بكل ما تحتضن من قيم الحرية وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، هي حجر الأساس في مشروع التقدم والتطور السياسي والاجتماعي. وكل محاولات التقدم بعيدا عن الديمقراطية ومقتضياتها، فإن مآلها الأخير هو المزيد من تراكم الأخطاء والإخفاقات.

فالإصلاح السياسي والحد من مظاهر الاستفراد بالقرار والسلطة، هو حجر الزاوية في مشروع الخروج من مآزق الراهن وتوتراته الصعبة.

***

محمد محفوظ

......................

الهوامش:

1- مجموعة من المؤلفين، المسألة الديمقراطية في الوطن العربي، ص 58، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 2000 م.

2- المصدر السابق، ص 111.

3- المصدر السابق، ص 137.

4- مجلة منبر الحوار، العدد 34، ص 67، السنة التاسعة، خريف1994م.

5- عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة – دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي، ص 22، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 2001م.

 

يقولون إن الإبداع لا يعترف بالقواعد، وإن العبقرية ترفض القيود، وإن الكتابة الحق تنزل كالوحي لا كصنعة تتقن. لكنني أتساءل هل يعقل أن نبني قصراً على رمال متحركة؟ هل نرضى لجراحنا المبتدئين أن يمارسوا العمليات دون دراسة التشريح؟ ثم لماذا نستخف بالكتابة إلى هذا الحد؟

لطالما لفت نظري ذلك التناقض العجيب في سلوك كثير من الكتاب الشباب. تري أحدهم يمضي الليالي ساهراً يكد في جمع أفكاره، يلتقط صوراً للحياة من زواياها الخفية، يحمل بين جوانحه فكرة قد تغير مسار قارئ أو تنير له طريقاً. فإذا جلس ليكتب، ألقي بذلك الكنز كله في قالب مشوه، بلغة ركيكة، وبنية غير متماسكة، وكأنه يصر على أن يظل سجين جهله بأبجديات فنه.

إنها -بلا شك- أزمة وعي. فأكثر من يمسكون القلم اليوم لم يقرؤوا الكتابة حرفة قبل أن يمارسوها هواية. بدؤوا كمن يهبط على قمم الجبال بطائرة، لم يعرفوا مشقة الصعود درجة درجة، ولم يتذوقوا طعم التسلق حجراً حجراً. فالكتابة عندهم وحي ينزل من السماء، لا مهارة تبنى على الأرض.

وهنا يكمن الخطر المدمر. فالذي يجهل أصول الكتابة يظن أن كل ما يكتبه جيدا لأنه كتب. لا يفرق بين السليم والسقيم، لا يميز بين المتين والواهن، لا يدري أن القارئ ليس وعاء فارغاً نصب فيه ما نشاء، بل كيان واعي له ذائقة نقدية وحاسة جمالية.

والأدهى أن هذه الفوضى تصير أحياناً علامة تميز! يفتخر أحدهم بأنه يكتب من قلبه دون تعقيدات أكاديمية أو قواعد جامدة، وكأن القواعد صنم يجب تحطيمه، وكأن المتقن لصنعته أقل إبداعاً من الفوضوي. وهذا وهم كبير.

هل تعلمون لماذا كان كبار الكتاب "طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم" يبدعون؟ ببساطة لأنهم لم يكونوا يجهلون القواعد، بل كانوا يتقنونها ثم يتجاوزونها. كانوا يعرفون متى يلتزمون بها ومتى يحيدون عنها عن عمد ووعي، لا عن جهل وعجز. الفرق شاسع بين من يخالف القاعدة لأنه يعرفها ويختار تجاوزها لغاية فنية، وبين من يخالفها لأنه لا يعرفها أصلاً.

والعجيب أن هذا النفور من تعلم الأصول لم يقتصر على الكتابة وحدها. لو قال لك أحدهم: سأبني بيتاً دون أن أتعلم الهندسة لضحكت منه. أو: سألحن سيمفونية دون معرفة النوتة الموسيقية لاستغربت أمره. لكنه حين يقول: سأكتب رواية دون دراسة فن الكتابة تجده يتحدث بكل ثقة وافتخار!

نحن نخلط بين "الموهبة" و"الصنعة". فالموهبة هي الشرارة الأولى، العين الثاقبة، الحس المرهف، القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون. أما الصنعة فهي الآلة التي تحول هذه الموهبة الخام إلى منتج نهائي متقن. الموهبة وحدها كبذرة جميلة، لكنها دون تربة مناسبة وماء وعناية، لن تثمر إلا شجرة قزمة أو لا تثمر شيئاً. وكثيراً ما نصادف كتاباً موهوبين حقاً، لكن موهبتهم تذوب في بحر من العيوب الفنية. الفكرة رائعة، لكن صياغتها ضعيفة. الحبكة مبتكرة، لكن تنفيذها مهلهل. الشخصيات نابضة بالحياة في مخيلة الكاتب، لكنها تخرج على الورق كدمى خشبية. كل هذا لأنهم أهملوا الجانب التقني، وظنوا أن الموهبة تكفي وحدها.

أما القارئ –وهو سيد الموقف في معادلة الكتابة- فهو ليس غبياً كما يتوهم بعض الكتاب. القارئ اليوم أكثر وعياً وثقافة من أي وقت مضى. يقرأ كثيراً، يقارن، يحلل، يتذوق الفن. وقد يكون هو نفسه كاتباً أو ناقداً. فكيف نرضى أن نقدم له عملاً ناقصاً، ثم نبرر ذلك بأننا نكتب من القلب؟

القارئ يريد القلب والعقل معاً. يريد العاطفة المتأججة والصياغة المتقنة. يريد الفكرة العميقة والقالب الجميل. وهنا يأتي دور النقد الذاتي، الذي هو أقسى أنواع النقد وأكثرها إنصافاً. فالكاتب الواعي هو الذي يستطيع أن ينظر إلى نصه كما لو كان لغيره، فيرى عيوبه قبل أن يراها النقاد. وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة المعايير الفنية التي على أساسها يُحكم على العمل. وإلا كيف تنقد ما لا تفهم أسسه؟

لا أريد أن يفهم كلامي على أنني أدعو إلى كتابة أكاديمية جافة، أو تقليد أعمى لنماذج سابقة. كلا ثم كلا. أنا أدعو إلى الوعي أولاً. الوعي بأن الكتابة فن كسائر الفنون، له أدواته وتقنياته وأسسه. وأن تعلم هذه الأسس لا يقتل الإبداع كما يظن البعض، بل على العكس، يحرره ويمنحه أجنحة. فأنت حين تتقن العزف على آلتك الموسيقية، تكون أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرك، لا أقل.

وأذكر هنا ما قاله الدكتور جابر عصفور: "القواعد ليست سجناً للإبداع، بل هي حديقة يمارس فيها الإبداع رياضته". فالموسيقار العظيم يحتاج إلى معرفة النوتة والمقامات والإيقاعات، ليس ليقيدوه، بل ليمنحوه مفردات يعبر بها عما في داخله. وكذلك الكاتب.

مشكلتنا ليست في قلة الموهبة، إنما في الكسل الفكري الذي يدفعنا إلى تبرير جهلنا بالادعاء بأننا "نكتب بطبيعتنا" و "لا نؤمن بالتنظير". نعم، قد تأتي جملة جميلة بالصدفة، وقد يبهرنا نص بكامله رغم جهل كاتبه بالأصول. لكن هذا استثناء، والقاعدة أن الإتقان يحتاج إلى علم وتدريب.

وأكثر ما يؤسفني أن تضيع الفكرة الجميلة في قالب رديء، كالجوهرة الثمينة توضع في علبة بالية. والفكرة -أيها السادة- هي روح العمل الأدبي. وهي أغلى ما يملك الكاتب. فكيف نبخل عليها بقالب يليق بها؟ كيف نرضى لها أن تخرج إلى الناس بثياب مهلهلة رثة؟ لو كان كل كاتب يدرك قيمة ما يحمله من أفكار، لسعى إلى صقل أدواته حتى يكون أهلاً لحمل هذه الأمانة. فليست الكتابة مجرد تسلية أو قضاء وقت، إنها رسالة وتأثير. وقد تكون سبباً في تغيير حياة إنسان أو مجرى تاريخ.

وختاماً، لا أدعو إلى تعقيد الأمور أو إلى جعل الكتابة علماً منفراً. كلا، بل أدعو إلى التوازن. اكتب كما تشاء، لكن تعلم أولاً. ابدأ كهواية، لكن لا تبقَ عند الهواية. طور نفسك، اقرأ كثيراً، حلل ما تقرأ، تعلم من أخطائك، واقبل النقد برحابة صدر.

فالكتابة ليست امتلاك قلم، الكتابة هي امتلاك رؤية، وإتقان صنعة، وإخلاص لفكرة، واحترام لقارئ. ومن يظن غير ذلك، فليعد النظر في علاقته مع الكلمات التي يخطها، وليسأل نفسه بصدق: هل يستحق ما يكتب أن يقرأه غيره؟

***

عبد السلام فاروق

نقاش مع مقال هال براندز

يكتسب مقال هال براندز (Hal Brands) "ثلاث سيناريوهات لعالم ما بعد ترامب (Three Scenarios for a Post-Trump World) الذي نشرته الفورين بوليسي بتاريخ ٢٣ مارس ٢٠٢٦ (رابطه في نهاية المقال، وترجمته إلى العربي في التعليقات) أهميةً بالغة لا تنبع من جرأة طرحه وحده، بل من توقيته في لحظةٍ يقف فيها النظام الدولي على مفترق طرقٍ حقيقيٍّ. فأستاذ العلاقات الدولية يُقدِّم خريطةً تحليلية ومفاهيمية تتجاوز التحليل التقليدي أو الآني إلى استشراف كل ملامح ومنعرجات العقد القادم، مُحتضِناً في متن المقال ثلاثة مستويات من التحليل: التاريخ بوصفه مرجعاً، والنظرية بوصفها أداةً، والسياسة بوصفها ميداناً. وما يجعل شموليته ذات قيمة بالغة هو أنه لا يُفكِّر في مآلات القوة الأمريكية منفصلةً عن سياقها البنيوي العالمي، بل يُدرجها في شبكة من العلاقات التي تربط الحلفاء بالمنافسين والمؤسسات بالمصالح والأيديولوجيا بالاستراتيجيات. وبغض النظر عن الاختلاف حول بعض النقاط، والقبول الحذر لبعضها الآخر، فثمة في المقال ما يستحق الاهتمام الجاد، ولا سيما تحذيراته من وتيرة التآكل العالية للنظام الدولي الذي أُرسيت دعائمه عقب الحرب العالمية الثانية، وما قد ينطوي من مخاطر كبيرة أثناء عملية الانتقال. غير أن المقال، على ما يتسم به من رصانة تحليلية، يرزح تحت عبء افتراض أساسي جدير بالمساءلة: هل ما يتداعى اليوم كان في جوهر تصميمه نظاماً حقيقياً، لا هيكلاً أو غطاءً بالغ الأناقة للهيمنة، صُِيغ في لغته الكونية وأُُسْبِغَت عليه ثياب الشرعية الدولية؟ فضلا عن الإشكاليات في افتراضاته الأساسية أو الجوهرية وغلبة اللغة التحذيرية/التوجسية وعدم الجرأة في التفكير بما يجب أن يكون وراء السيناريوهات الثلاثة، أي نحو أسئلة أكثر جذرية عن طبيعة النظام والعدالة والسلطة التي يُفترض أن تكون في عالمٍ شديدٍ التعولم والتقوقع في الآن ذاته، وينوء بمخاطر عالية، ويجاهد، بعد عقود من الأحادية والاستنزاف السياسي والاقتصادي والنفسي، كي يُعيد اكتشاف معنى لـ"تعدد" لم تتبلور هو الآخر ملامحه بعد.

لنبدأ من حيث بدأ براندز- من الادعاء بأن منظومة ما بعد عام 1945 كانت صنيعةً أمريكية أفضت إلى "سلام غير مسبوق وازدهار وحرية". وهذا ليس خاطئاً كلياً من الناحية التاريخية، لكنه ناقص في دلالته ونتائجه. فقد شُيِّد ذلك النظام لا لإرساء السلام في المقام الأول، بل لإرساء سلام بعينه - سلام يُعرِّف نفسه بالأولوية الدائمة لمؤسسيه. إذ جسَّد ميثاق الأمم المتحدة هذه المعادلة بدقة: فحق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لم يكن تجسيداً للمساواة الدولية، بل كان نفياً محسوباً لها، آليةً قانونية لضمان ألا يُوجَّه سلاح الأمن الجماعي ذات يوم نحو من صنعوه. بمعنى أن القوى المتناقضة المنتصرة عام 1945 قد "صاغت نظاماً أساسياً لتثبيت سلطتها على الدوام". وفي هذا السياق، وجدنا أنفسنا كما كتب ذات مرّة الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: "من كثرة التفنن بخرق ميثاق حقوق الإنسان والاعتداء عليه، أصبح وكأنه وُضع أساساً لكي يتم خرقه"، أو كما تندر أحدهم بأنه صار إذا احتكمت دولتان صغيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة، ضاعت الدولتان الصغيرتان معا أما إذا احتكمت دولتان كبيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الأمم المتحدة نفسها!

ويُفسَّر هذا التناقض الجذري بين نظام عالمي يُفترض به أن يُحقِق الأمن والاستقرار ويُعزِز مرتكزات العدالة في السياق الدولي وبين تحوله إلى آلية تقنية لإدارة مصالح الكبار أحد الظواهر التي يعاملها براندز باعتبارها انحرافاً طارئاً: أعني سرعة تحوُّل الحلفاء إلى خصوم. لكن في الحقيقة، لو تمعنّا جيداً في بنية هذا النظام، فإن الحرب الباردة لم تكن خيانةً للنظام الذي أعقب الحرب، بل كانت امتداده الطبيعي والمنطقي. فأي نظام يُصمَّم لتركيز السلطة يُفضي حتماً إلى تنافس بين حامليها. والتنافس السوفيتي-الأمريكي الذي استنزف النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن وليد الصدفة الأيديولوجية، بل كان تعبيراً عن الديناميكيات البنيوية لأي ترتيب أحادي القطبية أو شبه هيمنوي اُريد منه إدارة عالم متنافس باستمرار، ومتعدد الأقطاب على الدوام.

وما أعقب نهاية الحرب الباردة زاد هذا التناقض الداخلي حدةً حتى بلغ ذروته في أزمته الراهنة. فمنذ عام 1991، وقد خلا الميدان من أي ثقل استراتيجي موازن، انزلقت الولايات المتحدة إلى ما سمّاه الفيلسوف النمساوي هانز كوشلر ((Hans Köchler) في مقالته العميقة "القوة والنظام الدولي" (Macht und Weltordnung)  بـ"إنكار مبدأ الواقع" (Realitätsverweigerung )  أو" فقدان الصلة بالواقع" (Realitätsverlust) إذ باتت ترى نفسها، على حد تعبير مادلين أولبرايت الشهير: "الأمة التي لا غنى عنها في كل مكان"، التي ترى أبعد من سواها وتقف أرفع شأناً. يرى كوخلر بأن هذا التصور المُسبق بضرورة الحضور في كل مكان لحماية المصالح وفي ظل طبيعة النظام الدولي الحالي جعل السياسة الأمريكية تسترشد على نحوٍ دائمٍ بـ"منطق القوة" (Logik der Macht) مما جعلها تقع في فخٍ لا فكاك منه: فهي تسعى إلى غاية تُناقض شرط إمكانها، إذ تجعل من الهيمنة الدائمة هدفاً نهائياً، في حين أن الهيمنة بطبيعتها الجدلية تحمل في رحمها بذور نفيها الذاتي. فكلما امتد الادعاء بالمطلق واتسعت دائرة السيطرة، تكاثرت جبهات المقاومة وتضاعفت، في حركة تاريخية لا تخطئها العين؛ حتى ليبدو المُهيمِن، في لحظة بلوغه ذروة قوته، كمن يحفر قبره بيده. ذلك أن إطلاق الادعاء بالمطلق يُلزم صاحبه بما يعجز عنه أي كيان محدود: أن يكون في آنٍ واحد حاضراً في كل مكان، حارساً لكل حدود، ومانعاً لكل بديل؛ وهو ما يُحيل قوته تدريجياً إلى عبء يثقل كاهله لا إلى رصيد يعزز مكانته، خصوصاً وأن الآخرين (الخصوم) سيستخدمون النموذج ذاته لمواجهة الهيمنة والتمدد، وتعزيز تمددهم الخاص وهيمنتهم من الجانب الآخر. وليس من باب الصدفة أو المفارقة أن يجد الرئيس ترامب الذي عارض التواجد الأمريكي في العالم نفسه في نهاية المطاف أو بدايته منغمساً فيه إلى أبعد حد. ولهذا الغرض ابتكر الاستراتيجيون الأمريكيون مصطلح "الارتداد" أو "التداعيات العكسية" (blowback) للإحالة إلى حالة المقاومة أو الإعاقة الشديدة أثناء محاولة التحرك في العالم، كما قام تشالمرز جونسون في كتابه الارتداد: تكاليف الإمبراطورية الأمريكية وعواقبها (The Costs and Consequences of American Empire, 2000) تحليل تبعات هذا الحضور على المستوى الدولي بعمقٍ، مستجلياً كيف يُنتِج التمدد الإمبريالي المفرط (imperial overextension) في كل مرة التهديدات التي يسعى إلى إخمادها، في حلقة تصاعدية تنخر الهيمنة من الداخل.

وعند هذه النقطة بالذات ينبغي أن تُقرأ سيناريوهات براندز الثلاثة - الحرب الباردة الجديدة، وتشرذم مناطق النفوذ، والفوضى العالمية (غابة سياسية خاصة بكل دولة) – من منظورٍ نقديٍّ متيقظٍ. فما خلص إليه من أن حرباً باردة جديدة باتت تمثل "خير ما يمكن الأمل به" إفصاحٌ صريحٌ يستحق التوقف. غير أنه يكشف أيضاً عن القيد الجوهري للمقال: إذ يعامل الفوضى الراهنة باعتبارها انحرافاً عن خطٍ أساسيٍّ مستقرٍ ومشروعٍ/مقبولٍ، لا نتيجةً متوقعة لمنطقه الداخلي. فـ"خير ما يمكن الأمل به" من حربٍ باردةٍ جديدةٍ ليس استعادةً للنظام - بل هو تأسيس لمسار جديد من التوجس الدولي المتبادل عالي الوتيرة بين الدول الكبرى، وهي بالضبط الديناميكية التي يصفها كوخلر بالدوامة الخطيرة من انعدام الثقة والإفراط التي أوصلت البشرية إلى "توازن الرعب" النووي.

وثمة تحفظ آخر ينبغي التنبيه إليه، وهو الحديث عن انهيار النظام الدولي وكأنه سيقع وشيكاً، وبين ليلةٍ وضحاها. وتحذيراته بكل تأكيد ليست في غير محلها، ويجب أخذها بجدية كبيرة، لكن يقع المقال في مبالغة مزدوجة: مبالغة في تصوير اتساق ما كان قائماً، ومبالغة في تصوير سرعة تفككه. فالأنظمة الدولية لا تنهار بين عشية وضحاها، بل تتآكل على مدى عقود من الزمن، وكثيراً ما تظل واجهاتها المؤسسية قائمة. وليس ثمة مؤشرات موثوقة على أن المشهد الراهن سيُفضي إلى ما يشبه الانهيار المباغت للاتحاد السوفيتي؛ ذاك الانقطاع الشامل السريع والدراماتيكي. وما يمرَّ به العالم حالياً قد لن يكون سوى إعادة توازن وتكيّف مطوَّلة ومؤلمة، فحتى الخصوم والقوى الصاعدة باتت تستفيد من النظام الدولي القائم، وتستثمر فيه بكل ما تملك.

يُصيب براندز في ملاحظته بأن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بثقل قرار استثنائي فيما يخلف النظام الذي صنعته. لكن المفارقة الأعمق، التي لا يواجهها المقال بالكامل، تكمن في أن الخيارات ذاتها التي أفضت إلى السيادة الأمريكية - رفض قبول التكافؤ الاستراتيجي، وربط الهيمنة بالأمن، وازدراء المعاملة بالمثل - هي بعينها الخيارات التي أوصلت النظام إلى حالته الراهنة. إن ما نحتاج إليه ليس تحليل السيناريوهات بحثاً عن أي أشكال التنافس أقل وطأة/خطراً في الإدارة، بل مواجهة الإخفاق الأخلاقي والبنيوي لنظام دولي لم يتجاوز قط منطق القوة الذي ادّعى أو انتدب نفسه في مهمة مقدسة لترويضها.

اقترح كوخلر فكرة أن النظام العالمي المستقر لا يمكن بنائه إلا على أساس توازن حقيقي بين الدول ذات السيادة، مقترناً بالشراكة الفعلية التي تحفظ الأمن والاستقرار، وتحافظ على مصالح الجميع – ما أمكن – وفي حدود المشروعية القانونية والأخلاقية. فالواقعية (المدّعاة) دون ذلك الضبط الضروري لن تُنتج استقراراً - بل تُنتج الكوارث التي تسعى إلى درئها. والسؤال الذي يطرحه براندز: "أيُّ سيناريو ينتظر العالم على الضفة الأخرى من المرحلة الانتقالية" هو سؤالٌ مشروعٌ للغاية، لكن السؤال السابق عليه، أو الذي ينبغي طرحه ولا يقل إلحاحاً، وقد تحاشاه كلياً، هو: "أيُّ نظامٍ يستحق البناء، وهل سيمتلك مصمِّموه أخيراً الحكمة اللازمة لمقاومة إغراء الهيمنة الدائمة؛ ذلك الإغراء الذي أثبت التاريخ في كل عصر أنه أوثق الطرق إلى الزوال؟".

***

أمين اليافعي

إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات

أوَّلًا: تقديم العمل: ناقش الباحث اللبناني الفرنسي الأب توماس جيز (Thomas GÈZE) مذكرة في الإجازة الكنسية (ماجستير) في الدراسات العربية والكنسية بعنوان: «التقريب والبحث عن الوحدة بين المسلمين: إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات». وقد أنجزت هذه المذكرة باللغة الفرنسية، ونوقشت في رحاب المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما، في أكتوبر سنة 2024م، وأشرف عليها الأكاديمي التونسي الدكتور عدنان المقراني، واحتوت 162 صفحة من القطع الكبير.

قسّم الباحث المذكرّة ثلاثة أقسام، استهلّها بمقدّمة وذيّلها بخاتمة ومجموعة فهارس وقائمة في المصادر والمراجع. خُصّص القسم الأوّل للحديث عن السياقات التاريخية والثقافية التي احتضنت فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وفي هذا السياق تحدّث الباحث عن تجربة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وتطرَّق إلى تجارب أخرى ارتبطت بها منذ العصور الوسطى إلى العصر السائد. وركَّز صاحب الرسالة أساسًا على أفكار زكي الميلاد التقريبية وما تعلّق منها بالرّاهن بما يعكسه من تقارب أو تباعد.

أمّا القسم الثاني، فعرّف فيه الباحث بزكي الميلاد وكتابه موضوع الرّسالة الموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟» الصادر سنة 2019م، واضطلع توماس جيز بترجمة نصّوص من هذا الكتاب مع التعليق عليها.

وارتأى الباحث أن يختم مذكرته بالحديث عن «ما وراء الاختلافات: إعادة التفكير في الوحدة من خلال التقريب»، وفي هذا السياق قدّم الباحث قراءة نقدية في كتاب زكي الميلاد. ودرس طبيعة الاختلاف بين المسلمين (أساسية أم ثانوية)، وتناول مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال تجديد الفكر كما تجلّى عند زكي الميلاد. وختم الباحث القسم الثالث بالحديث عن التقريب من خلال الاعتراف بالآخر.

ذيّل الباحث توماس جيز رسالته بأربعة فهارس، خصَّصها للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأعلام، والمصطلحات الفنية. وعرض بعدها قائمة من المصادر والمراجع استفاد فيها من أدبيات متنوِّعة في لسانها وخلفياتها المعرفية.

نعتقد أنّ هذا العمل مهمّ، وذلك لعدّة اعتبارات. فقد أُنجز العمل من خارج دائرة الانتماء الإسلامي. وهذا يعني أنّنا سنجد قراءة مختلفة لمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية تتميَّز عن الدراسات التي عهدناها سواء الرافضة لمسألة لتقريب أو الداعية لها. كذلك استفاد الباحث من أدبيات غربية كثيرة ممّا سيثري العمل ويجعله مرجعًا مهما في الدراسات الاستشراقية المتعلّقة بمسألة التقريب وقضاياها.

أعدّ الباحث العمل وناقشه في إطار اهتمامات المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، وهي مؤسسة دينية كاثوليكية رسمية تتَّخذ من روما مقرًّا لها. ونفهم من ذلك أنّ الكنيسة الكاثوليكية أصبحت بدورها تهتمّ أكثر بقضايا الحوار الإسلامي - الإسلامي، كما اهتمت سابقًا وطيلة قرن بقضايا الحوار المسيحي - المسيحي. ويعكس ذلك رغبة في معرفة قواعد الاختلاف بين جماعات الديانة الواحدة، وهذا ما رصدناه بوضوح في ثنايا هذه المذكرة البحثية.

اجتهد الباحث في هذا العمل في التعريف بزكي الميلاد وكتابه المذكور، واعتبره من الشخصيات القليلة التي جمعت بين التنظير والممارسة في مجال التقريب، ويتجلّى ذلك في مساره الفكري الخاص، وقد نبّه إلى جرأته في نقد الحضارة الإسلامية، وتعرّض إلى مجموعة من مؤلفاته، وتوقَّف عند كتابه حول «عصر النهضة»، إذ تحدّث فيه زكي الميلاد عن انبثاق وإخفاق الحركة التجديدية في العالم العربي الإسلامي، كما أحال الباحث على مقالة «لماذا لا توجد لدينا نظرية في حوار الحضارات» من دون ذكر الصفحة، وربط هذا الإخفاق -استئناسًا- بنصوص زكي الميلاد بتراجع مفهوم الحضارة في العالم العربي. وفي هذا السياق ثمّن الباحث اهتمام زكي الميلاد بالمقارنات بين أعلام النهضة الأوروبية ورواد الإصلاح في العالم الإسلامي والعربي، كما في مقالته التي تحدَّث فيها عن محمد إقبال وعلاقته بالفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (bergsonien)، وهكذا في مقالات أخرى.

استثمر الباحث ما كتبه زكي الميلاد ليطرح مسألة المصطلحات وما يتعلّق بها من خلفيات معرفية، ودفعه هذا الأمر إلى مراجعة مجموعة من الكلمات المفتاحية مثل: (الحوار، والمعرفة، والإصلاح، والمصالحة، والتسامح، والتجديد...).

ولم يكتفِ الباحث بوصف المصطلحات وتدقيقها، بل نظر في خلفياتها، ومن ثمّة في خلفيات زكي الميلاد الفكرية. متوقِّفًا عند نظريته حول تعارف الحضارات المستنبطة أساسًا من القرآن، وتحديدًا من آية التعارف، وكيف قارن الميلاد هذه النظرية بنظرية الفعل التواصلي للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Habermas) الذي ركَّز على أهمية التواصل والتفاهم المتبادل (compréhension mutuelle). ويُضاف إلى ذلك الحديث عن التاريخ والثقافة الإسلامية التي تثمّن الحوار من خلال تجارب معيَّنة درسها زكي الميلاد.

ثانيًا: التعريف بزكي الميلاد وكتابه (المدوّنة)

عرّف الباحث بزكي الميلاد، فحدَّثنا عن حياته، وبيئته الدينية والفكرية، ودراسته في المملكة العربية السعودية وخارجها، وتحدّث عن كثرة قراءته الكتب حتّى لُقّب في فترة الدراسة بـ«حمامة المكتبة»، كذلك تحدَّث عن رحلاته إلى دمشق ولبنان حيث أسس مجلة «الكلمة» سنة 1993م. وركّز الباحث في إطار ترجمته لزكي الميلاد وتقديم كتابه الذي اشتغل عليه والموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟»، وقد اضطلع الباحث بترجمة فصول منه بعد عرض فهرس مواضيع الكتاب وأقسامه.

والكتاب مقسَّم إلى ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول «فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية.. التجربة والتطوُّر والمعنى»، وحمل الفصل الثاني عنوان: «المسلمون الشيعة ومسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وتساءل المؤلف في الفصل الثالث: «هل الأمة الواحدة أمر ممكن؟»، ونبّه الباحث أنّ زكي الميلاد وضع عنوانًا للخاتمة وسمه بـ«مبدأ الأخوة الإسلامية».

وفي هذا الإطار التعريفي التحليلي عرض الباحث فصول الكتاب ومباحثه بإيجاز، كذلك عرض الخيارات التي اشتغل عليها في الترجمة، وبرّر اختيارها، وتناول أساسًا إشكالية ترجمة مصطلح «تقريب»، إذ ارتأت الأدبيات الغربية المختصّة ترجمة التقريب بمصطلح «œcuménisme»، ورأى أنّ هذا المصطلح لا يعكس عمق دلالة التقريب، واقترح مصطلحات أخرى من قبيل (rapprochement approximation/ proximité).

وفي هذا السياق رصد الباحث دلالة كلمة التقريب من خلال ضديدها: تباعد، وتفارق، وفرقة، وتقسيم، وانقسام، وانغلاق، وقطيعة، وتخاصم، وتعصّب.... ، فقد تُعرف الأشياء بأضدادها، وليس من السهل ترجمة المصطلحات الحضارية نظرًا إلى خصوصياتها، وهذا ما دفع الباحث إلى التحرّي فيما يتعلّق بترجمة مصطلحي «التقريب» و«المذاهب» إلى اللغة الفرنسية، واختار أن يترجم مصطلح «المذاهب» بالمدارس القانونية استئناسًا بما ذهب إليه أغلب المستشرقين.

جدير بالذّكر أنّ الباحث استفاد من خبرة أستاذه المشرف والخبير اللاهوتي عدنان المقراني الذي أظهر في كتاباته المتعدّدة كفاءة في الإلمام بالتقليدين المسيحي والإسلامي، ممّا حفّز الباحث على المقارنة بين النسقين الدينيين.

ثالثًا: قضايا التقريب والوحدة في فكر زكي الميلاد

الطريف أنّ صاحب المذكرة استهلّ رسالته بمقولة لغاندي، نصّها: «إنّ قدرتنا على تحقيق الوحدة من خلال التنوُّع ستكون جمالاً واختباراً لحضارتنا». واضطلع هذا الاستهلال بوظيفة تمهيدية توجيهية، أكّد من خلالها الباحث استئناسًا بآراء زكي الميلاد أنّ التنوّع لا يفسد الوحدة بل يزيدها جمالًا وإشراقًا، ولا تخصّ هذه القيمة ديانة أو حضارة من دون سواها بل تخصّ الإنسان في تجاربه المختلفة، ولعلّ هذا يؤكّد البعد الإنساني في كتابات زكي الميلاد التقريبية.

ولا غرابة أن نجد الباحث يتطرّق في مقدمة عمله إلى أهمية فكرة التوحيد في الديانات الإبراهيمية اليهودية والمسيحية والإسلامية، وكأنّ هذا المشغل يهمّ الديانات جميعًا. فكلّما تكاثرت الملل والنحل وتصارعت من أجل احتكار الخلاص والحقيقة، ظهرت أفكار لاهوتية تحاول التقريب بين من تباعدوا من حيث العقيدة والأفكار.

في هذا الإطار التعدّدي درس الباحث في الباب الأول من عمله الفكر التقريبي الإسلامي، وخصّص الفصل الأول للحديث عن جماعة التقريب باعتبارها تجربة تهدف إلى تحقيق الوحدة بين المسلمين. واعتبر جماعة التقريب منظمة (Association)، فتحدّث عن مجلتها «رسالة الإسلام» وعرّف بأعلامها وكتاباتها. ولم يكتفِ الباحث بتجربة الريادة بل تطرّق إلى الحديث عن المجمع العالمي للتقريب بطهران ومؤتمراته التي شارك زكي الميلاد في العديد منها، وكتب في مجلّتها «رسالة التقريب»، واعتبر الباحث المجمع تواصلًا لتجربة جماعة التقريب، ولقد بيَّنَّا في أطروحتنا وجهة نظر تغاير ذلك، إذ توصلنا إلى استنتاج مفاده أنّ تجربة المجمع انزاحت عن مسار التجربة المصرية.

وبالإضافة إلى التجربتين تحدَّث الباحث عن تجارب تقريبية أخرى، وحاول من خلالها، واستئناسًا بما كتب زكي الميلاد أن يفهم الصراع السني الشيعي أو صراع الألفية كما يُسمِّيه الباحث استئناسًا بقويدار (M. Guidère). ولقد حاول صاحب الرسالة رصد هذا الصراع منذ العصور الإسلامية الأولى إلى العصر الحديث بمحطّاته المختلفة.

رابعًا: إشكالية الاختلاف في فكر زكي الميلاد

نلاحظ من خلال قراءة الباحث في نصوص زكي الميلاد اهتمامه بمسألة الاختلاف في أبعادها المتباينة، فقد اهتمّ المسلمون قديمًا وحديثًا بهذه المسألة، ودرسوها من زوايا متباينة، وقد ارتأى الباحث أن يلج إلى هذا الموضوع من خلال ثنائية الاختلافات الجوهرية والاختلافات الثانوية، وركّز أساسًا على الخلافات السنية - الشيعية، وهي خلافات معقَّدة طرحت عبر العصور عدّة إشكاليات، وفي هذا السياق طرح الباحث سؤالًا مهمًّا نصّه: هل الاختلافات بين السنة والشيعة جوهرية أم ثانوية؟ أو بمعنى آخر: هل هي اختلافات في الأصول أم في الفروع؟. وفي إطار الإجابة عن هذا السؤال، حاول الباحث -استئناسًا بأدبيات زكي الميلاد- أن يعرض دور جماعة التقريب في التمييز بين الاختلاف والخلاف، فالاختلاف ظاهرة محمودة، تُؤسِّس لثقافة الحوار والعيش المشترك، بينما ينسف الخلاف جسور التواصل والإبداع.

استأنس الباحث بأدبيات زكي الميلاد حتى يدرس اهتمام جماعة التقريب بالاختلاف المذهبي والتعدُّد الفكري، فقد حاولت هذه الجماعة إدارة الاختلافات بين السنة والشيعة، وتوضيح حقيقة الخلافات، وفي هذا السياق تعرّض الباحث إلى العالم اللبناني الشيخ محمد جواد مغنية وحديثة عن التقية، إذ ربطها بمرحلة تاريخية ولّت، ونفى أن تكون من أساسيات الدين أو العقيدة، كذلك تحدّث عن العالم الإيراني الشيخ محمد تقي القمّي وتمييزه بين أصول الدين وأصول المذاهب. فقد ميّز التقريبيون الروّاد بين فروع الدين وأصوله، وفي هذا السياق تناول قضايا التحريف والإمامة والخلافة وغيرها من القضايا التي أخذت بُعدًا عقديًّا رغم أنّها لا تنتمي إلى مجال العقائد. وقد استند الباحث إلى كتابات حيدر حب الله ليؤكّد مشروعية الاختلاف، إذ ليس من حق المسلمين إلغاء الاختلافات سواء في الأصول أو في الفروع، ومن الخطير أيضًا تحويل إلى الاختلاف إلى خلاف وصدام.

حاول الباحث رصد أسباب هذا التحوّل، وخلفيات ثقافة الصدام التي هيمنت على الثقافة الإسلامية عائدًا إلى العصور الإسلامية، وتحدَّث عن فتنة مقتل عثمان، وما نتج عنها من حرب بين علي ومعاوية، كذلك وقف عند الفتنة الثانية بعد موت معاوية وحكم ابنه يزيد وقتل الحسين بن علي في كربلاء، وكلتا الفتنتين عزَّزتا الانقسام بين السنة والشيعة.

وفي هذا الإطار نزّل الباحث دعوة جماعة التقريب وكذا دعوة الباحث اللبناني حيدر حب الله إلى تجاوز الماضي والاهتمام بالحاضر، وهذا الأمر أكّد عليه زكي الميلاد، إذ دعا إلى تخطِّي الماضي وضرورة التحرُّر مما يشدنا إليه الزمن الغابر. وقد رصد الباحث هذا المنزع التحرّري أيضًا عند الباحث المصري جمال البنّا الذي أكَّد أنّ الميل إلى الماضي يتناقض مع الإسلام، ويتوافق ذلك مع ما ذهب إليه مالك بن نبي الذي اعتبر الحنين إلى الماضي عائقًا يحول دون فهم الحاضر وتحدياته.

كما استأنس صاحب البحث بزكي الميلاد لعرض أفكار ثلّة من المفكرين المهتمّين بمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية. وفي ضوء ذلك اجتهد الباحث في بيان إسهام زكي الميلاد في دراسة مسألة الاختلاف وتقديم حلول عملية لها. ويمكن تلخيص هذه الإسهامات في النقاط التالية:

1- تجديد الفكر الديني عند زكي الميلاد

طرح الباحث الأفهام المختلفة لمسألة التجديد، إذ نظر إليها البعض باعتبارها إلغاء القديم واستبداله بالكامل بالجديد، أو باعتبارها عودة إلى الأصول والتطهّر من كلّ ما هو غريب، أو باعتبارها فكرًا يفتح آفاقاً جديدة في الفقه، مع مراعاة احتياجات العصر الحديث.

2- ضرورة التمييز بين الدين والفكر الديني

أكَّد الباحث -مستشهدًا برأي الباحث العراقي مصطفى خضير- «أنّ زكي الميلاد اهتمّ بتجديد الفكر الإسلامي وليس الدين»، فالخطابات الدينية ليست الدين، وهي عند زكي الميلاد بعضها خطابات قديمة لم تعد منسجمة مع العالم اليوم

3- التقريب من خلال تجديد الفكر

عنون الباحث أحد مباحثه بهذه العبارة، ونفهم من خلالها أهمية تجديد الفكر في تحقيق الحوار التقريبي، وفي هذا الإطار تحدَّث عن اهتمام زكي الميلاد بعلم الكلام الجديد، وأشار الباحث في هذا إلى آراء بعض الباحثين مثل الباحث العراقي عبد الجبار الرفاعي، والباحث الإيراني محمد مجتهد شبستري ودوره في تطوير الكلام السياسي وبخاصة مسألة الديمقراطية، وفي السياق نفسه تحدّث عن أهمية المدرسة الإيرانية المعاصرة والراهنة في مجال تجديد الفكر

4- إلغاء كل المقارنات السلبية القائمة على فكرة التفوق

طرح الباحث إشكالية الآخر وتعقيداته كما تجلّت في كتب زكي الميلاد، الذي أكَّد على حق الاجتهاد والاختلاف في نطاق الفكر الديني، والترفع عن ذهنية الفرقة الناجية، فكل واحد منا هو آخر بالنسبة إلى غيره، ولذلك لا بدّ أن يقبل به.

5- مراجعة المصطلحات

فقد اهتمّ زكي الميلاد بالمصطلحات المجاورة لمصطلح التقريب من قبيل: الإصلاح والتحديث والتغيير... كذلك اهتم بتدقيق عدّة مصطلحات أخرى.

خاتمة

قدّم الباحث بعض الملاحظات النقدية على كتاب «التقريب والأمة» لزكي الميلاد، ودقّق في مصطلح «تقريب»، ولاحظ غيابه في الفصل الثالث من الكتاب ومن الخاتمة، رغم أهميته وكثرة تواتره في بقية أجزاء الكتاب، ومردّ ذلك عنده يعود إلى أنّ أغلب أجزاء الكتاب وحتى المقدمة، قد نشرها المؤلف سلفًا، وفي هذا الإطار عرض رسالة لزكي الميلاد موضِّحًا فيها هذا الأمر. بالإضافة إلى ذلك وجّه الباحث نقدًا لما جاء في المقدمة من ربط بين التقريب والإصلاح، وتساءل: «هل أهل الإصلاح متّفقون ومنسجمون فيما بينهم وهل نظرتهم للإسلام موحدة؟».

حاول الباحث في هذه الرسالة أن يعرض فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال ما كتبه زكي الميلاد. والطريف أنّ الباحث قارن بين فكرة التقريب كما ظهرت في بيئتها الإسلامية المعاصرة، وأفكار مشابهة لها ظهرت في البيئة المسيحية، حيث ظهرت الحركات المسكونية، فقارن الوضع العربي الإسلامي بالوضع الأوروبي، وتحدَّث عن مجهودات (Robert Schuman) التوحيدية التي قرّبت بين دولتين عدوّتين هما: فرنسا وألمانيا، وبذلك يكون الباحث قد فتح باب الدراسات المقارنة بين المسيحية والإسلام في مجال الأفكار التوحيدية والمشاريع التقريبية.

وممّا لا شكّ فيه سيُسهم هذا العمل في التعريف بحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث والزمن الراهن، ولعلّ ذلك سيحفّز باحثين آخرين مختصِّين في اللاهوت المسيحي على دراسة أفكار إسلامية مهمّة وما أكثرها.

***

الدكتور علي بن مبارك

جامعة قرطاج، تونس

مُنذ عُقود، يتكرَّر السؤال في الأوساط الثقافية العربية: لماذا لم يحصل أدونيس (وُلد 1930) على جائزة نوبل للآداب رغم حضوره العالمي وترجماته الواسعة؟. ويكاد هذا السؤالُ يتحوَّل إلى مُسلَّمة ضِمنية تفترض أنَّه يستحق الجائزةَ، وأنَّ عدم منحه إيَّاها هو تقصير أوْ تحيُّز. غَيْرَ أنَّ مُقارَبة هذا السؤال بجدية تستدعي مراجعة نقدية عميقة لتجربته، بعيدًا عن الهالة التي أحاطتْ باسمه، والنظر في أعماله بوصفها نصوصًا قابلة للفحص لا أصنامًا ثقافية.

يُقَدَّم أدونيس غالبًا كشاعر حداثي كبير، لكنَّ جُزءًا كبيرًا من إنتاجه يُعاني من غُموض مُفرِط لا يَنتج عن كتافة دَلالية بِقَدْرِ ما يَعكس انفصالًا عن التجربة الإنسانية المُباشرة. الكثيرُ مِن نُصوصه تبدو مشغولة باللغة ذاتها أكثر من انشغالها بالمعنى، وكأنَّها تُمارس نوعًا من " الكتابة عن الكتابة ". هذا النمط قد يُثير الإعجابَ في إطار نُخبوي محدود، لكنَّه يفقد قُدرته على التأثير الواسع الذي يُعَدُّ أحد معايير التقدير العالمي. والأدبُ العظيم - حتى في أكثر تجلياته حداثةً - يحتفظ بخيط تواصل مع الإنسان العادي. أمَّا في تجربة أدونيس فنجد ميلًا واضحًا إلى الانغلاق داخل شبكة من الرموز والإحالات الثقافية المُعقَّدة التي تتطلَّب قارئًا متخصصًا لفكِّ شيفراتها. هذا لا يُعَدُّ ميزة، بَلْ يُفَسَّر على أنَّه عَجْز عن بناء خطاب إنساني شامل، وهو ما يَجعل أعماله أقل قُدرة على اختراق الثقافات المختلفة مُقارَنةً بأدباء عالميين آخَرين.

لا يُمكن فصل شِعر أدونيس عن مواقفه الفكرية التي أثارتْ جدلًا واسعًا، فقد تبنَّى خطابًا نقديًّا حادًّا تجاه التراث العربي والإسلامي، لكنَّه في الوقت نَفْسِه لَمْ يُقَدِّمْ بديلًا فكريًّا متماسكًا. هذا التناقضُ جعل مشروعه قائمًا على الهدم لا البناء، وهو ما يُضعِف مِن قيمة " المشروع الأدبي المتكامل " الذي تَبحث عنه لجان الجوائز الكُبرى. ورغم ترجمة أعماله إلى لغات عديدة، فإنَّ تأثير أدونيس في الأدب العالمي ضعيف ومحدود. والحُضورُ الأكاديمي أو الاحتفاء النقدي لا يكفيان، إذْ إنَّ الجائزة غالبًا ما تذهب إلى مَنْ يَترك أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني العام، لا في دوائر نقدية ضيقة فقط. وهُنا يَظهر الفرقُ بين الانتشار الشكلي والتأثير الحقيقي.

إنَّ أدونيس شاعر نُخبوي بامتياز، وهذه النُّخبوية تحوَّلت إلى حاجز يفصل نصوصَه عن جمهور واسع. والأدبُ الذي ينحصر في طبقة محدودة يفقد أحد أهم شروط الخُلود، وهو القُدرة على التجدُّد عبر القُرَّاء المُختلفين، وهذا يُفَسِّر عدم حصوله على تقدير عالمي بحجم نوبل.

يُؤْخَذ على أدونيس أنَّ كثيرًا من نصوصه تبدو وكأنَّها عميقة، لكنَّها في الواقع غارقة في التجريد والالتباس إلى حَد يُفْقِد المَعنى. والغُموضُ هُنا ليس نتيجة كثافة فكرية، بَلْ هو سِتار لُغوي يُخْفي فراغًا دَلاليًّا، والقارئُ يَخرج بانطباع أنَّه أمام نَص كبير، لكنَّه يعجز عن الإمساك بفكرة مُحدَّدة. وأدونيس - رغم ادِّعائه التجديد والتحديث - قد قطع الصلةَ مع التراث دون أن ينجح في بناء بديل مُقْنِع. وشِعْرُه لا يُحفَظ، ولا يُتداوَل شفهيًّا، ولا يعيش في الذاكرة الجَمَاعِيَّة. وهذا يُعتبَر مُؤشِّرًا على أنَّ مشروعه نُخبوي أكثر مِمَّا هو شِعْري حَي. كما أنَّ مشروعه يبتعد عن الذاكرة الشِّعْرية العربية الجَمَاعِيَّة، وهو لَمْ يَكتب نُصوصًا تُحْفَظ وتُرَدَّد، بَلْ كتبَ للنُّخبة المُثقَّفة فقط، والجُمهورُ لا يَجد في نُصوصه صَدًى أوْ حياةً. وخِطابُه النقدي ومواقفه الفكرية أعطت انطباعًا لدى البعض أنَّه يُقَدِّم نَفْسَه كمشروع حضاري كامل لا كشاعر فقط، وهذا التضخم انعكسَ على شِعْره، حيث يَظهر كأنَّه يكتب أفكارًا فلسفية بلباس شِعْري أكثر مِنْ كَونه يَصنع تجربة شِعرية نابضة.

ورغم مسيرته الطويلة، فإنَّ أدونيس يُكرِّر نَفْسَ الثيمات (الهدم، الثورة، الأُسطورة)، ويُعيد تدويرَ الرموز نَفْسِها، دُون تطوُّر حقيقي في الأدوات أو الرؤية، وكأنَّ الشاعر عالقٌ في دَوَّامة واحدة لَمْ يجدْ مَخرجًا لها، مِمَّا يَجعل تجربته الشِّعْرية محدودة وغَير مُتجددة، ويَجعل مشروعَه يَدور في حَلْقة مُغلَقة.

وقدْ تعرَّضَ لانتقادات حادَّة بسبب مواقفه السياسية والثقافية والاجتماعية، فهو مُراقِب مِنْ بعيد، ومُنفصل عن مُعاناة الواقع، وَمُتردِّد في مواقف مِفْصَلية. وهذا أضعفَ صورته كشاعر" ثَوْري "، إذْ بدتْ ثَوريته لُغوية أكثر مِنها واقعية. وبعبارة أُخرى، إنَّ الثَّورية عِنده شِعارات لُغوية أكثر مِنها فِعْلية أوْ مَلموسة، وهذا أضعفَ صُورةَ الشِّعْرِ الذي يُفْتَرَض أنْ يَكُون مُعبِّرًا عَنْ هُمومِ العصر، ومُعاناةِ الشُّعوب، وآلامِ الأوطان.

يُمكن تفسير عدم فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب (مِن زاوية نقدية) بِعِدَّة أسباب:

1 - شِعْرُه صعب الترجمة والتلقي عالميًّا بسبب كثافته الرمزية المُرتبطة بالسياق العربي، وهذا الرَّمزية مُغلَقة تصل إلى حَد الإبهام والإخفاء والغُموض وعدم الوضوح. وبسبب صُعوبة الترجمة، وغُموضِ الرُّموز، يُصبح مِن الصعب على لجنة عالميَّة تَقْييمه مُقارَنةً بشعراء تَركوا أثرًا عالميًّا ملموسًا.

2 - الانفصال عن الواقعِ والجُمهور.

3 - تأثيره العالمي ضعيف ومحدود مُقارنة بأسماء أحدثتْ تحوُّلًا كَونيًّا واضحًا في الأدب.

4 - الجدل حَول شخصه ومواقفه جَعَلَ صُورته إشكالية ثقافيًّا.

5 - مشروعه لَمْ يَنجح في إحداث نقلة نَوعية حاسمة في الشِّعْر العالمي.

6 - التناقض بين ادِّعاءِ الحداثة وادِّعاءِ التمسُّك بالتُّراث.

7 - المَيل إلى المثالية النظرية على حساب التواصل الإنساني.

8 - الانحياز الفِكري الذي يَحُدُّ مِن الشُّمولية وتقديمِ رُؤية مُتكاملة.

أدونيس شاعر يُجيد صناعة الهالة أكثر مِمَّا يُجيد صناعة الدهشة الحقيقية. ونُصوصه تَبدو كبيرة من الخارج، لكنَّها عِند التحليل كثيرًا ما تَكشف عَن تفكُّك، وتَكرار، وغُموض بلا ضرورة.

وهو يميل إلى لُغة مُعقَّدة ومُحمَّلة بالرموز المُستعصية، تَجعل القارئَ يَشعر بالارتباك أكثر مِن الإلهام. والشاعرُ الحقيقي يترك أثرًا في النَّفْس، أمَّا أدونيس فيترك القارئَ تائهًا بين الأساطير القديمة والفلسفةِ المُستعصية، دُون أنْ تُقَدِّم نُصُوصُه شُعورًا حقيقيًّا، أوْ تجربة إنسانية ملموسة.

أدونيس شاعرٌ يتوهَّج اسْمُه أكثر مِنْ نَصِّه. الهالة التي أحاطَ بها نَفْسَه أبهرت البعضَ، لكنَّها لا تُخفي حقيقة أنَّ شِعْرَه مَحصور في دائرة ضَيِّقة. وَمِنَ المُستحيل أنْ يَفوز بجائزة نوبل للآداب، لأنَّ جائزة نوبل تَبحث عن الشِّعْرِ العالمي، وهو الذي يَقُوم على تجربة إنسانيَّة حقيقية، لا مُجرَّد فِكرة فلسفية مَلفوفة بالكلمات الكبيرة.

يُعتبَر أدونيس أحد أبرز الرموز الشِّعْرية العربية الحديثة، لكنَّ هذه المكانة لَمْ تمنعه مِن الوقوع في تناقضات داخلية واضحة في نُصوصه وأفكاره، تَحُدُّ مِن قِيمته كأديب عالمي، وتضع علامات استفهام حَول مُنطلقاته النَّقْدية في الشِّعْرِ والفِكر. وقِراءةُ شِعْرِه بِعَيْن ناقدة تَكشف ضعفًا جَوهريًّا في بُنيته الفَنِّية، وفلسفته النَّقْدية، وتناقضًا صارخًا بين طُموحه التَّجديدي وقُدرته على التواصل الإنساني العميق. وهكذا تتحوَّل اللغةُ إلى جِدار أمام القارئ، بدل أنْ تَكُون جِسرًا للعاطفة، أو التجرِبة الإنسانية المُشتركة، لذلك فإنَّ نُصوص أدونيس مُغْلَقَة على نَفْسِها، ومَحرومة مِن التواصل المُباشر مع القارئ العادي. وهُنا يَظهر ضعفُ أدونيس، فقدْ تَمَكَّنَ مِن بناء لُغة فلسفية مُبْهِرة، لكنَّه فشلَ في جَعْلها لُغة يعيشها الناس.

أحد أكثر التناقضات وُضوحًا في شِعْر أدونيس هو مُحاولته الجمع بين الحداثة والتجريب مِنْ جِهة، وبين التمسُّك بالرموز الأُسطورية مِنْ جِهة أُخرى. وهو يُعلِن ضرورةَ التحرُّر مِن التُّراث، والبحثِ عن هُوِيَّة جديدة للشِّعْر العربي، لكنَّه في الوقتِ ذاته يَحِنُّ إلى الأساطير القديمة، ويتشبَّث بِصُوَر رمزية يَصعُب على القارئ الغَرْبي أوْ حتى العَرَبي استيعابَها دُون دِراسة عميقة. وهذا التناقضُ بَين التحرُّر مِن القديمِ والانغماسِ فيه، يَصنع شُعورًا بعدم الاتِّساق، ويَجعل المَشروعَ الشِّعْري أكثرَ تعقيدًا بِلا آفاق ولا رُوح ولا حياة.

أدونيس يَميل إلى المثالية المُطْلقة في تصوُّراته عن الشِّعْرِ والحُرية والإنسان، ويَكتب عن تحطيم التقاليد والفِكرِ البائس، إلا أنَّ نُصوصه تَكشف ضعفًا في مُلامسةِ الواقع الإنساني، فهو لا يُقَدِّم حُلولًا أوْ رُؤى واقعية، بَلْ يَبقى مَحصورًا في الشُّعورِ بالتَّحَسُّرِ والتمرُّدِ النظري. وهُنا يَظهر التناقض: شاعر يَسعى إلى التغيير والتحرُّر، لكنَّه في شِعْره يَكتفي بالإدانةِ دُون تقديم حُلول عملية، مِمَّا يُقَلِّل مِنْ أثره الإنساني في النُّصوص، ويَجعلها صَعبةَ التقدير على مُستوى عالمي.

وأهمُّ نقطة ضعف في أدونيس هي نظرته النقدية الحادَّة التي تتجاوز الشِّعْرَ لِتَدخل في الفلسفةِ والسِّياسةِ والدِّين، وهذا يُفْسِد التوازنَ الفَنِّي للنَّص، فهو يُهاجم الأديانَ والتقاليدَ والشُّعوبَ أحيانًا بشكل عام، مِمَّا يَضع شِعْرَه في مُواجهة القارئ بدلًا مِنْ أنْ يكون مساحة للحِوار الإنساني، والتفاعل الأخلاقي، والتسامح الأخوي، وهذا مَنَعَه مِنْ أنْ يكون شاعرًا عالميًّا مَقبولًا. ونُصُوصُ أدونيس تفتقر إلى الإيقاع الموسيقي الشِّعْري الذي يَجعل الشِّعْرَ تجربة حَيَّة للمُتلقي. فهو يُركِّز على الرمزية والفلسفة أكثر مِن المُوسيقى الداخلية للكلمة، وهذا يُضْعِف الجانبَ الحِسِّي للشِّعْر، ويَجعل نُصُوصَه أقرب إلى مقال فلسفي مِنْه إلى قصيدة تُؤَثِّر في القلبِ قبل العقل. وغِيابُ الإيقاعِ العاطفي في شِعْرِه حالَ دُون اعتباره شاعرًا عالميًّا ذا بَصمة كَوْنِيَّة.

عدمُ فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب لَيس نتيجة مؤامرة أوْ ظُلْم، بَلْ هو انعكاس طبيعي لحدود تجربته. ورغم مكانته الأدبية في العالَم العربي، فهو لَيس فوق النقد، وأعمالُه لَيستْ بِمَنأى عن المُساءلة. وإعادةُ تقييم تجربته بإنصاف ومَوضوعية تكشف أنَّ حُضوره الكبير في الثقافة العربية لا يُوازي تأثيرًا عالميًّا عميقًا، وأنَّ الغُموض، والنُّخبوية، والتناقض الفِكري، كُلها عوامل ساهمتْ في عدم فَوزه بالجائزة. وَتبدو تجربة أدونيس مُثْقَلَة بتناقضات حادَّة ومواقف مُلتبسة، كشفتْ هَشاشةَ خِطابه، وعَرَّت ادِّعاءاته الفِكرية، رغم مَا يُحيط بِه مِنْ هالة ثقافية. وهذا الاضطرابُ الصارخ في رُؤيته ومواقفه كانَ سببًا في تَهميشه مِنْ قِبَل جائزة نوبل للآداب وعدم الاعتراف بِه كشاعرٍ عالمي صاحب مشروع أخلاقي وإبداعي وفِكري.

رُبَّما يكون السُّؤال الأجدر لَيْسَ: لماذا لَمْ يَفُزْ أدونيس بجائزة نوبل للآداب ؟، بَلْ: هَلْ كانتْ تَجربته مُؤهَّلة فِعْلًا لتجاوز حدود الإعجاب المَحَلِّي إلى مُستوى العالميَّة الحقيقية؟.

***

 إبراهيم أبو عواد

ليس الجهل أن نقول لا أعرف بل الغرور أن نزعم أننا نعرف كل شيء. فعبارة لا أعرف ليست فراغا في الوعي، بل قمته، وليست اعترافا بالعجز بل انحناءة العقل أمام اتساع ما لا يمكن الإحاطة به. منذ أن بدأ الإنسان رحلته في مساءلة الوجود، وهو يتأرجح بين وهم اليقين وصدق الحيرة، بين إجابات جاهزة تمنحه طمأنينة مؤقتة، وأسئلة مفتوحة تقلقه بقدر ما تنضجه.

إن الوعي الحقيقي لا يكتمل بالإجابات، بل يتسع بالأسئلة، وكلما ازداد الإنسان معرفة، أدرك أن ما يجهله أوسع بكثير مما ظن يوما أنه امتلكه. وهنا لا تصبح لا أعرف نهاية الطريق، بل بدايته، لا علامة نقص، بل إعلان دخول إلى أفق التأمل.

إن الإيمان بأن الإجابة النهائية هي لا أعرف هو ارتقاء نحو فهم أعمق، فهم يدرك أن الحقيقة ليست كيانا ثابتا يمتلك، بل أفقا متجددا يقترب منه ولا يستنفد.

فالإنسان، في لحظات وعيه الأعلى، لا يتحدث بلهجة اليقين المغلق، بل بنبرة الباحث الذي يدرك أن كل رأي هو ثمرة تأمل، وأن كل قناعة قابلة للمراجعة كلما تبدلت زوايا النظر.

إن ما نسميه معرفة ليس إلا تأويلا مؤقتا للعالم، محاولة ذهنية لإدراك ما يتجاوز قدرتنا على الإحاطة الكاملة. لذلك يصبح التواضع المعرفي ضرورة وجودية، لا مجرد فضيلة أخلاقية، لأنه يحرر العقل من الجمود، ويفتحه على احتمالات لا نهائية من الفهم.

ومع اتساع الوعي، لا يعلو صوت الإنسان، بل يخفت، لا لأن فكره تراجع، بل لأن يقينه انحنى أمام تعقيد الوجود. فيدرك أن الحقيقة لا تفرض بالصوت المرتفع، بل تكتشف بالإنصات، وأن التأمل ليس طريقا إلى إجابة نهائية، بل أسلوب وجود داخل السؤال نفسه.

فقد جعل سقراط من قوله الشهير "أنا أعرف أني لا أعرف" نقطة انطلاق للفلسفة، لا تعبيرا عن جهل، بل عن وعي نقدي يرفض الادعاء ويؤسس للبحث

 وعلى امتداد هذا المسار يأتي ديكارت ليجعل الشك المنهجي أداة للوصول إلى اليقين، مؤكدا أن المعرفة لا تبدأ إلا حين نهدم ما نظنه مسلما به. ثم يعمق كانط هذا الوعي حين يقرر أن العقل الإنساني محدود بحدود التجربة، وأن ما وراءها يظل عصيا على الإدراك الكامل. وفي أفق آخر، يرى كارل بوبر أن المعرفة الحقيقية ليست يقينا نهائيا، بل فرضيات قابلة للدحض وأن التقدم لا يتحقق بإثبات الصواب، بل بقدرتنا على اكتشاف الخطأ. وهكذا، يتلاقى هؤلاء المفكرون، رغم اختلاف عصورهم، عند فكرة مركزية مفادها أن الاعتراف بعدم الاكتمال ليس نقصا في المعرفة، بل شرطا ضروريا لاستمرارها.

في النهاية، لا تقف لا أعرف على هامش المعرفة، بل تقف في مركزها كأكثر أشكالها صدقا ونزاهة. فهي ليست اعترافا بالفراغ، بل اعتراف باتساع لا نهائي يعلو على كل امتلاك.

إن الإنسان لا ينضج حين تتكاثر إجاباته، بل حين تتسع أسئلته، وحين يدرك أن كل يقين يبلغه ليس إلا محطة عابرة في رحلة لا تنتهي.

وهكذا، يصبح الجهل المدرك أعلى من المعرفة المتوهمة، وتغدو الحيرة الواعية أرقى من الطمأنينة الزائفة.

لسنا مطالبين بأن نصل إلى الحقيقة كاملة، بل أن نظل أوفياء لرحلتها، أن نحسن الإصغاء لما يتجاوزنا، وأن نقيم داخل السؤال دون أن نختزله في إجابة.

فربما كانت الحكمة كلها كامنة في هذا الاعتراف البسيط والعميق معا:

أن نعرف حدودنا، وأن نترك للغموض حقه، وأن نواصل السير... لا بحثا عن نهاية، بل وعيا بأن الطريق ذاته هو المعنى.

***

ابتهال عبد الوهاب