 أقلام حرة

سأربي بقرة وأوقف التداعيات

حسين فاعور الساعديبالأمس غضبت على غنماتي غضباً شديداً لا يمكن احتماله أو التعايش معه. قبل عدة سنوات غضبت عليها لكن ليس إلى هذا الحد.  حينها حدث عندها تغير جذري  في بعض الأمور المرتبطة بالعولمة والمعلوماتية وما يفرضانه من إقدام وإدمان مفرط على ما خلق الإنسان من خلطات مصنعة من الفضلات والبقايا والنفايات وتفضيلها على ما خلق الله من أعشاب ونباتات طبيعية.

مَنْ يفضّل ما صنع الإنسان من براز وبقايا ونفايات على ما صنع الله من أعشاب نضرة فواحة ونباتات غضة؟ من يفعل ذلك سوى غنماتي الغبيات الملعونات؟

قاومت ومانعت رغبتها ولكنني أخيرا قبلت ذلك وأوكلت أمري إلى الله. أغلقت الحظيرة وتوقفت من حينها عن إخراجها إلى المرعى إلا في ساعات ما بعد الظهر. إلا أن شبكات التواصل الحيواني بمساندة  العولمة والمعلوماتية تمكنت من إيصال غنماتي مع نانسي عجرم التي أوصلتها إلى أخصائيتها الغذائية التي أوصتها أن خير وسيلة للمحافظة على رشاقة الأجسام ونحافة القوام هي الركض. وبما أنني تجاوزت السبعين فلم يعد بمقدوري مجاراة غنماتي فقررت حبسها في الحظيرة وقطع علاقتها نهائياً بالطبيعة .

هذا القرار لم يغظها. فقط واحدة من بينها كانت مستاءة ومتذمرة ورأت في عملي عقاباً قاسياً. كانت تتناول القش فقط وترفض خلطات البراز والنفايات وكأنها تقول لي بعتاب شديد: أتطعمني براز الناس والطيور والنفايات؟ لماذا؟

تجاهلت كل ذلك لأن السعادة كانت تغمر بقية القطيع الصغير. إلا أنني بالأمس أشفقت على المستاءة المتذمرة التي ترفض التطبيع مع هذا العالم من حولها فقررتُ أن أخرجها من الحظيرة لوحدها لتنعم بخيرات الله التي حرمتها منها بجريرة غيرها.

اقتدتها ودفعت بها من باب الحظيرة نحو الخارج وحاولت إغلاق الباب لمنع البقية من اللحاق بها، فلم أتمكن. الغنمات قررت اللحاق برفيقتها. استعملتُ عصاي ويديَّ وقدميَّ لمنعها ولم أفلح. كانت عملية هجوم وتدافع لا يمكن تصورها. لو كانت نار أو بحر أو هاوية لما صدتها.

خرج كل القطيع وراء تلك الغنمة فتمثل أمامي خروج إخوتي عرب إسرائيل وهرولتهم بشكل جماعي إلى دبي.

تضايقت كثيراً وتحركت نخوتي وكبريائي وشهامتي. فقررت الرفض والمقاومة. نعم الرفض والمقاومة فنحن شعب الجبارين كما قال أبو عمار قدس الله سره ووسّع قبره. لذلك قررت قطع علاقتي بالغنم. فشعبي لا يمكن أن يشبه الغنم مطلقاً. فهو يقف في المطار بانتظام وينصاع للأوامر بشكل حضاري. صحيح أن الابن صار يقتل أمه وأخاه رمياً بالرصاص. والطالب ابن الثانوية العامة يقتل زميلة طعناً بالسكين.  ولكننا نظل عائلات راقية لديها الكثير من أصوات الناخبين التي ستسقط نتنياهو يوما ما. وشعبنا لا يتناول الخلطات المصنوعة من براز الناس والطيور . صحيح أنه يتناول ويحب الخضراوات والفواكه المسقية بمياه المجاري ولكن يوسي سريد زعيم اليسار المنقرض رحمه الله ونقاه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس عندما كان وزيراً للزراعة شرب منها وهذا دليل شرعي أنها حلال وطاهرة مطهرة.

وشعبي إضافة إلى كل ذلك لم يهرول إلى دبي بعناد كما هرولت غنماتي وراء تلك الغنمة غير البرغماتية فلو طلب منه نتنياهو التوقف عن الهرولة لفعلها دون الحاجة لعصا ولكمات بالأيدي والأرجل.

إذن لا مجال للمقارنة ويجب منع مثل هذه الأفكار الهدامة التي توحي أن شعبي كالغنم أو أن الغنم كشعبي من التسرب إلى عقولنا السليمة وذلك باجتثاث كل المسببات المؤدية إلى تداعياتها.

شعبي لا يشبه غنماتي

نعم شعبي لا يشبه غنماتي وسطوع هذه الفكرة في رأسي بهذا الشكل المفاجئ ما هو إلا نتيجة حتمية لتصرف غنماتي الهمجي والعدواني. لذلك قررت قطع علاقتي بالأغنام وعلاقة الأغنام بي. وشراء بقرة.

نعم شراء بقرة عربية أصلية تنطق بالضاد وتأكل الأعشاب وتأوي إلى الحظيرة وحدها. بقرة ليس شرطاً أن يكون فاقع لونها ولكنها مطيعة وحلابة. نعم حلابة ولا عيب في ذلك ولا خطر ولا خوف من أي إيحاءات أو تداعيات لأن ترامب سيكمل ولايته المنحوسة بعد بضعة أسابيع وينقلع إلى غير عودة فقد كاد يسبب لي قطع علاقتي بالبقر لمنع ما تحمله تعابيره من تداعيات.

سأشتري بقرة تجعلني مرفوع الرأس دائماً. فهي ستأكل من أعشاب الجبل فقط. لن تضطرني لشراء الخلطات المصنوعة من براز الإنسان والحيوان لإطعامها. ولن تهتم بكمال جسدها.

سأضع حبلاً في رأسها وأجرّها. أراكم تقهقهون وتتغامزون. لا، لا أقبل ما تقولون بأي شكل من الأشكال. وأرفضه متسلحاً بعبارة ألرمز أن "شعبنا شعب الجبارين". ولا يمكن أن يجره أبو مازن. شعبنا هو الذي قرر بالإجماع وعن طيب خاطر وقناعة تامة السير وراء أبو مازن بعد أن فتح أمامه كل شوارع إسرائيل العظمى لتنظيفها وكل عمارات المدن المخططة حول القدس وفي قمم الجبال لبنائها وكل البساتين والبيارات للعمل فيها. أبو مازن قدس الله سره وأدام ظله وأمد في حكمه أفشل أكبر مشروع صهيوني أراد للفلسطينيين أن يكونوا حطابين وسقاة ماء. ها أنا أتحداكم أن تجدوا فلسطينياً واحدا يعمل حطاباً أو ساقي ماء. وأبو مازن ليس حرامياً كأبي يأير فيده نظيفة والحمد لله ولا أحد يطالب بمحاكمته. ولو تخلينا عن عاداتنا وتقاليدنا وأجرينا انتخابات لا سمح الله كما يفعل الكفار الأجانب، لفاز بالإجماع هو أو محمد دحلان رضي الله عنه وأرضاه وأعطاه وأغناه فوق ما أغناه فهو شقيقه وإن جافاه.

إذن أبو مازن لا يجر الفلسطينيين كما سأجر بقرتي. فتوقفوا عن التقهقه والتغامز والتلامز ولا مجال للتداعيات أو الإيحاءات. سأجر بقرتي إلى الحقل لتأكل أنظف الأعشاب. سأجلس قربها وأكتب الشعر وهي تنعم بالهدوء والطمأنينة. وبعد الظهر سأعود بها إلى البيت لأحلبها وأصنع اللبن والجبن والسمن.

أرأيتم؟ لم يجرؤ واحد منكم على الغمز واللمز. ولم يتبادر أو يوحى لأحد منكم أن شعوبنا بقرة حلابة. لأن الجميع يعرف أن الملعون ترمب انقلع إلى غير عودة.

الحمد لله الذي أعانني على هذه المحنة التي كادت تودي بي إلى حالة يقين قاطع أن شعبي الفلسطيني الإسرائيلي العريق والمقاوم هو كغنماتي يأكل البراز والنفايات ويركض ليحافظ على نحافته. بعد قطع علاقتي بغنماتي ثبت بالدليل القاطع أن هرولته إلى دبي ما هي إلا خطوة حضارية تتماشى مع روح العصر وتعبر عن حبه لعمقه العربي النابض بالصمود والمقاومة.

لعن الله الغنم ومربية. عاش مربو البقر ورعاته ولهم المجد والخلود فمعهم فقط لا تداعيات ولا إيحاءات.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5211 المصادف: 2020-12-11 01:29:38


Share on Myspace