نصوص أدبية

نصوص أدبية

رُحمـــاكَ يا إبنَ رُشد !

رُحماكَ ، رُحماك !

رُحماكَ يا إبنَ رُشد،

من صليلِ البرد والغربة،

من ضنَكِ المنافي،

من شَفرةِ المجاز، وسهام التورية!

رُحماكَ من لصوصٍ يغسلونَ الحرامَ والفجورَ بالأدعية وسورة الفاتحة..

رُحماكَ من إعلاء الجهلِ وإلغاء العقل !

أَعِذنا من أَلغامِ "المتن المقدس" والدستور .. و"تقيَّة" القوم !

***

أَحذرُ كثيراً أنْ يركبَ القلبُ العقلَ ،

ويلغي الحنينُ الفِكرَ ..

ليتني أضرمُ النارَ في ذاكرتي وأنسى الحنين..

................

قرأناكَ ، يا إبنَ رُشد، أيام الجامعة و"ثورتها" في الستينات،

إلى جانب سارتر ، فانون ، كولن ويلسون، دوبريه، جيفارا و لينين .. ،

نعم ، كنا في سَورةِ الغَضَب !

أما تَدري أَنَّ الأوطانَ تُحمِّلُنا عذوقَها بوجعِ الأُم تودِّعُ أبناءها دونَ أمل!

لكن الوطنَ يظلُّ فينا ولو بقيتْ في العِذقِ "حَشْفَة" !

وطنٌ، وإنْ صارَ تابوتاً للأجساد والأحلام ..

لن يتغير موقعه فينا ، مهما فعل الخرابُ به..

***

للسرابِ أنْ يخدَعَ عينَ المسافرِ، ويُغالطُ عيني،

وللخريفِ أنْ ينثُرَ الغُبرَةَ ويُبَعثر "أوراقَ" فان غوخ،

ورقٌ أصفر ما تبقى من العمر، يا إبن رُشد!

شَقَقْنا صدرَ الريحِ شمالاً وجنوباً،

نبحثُ عنْ رائحة وطنٍ في دفاترنا القديمة،

لمْ ندرِ أننا مَرَقْنا على "النص"!!

لكن الحُكّامَ إعتبرونا "عُصاةً" لأننا نريدُ أنْ نحيا مثل بقية الخلق!

...............

فتهدَّجت في البنادقِ أصواتُ الهتاف..

لو أنَّ الرصاصَ يَعقِلُ، يا إبنَ رُشد، لأغريته بأشتقاقِ إسم فعل ،

أو نائب مفعولٍ به! بدَلَ أنْ يسبح في دمنا !!

***

في ساحة التحريرِ رأيتُ خيولاً صافناتٍ تُشيرُ إليَّ،

ونساءً  عن الحناجرِ تاهَتْ أصواتُهن ،

أحسستُ بحرقة الهتاف، فيما كانت يدايَ باردتان..

إذن، الوقتُ يتخمَّر، والساحةُ تغلي!

إِعلامُهم يتلو "صلواتٍ" بذيئة، تَحُثّني على الهرطقة!

فنفسي تعافُ نكراتٍ من أصلٍ بركانيٍّ،

قذَفتْ بهم قيعانُ الصدفة، فَتحَجّروا في القمة:"ما ننطيها"!!

هكذا إذنْ !

حينَ يَصعدُ "السَفَلَةُ"، يهبطُ نجمُ الرعاةِ كما يهبطُ القُندسُ إلى النهر!

لكنني أعرفُ أيضاً أنَّ ما هو قائمٌ لن يبقى ..!

لا بُدَّ يحِلُّ مشهدٌ جديد !!

سيقومُ الشهداءُ من رقدَتِهم، و...

وسنَسفَحُ دَمعَ فَرَحٍ نَسيناه..

..............

كَشَطنا المرايا،

لمْ نكنْ غيرَ سُمّارٍ لهذا الهواء المُعلَّق من كعبيه فوقَ حبلِ الغسيل.

دارت الحروفُ حولَ بعضها، وصارَ الصمتُ واوَ العطفِ،

حتى غدا العقلُ خاتمَ فِضَّةٍ في إصبع اللص والدجّال..

فارَ الدمُ .. تَيَبَّسَ وصارَ خَبَراً للرواةِ ووكالات الأنباء.

الجُرحُ هنا .. والرواةُ هنـــاك!

شيئاً فشيئاً يشِبُّ الرنينُ، وسيعلو "نشيدُ الفَرَح"!

هي زَفَراتٌ/ صرخاتٌ محفورة على الصدر كالندوبِ،

كلما لَمَسْتَها أحسَستَ بذاكرة الفجيعة،

وهولِ المآلات..

***

أما زِلتَ في قُرطُبَه ؟!

إصرف النظر عن العودةِ إلى مراكش، أو المجيء إلى هنا ..

فهذه ما عادت بغداد تلك !!

إحذَرْ! سيحرقونَ كتُبَكَ من جديد!

ويُعلِّقونكَ على رافعةٍ ، شَنْقاً !!

..............

وإنْ كنتَ منهمكاً في قراءة ما نكتب ،

فمفرداتنا معلقة من كواحلها في ساحة التحرير،

وليس في كُمِّ المقامرِ بالدين وباللغةِ البِكر..

.. هنا حيث ترقُصُ الضباعُ والذئاب ،

ينامُ النواطير عن اللصوصِ والقَتَلَة والسَفَلَةُ !

لمْ يبقَ غيرَ وميض جمرٍ تحتَ رمادِ تُرّهاتٍ غبية،

..............

أنتَ تعرِفُ أنَّ مرادفات الحزن كثيرة،

قد نحتاجُ إلى كثيرٍ منها الآنَ، كي نتخفَّفَ من ثِقَلِ الخسارة والقهر ..

وحينَ نُفكرُ بالآتي، بعد رحيلِ هؤلاء ، يكفُّ المرء عن التفكيرِ ما إذا

كان الأفضل أنْ يعيش أو يهلَكْ؟!

أَحقاً حينَ يَلوحُ الزلزالُ موارباً تُبدي النصوص ما يُشبه الغَنَج،

مفردةٌ تُطِلُّ،

وأخرى تتمنَّع ؟!

................

تلك هي حروفي/ شهادتي على وطنٍ جميلٍ خرّبوه، فضاعْ!

فأشهد، يا إبن رُشد، أنني لم أستدعِ بلير لغزو بلادي،

لمْ أقلْ أنَّ شارونَ أَرحمْ،

ولم أدعُ لزرعِ أنصابٍ في كل مُدننا لـِ"شهداء!" اليانكي المُحرِّرْ!!

................

إشهَدْ أنني لمْ أكنْ منهم..!!

ولم أصمتْ!!

***

يحيى علوان

في البدءِ كان راعٍ

عصًا خشبيةً و لباسًا ممزقًا

لم يكن سوى طفلٍ يُرعى، كما تُرعى

إبلٌ في الصحراء.

حلواهُ أن يفترش ظهر نعجةٍ حين يغلبهُ النعاس

حلواهُ أن يظل هكذا أُميًّا، تحت عباءة الغُبار.

فجأةً خرَّ ضبابٌ فوق رأسه

قُم، ابحث، ظلامٌ ينتظر ..

كان المجهول.

فجأةً خرَّ دمٌ فوق كتفه

لا تستدر، لا تتبع، غنمٌ يتبع ..

كان السيف.

فجأةً خرَّ حريرٌ فوق جسده

تمتع، راوغ، أمةٌ شِحاذة ..

كانت النقود.

هكذا و فجأةً، خرَّ كل شيءٍ تحت قدميه

مطرًا، سهامًا، صخورًا و تلال.

خرَّ العقلُ من الاعالي إلى الاعماق !

هكذا و فجأةً، خُلِقَ المستقبل .

لا يجيءُ من الظلمةِ سوى الظلام

ومن الخوفِ تُولدُ العبيد.

وحده السراب - هذا القويُّ كطفلٍ متوحش

راح يرقصُ كالارنب

حتى لا ينبت العشبُ تحت قدمه.

***

ضرغام عباس

 

 

كانت مدينة لينينغراد تنساب في الأفق كمتحف اسطوري تحت سماء صافية، تأملتها هكذا وأنا أرنو إليها من خلف نافذة عربة القطار. عدت الى مقر إقامتي بعد ان انتهيت من زيارتي التطبيقية في المستشفى في المدينة السياحية عند ميناء مورمانسك المشهورة بظاهرة الشفق القطبي. حدث هذا في عام 1966.

وانا في طريق العودة إلى المنزل مررت على السوق لشراء بعض الحاجات الضرورية. كان السوق يعج بالناس والحركة بطيئة. وفي وسط هذا الحشد البشري، صادف ان التقيت صديقي عادل الذي يسكن في الطابق الخامس وبينما كنت أنا اسكن في الطابق الرابع من مباني الطلاب، بعد ان رحب بعودتي من السفر. قال وهو يمد يده ليصافحني:

- مرحبا قاسم، متى عدت من رحلتك؟

اجبته:

- اهلا عادل. لقد عدت توا. فكرت ان اشتري بعض المواد الغذائية وانا في طريقي الى المنزل.

قال:

- بالمناسبة هناك فتاة تنتظرك منذ ساعات في الطابق الثاني. كما تعلم ان طوابقنا لازالت قيد الترميم، والأصباغ لم تنشف بعد.

قلت:

- فتاة!... كيف تبدو؟

قال:

- نعم. اعتقد انها ليست روسية لان ملامحها أقرب الى الشرقية وشعرها اسود.

بعد ان انتهيت من التسوق عدت ادراجي الى المنزل. كانت المفاجأة عظيمة وغير متوقعة، شعرت بالنهار ينهمر على كياني كحلم بحيث ازال الارهاق الذي رافق رحلتي، ان أجد صديقتي بارنو في انتظاري، تعلو كشمس الصباح: وهي فتاة من طشقند عاصمة اوزبكستان. حالما ظهرتُ أمامها منتصبا ارتسمتْ ابتسامة عريضة على شفتيها النديتين وتعانقنا.

نظرت الى عينيها السوداوين الواسعتين والدموع الرقراقة فيهما تعكس ابتسامتي فرحا بوجودها بعد غياب طال زمنا. تكاثف الصمت في الطابق الثاني لبرهة وكأن الخطوط اللامرئية بيننا تنقل مشاعر الود عبر الأثير، تحمل بين طياتها اكوام الاشتياق.

لقد أعادني هذا اللقاء غير المرتقب الى زمن جعلني افتح صندوق ذكرياتي مجددا، وان اتطلع الى بدايات الستينيات، عندما كنت شاباً في مقتبل العمر يخوض غمار تجربة فريدة في بحر الحياة الجديد المشرق، في بلد طالما حلمت بزيارته. بلد يتطلب من الفرد ان يتأقلم مع ثقافات جديدة، ولغة اجنبية غريبة عني، بل هو عالم يفتح امامي طريق المستقبل الواعد والطموح الممهد.

يجب على المرء ان يتعلم اللغة الروسية قبل دخول الجامعة. لذلك بدأت مسيرتي الأكاديمية في جامعة اللغات كمرحلة تحضيرية في طشقند. في هذه الجامعة بالإضافة الى اللغة الروسية، كانت هناك أقسام للغات أخرى بما في ذلك اللغة العربية. لقد ضمت الجامعة في اروقتها طلاب من جميع انحاء العالم وكذلك من جمهوريات الاتحاد السوفيتي.

قررت عمادة الجامعة تخصيص يوما للطلاب من اجل التعرف على بعضهم البعض. وقد تم ذلك بالفعل في أمسية احتفالية لا يمكن للذاكرة محوها، خاصة عندما سقطت عيني في وسط هذا التجمع الطلابي على فتاة متوسطة القامة ذو مظهر شرقي، تتميز بالرصانة والاتزان. لا يلفت لبسها اي انتباه، كانت ترتدي فستان بني اللون مزركش بمربعات حمراء يغطي جزء قليل من الركبة. اما شعرها فكان يميل الى اللون الكستنائي.

مشيت نحوها بخطوات بطيئة حتى دنوت منها،  حيَّتها باللغة الروسية لأنني كنت قد تعلمت بعض الجمل البسيطة. قلت:

- ازدراستڤويتيَ. تعني مرحبا باللغة الروسية.

رددت بنبرة نسائية لطيفة:

- ازدراستڤويتيَ

قلت بالروسي:

- ممكن ان نتعرف.

قالت وهي تمد يدها الناعمة باتجاهي:

- بارنو.

قلت بالروسية:

- اسمي قاسم من العراق.

فاجأتني بقولها وابتسامة عريضة على محياها:

- إذن أنت تتكلم العربية… نطقت هذه الجملة باللغة العربية.

ساورني شعور الفرح عندما تحدثت العربية لان كلماتي الروسية قد نفدت وقلت:

- هل تدرسين هنا في الجامعة قسم اللغة العربية.

قالت:

- نعم.

عندما رأيت بعض الشباب يرقصون مع معارفهم وصديقاتهم، تجرأت على دعوتها للرقص معي.

قالت وابتسامة بهيجة تضيء وجهها:

- بكل سرور.

وأثناء الرقص قالت:

- اذن انت تتكلم اللغة العربية وهذا شيء جيد.

وأردفتْ قائلة:

- نستطيع ان نساعد بعضنا البعض انا بالروسي وانت بالعربي.

بعد هذه الأمسية الجميلة استمرت لقاءاتنا وتضاعفت جهودنا نحو تطوير لغتنا. لقد ساعدتها كثيراً في تطوير اللغة العربية وتنمية تقبلها الحسي لجوهر اللغة حتى تمكنت من الحصول على وظيفة بصفة مذيعة في قسم اللغة العربية في إذاعة اوزبكستان. لقد تم تكليفها بقراءة النشرة الإخبارية باللغة العربية.

مكثتُ في طشقند لمدة عام لدراسة اللغة وانتهت المرحلة التمهيدية، عدت الى دراستي الحقيقية في كلية الطب في لينينغراد. خلال تلك الفترة تواصلنا مع بعضنا البعض عبر الرسائل البريدية، وكانت هناك فترة انقطاع عرضي بسبب دراساتي العديدة والتطبيقات العملية في المستشفى.

قلت لها:

- مفاجأة سارة جدا يا بارنو.

قالت:

- شكرا، فلنتحدث بالروسية بعد الآن.

قلت لها:

- اعتقد انت منهكة جدا الان بعد ان قطعت مسافة طويلة من طشقند.

قالت:

- كلا، لقد سافرت الى موسكو اولاً حيث زرت زوجي الاوزبكي. اخبرته انني ما دمت قريباً من هنا، أود ان أزور صديقاً قديماً درس في طشقند سابقا وهو الآن في لينينغراد، فقلت له انني عرفتك قبل ان اتعرف عليه. وها تجدني امامك هنا الان.

كان هذا اللقاء لقاءً حميميا بل أستطيع القول الوفاء اللامتناهي الذي يتسم به هؤلاء الناس. أمضينا وقتا ممتعا ونحن نمشي جنبا الى جنب في هذا الليل المعتدل والرائع في شوارع لينينغراد.

طفقنا نتحدث ونتذكر ايام طشقند وحدائقها الجميلة ومطاعمها المتميزة بأكلة البلوف ومراقصها البهية الهادئة ومسابحها الواسعة. ثم افترقنا في المساء واتفقنا على ان نلتقي غدا عند محطة القطار الى موسكو.

وفي اليوم الثاني بالفعل التقينا وجلسنا في بوفية جميل وتناولنا الافطار وتحدثنا عن حياتها الحالية ومشاريعها المستقبلية. ومشينا نحو رصيف القطار المتجه الى موسكو. توقفنا للحظة في انتظار وقت المغادرة. وبينما كانت تتحدث، وفجأة تهدج صوتها فاكتست هيئتها سيماء الحزن. كان تتكلم والكلمات تنسال من بين شفتيها بتأنِ وأسى. قالت:

- عزيزي قاسم سوف يكون هذا آخر لقاء بيننا وربما لن نلتقي ابداً.

انهمرت الدموع من عينيها. شعرت بغصة وحسرة في نفسي. وسالت المشاعر في متاهة الحزن. التقطتْ صورة لها من حقيبتها اليدوية وسلمتها لي ولكن قبل ذلك كتبت عليها.

-  اذكرني واذكر ايام طشقند كلما تنظر الى صورتي. وانا لن انساك ابداً.

ثم قالت:

- إذا انجبتُ ولداً، فسأسميه قاسم. وإذا ولدت طفلة سأعطيها اسماً اوزبكياً.

في هذه اللحظة امتزجت العواطف وأصبح ذهني مشلولاً، وكأن كلماتي غرقت في لعاب فمي امام كلماتها الصادقة والمعبرة عن ذاتها الإنسانية.

قلت لها:

- كم انت عظيمة يا بارنو سوف افتقدك حقا... انتظري لحظة رجاءً.

كانت امرأة في الخمسينيات من عمرها واقفة على جانب الرصيف تبيع الزهور. اشتريت منها باقة من الورود الحمراء وقدمتها لها كهدية لذكرى هذا اللقاء الرائع. قبلتني وقبلتها فكان ذلك اللقاء هو الوداع الأخير.

من أَي كوكبٍ هبطَ طيفُكَ

على قَلبي

وأَيقَظ غَفوةَ الياسمين

في دْفق شَراييني

وبسماتِ المانوليا

في وجَناتِي؟

ما بين نَسْمَةٍ ونَسْمَة

أستَنشقُكَ عطرَ خُلودِي

وما بين زهرةٍ وزهرة

أُخبئُكَ أَيقونةَ عشْقِي

ماسةَ عُمري ..

مابين دمْعَةٍ ودمْعَة

نجمةُ الصَّباح سَكرت بِأشْواقي

وثَمل قلبي حَنينًا...

يا حُلمَ وُجودي

قادمَة ٌ إلى روحِكَ

على جَذوةِ حبِّي

يحملُني شُعاعُكَ إلى الفردوسِ

أَأنْتَ من كوكبِ المُنى

أم نسيَكَ الدهرُ في سلةِ زَهرٍ

عَلى ضِفافِ وَطَني؟

نَيسانِي مَلَّ  آهاتِ الزَّمان

أَعدْ لربيعِيَ سَوسَناتِه

ولعَينيَّ أمواجَ البحر...

أَلق ِ على حُزنِيَ وِشاحَ البَقاءِ

حِكْ خَلَجاتِ أَنْفاسِي

ما بينَ غَيْمَةٍ وغَيْمَة..

أَعومُ في محرابِكَ السّماويِّ

لأُتوِّجَكَ توأماً لروحي العذراء

ضُمَّني إليك ليُزهِرَ ياسمينُ مَدائني

خُذ ْ نَبْضي...

أنا أموتُ وأَحْيا .....

لأَجلكَ ...

***

سلوى فرح - كندا

 

توقف بي الميكروباص عند الكيلو 21 من الاسكندرية حيث تصطف السيارات المتجهة إلى القاهرة. هبطت تتأرجح على ظهري حقيبة صغيرة خفيفة، وامتد أمامي ميدان تنفتح عليه مثل الأسهم عدة شوارع غاصة بالحركة. لبثت أتلفت بحثا عن موقف سيارات القاهرة، فوقعت عيني على رجل نحيف في حوالي الأربعين في سروال ضيق مهترئ، وقميص عليه حروف انجليزية باهتة، قدماه في صندل بلاستيك مفتوح. نظرت إلى أصابع قدميه العارية فسرت منها في بدني قشعريرة الجو البارد. رأيته وقد مال بصدره وذراعيه على واجهة سيارة ملاكي، يمسح زجاجها بدوائر من خرقة متسخة. قلت له: " أين تقف سيارات القاهرة؟". ارتد بجذعه للوراء وأمعن النظر في طويلا وأنا أعاين شعر رأسه الأبيض الهائش من دون أن أعرف إن كان ذلك لون الشيب أم أنه بياض جير عمال الدهان. رمش بعينيه بفتور شخص لم يغسل وجهه طويلا ثم رفع ذراعه ببطء يشير إلى كوبري:" هناك. تحت ذلك الكوبري"، خرجت كلماته مثل بقبقة غريق لا يقوى على اطلاق صوته، حروفا داخل فقاعات هواء. التفت إلى حيث أشار وقلت له:" نعم. رأيت الكوبري". توقعت أنه سيوليني ظهره ويرجع إلى زجاج السيارة يلمعه بالخرقة السوداء، لكنه ظل يحدق بي في ثبات متخشبا في مواجهتي كأن ثمة حديثا معلقا لم ينته. سددت إليه نظرة أحاول أن أخمن ما الذي يحجم عن قوله، فلم أر سوى نظرة جوع غائر في ذكرياته وارتجاف شفته فاضطرب شيء في دمي، وأخرجت ورقة بخمسة جنيهات ناولتها إياه وأوليته ظهري. مشيت عدة خطوات وما لبث أن تناهى إلى حفيف صندله يزحف خلفي وصوته مهشما:" ليس الصف الأول من السيارات..الصف التالي..على اليمين". التفت إليه. كان رأسه يرجف مثل طائر لا يقوى على الرفرفة. قال:" الصف التالي..على اليمين".أردف:"حضرتك عرفت؟". ناولته ورقة أخرى بعشرة جنيهات. استبقاها في راحة يده يمر عليها بأطراف أصابعه كأنه يستمد منها الدفء. قطعت عدة خطوات للأمام فتبعني يقول: " هناك سيارات تذهب بك إلى المرج وأخرى إلى ميدان رمسيس، لكن رمسيس أحسن لك. رمسيس أفضل لحضرتك"، وحدق بي بعينين تخترقان الفضاء وتسقطان على الأرض بلا أمل. تمتم: " حضرتك عرفت؟". وبقي جامدا تتدلى خرقة القماش من يد، ويده الأخرى تمر على الحروف الانجليزية الباهتة فوق قميصه. سحبت من جيبي ورقة مالية أخرى ناولتها إياه، قبض عليها بقوة ورفع بصره نحوي:"خلاص. حضرتك عرفت. خلاص. أنت عرفت". أولاني ظهره بحزم هذه المرة . مشي وهو يتلفت حوله في سيره. تابعته ببصري وهو يبتعد شيئا فشيئا. هبت على الميدان زوبعة باردة من البحر فرقته خيوطا تتأرجح في الريح، فلم يبق سوى صندل، وحفيف قلب يحتك بالأرض.

***

قصة قصيرة

د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري

لم تقل يوما كل الكلام

نصف .. الكلمة

كانت دوما تعلق

في شباك الصيادين

و عندما تعلمت لغة النوارس

استطاعت ان تنجو

من حادث الغرق..

في اليوم الاول للكلام

نطق الوجع .. قال

تعلم الطيران

قبل ان تموت

كان هذا الدرس الاول

ضع اسمك جانبا .. القابك

وكل الشهائد الفخرية

و ارفع راسك

ان استطعت

قد تموت في النصف الاول

من اليوم

و قد يتكلم الوجع

في اليوم الثاني ايضا

لكنك حتما ستتعلم

في النهاية

الطيران فوق الوجع

اليوم يختارك الجنون

لتتمدد على اطرافه

فقل لمن يحسب صمتك

لعنة

لا قيمة للاسماء

ان لم تكن تشبهنا

و ان لم نكن نقرأها

داخل العيون

لا قيمة لوجهك ان لم

تكتب عليه ما تمليه

عليك روحك

لا قيمة للحرف

ان تخاذل

و صار مكنسة

كهربائية

كان هذا الدرس الاول

و قد يمنحني بعده

الموج جناحا

امد على قدره لغتي

تقول لها الرياح لا

تهتمي لجدران البيت

حين تاكلها النيران

خذي  عينيك  داخل

حقيبة سفر

و انصرفي

الى المنافي البعيدة

لا وطن هنا

لا وجه مكشوف

يحبو على اديم

العمر

اليوم يتم عليك الجنون نعمته

فخذي ما تفتت من حبال القيود

و اصنعي منها

حبلا  يشد اليك

المراكب

و لا تنتظري

الدرس الثاني..

***

بقلم _ وفاء كريم  _

أي قدر يقودك إلي

أي قدر يبعدك عني

تحتاج إلى ترتيب المسافة بينهما

بكتابة قصيدة

وأنا أحتاج أن

انزلق في ثرثرة

طويلة معك

نتجاذب اطرافها

على سجادة مسحورة

كلما جلسنا عليها

سلكت بنا نحو السماء

في لجة من ليل وبخور

وحين نقوم

تتساقط النجوم هنا وهناك

ويفوح المسك

أشتاق أن أحكي

تفاصيلها السرية

لصديقتي الغيورة

عبر الهاتف

لا تعنيني مواعيد نومك

ولا أوراقك المبعثرة

كما الفكرة في مخيلة

شاعر مبتديء

فكل النصوص تكتمل

بامرأة تغزو الرتابة

بكعب حذائها المدرب

جداً على إحداث ثورة

ليتكون النص

من الفكرة والشغف

والكثير من مِحن الخيال

حينما يصبح الخيال محنة

لا يحتاج الأمر ترتيباً

ربما بعض القوانين

الجديدة لمسألة الحب

اجمعني فيك

ولنطرح كل ماحولنا

وفنجان قهوتنا

يضرب بشجاراتنا عرض الحائط

ثم نقتسم ابتسامة بلهاء

ونحن نقرأ نصاً لدرويش

عن المنفى

أي منفى

ونحن في معركة عشق

كتلك التي

بين الوردة والعطر

بين الشمس والضوء

بين النار وألسنة اللهب

التي ترقص على ايقاع

طقس إفريقي صاخب

أي منفى

ونحن من سحر

الكلمة التي

تزين جيدها

بتعاويذ الخلود

نتشكلُ دوماً في

رحم القدر

قصيدة ...

***

أريج محمدأحمد / السودان

20/9/2022

ثقُوبٌ فِي رئةِ الوَطنِ

تعاَلَ لنَنشِدَ الحريةَ

هلْ ما زلنا نَنشدُها  فعلاً؟

إبّانَ الحربِ الأولى

كانَ الموتُ يُوزَّعُ بالتَّساوي

بَينَ مُضْطَهَدِي الوطنِ المنكوبِ

ما عَدَدُ الثكالى؟

مَنْ كسرَ قلوبَ الحسناواتِ؟

أنا...

كنتُ عاشقاً

أبحثُ عن بيتٍ يأوينِي

وأحلمُ بسريرٍ يجمعُنا

على تخومِ الفرحِ المنشودِ

ولا أُبالِي

بِمَنْ يُحقِّقُ

الأمنَ الغذائِي لهذا العالمِ البائسِ

هو يَقُولُ؟

في الْحَربِ الثانيةِ

كانَ التتارُ على تخومِ بغدادَ

يحرقونَ الأشلاءَ مُمزَّقةً

يُغرِقونَ التاريخَ في دجلةَ

وَكُنتُ لا أزاْلُ أحلمُ

بذاكرةِ الْوَطَنِ المَعطُوبَةِ

كمْ نسينا خيباتِنا!

ونحنُ نركضُ

عكسَ عقاربِ الموتِ

ونحيا عكسَ عقاربِ الزمنِ

ونَنشِدُ وطناً نبنيه

***

كامل حسوني

 

لطالما أخبرني صديقي أن أرتدي الكفوف السميكة وأنا أشتغل على تلك المكائن، حيث كانت مشبعة بدهون المحركات الكثيفة. وقتها لم أعر نصيحته انتباها، أما الآن فأنا بحاجة لأن تصبح يديّ بيضاوين ناعمتين. غدا سألتقي بها، ولا أعرف الآن ماذا أفعل بهذا السواد الداكن المختبيء تحت أظافري. إنها حتى لا تعرف أني (فيتر) هي تظن أني صحفي وشاعر وأدير جريدة. والآن ستتساءل كيف لهذا الشاعر أن يملك مثل هذين الكفين الخشنتين السوداوين!

لقد جربت بعض نصائح اليوتيوب، دلكت كفي وأصابعي بفرشان الأسنان، وضعت مسحوق الغسيل وبعض الكلور، ثم الأسيتون، وأخيرا نقعتهما لساعة كاملة في الماء والملح. حتى أن شريكي في السكن تكفّل بعمل العشاء وغسل الأواني والتنظيف. لقد كان متعاطفا وطيبا.

اخر الليل كنت أنظر لكفيّ المتعبين بشيء من الخيبة، فتحت الأظافر هناك، ظل جاثما ذلك اللون الداكن المثير للإشمئزاز. ستظن بالتأكيد أني رجل قذر وكثير الأهمال، لن تصدق أبدا أني كثير الإستحمام، وإني اعتني بقص أظافري وحلاقة شعري وترتيب اشيائي في السكن، هنا بهذه المدينة الكبيرة بعيدا عن الأهل. الأمر وما فيه أن تلك الدهون تتغلغل بعيدا كأنها وصمة وجَع.

إقترح عليّ رفيقي أن ألفّ كفيّ بقطع الشاش وأدعي أمامها أني تعرضت لحادث. بدت فكرةً جيدة، في الحقيقة لم يكن هنالك حل آخر.

قام هو بتضميد كفيّ. ثم أخبرني وهو يتصنع الخبرة الكافية بطريقة تفكير النساء أنها ستستغرب حضوري وأنا على هذه الحال. قال لي أنه عليّ إخبارها أني لم أرد تضييع موعدنا الأول.

هكذا ببساطة ذهبت إليها، مع حفنة النصائح تلك وقطع الشاش في كفيّ، وبضعة أحلام تداعب مخيلتي المفعمة بكثير من الحب واللهفة. إنها طالبة في قسم اللغة الفرنسية، هي مثقفة جدا وتحب طريقتي في الكتابة والحوار، تقول أنها تحبني. سنتحدث اليوم عن فولتير وأراگون ورامبو وجورج صاند ويان كفيليك، وعندما تثق بي كثيرا سأصارحها أني لست صحفيا، ولم أذهب للجامعة يوما، أنا محض قارئ نهِم  وكادح يعمل في تصليح السيارات. هذا ما أجيدهُ بعيدا عن عائلتي في إحدى القرى المنسية.

ملأ فمي عطرها قبل أن تقترب، كانت أجمل من الصور بكثير، عرفتها من شعرها الأصفر القصير وعينيها الخضراوين، اللتين كانتا تشعان من صورها وتلهمان خيالي الجامح، مع تلك الإبتسامة الصغيرة قليلا، كأنها ابتسامة شاحبة أو مخطوفة من الزمن عنوة. ربما لأنها كانت تسهب في قراءة الفلسفة كانت ثمة مسحة من الحزن وهالة من الغموض تحيط بملامحها العميقة الهادئة. بعد أن صافحتها شعرت بدهشتها وهي تنظر لكفيّ الملفوفتين (ماذا حدث لك)؟

-(لاشيء .. حادث صغير) كدت اتلعثم. كان تفكيري مشوشا، الأسوء من السواد تحت الأظافر والجلد هو أن تكتشف كل هذا الكذب.  يااه كم سأكون أمامها سخيفا مضحِكا.

لم تستغرب حضوري رغم تعرضي لحادث، كان ذلك رائعا. إذ كنت أدرك أني كلما تحدثت عن الموضوع خرج الأمر عن سيطرتي.

فيما بعد أخذتنا لذة الحديث المدهشة، وكان عطرها يغشى حواسي، فأشعر كما لو أني أحلق معها في عوالم الأدب الفرنسي. حتى ابتسامتها صارت أكبر وأشد إذهالا. كنت أتحدث بحماس عن رواية العرس الوحشي، و أستعرض أمامها أحداث الرواية، لقد كانت اللحظة التي رأيت فيها الضماد يرتخي أكثر وحشية من عرس الرواية، حدث ذلك عندما كنت اؤشر بيديّ أثناء حديثي، خفضتهما فورا واستدرت قليلا لأثبت الضماد من جديد.

-( أرجوك دعني أساعدك).

قامت فجأة من مكانها ومدت يديها نحوي، أمسكت الضماد بأصابعها الناعمة، وراحت تعيد لفّ الضماد، لم يبد عليها أنها انتبهت لشيء، لوهلة ربما! لكن ضماد الكف الثانية وقع في يدها تماما، بدت يدي فارغة من أثر الحوادث التي اخترعتها. كنت قد نسيت كفي بين يديها عندما راحت  عيناها المذهلتان تنظران لي بدهشة. ببساطة بدأت  تلفّها بحرص، كأنها تلف هديةّ بشرائط من حرير، وابتسامتها الصغيرة المعهودة تطوف على وجهها  الجميل. لا انس أبدا أنها بعد أن أحكمت لفّ يدي ضغطت عليها بطريقة ما، كأنها أرادت أن تقول لي( لقد افتضح أمرك).

*** 

تماضر كريم

 

نص عن الجرح السوري

وطنٌ جَريحٌ

وحُرّة ٌ بالدمع تغفو

وغيلانٌ تأكلُ الأطفالَ

وأبواقٌ .. وَصِياحُ.

هذي الدّروبُ نحو الشرقِ

تشتعِلُ

وقلبيَ اليومَ

من الهُمومِ ينوحُ.

لا الدربُ نتركهُ

ولا الهُمومُ

تغادرُ القلبَ

وترتاحُ.

**

إني

هنا

أسيرٌ

يبكي الشرقَ

والشرفَ الرفيعَ

والرّجالَ الصّيدَ

وأعراضاً

تُستباحُ.

**

أهلي هناكَ

وأحبابي

بصدورهم

يَصدّون

رصاصَ الغدرِ

وبأيديهم

يواجهون

أحفادَ أبي لهبٍ

ومُسيلمَة َ

وعلى الهواءِ

كلابٌ مُطهّمَة ٌ

ونباحُ.

**

لقد غابَ نجمٌ ساطِعٌ

في ليلٍ مُظلمٍ

طالت بهِ

الهُزُعُ

**

ماذا تخبئ هذه الأيامُ

لأمةٍ

قد غُيّبت؟!!

ماذا تخبئُ هذه الأيامُ

لأمةٍ

قد غُيّبت؟!!

متى..؟

متى..؟

متى يا إخوتي

ينبلجُ الصّباحُ؟*

***

 بقلم: الدكتور اسماعيل مكارم

.........................

 * قمتُ بكتابةِ هذه الكلمات بعد أن سمعت ماذا جرى في أروقة الجامعة العربية تجاه سورية – البلد العربي، حينذاك قام البعض بالاساءَة الى سورية، وبذلك قاموا بفعل الإساءة تجاه العرب جميعا، أما عرفوا أن سورية دولة ذات سيادة. كتبت في 14 تشرين الثاني عام 2011.

صورة قلمية عن الشاعر الكبير

يحيى السماوي

***

من قصائده يطل ُّ نخل السماوة

يكتظُّ

بسعف الحنين إليها

لم يفلت منها صفاء الفقراء

شاعرها يعاشر حكمة الوطن

تبيضُّ  عيناه من حزن المسافات

موقنٌ أنه يطارد حلما في سائر الايام

يطلُّ  من انفراج شبابيك الذاكرة

لا يطمئن إلى نفسه  إلآ على طين الفرات

أتعبه زجاج المدن اللامعة

فانفرطت بينهما خيوط الغربة

وحين يبحث عن مستقرِّ الناسك

ينسى طيوف أحزانه السود

بعد ان ارهقته أشواطٌ شتى

منها انتظارات القطارات

وشهقات المحطات والشوارع

ثم يستدير ليسأل العابرين

عن أملٍ  أخير

لايجد الوقت للذي يعبر الأمكنة

تقوده فراسته إلى ألق المعنى

الذي يسكن قصائده

ولا يتخلى عن امرأة أحبها

ولم يبقَ له غيرها و شعره والوطن

يمنحهم زهرة القلب

ولا ييأس من أيامه

فلا يدع قلمه ودفاتر أشعاره

وسؤال صحبه عنه فيحلم أنه يتسلل إلى غرفته الأولى

ليطلَّ من شبّاكها على الماء والنخل

لايضايقه الصبر الجميل

وبين ضلوعه أنين مكتوم

وحنينٌ لسماء أولى من دون غيم

لاتكترث لاحتراق العشب

أو الموت الذي يطوي الذكريات

وطائره يرفرف في فضاء الروح

شاعر ينتظر حرية شاسعة للناس

ناسكا في محراب الكتابة

يرقب كائناتٍ تحملها الأرض

ويطوق بيديه تباريحَ نازفةً

وهو يتقلَّب على حقائق شغلته

في فؤاده لوعات تدنو لاهثةً

ليبوح تحت قمر الحقول

ويغمره شذىً يراه

يكتفي أنْ ينام على ذكرى للتأمل

كأنه يتوسَّد بين يدي حبيبته

لتسقط عليه نظرة ناعمة

ويستنشق صباح الوطن ويقرأ أوراقه الأولى

***

بقلم:محمد صالح عبدالرضا

رواية مهجرية قصيرة

(يلحق ماسبق)

***

كنت أراجع الحسابات في الساعة الرابعة، وأتهيّأ للمغادرة حين رن جرس الباب، فإذا هي أمامي:

دهشة

انفعال أكاد لا أخفيه علامة فأل أخرى.بدأت يومي بعينين تخيلتهما مرعبتين وختمته بابتسامة شفافة:

- مساء الخير؟

- أهلا مساء الخير.

- أتغادر الآن؟

- أراجع الحسابات ..وقلت ضاحكا:خمنت أنك لا تأتين فقد ظننت السمك لم يعجبك.

- كان رائعا المرة الأولى نجربه..لم ننتبه له من قبل كنا نفضل الكارب وسمك ابراهيم..

- لا مشكلة سأوفِّره لك

- قل لي هل مرت أمّي عليك في الصباح لتسألك عن الكارب؟

ذُهِلْتُ

سمعت شيئا بين المعقول واللامعقول:

السيدة ذات العينين الماكرتين أو الساطعتين أَمِ القويَّتين أمّها...السيدة الطويلة النحيفة ذات الخمسين عاما بوجه عاديّ لا أعني قبيحا غير أني واجهت جمالا آخر فتاة في منتهى الرقّة:

- مرّت من هنا سيدة رشيقة في الخمسين من عمرها ذات شعر أسود ترتدي بدلة رمادية وتلفّ شعرها بشبكة ذات أصداف وطلبت الكارب باسم يانسن:

- هي أمّي مرت بك في طريقها إلى البيت خلال مشيتها اليومية .

- سأوفر لها الكارب.

- اعتادت أن تطعمنا السمك كلّ يوم أربعاء

- تستطيعين الاتصال بها الهاتف تحت أمرك.

دفعتُ باب العارضة الجانبي فدلفتْ إلى الداخل وقصدت دكَّة الهاتف، تحدثت بالعبرية بضع كلمات، والتفتت إليّ، سبقتها قبل أن تشكرني:

- عندكم بطاقة المحل اسمي وليد على فكرة لم أعرف اسمك.

- سوزي

- على فكرة سوزي وجدت محلا آخر في Nørrebro هناك الزبائن أكثر والمحل ملك البلديّة أيجاره أرخص لكن لاتقلقي سآتي لكم بالسمك إلى البيت.

- أين في Nørrebro؟

- هناك محل للسمك في المفرق عند jagt vej محلي سيكون باتجاه البحيرة نهاية المقبرة.أتعرفين محل الأسماك هناك؟

- الحقيقة نحن جدد هنا انتقلنا من الشمال...آرغوس أنا وأمي وأبي وبقي أخوان يديران تجارتهما هناك.

- طيب يبدو أن الحديث يشغلنا هل تصعدين لشرب كأس شاي.

- أنا الآن متعبة كان لدينا درس عملي في طبيعة الأرض شمال كوبنهاغن حفر وتحليل التربة، وعلي ّأن أذهب وأستحم لأراقب الليلة الساعة التاسعة شريطا في التلفاز؟

- أي شريط؟

Lad mig kysse din sommer fugl[i] (وأردفت) :رومانسيّ!

اليوم نفسه وضعني بين امرأتين أمّ وبنت:واحدة تسعدني بابتسامتها وأريحيتها ، وأخرى أخاف من عينيها.ليس هو الرعب.شئ ما لا أميزه، لا أعرفه ولا أستبطن سرّه، وكان اليوم نفسه يفصلني عن شارع fredrekssund ويبعدني عنه.. استقبلته أول يوم بحماس.كتبت لافتات على الواجهة الزجاجية.سمك.نحن ننفذ طلبكDu ringer vi bringer رسمت ثلاثة سمكات على الواجهة، أنظر إلى عنوان المحل بزهو:fisk الزُخْرُف ذاته والكتابة سوف تتحول إلى شارع آخر أشعر أني أرتبط به أكثر من أي مكان على الرغم من الرتابة التي يبعثها فيّ، وحين حلّ يوم الأربعاء، قدت شاحنتي إلى بيتها.لم يكن uglevej بعيدا عن محلي، تابعت باتجاه التقاطع وانحرفت نحو اليسار كانت هناك مجموعة من البيوت التي تمتدّ في حارة ضيقة.توقفت عند الباب، كان معي السمك وعلبة remoulade.قابلتني سوزي بوجهها الطلق ويدها تقبض على حفنة أوراق:

- شكرا لك.

- ليكن هذا هدية مني بمناسبة سكنكم الجديد.

- أووه هذا كثير.شكرا ألف شكر

Det var så lidt[ii]

- مادام الأمر كذلك فلا يصحّ أن تذهب هكذا يمكنك أن تأتي وتشرب شيئا.

- أنا متعب ولا أرغب أن أزعجكم برائحتي ثمّ هناك بيتان آخران ينتظران..

وقتها رغبت في أن أرى الشريط.لم تطلّ عليّ السيدة ذات العينين الجارحين.استقبلني وجهها الآخر الصبوح ذو الابتسامة الرقيقة، وزعت السمك على بيتين في Nørrebro، وانتعشت لحمام دافئ، ثم استرخيت على الفراش حتى خشيت أن يغالبني النعاس فيفلت مني الشريط.

أخبار روتينية تبعث الضجر

باولة شلوته يتحدث عن السوق الأوروبية المشتركة

القمح والحصاد

اسرائيل ...لبنان

العراق...إيران..الخمير الحمر ..التاميل..

المجاهدون في إفغانستان..روسيا تنهزم.

التاميل والملف الطويل يتساءل مذيع النشرة:كم كيلومترا يصل ملف التاميل؟

خشيت أن أغفو فيفوتني الشريط، نعمت بكأس شاي، وفي الساعة التاسعة بدأت معه، أيضا عن اليهود، الشريط يتحدث بالإنكليزية، وعيناي مشدودتان إلى الترجمة الدنمركية...الدنماركية صعبة.من حسن حظي أني فلتُّ من بلدي في سن العشرين.ذاكرتي ساطعة ، فتعلمت اللغة بيسر، وكم رغبت أن يدبلج التلفاز الدنماركي الأفلام الإنكليزية مثلما يفعل الألمان.تابعت معظم الكلمات، البطل يقيم علاقة مع شابة يهودية.يبدو متردّدا.تقول له قبلني .ضمّني.خذ شفتيّ.يعجب بوشم فراشة على فخذها، وتكاد البطلة تيأس منه، وتحاول أن تسقيه شرابا سحريا يقضي على عقدته.

ليس هناك من موت

ولا قتل

ولا معسكرات اعتقال..

لم أبتعد عن التأويلات التي قادتني لأن أغفو، هي العفوية التي دفعت سوزي أن تخبرني عن الشريط، لا أظنّها تضمر شيئا.رأيت أكثر من شريط على قناة كوبنهاغن أغلبها يخصّ اليهود ومعظمها تنتهي بالموت.هناك من ماتوا في معسكرات الاعتقال، ورأت شريطا عن يهود يهربون عبر البحر ويموتون.

كنت أحسب أن سوزي ستتصل بي أو أمها وتيقنت أن العائلة توصي على سمك الكارب كلّ أربعاء.هذا ماحدث فعلا.لا أزعم أن الأمور كانت تأتي مفتعلة أو خُطِطَ لها من قبل، أما ما أواجهه، فهو وقائع عادية لحياة يوميّة لا دخل فيها للمصادفة أو الافتعال.

قد أكون ساذجا حين أشغل نفسي بمثل هذه الأفكار فبعد بضعة أيامٍ انعطفت ثانية على محلي .كنت أقف على الرصيف أمسح الواجهة حين رأيتها تهبط من الحافلة وتعبر الشارع.

كانت تأتي إليّ..

ارتياحٌ ما يراودُني:

- تفضلي هذه المرة سأعمل لك شايا.

ودخلت، فأزحت لها العارضة، ارتقت الدرجات الخمس برشاقة:

- شكرا

- رأيت الشريط؟

- سهرت معه فقد اعتدت أن أستيقظ مبكرا.

- هل أعجبك ؟

- رومانسي كوميدي وأعجبتُ جدّ بالفراشة إنها نقش رائع على رجل الممثلة.

كان نقش الفراشة على فخذ الممثلة غير أني تعمدت أن أتحدث بالعموميات خشية من أن أثير شكوكها.

فواجهتني بابتسامة خفيفة تدلّ على الرضا:

- نحن بحاجة إلى أفلام تشيع الراحة والمرح فينا في هذه الظروف.

- ما تقولينه صحيح حياتنا اليومية متعبة فأنا أذهبُ كلَّ يومٍ إلى البيت بعد تعب وإرهاق ولا مجال عندي للتسلية سوى التلفاز وكلّ مانسمع وما نرى يثير فينا الإزعاج على مافينا من تعب وإرهاق(انتبهت إلى حشرجة الماء في الوعاء وتصاعد البخار)حلو؟

- ملعقتين فقط.

عدت بالكأسين وأنا أواصل مبديا بعض التذمّر:

- كلّ مساء إما أخبار الحرب أو السيد باوله شلوته يناقش مسألة التاميل.

ضحكت، وعقبت:

- ستأتينا تجربة الفضائيات والصحون التي تغزو الأسطح في بعض الدول بأشكال أخرى متفاوتة بين الرقص والغناء والعنف أو الطبيعة ولنا أن نختار.

- أظنّ سعرها في البداية يكون غاليا مثل الهاتف النقال.

صوت الجرس، يتلوه صرير الباب..زبون دنماركي يسأل عن فيليه السلمون ثمّ أصعد إليها:

ارتشفت رشفة خفيفة:

- سنرى إذن!

- كل اختراع في البداية يكون غاليا ويبدو كماليا مثل المذياع و التلفاز والثلاجة ثمّ يصبح لا يفارقنا.

- أمس سألت عن النقال سعره لايقل عن 3500 كرونة كم كان يوفِّر عليّ الوقت .

- في المستقبل يصبح أرخص بكثير ولندع ذلك للأّيّام.

أعود إلى الشريط بعد صمت قصير:

- لكن قولي لي ماذا تعني الفراشة على رجل االبطلة؟

فهزّت رأسها تتأمّل لحظة وقالت:

- لا أظنّ تحمل معنى أبدا سوى أنها مجرّد وشم جماليّ.

فترة صمت ورشفة أخرى، عيناي تحومان عند الدرجات والعارضة أتحاشى إحراجها.

عالم من الخفاء يسري في داخلي.

تختلف عن أمها، وعن بطلة القفز بالزانة ذات العينين الزرقاوين التي حصدت الميدالية الذهبية في الألعاب الأولمبية.هو الماضي البعيد يأبى إلا أن يقتحم اللحظة..جنبها بالضبط على المنصة لاعبة صينية رفضت أن تمدّ يدها إليها.ارتحت..وهتف أبي عاشت.قالت أمي الصين عظيمة، وصفّق أخي في هذه اللحظة أجد سوزي تختلف هي الوجه الآخر الذي يخلو من أية حدة وقسوة:

وديعة

ناعمة

مثلي تهرب من العنف:

- هل أعجب والدتك السمك؟

- جدا ...كان لذيدا جدا..

- يبدو أنكم لم تجرِّبوه من قبل.

- الحقيقة سمكنا المفضل دائما الكارب وسمك إبراهيم والسلمون أحيانا ولا أظن جربنا الأنواع الأخرى.

- يعني ترغبون أن أجلبه لكم فهو أرخص الأنواع؟

- هذه الأربعاء نحتاج إلى كارب وسمك إبراهيم.

- عن السعر سأجعل لكم تسعيرة خاصة لن أسجل ما أبيعه لكم في الحصالة .

وخرجت ممتنّة وفي عينيها شكر وغبطة..انتظرت لحظة تبتعد خطوات ووقفت عند الباب كأنّي أمسح الواجهة..تابعتها وهي تسير باتجاه المنعطف حتى انحرفت عند الشارع الفرعي وغابت عن بصري.. ، هل بدأت أغالط نفسي:

الأسبوع نفسه...

الشارع الرتيب

الضجر

لم تتغيّر مجريات الأحداث..كلّ ليلة أرى العنف..أو اتعمّد أن أراه وعلى أقلّ تقدير أسمعه بملاحقتي المذياع..في الفجر مع السمك..خلال النهار أقطّع السلمون وأسلخ الجري الأملس، أصفّ الأخطبوط جنب الحبّار..من قبل لم أكن لأشعر بالوقت ولا الضجر فرحة جارفة غمرتني وأنا أفتتح المحل.كنت أعدّ الشارع الرتيب خصما أهزمه ذات يوم، وقد هزمته بشارع بديل بهي حيّ على شفا مقبرة، فأيّ فراغ يدفعني للعزلة حين تتأخّر سوزي؟وكان أثقل الأيام يوم الأحد، أقضيه في تنظيف البيت إلى الظهيرة ثمّ أتمشى على ضفاف البحيرات ، وبعد ساعة أعود إلى البيت.

أحس أن العالم يموت هذا اليوم.

كنت داخل الثلاجة الكبيرة أنزح بقايا الماء حين رنّ جرس الهاتف.كانت سوزي:

- هل أنت متفرّغ غدا الأحد؟

- ليس هناك من شغل لدي.

- أتحب أن نلتقي في مركز المدينة أدعوك على فنجان قهوة.

- يسرني ذلك.

سأخرج معها مثلما خرجت مع عبير.لا أخدع بصري ولا حواسي هناك واقع جديد أعيشه وأنسجم معه.مابيني وبين الماضي انقطع وقد لا يعود.

كنت أستقبل بعد هاتفها يوم الأحد ببعض التفاؤل.انتظرته بفارغ الصبر، المرأة التي بعثت فيّ بعض الخوف أوّل مرة تجعلني أرتاح للقائها وتخرجني من يوم كئيب.انتظرتها عند مبنى البلدية.هبطتْ من الحافلة فاتجهتُ إليها.هذه المرة عانقتها وطبعت قبلتين على خديها شأن الدنماركيين والدنماركيات حين يلتقون.أحسست أننا أصبحنا صديقين في وقت قياسي.أصداف السمك جمعتنا فنسينا رائحته.كان ممكن أن ألتقي فتاة أخرى بشكل آخر: الديسكو..المدرسة.كافتريا.. غير أن هناك رهبة وبعض التردد جعلتني أحسب ألف حساب لأية علاقة أقيمها مع الدنماركين أو العرب.

- أتحبين أن نجلس في سكالا

- هناك مكان أهدأ

- مثلما تحبين.

ونحن نعبر الموقف باتجاه شارع المشي:

- سكالا أول مقهى ارتدته بعد وصولي الدنمارك.

وانحرفنا إلى شارع فرعيّ ضيق .قادتني ألى مقهى تزدان بوابته القديمة بزخرف لأمواج وسفينة تتصارع، فوقها، على العارضة العلويّة لافتة تتلألأ بعبارة Skibscafé.

- شاي أم تحبّ شيئا آخر؟

هل تكون دعوتها لي ردا لهدية السمك التي قدمتها لهم؟:

- دعيني اليوم أكسر عادة كل يوم ليكن قهوة بدلا من الشاي.

طلبت كوبي قهوة وقطعتي sneglekage[iii]. قالت:

- تقضي يوم الأحد وحدك في البيت؟

- هو يوم راحتي الوحيد.

- أليس عندك أصدقاء هنا؟

قالت ذلك وهي ترتشف بعض القهوة، فرفعت الكوب أجاريها:

- لا أبدا معظم الذين أعرفهم زبائن من العرب أو العراقيين ، ولا أذهب إلا يوم الجمعة إلى المركز الإسلامي الذي معظم الذين يرتادونه من المغاربة والباكستانيين أعرض هناك بضاعتي لاأكثر.

ورفعتُ الكوب ثانية فلفحت أنفي رائحة البخار وتحسست لذّة المرارة بطرف لساني وأسفل لهاتي، قالت:

- وكيف كانت رحلتك من بلدك إلى هنا؟

هذه هي السنة الثانية تمرّ..فضول أم شفقة أم إعجاب؟أنا نفسي لا أعرف كيف فاجأتني الحرب حين كنت خارج بلدي.جبن أم خوف..موقف سياسي.لاعداء لي مع الحكومة. لا أنفي أيّ احتمال..أعطوني اللجوء الإنساني:

- أنا طالب معهد نفط في السنة الأولى.كنت أرغب في البيطرة غير أن الكومبيوتر وضعني في النفط على وفق المعدّل، وخلال سفرة لنا نحن الطلاب في الأردن اندلعت الحرب ربما من دون تفكير أو تخطيط التقطت أنفاسي فهربت إلى هنا.

فكرت

صفنتْ قليلا

ابتسمت:حسنا فعلت. (أضافت) لديك إخوة وأخوات؟

- ثلاثة وأخت أنا الأوسط (وأضفت)

- من حسن حظي أني اخترت الدنمارك لألتقي شابة رقيقة لطيفة مثلك!

- شكرا جزيلا يسرّني أن أسمع هذا الإطراء منك.

لم أخطئ إذن مجاملة في محلها، وجاء دوري لأسألها:

- أنت في الأساس من آرغوس؟

- وُلِدْتُ هناك .أخواي روبي و يواكيم أكبر منّي بقيا يتابعان تجارتهما في آرغوس أنا جئت مع أبي وأمي.والدي يعمل في تجارة القمح والشعير.. في الأساس لدينا فرع في كوبنهاغن ومكتب في آرغوس وقد ارتآى والدي أن يصبح فرع كوبنهاغن هو الرئيس.

ومرت فترة صمت قضمنا خلالها بعضا من قطعتي ال Sneglekage.كان الشارع الضيق القديم هادئا والوقت مايزال مبكِّرا ..أتجاهل ساعة يدي وأبحث في الحائط عن شئ ما يشير إلى غير الزمن الذي وجدته رتيبا في أيام الأحاد قبل هذا الأحد:الحائط مسكون بلوحات لسفن قديمة:واحدة تصارع الموج كما في الواجهة الخارجية لكنها أصغر منها ولوحة كبيرة لسفينة ترسو على ساحل تؤذن حركة الناس فيه أنّ السفينة على وشك الإقلاع، وأسفل المصباح المستطيل الخافت لوحة صغيرة لسفينة من غير شراع.. يتلوها في زاوية الجدار تمثال لحورية البحر التي تنظر إلى البعيد..كان موعدنا الساعة العاشرة، فتناهت إليّ دقّات ساعة مبنى البلدية وهي تعلن الحادية عشرة، فابتسمت، واتسعت ابتسامتي.قلت:

- مادام يوم الأحد طويلا ومملا مارأيك أن نمارس فيه خلال الصباح رياضة المشي ؟

- إن كان الأمر كذلك فيمكن ألا يكون الأحد القادم؟

- كما تشائين براحتك.

- على فكرة أمي تبلغك تحياتها وتشكرك على الهدية في الوقت نفسه تدعوك على غداء الأحد القادم أهذا يناسبك؟

هل هو هاجس أقرب إلى الشكّ حين أراها وجدتْ فيّ واحتها الشرقيّة الدافئة من دون أن تكّلف نفسها فتسافر أو تهاجر..مثلما تسافر أيّة دنماركيّة إلى أعماق أفريقيا وأقصى آسيا لترى أشياء غريبة وتلتقي الشمس بشكل آخر.. لا أقول تطمئن حين تلتقي شخصا من هناك ..لايحمل السلاح بوجهها بعدئذٍ أستبعد أيّ احتمال يخدش صفاء اللحظة التي أنا فيها.لا أحمِّل الأمور أكثر مما تحتمل ولا أتهمُ المصادفة...لست جنرالا تتجسَّس عليّ ولا بالسياسي الذي تختلس منه الأخبار وتقتنص الأحاديث الضالة، وزلّة اللسان، سمّاك ورث المهنة عن أبيه وعرف وهو صبي قيادة السيارة، كنت أسوق في العراق من دون رخصة، هي المخالفة الوحيدة التي اقترفتها هناك، وحين رأت الباحثة الاجتماعية رغبتي في المهنة دفعت لي أجور دورة السياقة، ، هذا كلّ ما في جعبتي عن نفسي..فلا أرسم هالة كبيرة حول نفسي تنغصّ عليّ ما يمكن أن يبعث فيّ راحة لا حدود لها:

- أنا ممتن لها.

- والدتي امرأة قليلة الكلام متديّنة لا تكره أحدا ولها رؤيا خاصة حول اليهود ترى أن تجمّعهم في فلسطين يقرِّب نهايتهم ويقودهم إلى الإبادة .الأوروبيون خدعوهم وكان عليهم أن ينتظروا المهدي المنتظر[iv] قبل أن يهاجروا إلى أرض الميعاد.

- هذا رأي والدتك فقط؟

- بل رأي العائلة كلها نحن من تكتل كبير في أوروبا والأمريكيتين نؤمن بهذه الفكرة أخي روبي هاجر إلى إسرائيل ورجع ..بعد ستة أشهر إعترف أنّه كان على خطأ.

العينان الزرقاوان والنظرة الثاقبة.انبهاري إلى حد الفزع منهما، لا أقدر خلال لقاء أن أغيّره.السيدة التي دخلت عليّ المحلّ لم أكن أعرف دينها ومذهبها لكني ارتعدت رعدة خفيفة من عينيها.كدت أتحجر من الذهول وعندما عرفت أنها يهودية ارتسمت في فكري من حيث لا أشعر صورة بطلة الأولمبياد الأسيوي التي تنظر إليّ بعينيعا الزرقاوين الحادّتين، كنت أنظر العلم ذا النجمة السداسيّة الزرقاء فأرسم في المدرسة مثله مثلثين متداخلين أحدهما قاعدته للأسفل والآخر للأعلى ثمّ أقطع رأسه العلوي، أما ما أسمعه من سوزي فهو مختلف تماما:

ناعم

لطيف..أنيق

خفيف كظل شجرة

لا أنفي أنّها قد تكون توجستريبة مني في اللقاء الأول ..تحسَّسَت..شَكّت ..ولم أندم لأنني – بعد هذا المشوار- كشفت عن نفسي لها مصادفة أو عن غير وعي مسلم شيعي لا آكل إلا سمكا بأصداف، وهناك دولة تهتف كلّ يوم: الموت لإسرائيل ..الموت لأمريكا.بعد هذا المشوار أصبحت أتحرر من توجسي القديم..خلال الأسبوع ، أتصلت بي السيدة يانسن كانت تسألني بصوتها الجاد الرزين ذي الملامح الخشنة عن الكارب ، وذهبت بالشاحنة يوم الأربعاء، فاستقبلتني عند الباب بابتسامة باهتة حاولت أن أتحاشى عينيها مع ذلك لم أرهما حادتين..زرقاوين من غير حدّة ولا صرامة ، وأكاد أجزم أن تكاد تكون تمثالا بعينين زرقاوتين يطالع القريب والبعيد بتأمل عميق كالروبوت.أشعر أنّي نجحت لم أعد أتحسس وأتساءل مع نفسي قبل أن أسلمها السمك وأعود للشاحنة إذا كان الأمر كذلك فمن أين جاءت سوزي باللون البني .أمامي يوم الأحد واللقاء الذي يطول:

هل مازالت سوزي في الجامعة.

اليوم تأتي متأخرة عندها تطبيق في يولاند.

السمكة جاهزة .

كم ؟

- سأتحاسب مع سوزي.

- فقط أريد أن أعرف.

50-  المفروض 80 لكن

قالت كأنّها تختلس شيئا فتداريه بابتسامة خفيفة:

- شكرا

وفي عصر الجمعة مرت بي سوزي قادمة من الجامعة كانت تشكو من إرهاق أسبوع قضت أيّامه مع الاستاذ وزملائها في يولاند، يدرسون الصخور.تقلهم حافلة الجامعة مبكرا وتعود بهم نهاية النهار، كنت أصغي لها باهتمام وتتحدث إلي كأنّ شأنها يهمّني.وحين انتهت من الحديث وحاسبتني على سمك الأربعاء التقطت قصاصة ورق من محفظتها وقدمتها لي:

- هذا رقم البيت.

- شكرا لك آمل أن يكون في منزلي هاتف آخر غير هاتف المحل (أكدت باهتمام وجِدّ) أحاول بعد انتقالي إلى المحل الجديد أن يكون اثنان أو انتظر الهاتف النقال!

وإذ حل يوم الأحد بدوت أنيقا.سرّحت شعري الذي لم أهتم بتسريحه، ومعالجته بالجلّ.هي علاقة من نوع خاص، وظروف العمل لا تسمح لي أن أقضي وقتا في أناقتي.

يوم له طعم مختلف.

بعض الغيوم انتشرت عند الصباح ثم تشتت وتلاشت.

كنت أدخل منزل العائلة اليهودية من دون أن أشعر بعقدة ما.

رهبة..

ذنب...

لم أنس أن اصحب معي طاقة ورد ملونة.اضطررت أن أحضرها قبل يوم، ولم أنس أن أجلب معي سمكة سلمون..وجدت سوزي عند الباب فقادتني إلى الردهة وغرفة الضيافة.فلفت انتباهي ترتيب البيت وأناقته، ومسحة الفخامة التي لا تكاد تخلو من بساطة، أما الجدران الزيتية الألوان فلم تضمّ إلا لوحة للسيدة يانسن وهي العشرينيات من العمر بجانب زوجها. بدا أقصر منها، عيناه واسعتان صافيتان لم تثيرا فيّ أيّ انطباع.

أكثر طيبة

سهل ..متسامح

حاد الذكاء

هكذا رأيته

وكانت صورة .سوزي وصورتان أخريان لأخويها منتصف الجدار الآخر المفضي إلى غرفة الطعام، ثمّة على يمين تلك التشكيلة من الصور إيقونة لشمعدان ونجمة كنت قد رسمتها وقطعت رأسها ذات يوم .لم أسرح إلى الماضي البعيد بحماس مفرط بعد، فتجاوزت شرودي على وقع صوتها :

- إذن ستغلق هذا المحل القريب منّا؟

- أجل ياسيدتي

- وأين محلك في شارع Nørrebro عند محطة القطار؟

تستطلع وأنا مازلت أتحاشى النظر إلى عينيها إلا ماندر خشية من أن تقرأ أفكاري أو تدرك حرجي.، فتخمّن أنّي تلاعبت بنجمتها ذات يوم وأنا في سنّ الثانية عشرة من عمري..مررت بهذه التجربة مع شرطيّ أول ما وصلت الدنمارك إذ راح يوجه لي الأسئلة ولا ينظر، وشيئا فشيئا تعوَّدت أن أطيل النظر إليها:

- لا بداية الشارع من جهة مركز المدينة.

- آ ليس بعيدا عن المعبد

عادت سوزي بصينيّة عليها وعاء، وعلبة قهوة، وأخرى فيها أكياس شاي، وقالت تلاطفني:

- الذي أعرفه أنك في المحل تشرب الشاي وربما شربت القهوة في الكافتريا مجاملة هاهو الماء المغلي واختر ماتشاء.

قلت بشئ من الارتياح:

- في العراق اعتدنا مثل الإنكليز على شرب الشاي بل ندمنه ولا نشرب القهوة إلا في حالات خاصة وقد الفت القهوة هنا في المدرسة وكورس العمل وأفضّلها في غير العمل والبيت.

وسألتني:

- سكر حليب؟

سادة

خيل إليّ أن سوزي بدأت ترفع الكلفة بيني وبينها، والأم أصبحت أكثر ليونة، فشعرت ببعض الألفة:

- قلت إنك من العراق؟

نعم.

+من أيّة مدينة من العراق؟

+من الجنوب ..البصرة !

- كان عند زوجي في آرغوس بالوكالة عامل عراقي أظنّ اسمه كاظم شاب وصل إلى الدنمارك عام 1963 بعمرك حينذاك أخلص في عمله، في ذلك الوقت كانت هناك مجزرة بحق اليسار والشيوعيين.

- الآن سيدتي الحروب تدفع الكثيرين للهرب والمجئ إلى اسكندنافيا عن غير وعي. وقد لايكون اللاجئ ينتمي لأيّ تنظيم أو حزب سياسي.

- جئت مباشرة؟

كانت هناك رغبة تلحّ عليّ الا أذكر تفاصيل الرحلة:

- لا من عمّان.

تدخلت سوزي كأنها ترغب في تغيير الحديث:

الإنسان دائما بطبيعته يبحث عن الأمان وراحة البال.

وعادت السيدة يانسن إلى الحديث:

- من قبل كان اللاجؤون الى الدنمارك من اليسار واليمين الهاربون من شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي يمينيون ومن آسيا وأفريقيا يساريون.الآن إسلام ومسيحية وسنة وشيعة هذه أمور غريبة على المجتمع هنا.

سوزي بتأفف:

- عالم مجنون حقّا..

انتبهت إلى أنها ثبتت عينيها بعينيّ كمنوم مغناطيسي:

- وهل نويت العودة إلى بلدك حال انتهاء الحرب.

- لا أظن

فنهضت وقالت:

- أحسن ابحث عن مستقبلك هنا. (والتفتت إلى سوزي):سأذهب إلى المطبخ، وتوقفت عند الباب لتضيف شيئا خطر ببالها:

- لاتنسي أن تتحدثي عن العمل مادمت لاترغبين في الوكالة وأضافت بالعبرية بعض الكلمات..

اغتنمت فرصة غيابها فقلت أحاول أن أمحو بعض مارسمته من صورة قديمة ولا أظنّني أغالط نفسي :

- أمك لطيفة..

- لكن ّالسيدة أوريت حديّة إلى درجة مزاجيّة إن رضيت عن أحد رضيت عنه إلى الأبد.

التفتُّ إلى أنّها اختارت اللحظة المناسبة لتعرّفني باسم أمّها:

- ماذا عنّي..

جدا...اقتنعت بك إلى درجة أنها قبلت فكرتي بالعمل معك.

- لم أفهم ماذا تعنين.؟

 - اشتغلت منذ الثانوية أيام العطل والصيف في مكتب أبي، والسكة الحديد.وفي مخبز..

Praktisk?

نعم أووه عدة أعمال في التنظيف أيضا، والفكرة

 ***

د. قصي الشيخ عسكر

 ...............

[i] فلم أمريكي عنوانه I love you بطولة Peter Sellers,

[ii] تقابلها بالعربية لا شكر على واجب أو هذا قليل جدا أو بالإنكليزية:don’t mention

[iii] نوع من المعجنات الدنماركيّة.

[iv] في الدنماركيةvejleder مركّبة من كلمتين vej=طريق وleder =قائد أي رائد أو قائد الطريق وهو المخلص عند ايهود والمسيحيين والمهدي عند المسلمين.

إلى الشهيد البطل

(سهيل الشِّمري) ..!

***

ماذا أقول و كان عدُّكَ ستّه

أبليتَ عُجْبَاً ثم وحدكَ مِتَّ

*

أصررتَ أنْ لا .. لن تكون بذلّةٍ

دافعتَ حتى في دفاعكَ فزتَ

*

يا أيّها الضِّرغام في (تلِّ الإبا)

(الباجَ) تَوَّجَ بالرجولةِ أنتَ

*

لم تعطِ نفسكَ يا أبيُّ بـ(نينوى)

للمارقينَ .. فما لويتَ ولا انخذلتَ

*

يا أيّها المِقدام دونَ منافسٍ

رمزاً عظيماً يا مقاتلُ صِرتَ

*

رحماك يا بطلاً تقاومُ واحداً

كيما تُمَجَّدُ بالصَّحائفِ قد كُتِبْتَ

*

و ﷲِ موتُكَ لا يعادلُ عيشةً

بالذُّلِّ في أيدي الدَّواعشِ لو وقعتَ

*

فاصعد لواءً في السَّماء مرفرفاً

في لونِكَ القانيِّ حين صُبِغْتَ

*

فإليكَ يا عنوانَ فتوى خُضِّبَتْ

بدمِ المفاخرِ يا مُقاتلُ فافتخرتَ

*

يا أيّها المولود ليثاً ضيغماً

بطلاً من الرَّحم المُطَهِّرِ قد ولدتَ

*

يا أيُّها الممهورُ رمزاً خالداً

الغادرون إلى الهزائم وانتصرتَ

***

رعدالدخيلي

١- استجابة

أهذا الدوّيُ الأَبلَجُ المترسبُ في قَعْرِ الصمت

لعنة؟

شَجْب؟

ام ممانعة

تُوقدُ الخيبة على تخوم أعوامٍ تكدست

عند تغريبة العمر؟

حسبي مرافئ قارصة

مُسهِبةُ الشحوبِ

ويوم نحيل

علقتُ فوق ذوائبه لغتي

عَلّني أفتح حممَ الخَرسِ

استجابةٌ عاقلة

لعدم بلوغ الأبجدية سِن الاستنفار

**

٢- إصرار

على مدى ستين موجة

ستين وَرْطَة

فصلت تكويني بمقاس ذلك السعير

موقنا

ان طعم خطاي على مدى الستين

يعكر المألوف في ذائقة الدساتير

لكني لا أكترث

استطرد حثيثا

امنح المضي حكمة المقاصد

**

٣- استعلام

أيها العمر الملبد بالحروب

كم من القصائد والاستغاثات

تطرق ظهر الأيام

ليبان الخيط الأبيض من الفجر؟

***

عبد الستار جبار عبد النبي

ساندنس ٢٠١٦

يكاد البرق ان يخطف خضرة شجيرات الآس في مزرعتي المهجورة داخل جمجمتي اللعينة.. شح عليها المطر وتلاحقها عواصف متربة تضربها يمينا وشمالا.. في باب داري تناثرت اوراق باهتة مصفرة لا تكاد ان تحل شفراتها بالعين المجردة.. ربما تحكي حكايات وأسرار المدينة وتحمل عبق تأريخ منسي.. وتحكي قصص الصبايا التائهات بين ضجيج الوليمة..

في احدى زوايا مسرح المهرجين كان هناك عصفور يرقص فرحا للأيامه القادمة.. كأنه توا ولدته الحياة وكانت أمنيته ان يغفو بأمان ملء جفنيه.. وبالأمس القريب خرج من قبو تحت الارض لثلاثة عقود خلت انتشى الطائر وافرد جناحيه.. كان صبره ترياقا لتلك السنين..

وصلتني أوراق باهتة حملتها ريح ذات يوم في شهر خارج التقويم.. ريح متربة بعاصفة هوجاء غير رحيمة.. مذ كنت طفلة عنيدة.. كنت اقضم اظافري بعيدا عن انظار الآخرين.. وكانت أمي تتشائم كثيرا مني وتوبخني بقسوة لاذعة.. حذرتني ان لا اشعر بحالة من خوف اثناء العاصفة.. لكن. نبوءة المرأة الغجرية صاحبة العينين الخضراوين لازالت تطارني حتى في منامي.. كانت المرأة الغجرية تتجول في الطرقات والأزقة وتتنقل بعربتها التي يسحبها حصان شرس وحوذي ثرثار.. والغجرية تعرض خدماتها على نسوة الحي لكشف الطالع ومعرفة الأسرار فقد أخبرتني اني سأبقى أقضم أظافري وحتى أصابعي وستبقى عادة تلازمني الى الأبد وقالت.. ان زورقك سيغوص بين رمال صحراء مجهولة.. ليتها تنبأت عن ظهور الدجال وعن يأجوج ومأجوج.. وليتها أجابت عن سؤالي لماذا صلب المسيح.. ؟؟؟ ولماذا يثرثر حوذي العربة ويقول ما لا يفعل ويتباكى بين الفينة والاخرى.. انه لا يمتلك حتى قوة يومه.. وبين تجشؤه تخرج الكلمات

خطر سؤال في مخيلتي الصغيرة بشأن الصحراء المجهولة وكيف يغوص بها زورقي ولماذا.. لكن الغجرية غادرت المكان فحاولت اللحاق بها متقطعة الانفاس ولكن المطر ما زال ينهمر بغزارة فعدت ادراجي منكسرة الخاطر.. وكان المطر عزائي..

كانت امرأة أربعينية تشبه ممثلات السينما لكنها كانت بسيطة الملبس تتدلى من جهتي رأسها مجموعة من الأحجار الكريمة نضدتها الواحدة فوق الاخرى وحسب حجمها ثم تنتهي بأكبر تلك الاحجار تشع الوانها المتعددة والتي تشبه القوس قزح علقتها فوق وشاحها المذهب بخيوط لامعة

واتذكر في طفولتي تلك العاصفة المتربة ولا اكاد انساها أبدا رغم تقادم السنين لا اتذكر تأريخها لكنها كانت ساعة الفجر حين سمعنا قرعا على باب دارنا كاد ان يقتلعها.. واصلت سيري بحذر شديد.. انه رجل ضخم الهيئة مهيب الوجه اقتاد أبي رغم توسلاتي وأخوتي وصراخنا المرير.. كان أبي يهدّأ من روعنا وهو يردد.. .سأعود قريبا.. سأعود قريبا..

بدا تصرفه وكأنه يعرف كل شيء وقد استسلم بهدوء تام.. استدارت السيارة وارتفع صوت عويلنا ولم اعد اسمع صوت ابي

وحين استيقظت هرعت الى أمي وجدتها انسانة غريبة الأطوار لا تعير اهتماما لما يحدث في الأرض وكأن روحها تئن وجعا على أمر جلل ساقته العاصفة الهوجاء..

لم أدرك وقتها سبب تصرفها ولم أفهم ما تتحدث به ربما كانت تبسمل وتحوقل وتتعوذ من الشيطان.. ثم أردفت بلهجة قاسية.. تبا لرؤيتك المنحوسة التي تبدو بلا أمل..

تتخاطف سيارات الاسعاف ويعلو ضجيجها بين الزحام الذي لم يعد يفسح مجالا لموضع قدم.. كل يوم يموت عصفور صغير قادته قدماه الى ساحة تشبه ساحة سوق عكاظ مع اقرانه خلال تلك العاصفة.. كانت العواصف كثيرة وموت العصافير غدى أمرا مألوفا.. بعضهم يلقي قصائده المتأججة والبعض الآخر خذلتهم حبيباتهم وماتت في صدورهم الكلمات كأن لعنة الفراعنة قد حلت بين صفوفهم.

اقشعر بدني من تلك العاصفة وتلك الاوراق المتناثرة هنا وهناك.. هذه الليلة تذكرت عيني أبي الوديعتين وتمنيت ان انقل له خبر موت العصافير فهو قد قرأ كل تأريخ العالم ويرى ان ذلك خرافة لا محال..

الذئاب تنهش مخيلتي.. كنت اتابع أخبار التلفاز مع ابنائي حين تحدث أحدهم من قناة مجهولة قائلا.. ان هناك حريق مروع في سوق عكاظ الذي يكتظ بالناس في وسط المدينة..

وحين مرّ موكب الملك المفدى لم يعر اهتماما لذاك الحريق ولم ينتبه ايضا الى موت المئات من العصافير اليافعة الجميلة.. ولم يلتفت لعصفور البراري الذي حاصرته شبكة صياد معتوه غير مبال بأحلامه الندية وآثار أقدامه فوق رمال الشاطئ ليلة أمس مع أنثاه يأكلان ويمرحان ويجمعان عيدان الشاطئ لعشهما الجديد..

انجذب المعتوه لذاك العصفور وأخذ ينتف ريش جناحيه فكانت لعبته المفضلة ان يمسكه من خلال حزمة ريش بأم راسه فيتدلى العصفور المسكين بجسده راقصا على نغمات.. (شلون امك تركص بالعش)

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

لم تتضمّن رسالة صديقتي مريم سوى كلمة واحدة آمرة " شاركي!"، وكان هناك ملف.

ترى ما الذي تريدني أن أشارك فيه؟

فتحت الملف. إنّه إعلان لمسابقة في القصة القصيرة. مريم تعرف عشقي للقصة وتتبّعي لأخبارها. كثيرا ما حدّثتها عن أمنيتي في الحصول على جائزة أهديها للطفلة التي تسكنني لكي أرضيها وأرى الفرح يملأ ماضيها. فتحت الملف ورحت أقرا شروط المشاركة. جيّد. لا وجود لشرط السن. متعبة تلك المسابقات التي تصفعكِ بــ " تحت سنّ الأربعين "!

 يا لحظ الأنثى. كأن لا يكفي أن وسموها بيأس أنثوي مع حلول الأربعين!

كان عليّ أن أنهي وأراجع بعض النصوص القصصية لكن المشكلة هي الوقت.

 الكتابة قضيّتي وأنا قضيّة الوقت!

 المثير للقلق أنيّ سأكون مشغولة جدا. حماتي وحماي سيعودان من مكة المكرمة بعد يومين، وبما أني كبيرة " الكنّات" في عائلة زوجي تقع على عاتقي مهمة التحضير للمناسبة والاهتمام بكل ما يلزم لوليمة العمرة لكن المفرح أنّ الأربعين غير موجودة في هذه المسابقة. لا وجود للأرقام. ستكون الحروف فقط.

الأرقام مدهشة لكن الحروف مدهشة وخلاّقة .

 لكن مهلا. مهلا. ما هذا؟ هنا؟ (مجموعة قصصية لا تتعدّى أربعين صفحة ) يا للخيبة. لماذا ليس اثنين وأربعين مثلا أو ثمان وثلاثين؟ ما سرّ العدد: "أربعون"؟ ولماذا أصادفه حيث ولّيت قلمي؟

 حسنا. عليّ أن أجد الوقت لكي أكتب.

 ما العمل؟ كيف أحوّل أربعين صفحة بيضاء على حاسوبي إلى حقول من الأبجدية؟ ليست مشكلة. هذا أهون من شرط السن. تستطيعين إضافة صفحة أو أكثر لكن مستحيل حذف سنة أو اثنتين من عمرك.

 نعم. شرط مقدور عليه. لم يصل خيالي سن اليأس وشهيّتي للقص مفتوحة. ليحفظك الله يا أمي. زاد حكاياتك لم ينضب. رغم أنّ الواقع مختلف تماما عمّا رويتِه لي. لا الجميلة الفقيرة تزوّجت ابن السلطان ولا الفارس المغوار قتل الغول ذا العين الواحدة، ولا أحد عثر على الكنز المدفون في حقل الذرة. (عرفت حكايات خوخو في حجر جدتي قبل أفلام الكرتون، آمنت أن خوخو يأتي في صفة طائر صغير، أو رجل نعرفه. وقد يأتي في صفة حيوان، أو يتحول إلى لعبة نشتهيها، فنحملها إلى البيت فيعود إلى صفته الأولى)1.

نعم.. لقد أتى خوخو يا صديق الحكاية، أتى على هيئة ثمان وعشرين حرفا، وتحوّل إلى لعبة ساحرة تدعى الكتابة.

عمّ الهرج والضجيج بيت العائلة الكبير. حضر المقرّبون من الأهل والأصدقاء قبل الموعد وبين كلمة مع هذه وضحكة مع تلك وترحيب بآخرين، ودورة تفقّدية للمطبخ، كنت أسرق بعض الوقت وأدخل غرفتي لأكتب والأربعون تحوم حولي. ما سرّك أيها الرقم؟ ما قصتك؟

 لو أن هناك قاعدة أخرى بعد الأربعين قاعدة للعشق؟ ماذا ستكون؟ ربما عليّ أن اخترعها يوما لتصبح" قواعد العشق الواحدة والأربعون". هكذا من باب الخروج من سجن العدد. ثم كيف للعشق الذي يملأ الدنيا ويشغل البشر أن تحدّد قواعده؟ آه. علي بابا واللصوص الأربعون. كنت مجرد طفلة حين قرأت الحكاية في مجلة أطفال مصوّرة. يا الهي! أربعون عدد كبير! مبالغ فيه جدا. لو كانت علي بابا واللصوص الخمسة أو العشرة لكان معقولا وربما موافقا لواقعنا اليوم. الآن أتساءل كيف استطاعت الجارية مرجانة وبكل بساطة أن تقتل بالزيت المغلي أربعين لصا داخل الجرار؟ حين كنت صغيرة لم أهتم ورأيت الجارية مرجانة بطلة . مازلت أراها كذلك لكن الحكاية اليوم تبدو لي ملفٌّقة ومستحيلة. ثم كلما كبر عدد السارقين كثُرت فرص تقاتلهم واختلافهم حول المسروق. السر إذا جاوز الاثنين شاع . ألم يعلمّوننا هذا؟. لعلّ أمثالنا الشعبية وحكاياتنا القديمة تحتاج إلى رسكلة. ربما أفعل ذلك يوما.

نعم. نعم .أيتها العبقرية. الآن عليك ملء الأربعين صفحة أولا.

يطرق باب غرفتي. تطل عبير برأسها من الباب. ابنة أخ زوجي.

 تسألني : قولي . كم حبّة " ماندرين "/ يوسفي / تريدين؟ أربعون، أربعون. أقول دون أن أرفع عينيّ عن الحاسوب. أسمعها تشهق مستغربة، فانتبه. لا. لا . أقصد أربعة . كنت قد طلبت منها أن تحضر لي اليوسفيّ .أحيانا يرافق كتابتي القصة " ما يشبه الوحم" 2 . أبدأ الكتابة وأشعر فجأة برغبة في قضم تفاحة أو فتح كيس من "الشيبس". يحدث أيضا أن أرغب في فنجان قهوة أو شاي. في ذلك اليوم، لم تخطر ببالي القهوة ولا الشاي ولا " الشيبس ". رغبت في الفاكهة، وبالذات اليوسفيّ، فطلبت من عبير أن تحضرها إلى غرفتي وترجّيتها أن تهتم بالضيوف، وأتبعت رجائي بــ " يرحم باباك " وتذكرت أبي وترحّمت عليه أيضا ومرّت بفكري عبارة كان يقولها ( اللي فات الربعين يولّي يعرف الموتى أكثر من الحيّين! ) وفكرت في حكاية الميت الذي تسقط ورقته أربعين يوما قبل يوم وفاته. حين كنت صغيرة ويموت أحدهم كنت أسمع أمي تقول " إيه مسكين..لقد كان معنا وسقطت ورقته قبل أربعين يوما ولا هو يدري ولا نحن ". ورقة! ورقة شجر أم ورقة كتاب؟ ربما ورقة كتاب على أساس أنّ حياتنا كتاب وأنّ كل يوم يمر نطوي فيه صفحة. آه تذكّرت الآن كتابا آخر جاء فيه عدد الأربعين. " الأربعون النووية" . ربما أحمّله وأقرأه قريبا. قرأت أنّ العنوان أربعون بينما الكتاب يحوي واحدا وأربعين حديثا!

يقال أيضا في أمثالنا " من عاشر قوما أربعين" يوما صار منهم. هههههه. ماذا لو عاشرهم اثنين وأربعين يوما، هل يصيرون منه مثلا؟

قالت لي مريم حين تحدثنا عن مشكلة " الأربعين " أخبريني.. هل من يكتب أربعين قصة يصير قاصا؟

 قلت لها لا أدري لكن صدّقيني من يعاشر قاصا أربعين يوما يصبح مجنونا!

 وضحكنا.

 مريم من اللواتي يشبهنني في عشق القصة .آه. تذكرت!يقال يخلق من الشبه أربعين. ليس القصد الشبه في الملامح فقط بل ربما يتعدّاها إلى الروح والطبع والشخصية والجنون. شبيهاتي أين أنتنّ؟ أي مكان يمكن أن يحوي جنونكنّ؟

 حمدا لله أننا متفرقات في هذا الكوكب وإلا كنا أغرقناه في الفوضى.

في اليوم الموعود كان الاستعداد على قدم وساق، بل على أقدام وسيقان. انشغلت كثيرا ونسيت المسابقة والقص والأربعين وبقيت على ثقة بأني سأعود إلى كلماتي بعد أن تنتهي الوليمة.

مع العصر، اتصل زوجي، قال إنّهم في المطار بمدينة قسنطينة وسيكونون بالبيت في حدود أربع أو خمس ساعات

و قبل أن ينهي المكالمة قال لي " هل كل شيء جاهز؟ للعشاء اعملوا حساب حوالي أربعين شخصا!".

***

آسيا رحاحلية

....................

1- من رواية اليربوع/ د. حسين فيلالي/ الجزائر

2- ما يشبه الوحم/ مجموعة قصصية لــ د. حسين فيلالي .

في سباتهم العميق

يلمون الشمل

وفي يقظتهم

يتحرشون بزوجة الجار

*

وعود الجنرالات

لا نؤمن بجديتها

فهي لا تصلح الا معلقة

في صالات عرض

افلام الرعب

*

في دولة العسكر

ثمة جنرالات

ينكرون الجميل

ويجحدون الخير

محتارون بين تسامح ثعلب

وغدر كلب وفي

*

من كثرة الهلع

يزعجهم

ضجيج عربات فارغة

وطنين النحل

وبراميل القمامة

وترتعد فرائصهم

من انتفاضة شعوبهم

*

يسعون في الهدم

ولا يملكون ادوات البناء

من تعاليمهم الميكيافيلية

التغاضي عن فظائع جرائمهم

*

عالم الجنرالات عالم غريب

يعيشون كأنهم كائنات

منذورة للانقراض

يلعبون دور "دون كيشوت"

ولا يحاربون الطواحين

الا بانابيب الماء

*

ما اكثر جنرالات

هذا الزمن الرديء

تراهم يتناسلون في ثكناتهم

كالجرذان

ينامون طول حياتهم

على صوت المكيف

ولا يعرفون كيف يستيقظون

على قصف المدافع

*

حولوا شعوبهم

الى بهائم ادمية

يبددون الثروات الهائلة

ولا يكترثون بطوابير الافواه الجائعة

*

انهم يعانون من انفصال الشخصية

بين لم الشمل وتشتيته

وهم من أغبى الانظمة الديكتاتورية

في حماقتهم وجنونهم

ومرضهم المزمن

***

بن يونس ماجن

 

لن أبتديء من حيث انتهيت،

وأنتهي حيث بدأت،

سأخسر الزمان رهانه حول تاريخ ولادتي،

أجعل العرافات يدركن، أن رملهن كاذب،

وأن الغجر مروا من هنا؛

يوم اشتد مخاض أمي،

أخذوني معهم سبية،

ولم يقطعوا الحبل السري .

لماذا لا أحمل ملامح الغجر؟

مع أني أقرأ خطوط الكف،

أفك هدير البحر،

وأجتر الطريق والخيام،

إلى حيث ألاقي حتفي؟

لا تعجبني هذه البداية،

ولا أظنني أجد لها نهاية مشتهاة .

سأمزق الماضي،

أقتلع الحاضر من جذوره،

في يم السنين ألقيه،

أعيد رسم الكلمات بصمغ المعجزات ؛

أراني فيه أنثى تجيد تدبير الضياع،

ترشيد الاحتراق؛

كيما تحمل الريح رمادها،

فتفقد الحكاية بصمات البداية .

سأكتبني قصيدة عشق ؛ بعثرتها المنافي،

حين لملمتها يد الصبر،

رفضتها مدونة الأحوال الشخصية،

صارت تفاهة مكررة؛

والتاريخ يرفض الاجترار .

الفصل الثاني للرواية …

أختبيء خلف المرآة،

أنادي كل الوجوه العالقة ؛ولا أحد يراني.

استمتعت كثيرا أيامها،

وأنا غياب يثقله الحضور.

الجدران جمهور يحسن الاستماع،

لا يجيد التصفيق.

تبا ..لا شيء يكتمل؛

كيف يكتمل وهو لم يبتدئ ؟

كيف يبتديء، وأنا لم أولد بعد،إلا في امتداد الظل ؟

من حذف الشمس من لوحتي،

كان يرغب في بتر ظلي؛

لأغدو صلاة ضارعة في العتمة،

لا يعرف ملمحها بياض الفجر…

تتلو تراتيل الهذيان في الأوقات المنهوبة،

على سجادة الحيرة،المفروشة على قمة الصقيع.

طالت صلاتي حتى ملني الترتيل.

على خشبة مسرح وقفت،

أقدم عشتار في عشقها الأبدي-دلالها ووفائها-

فاجأتني الخشبة برفضها لمحتواي :

شخصية عصر مجهول،

لا ينتمي إلى الزمان،

لا يعترف به المكان،

فصوله خارجة عن دائرة الكون.

الجمهور يريد بطلة متخمة بالألوان،

صوتها يتأرجح بين المنعطفات،

بكاؤها يعتقل الخطوات،

يمنح التسويف فرصة رحيل نحو اللاعودة.

وأنا …دائما أنا!

أجدني أمامي!

مللت مني:ظهوري يسوس الأفكار،

يجر الحكاية نحو الهزيمة المغفورة؛

تلك التي تلخص ما أود تفكيكه،

تعري ما حاولت دوما تقنيعه،بجمر حام،

يجعل وجنتي تحمر؛

لأسبح كما الغيوم في ضوء الليالي المستعر.

ما رأيكم لو نعود إلى فصول العمر العجاف ؛

حين أقبلت قوافل الحزن،تحمل تباشير اليأس،

رافعة على أكتافها جثمان ربيعي؟

يومها .. فجعت أساريري الساذجة

باليباس القادم،

صنعت عروسا من خشب،

البستها فستاني،

وخرجت مع الصبية في أزقةالهول،

نطلب الغيث من الله.هكذا قال الأولون =

كلما جن الجفاف؛

تخرج الإناث للتضرع إلى الله،

استجلاب الخصوبة =

أشتاتا تاتا ..أوليدات الحراثة ….المعلم بوزكري …طيب لي خبزي بكري.

لم ينضج خبزي،

ولاسد بوزكري جوعي.

كانت أيضا كذبة من الكذبات الكثيرة التي دونت على صفحة رأسي الرمادية،

أثقلت شيخوختي الباكرة؛

حتى استوطن الشحوب مسافات النضارة .

هنا كان لابد من وضع نقاط عبور –

تسهل قراءة النص-،

استبدالالاستفهام بنقط استرسال؛

لتصبح العبارات راسخة المعنى،

تزين المهالك،

وتجعل القهر هواية ؛ تهديء ثورة الفهم.

تعالوا نقرأ دون فهم،

نغير زاوية الرؤى،

نبدأ من حيث لا يرغب الفاعل والمفعول،

ندخل النص من الباب الخلفي،

كما يفعل قراصنة الشعر!

قد نحظى بفسحة جميلة

– بعيدا عني- ؛

لنصلح ذات البين بين السماء والأرض

***

مالكة حبرشيد

 

Get out...

أول قُبْلَةِ شتاء

***

ضبابٌ كثيفٌ

شتاء امرأةٍ

دافئة!

2

شتاءٌ بلونِ البرد

تُمْسِكهُ امرأةٌ

ثلجية!

3

امرأةٌ عاصفة

اقْتَلَعَتْ  جمهورها الشتوي

صفّقَتْ الأغاني!

4

شتائيةٌ عذراء

اكتملتْ أُنوثتها

على أيدي أبيها!

5

بَذْلَةُ شِتاءٍ زيتية

تُعَلِّمُ الهثيم

زَحْلَقة الأرض على حًّباّتِهِ!

6

شتاءٌ قديم الصدور

عاوَدَ سِيرَتهُ

بضبابيةٍ صفراء!

7

شتاءٌ أبْلَه

ختم على فؤادِهِ

الصقيع منطقي!

8

عيون شتائيةٍ زرقاء

حدَّثها الكونُ

عن معشوقتِهِ الصافية!

9

أمس...أول قُبْلَةِ شتاءٍ

طُبِعتْ تهنئةً

على خد المغرب!

10

مات شتاؤها

إسبانيا

 "جِيْت أَوْت"!  get out

***

محمد ثابت السُّمَيْعي – اليمن / تعز

 

النهر يكتم أسراره / المشهد الثاني /ج الأخير

ذلك اليوم خرجت من الدار، أجاور في سيري جدران البيوت في حي الكسرة. كانت الشمس توشم بخطوطها الحمراء  الحافات العلوية للبيوت مبشّرة بظلال مغيب قادم. وضعت البندقية الرشاش نصف أخمص في صندوق كارتوني صغير للعبة صبيان. جلست في المقهى القريب لسوق الكسرة حيث كان موعدي مع وهاب والزبون الجديد. جلست أطالع الوجوه بحذر. قدم وهاب ومعه شاب صغير ضئيل الجسد نحيله. جلسا عند الطرف الداخلي القصي للمقهى. انتظرت أن يكملا شرب ما طلباه. بعدها تحركت خارج المقهى فتبعني الزبون الذي عافه وهاب وذهب في الاتجاه الأخر.

أغلب المرات كنت أختار لعملياتي الجانب الأيمن من الشاطئ تحت جسر الصرافية الحديدي،حيث هناك مكان قريب ومناسب لفحص السلاح واستعماله.

أسفل الجسر مجموعة من الحفر والتلال الرملية الصغيرة. ومع شحّ الماء في النهر امتدّ لسان رملي طويل يسهل المشي عليه للوصول إلى ما يقارب منتصف النهر. المنطقة القريبة تحيط بها مؤسسات حكومية خالية من الموظفين تماماً. حتى البيوت خلت من ساكنيها، خوفاً من المعارك الطائفية التي تندلع بين وقت وآخر في المنطقة. كل ما في المكان يبدو مناسباً وبعيداً عن أعين المارة. ليس هناك مشاة ولا تخطر السيارات بالقرب منه وبالذات عند غروب الشمس، حتى الشرطة والجيش ماعاد لهما وجود قريب من تلك المنطقة. أصوات الإطلاقات النارية تلعلع بين الحين والآخر على جانبي الجسر. الساعة قاربت الخامسة مساءً وثمة ضوء ينسحب إلى خلف البيوت المغلقة والهامدة في جانب الكرخ من الجسر. دخلت المكان بحذر، عاينته جيداً،  ثم لوحت لزبوني أن يتقدم. رأيت غراباً  أسودا نحيلاً حط على سياج الجسر وصاح بفزع ثم طار. شعرت بشيء من الضيق وخطر في بالي أن هذا نذير شؤم. كانت والدتي تقلق وتتبرم عندما ترى مثل هذا الطائر الأسود يحط فوق سور بيتنا، وتبقى اليوم بطوله وهي في حالة تبرم وتأوه، وبمزاج عكر وخصومة معي ومع غيري. أظنني ورثت عنها هذا الهاجس المرضي. تداركت الأمر لا بل حاولت إهماله كي لا يسبب ليَ قلقاً واضطراباً في هذا الوقت بالذات.

حدق الشاب بوجهي وكانت أساريره تنفرج عن ابتسامة مرتبكة خجولة. ران الصمت بيننا بادئ الأمر ثم راح الصبي يتمعن قطعة السلاح.  كان يبدو صبياً في كل ما تحمله تقاطيع وجهه، ويوحي به جسده الناحل. راح يطلق حديثاً غريباً عن حاجته للسلاح، ومع الحديث كان جسده يتلوّى ويداه تتحركان بسرعة وكأنهما ذراعا آلة. مع استرساله في الحديث أبدى بعض النزق والتعابير التي توحي بطفولة غير سوية، وليس فيها الشيء الكثير من الدعة والسلام. كان يرتدي قميصا لماعاً مهلهلاً مبعثر النقوش، ولكن ألوانه تبدو مريحة ومبهجة، ويرتدي فوقه سترة خفيفة بلون أخضر غامق. تركته يتحدث دون أن أقاطعه، فأنا أعرف أن الاسترسال في الحديث سوف يبعد عنه الخوف الذي شعرت بوطأته عليه، والذي تفسره حركة الأصابع  والجسد غير المستقرة. ورغم نحوله كان يبدو بصحة جيدة، متوسط القامة وجهه طفولي يتسم بالرقة. مع كلامه المتقطع المتوتر، كان يدفع ضحكة متكررة خفيفة، لها رنة طفولية محببة. فجأة شعرت بالحنو عليه، وودت أن أبعده عن هذه اللعبة القذرة والخبيثة. ولكنني عزفت عن هذا وأنا أوجه له استفساراً مباشراً.

ـ زين ... أنته تعرف بالأسلحة؟

لم يتردد وأجاب بسرعة:

ـ أي ..أي...جان أبويه عنده مسدس وجان ينطينياه من نروح للمزرعة.

ـ بس اليوم راح تشوف سلاح جديد.

ـ ميخالف..كلشي حلو..أجربه ..

ـ شنو شغل ابوك ..؟

ـ صاحب معمل حلويات..هو مو هنا.. 

ـ لعد وين أبوك..؟

ـ خطفوه..

سهمت وأنا أطالع وجه الشاب حيث كبت عيناه واختفت الابتسامة عن محياه، واستكانت أصابعه متشابكة تعصر بعضها بعض. لعلّ البعض لم يواجه مثل تلك الحالة، ولا يدرك كنهها ولكني كنت أشعر بما يجول في خاطر هذا الفتى. شاهدت في عينيه مقدار الألم الكامن، رغم حركتهما الفزعة المرتبكة. تلك الالتماعة المعبرة عن مغزى أن تكون لوحدك تواجه كل تلك الآثام والرعب المبثوث من حولك. شعرت برغبة عارمة أن أنجز العمل بسرعة وأترك المكان ليذهب الشاب بعيداً عني.

ـ خلي بالك ... البندقية سريعة الإطلاق ..تحتاج أن تكون قويا وتسيطر عليها...هاي مو مسدس..راح أراويك شلون تفككه وشلون تشدها، وبعدين أنته تسوي مثلي ..خوش

ـ أي ميخالف.

سحبت البندقية من الصندوق ووضعتها في حضني ثم نزعت مخزن الإطلاقات وبدأت التفكيك. كان الشاب يراقبني بنباهة ودهشة. أعدت تركيب البندقية ثم سلمتها إليه ليفكك أجزاءها. ارتبك بادئ الأمر ولكني لاحظت بإعجاب قوة نباهته وقدرته على حفظ العملية بدقة مناسبة. في عملية إعادة التركيب نسي من أين يبدأ وكيف يعيد الترباس إلى مكانه، فأشرت له ببعض الملاحظات فقام بالعملية على أتم وجه. ثم طلبت منه إعادة عملية التفكيك والتركيب لمرة أخرى فأعاد العملية بجدية ودراية جيدتين.قدمت له النصيحة عن  كيفية المحافظة على السلاح باستعمال النفط والزيت بين فترة وأخرى، لكي لا يصيب  البندقية الإهمال ويدبّ فيها الصدأ من الداخل.

ـ هسه راح أنجرب السلاح قبل ما تستلمه وتروح الله وياك..

ـ أني هم أجربه؟

ـ طبعاً... لعد ليش تشتريه ..

أعدت مخزن الإطلاقات إلى مكانه وسحبت الأقسام بخفة ثم أطلقت رشقة سريعةً ترددّ صداها في المكان وطار إثرها جوق عصافير. ناولت الشاب البندقية بعد أن أغلقت عتلة الأمان. أخذها بين يديه وهو يطالعها بانبهار ظاهر. سحب العتلة ولكنها امتنعت عن التقدم، فرفع عينيه نحوي وكأنه يتوسلني لتفسير ما حدث. ضحكت ونبهته  لضرورة التدقيق بمجمل العملية، وضع المخزن أولاً، ثم وضع عتلة الأمان ومهمتها في البندقية، ووجوب بقاء البندقية في حالة الأمان عند عدم الاستعمال، ودفع العتلة إلى الأسفل حين الاستعمال، بعدها يأتي سحب الأقسام، وفي حالة الرمي الضغط على الزناد، ومن الواجب أن تسند البندقية إلى حوض الكتف ومسكها باليد اليسرى  بإحكام، وإلا سوف تقفز البندقية ولا يستطيع المرء السيطرة عليها، وربما يسبب هذا خطأً قاتلاً، وإن لم يسيطر المرء عليها بشدة، فإن عملية ارتدادها سوف تؤذي عظام الكتف وأنسجته. ونبهته لضرورة أن يبدأ بتجربة الرمي المفرد، وشرحت له الفرق بين هذا والرمي بالرشقات السريعة.

لم أشأ أن أسأله عن سبب رغبته بالحصول على السلاح، ولم يكن مثل هذا السؤال ليثقل بالي في المرات السابقة أيضاً، فلكل شخص أسبابه ومبرراته، وإن أردت استجلاء مثل هذا الأمر سيكون من السخف أن أجد ما يبرر اقتناعي من عدمه. الأحداث في الغالب تسير ليس بما يظن المرء وبما يطمئنه، ولكن في كل الأحوال ومثلما يقال فإن للضرورة أحكاماً، ولا جدوى في البحث عن الدوافع أو سبب الاقتناع، ومثل هذا الأمر إن بادرت في البحث عنه، سوف يضعني في دوامة الهموم والمشاكل الشخصية للزبائن. وقناعتي أن الجميع تعرضوا لحوادث خلقتها حالة الانفلات الأمني، وهذا بالذات ما يغني عن السؤال.المهم أن المرء لا يستطيع العمل وهو يفكر بهموم الآخرين ومشاكلهم في وقت واحد.

إنجاز المهمة بوقت قصير يعني الكثير، وفي المقدمة من ذلك أن تخرج وزبونك من هذا المكان سالمين معافيين، ودون أن يكون جسدك ممزقاً ومرمياً عند طرف اللسان الرملي تحت حافة الجسر الحديدي.

وضع الشاب البندقية في حفرة الكتف فطلبت منه تثبيتها بقوة وإمساكها جيداً قبل الضغط على الزناد. اندفعت الإطلاقة، واخترقت الهواء بصفير مسموع متجهة نحو الضفة الأخرى للنهر. علت وجه الفتى ابتسامة فخر، وومض بريق غريب في عينيه. لم ينبس بكلمة ولكنه كمن كان يقول ليَ.

ها شلوني ...مو كَدها..

وضع البندقية مرة أخرى في حجرة كتفه بعد أن سحب عتلة الأمان ووضعها في موضع الرشق وضغط على الزناد بعجالة فانطلقت الرصاصات بحدة. تحرك جسده وتمايل بعنف، ولم تستطع يداه السيطرة على حركة البندقية واتجاه الرمي. قفزت وسحبت البندقية بقوة ووضعت الفوهة باتجاه الأرض.

سمعت الصرخة المفجوعة التي اخترقت السكون وتردد صداها بين ضفتي النهر.نظرت نحو النهر، شاهدت القارب المنساب وئيداً. ترنح جسد الرجل ثم سقط في حوض القارب. تأكدت من أن الرصاصات أصابت صاحب القارب الذي كان يتهادى وسط النهر قادماً من الجهة الشمالية نحو الجسر. سحبت مخزن الرصاص وطويت أخمص البندقية ووضعتهما في العلبة وسحبت الشاب من يده وتركنا المكان.

***

فرات المحسن

 

قصّة لمحة

أقسم أنّه ليس هو.

أعرفه حقّ المعرفة.

رفيق الطفولة: لعبنا معا، درسنا في مدرسة ابتدائية قريبة من محل سكننا، وكنا في الثانويّة نفسها وعندما بلغت سنّ العشرين غادرت البلاد لأسباب كثيرة لا أحب أن أدخل في تفصيلاتها...

وقد حزنت حين علمت أنّه قُتِل وأصبح بعد مقتله رمزاكبيرا تفتخر به مدينتي التي هجرتها.

الجميع يلهج باسمه ويتحدثون عن بطولاته وتضحياته.

لكنني حين زرت البلد بعد أربعة عقود قضيتها في الغربة، توجهت إلى تمثاله الشهير الذي سمعت أنّه ينتصب وسط المدينة..

كادت المفاجأة تلغيني من أمامه...

صدمة

ذهول

أنا في غيبوبة

هو الوحيد الذي عرف نيتي في الهرب وقتها نصحني أن أبقى وأتحمّل.. أعترف أنّي لست شجاعا مثله، عانقته، وكان وجهه الذي عرفته به يقطر حزنا وكمدا. قال لي:

هل تتركني وحدي؟

قلت له بلهجة منكسرة:

ليتني أقدر على التحمّل مثلك.

كيف أصدّق إنّه ليس هو..

أيّ نحات اقترف تشويه صورته.

وكيف ألفت عيون الناس التمثال الذي يحمل اسمه.

هل اقتنعوا أنّه هو؟

ملامحه التي سجلتها ذاكرتي له منذ لحظة الوداع تغيّرت.. قسمات وجهه.. شعره.. نظرته.. طيبته كلّ مافيه غريب وبعيد عن  شكله..لم يبق منه سوى اسمه المنقوش على الحجر أسفل قديه!

زعقت إنّه ليس هو

وكان المارة يظنونني أحد معتوهي الشارع.

***

قصي الشيخ عسكر

كنا متحلّقين حولَ القصعةِ حينَ وقعت أعينُنا على ثلاثةِ جنودٍ جددٍ تم نقلُهم إلى وحدتِنا العسكريةِ المرابطةِ على خطوطِ النارِ، فهمنا بعدَ ذلك أنهم مشمولون بقرارات لجنةِ شرحبيل المتعسفة، تلك اللجنة التي أفرغت المعسرات الثابتة تقريباً من ذوي الإعاقةِ أو ممن تم اعتبارُهم غيرَ مسلّحين ليزجّوا بهم في جبهات الحرب، وقد أرسلَ مساعدُ الآمرِ إثنين منهم إلى القَدَمةِ الإداريةِ لأن لديهما توصياتٍ من بعضِ الجهات، أما الثالثُ وإسمُه سالم فقد قررَ أن يستبقيَه معنا في الخطوطِ الأماميةِ، وقد لاحظنا انه كان رثّ الثيابِ بطريقةٍ مزريةٍ وأنه لم يكن به عوقٌ جسدي يُبرّرُ كونَهُ غيرَ مُسَلّحٍ، وقد سرت بين الجنودِ شائعاتٌ وهمهماتٌ بأنه يفتعلُ إصابتَه بنوباتٍ من الجنونَ وأن بعضَهم شاهده في مدينتِه البعيدة بكاملِ اناقتِه، وقد أتيحَ لي أن أراقبَ سلوكَه عن كثبٍ، كان يتسكّعُ بين مواضعِ مقرّنا، في أحدِ الأيّامِ أرهفتُ السمعَ لهمسٍ خلفَ موضعِنا، اقتربتُ بخِفّةٍ منه فإذا به قد انحنى على طابورِ نملٍ وهو يغذّ السيرَ باتجاهِ أحدِ الثقوبِ وسمعتُه يخاطبُ نملةً : إذا كنتِ أنتِ تختبئين في هذا الثُقبِ، فأين سنذهبُ نحنُ ؟

كان بعضُنا يُشفِقُ عليه فيدَعونه لتناولِ الطعامِ أو الشاي معهم، لاحظتُ أيضاً انه كان شاردَ الذهن لا يتكلم إلا ببضعةِ كلماتٍ يُتمتمُ بها هلِعاً حين يصدرُ إليه أحدُ الضباطِ او نوّابِهم امراً ما، لا سيما وانهم وجدوا أنه من الأفضلِ عدمُ تنسيبِهِ للفصائلِ القتاليةِ واقتصارُ دورِهِ على الأشغالِ، وفي حقيقةِ الأمرِ فإنه تضررَ كثيراً من هذا الإجراءِ، وذلك ناجمٌ عن كثرةِ الأشغالِ وتنوّعِها بين حفرِ المواضعِ وتحميلِ وتفريغِ الأعتدة حتى لا يكادُ يجدُ وقتاً لحكّ رأسِهِ كما يقولون، مع المخاطرِ التي يتسبب بها القصفُ المعادي المستمرُّ وتناثرُ الشظايا . ومع ذلك لم يشأ سالم أن يعبّرَ عن تذمُّرِهِ أو شكواهُ لأحد .

في احد الأيامِ عاد من إجازتِه الدوريةِ وقد لاحظَ الجميعُ أنّ بيدِهِ مظلةً شمسيّة، مع أن الوقتَ لم يكن شتويّاً أو صيفيّاً .

في صبيحةِ اليومِ التالي وبعدَ فترةِ الإفطارِ مباشرةً باغتتنا نوبةُ قصفٍ عنيفٍ، فأسرعَ الجميعُ للإختباءِ في مواضعِهم الدفاعيةِ، ولكننا شاهدنا من فتحات المواضعِ الضيّقةِ سالم وهو يخرجُ إلى العراءِ فاتحاً مظلَّتَه وهو يضحكُ بهستيريةٍ

ثم رأينا المظلَّةَ وهي ترتفعُ في السماءٍ،

بعد أن توقّفَ القصفُ خرجنا لنتفقَّدَ خسائرَنا ونطمئنَّ على سالم، بحثنا عنه في كل مكانٍ فلم نجد سوى أشلاءَ متناثرةٍ هنا وهناك .

***

أحمد الحلي

تمعن آمنة بالتحديق فلا ترى إلا ضوءً تغيم فيه الوجوه، تتأمّل الضوء وتحدّثه وتسأله فيشرق وجهها ويغيم، يتورّد ثم يشحب ثم يعود يتورّد. تبقى واقفة مثل دمية خشبية فتتخلّى عن الصارمين صرامتهم، والقساة قسوتهم، وعن العتاة عتاوتهم، وتنحشر في أماكن وقوفها أنهار من دموع. (كان الصباح شبيهًا بالمساء، والمساء شبيهًا بالصباح، والليل يرتشي بالنميمة والضحك، وتصيد الغرباء حتّى وهم ميتون). كان الرجال يرتقون إلى السماء، يذهبون ويعودون، يذهبون ثمّ لا يعودون، فتخرج النسوة للانتظار، وقد هزّ الخوف أبدانهنّ، وحفر أخاديده في وجوههنّ. شاهدت آمنة كلّ شيء: الرجّال وهم يتلوون من الهوى والسهر وإيقاد الدموع، الشعراء وهم ينثرون نصوصهم عند قدميها؛النساء ينتظرن، لطم الخدود، الإشاعات وهي تتحوّل لحقائق، والعويل الذي يقطع الفضاء ويشطره ثم يقطع الصمت كما تقطعه أصوات العبوات الناسفة ورشق الرصاص.

علت صرخة في الفضاء فجأة ثم اختفت، لم تكن صرخة استغاثة ولا فزع، بل انفلات أصوات ملوّعة لم تحط بها علمًا. أصاخت السمع، لم يكن هناك إلا الصمت حاضرًا مسموعًا وملموسًا يجلّل الصرخة ويؤكدها، سارت محدّقة بالأبواب والوجوه الجامدة، بدا الطريق مهجورًا وساكنًا ولكنّ الصوت يأتيها بهمهمات مكتومة وعويل مخنوق، أحسّت أنّ حزنًا غريبًا يسري كالعدوى في النفوس، جفّفت عرقها، وتنفّست بعمق ثمّ واصلت السير، تتبّع الأصوات ثم تصغي لها باهتمام، ثم تبزغ من بعيد حشودٌ من الناس، يؤكّدون لها أنّها تنقّب عن عيوبٍ لم تكن بحاجة إلى تنقيب. كانت الجغرافيا خللًا، والتاريخ خللًا، والمجتمع خللًا، والدور الذي أتقنت تمثيله ورطة، وكانت تصغي لهم وهي تنتفض وتهدأ، وتشتعل وتنطفئ، ثمّ تتطلّع إلى السماء وقد بهتت نجومها وكادت أن تسقط. يقولون لها إنّ الحياة جميلة فلا تصدقّهم لأنّها تخشى غدرها، ولكنها لا تفصح أبدًا بل تكذب، حتّى على قلبها.

٢

آمنة تخشى الحياة ولكنّها تكذب على قلبها، تشخص بعينيها في الظلام وتلهج بالدعاء. تهمس وتتوسّل، فتلتمع وتتوهّج كأنّها واحدة من النجوم اللامعة التي تطرّز السماء. تخاف من إذعانها المستمر لعقلها ومع ذلك فهي تخشى أن تقودها عاطفتها المتأجّجة إلى أن تهدم مستقبلها بيديها. وتخشى الزمن أيضًا، تضع وجهها في المرآة لعدّة ساعات، تتحسّس التجاعيد التي قد تظهر، تنهمك في ما تفعله دون أن يطمئنها كلّ ذلك. وسرعان ما تقفز إلى عينيها نظرة الرعب كلّما فتح أحدهم سيرة العمر. آمنة تخاف الحب وتكره الضعف الذي يصاحبه، عمومًا هي تكره الخوف والضعف مع أنّها تتقن الاثنين، لكنّها لا تعترف بذلك وإنّما تصرّح دائمًا بأنّها لا تخاف إلّا من ذاتها وعواطفها الجامحة. طبعها حاد ينطوي على كثير من الرغبات المعلنة وغير المعلنة. آمنة ليست آمنة، وهي في الواقع لا تحمل من صفات اسمها إلّا القليل، ولا أدري إذا كان الله قد شاء للأكوان المظلمة التي في داخلها أن تتجلّى وتضيئ، الأكوان التي كُتِب عليّ أن أتبعثر فيها إلى الأبد.

( أحاول الكلام..

مثل طفلٍ لم يعرف نارًا أكبر من عود ثقاب.

وعليه الآن…

أن يصف غابةً كاملةً تحترق).

٣

بقايا النجوم في السماء، كتاباتٌ عنكِ، جمعتها واخفيتها ثم نسختها ووزّعتها على أقنعتي الكثيرة: لكل واحد منّا نسخة…

نقف لنطاردكِ. فتدهسنا عجلات الوقت وهي تنحدر على الطريق أينما تؤدّي، غير آبهة بمن يقف هنا مشدوهًا، حائرًا، وشاعرًا بالبرد. كتابكِ ينفتح كلّما ألقى الله على ظهر هذا الكون بالزُّهر يا آمنة.

ولكنّ الواحد منّا حالما يلمح قبسات منه ويحاول القراءة: يتعاطف مع جمالكِ.. ثم يبدأ بالمغفرة صفحة بعد صفحة، ويقرّر أن يشعل نارًا: يلقي فيها نسخته من الحكاية. حتّى لا يتتبّع أثركِ أحد. كتابكِ ما زال يرتجف تحت النيران ويهتزّ على الأرض، فوقه يعبر النهر، يتقلّب فيه الأحياء والموتى، كان قد ترك عند احتراقه أسرابًا من الفراشات قد حطّت على جسد كلّ واحدٍ منّا وروحه. يومها حلّ طوفان وفرّق حكاياته المحروقة وبعثرها. وفي اليوم التالي كان صباحًا راكدًا، وفي قعر العالم دموع متجمّدة مثل حصاة يتيمة. تذهب الأعاصير بكلّ شيء، النخلات والبيوت، والمحلات التجارية، والعيادات الطبية وتبقى هذه الحصاة في مكانها متألقة بخفوت. وأبو تمّام يراقبها وينشد:

(أَما تَرى الأَرضَ غَضبى وَالحَصى قَلِقٌ

وَالأُفقَ بِالحَرجَفِ النَكباءِ يَقتَتِلُ).

صرنا نتقلّب كالزّبد الجريح على ساحل مقفر في رأسي. كأن الخليقة كلّها تصرخ اليوم باحثة عن شطرها الآخر. وفي غياب السجع والمحسنات البديعية نصغي إلى هذه الموسيقى التي تأتينا من لا مكانٍ مثقلة بعجائب الأخبار. كأنّنا اليوم قد استيقظنا وتتبعّنا أثر الندب والجروح التي أخفيناها عندما عدنا من مطاردتك. كلّ واحد منّا، يخشى على ندبه وحروقه الغالية من سلامة الآخرين. تركتهم يطاردونكِ بندبهم وجروحهم النازفة وحروقهم المتقرّحة، ثم خلعتهم بعد أن أصبحوا أقنعة بالية و متهرّئة فظهر أمين الذي تعرفينه، تنفّست بعمق وبكيت وأنشدت :

(الحبُّ في الناس أشتاتٌ مذاهبه

وللمتيّم من هذه متاعبه

والشوق ألعن لو طالت سحائبه

(والهجر أقتلُ لي ممّا أراقبهُ

أنا الغريق فما خوفي من البللِ)

ثم رفعت رأسي لأرى الغيوم مهرولةً عبر السماء تسوقها نذر مجهولة. لا أهل ولا أصدقاء وليس لي بلد والأرض غضبى والحصى قلقٌ..

٤

حكايتك مفتوحة أمام عينيّ، مصيدة لأرواح موتاي، يمرّون على صفحاتي وهم يرتجفون ويأنّون، أسمع أنينهم مثل لغتي الأولى. عندما يربكك السؤال عن إلحاحي وتشبّثي فيكِ بعد كلّ هذه السنوات، بعد أن عرفت عيوبكِ، ذلك السؤال عن معنى وجودكِ وكيف أنّ ألمي ينسج كلّ هذه الحكايات.

(تذكّري أن عشّاقكِ كانوا مثل الورد البريّ

يطلعون من شقوق النصوص التي تدعو للقتال، تدوسهم الجيوش فتتعطّر الهزيمة

عشّاقك الذين يسحبهم العالم من خندق صمودهم السريّ، حفرة أرواحهم وسقف جسدكِ)

عندما كانت الشوارع جروحًا، كانوا على جوانبها يعبرون نحو بعضهم البعض.. وأنا الضائع في ظلمة هجرك. أنا الدودة الساعية بأنفي الحسّاس في ظلام الرؤية، أنا الذي يعيش حياته ويراها فلمًا رديئًا يخرج المشاهدون في منتصفه . أنا اليائس من مقاماتي وأيّامي وسريري الموحش وأوراقي الملطّخة بتفالة القهوة والميرمية. أنا دمية الفرح الرخيصة التي تعطب بسرعة. أنا جثث القصائد الحزينة التي تحاول النهوض لتبقى في أذهان الناس، وصفّارة الله التي ينظّم بها ازدحامات أكوانكِ المبعثرة . أنا قلبٌ متروك في العراء مثل بوصلة مسافر مات من التّيه.

(أنا اليابسُ…

الذي كلّما عادت يدي منكِ:وجدتُ تحت أظافري غيمةً

وأنا البارد الذي يستعمل غصنًا شابًا من جسدكِ

لينبش رماد العالم: بحثًا عن الجمرة..)

أنا الذي صنعتك من أخطائك ثم أحببتك، وأنا اللاجئ المستغرق في سرد حكايته، في أعلى المشارف، أو أوطأ الدركات. ومثلما تعرفين هناك دائمًا مقامة، وقصّتها ستروى. أنا سارد حكايتك المضحكة المبكية، الخارج من ثوب الزمان المتهرّئ الذي يجد دائمًا ملاذه أخيرًا لكل أجنّته المذعورة في بنيان الكلمات بضربة طائشة من القلم، لأنّ العالم بأسره في النهاية ليس سوى مقامة بانتظار أن تروى، مقامة تتلو لنفسها ما تبقّى من تفاصيلها، تلك التفاصيل الجديرة بأن تتلى ليسمعها من له أذنان. أنا الذي ربطت جرحي بجسدكِ، كثقّالة ثم قست استقامة العالم. وأنا الذي هزّ حصّالة اليأس، فرنّت في روحه الوحدة، ولعق أملاح الليل ثم قال لكِ أن السهر حلوى.. أنا الذي طليت وجه حزني وصعدت نحوك مثل ضحكة. أنا الذي لا أعرف ما الذي أكتبه لكِ الآن. أنا عشّاقك.

٥

بغداد نائمة. تسيل على أشجارها قطرات الندى. نوافذي مفتوحة تستقبل حاشية من البعوض، وثمّة من يحمل فانوسًا ويبحث عن شيء ما في الخرابات. مخدّتي تحت رأسي تتكهرب بالأرق وفرط التفكير، فأرمي بها إلى الجدار.

أخبريني دائمًا، أنّ كلّ شيء على ما يرام…عندما أكون حزينًا مثل مشطٍ يحاول أن يسرّح شعر الموتى. وعندما أمشي في الوهاد وأتعثّر بالجثث والهياكل وأستغرب ملمس الدم على وجهي. إنّني أحتاج أن تخيّطي لي هذا الجرح، أخبريني بأنّني لن أموت بسببه، اخترعي أيّ قصة وسأصدّقكِ. كلّ ما أحلم به أن لا تعصف بنا هذه الأعاصير، وأن نجد زاوية نختبئ فيها من ضجيج هذا العالم، صفحة بيضاء حيث لا تكذب الكلمات.

( أنا لا أتعمّد أن أعذّبكِ عندما أكسر حياتي..

وأطلب منكِ تجميعها

أنا فقط أريد أن أراقبكِ وأنت تلتقطيني: شظيةً بعد شظية

وأريد أن أشعر بالأمان عندما تقولين لي: يمكنك أن تمشي حافيًا الآن).

قولي إنّني ضعيفٌ وهشٌ وعاجزٌ وقبيح مثل جرحٍ متقرّحٍ في جثّة العالم لكنّني مهم. فعبري يتسرّب الألم: كلّما جرح الالم أحدًا ما..

(قاسميني تعبي يا مُتعبة، إننّي أحتاج صدرًا موجعًا أبكي عليه، إنّ بي مثلكِ شيئًا من زجاج وصدور المطمئنين رخام).

أخبريني بأنّ كلّ شيءٍ على ما يرام.. حتّى لو صرت كئيبًا لأنّني لا أملك الكثير من الحزن الجيّد للأيام القادمة، حتّى لو لم تتّخذ الأبواب شكل عينٍ عندما أحتاج أن أخرُجَ دمعة منها. أعلم أنّك غاضبة منّي لأنّني غفوت وتركت باب الأحلام مفتوحًا، وأعلم أنّني لست مرئيًا كما يجب لأحبّك في النهار، وأعلم أنّني كنت أدوس بأقدام الراكضين عنب الصراخ داخل روحي . قولي لي لا بأس حتّى لو افترقنا، برهني أنّكِ سيدةٌ مدبّرة وأنّنا سنعبر هذه الأزمات كما فعلنا سابقًا، أخبريني أنّكِ ستعلّمين غيابكِ وتدرّبينه قبل أن تذهبي؛ على أن يتصرّف معي كامرأة تخبرني دائمًا أنّ كلّ شيءٍ على ما يرام.

٦

كلّ ما أكتبه هنا في هذه المقامة حقيقةٌ يا آمنة، ما عدا الحقيقة ذاتها، كلّ الأوهام والأكاذيب والثرثرات لها صلابة الحقيقة، ووحدها الحقيقة هي الخاضعة للشك والريبة. لا يزال المشهد ذاته عتمة وشوارع ووجوه يكرّر أحدها الآخر، المشهد ذاته الذي أكون فيه وحيدًا وبعيدًا عنكِ، أرفع نظري إلى السماء. أحدّق طويلًا في فراغٍ كثيف معتمٍ وساكن، تنتابني رغبة مؤلمة بالصراخ. مجرّد صراخ يهزّ هذا السكون، فيتهاوى ويتحطّم ويتفتّت، فأرى خلفه زرقة، أو حقل ظلمة مزروعًا بكتل نيران يسمّونها النجوم. في زمانٍ كانت فيه الكلمات مجنّحة قادمة من اللّامكان، حيث كتل الضباب فيه تلعب بالبراري، وتجوب التلال. في غمرة يومٍ من ذلك الزمان، حين انبعثت من السماء أضواءٌ شقّت ستارة الظلام، وهبّت أبرد النسمات، في غمرة ذلك الضباب، وصل العشّاق من الصحراء إلى النبع، كانوا معفّرين بغبار الألم، معذّبين بأوجاع الضمأ. هرعوا إليه وشربوا، وارتووا وتعافوا، ونسوا تاريخ العذاب وأيّام الفراق والهجر وهم على ضفّته يقيمون، ومن مائه العذب يستلهمون. ثم حلّ زمانٌ يا آمنة، ظهر به جيل ضاق عليه ماء النبع، وقال أنّ له مذاق السّم، يعمي برذاذه العكر الأبصار، ويكبّل أجنحة الأحلام. جيلٌ رأى دروبًا من الضلال، فبحث في الأرض عن نبع آخر، إلى أن نال ماءً من أوهام. شربه فهام في طرق الضياع، هجر الآباء، واجتاز الجبال التي تصدّ الريح عنهم، صعد إلى قممها، ثم هبط إلى الوديان، في ذلك الزمان جفّت الكلمات المجنّحة القادمة من اللّامكان، وماتت اللغة، وأصبحت الكتابة حرفة لعديمي الموهبة، سار الجيل طويلًا في متاهات الوهم والعمى والخرافات. وصل إلى صحارٍ عديدة لا ترى فيها غير امتداد الكثبان. جرداء لا ماء فيها. لا غصن أخضر، لا ظلال. يسيرون كما يسير المرء في المنام متبّعين نداءً من الأوهام، ينهال في منتهى ذلك المدى، ثمّة بحار وشطآن، ثمّة ريح غاضبة، وسفنٌ تبحر في زرقة تمتدُّ إلى السماء، ثمّة أعاصير تدور وتغنّي، ومجهول يأخذهم إلى المجهول. علت في الجوّ صرخاتهم، وتلوّت أطرافهم، ابتلع الماء بعضهم ولم يصل إلى اليابسة غير جماجمهم وعظامهم. لا نايات تغنّي الريح، لا ريح تغنّي المدى. حينها. حينها أدركت أنّني طوال الوقت، في هذا الكابوس، أمام خيارين وحيدين: الأوّل أن أصبح شبيهًا بجميع الناس هنا، أملك وجههم وأشرب ممّا يشربونه، وأحيا بينهم بلا محن الاختلاف وعذاباته، والثاني أن أقتفي أثر ذاتي، أن أكون أمين، ممّا يعرضني لخطر العالم ورغبته في سحقي.

رأيت حزني ينهض. كانت الأكوان نائمة. لا النجوم منارة، وليس في الفضاء الشاسع إلّا خطاه. ورأيت أنّ ما أعيشه بغيابكِ لا يمكن أن يكون واقعًا، بل هو كذبة طويلة. كذبة مأساوية وتبعث على اليأس. بالقدر ذاته التي هي فيه مضحكة من شدّة حماقتها وتلفيقاتها وسذاجتها.

(أنا الذي من الذين يدلّلون يأسهم من العالم: ككلب حراسة..

أرمي له في بداية الليل لحم الضّحك.. وأنتظر

حتّى يشبع وينام

ثم أتسلّل إلى صدري: مثل اللصوص

وأخرجكِ هناك بكلّ هدوء، تحفةً من الأمل).

٧

العجز عجزان، التفريط بالأمر وقد أمكن، والسعي وراءه وقد فات…

حسن أوريد

ربيع قرطبة

٨

الجدران بيننا عالية، ولا أعرف كيف بدأت هذه المحنة وكيف ستنتهي. أنا أعتذر لكِ يا عزيزتي.. لقد علّمتكِ الدرس ثم طالبتُك بأن تخالفيه، وعلّمتكِ الكلام ثمّ تركت لكِ الأيام التي لا يمكنكِ التعبير عنها. أنا أكتب والقنابل تتساقط، والألغام تنفجر، لا طريق يقودني إليكِ، ولا مهرب عن الطريق المفروش بالخناجر والفخاخ. حتّى الشاعر الذي يكتب لك لم ينجُ، هو الذي كان يعرف كلّ شيء منذ البداية، أنا العبد. أنا العاجز، بعكازين تحت إبطيّ أعرج نحوكِ، ويتبعني الموت بأرجل عنزة سوداء، تتبع رأسي سكاكين القتلة وحراب العذّال ذات الرأسين، وأعرف أنّني رغم هذا، سأنجو لأكتب لكِ هذه المقامة التي تتلجلج في صدري، فلم أعد مالكًا لشيء سوى الرجاء ولعلّ هذا البوح أن يضمّد الجراح .

لا يوجد في مدينتنا الآن سوى الكلمات الرديئة، والناس الذين لم يموتوا بعد، وأنا ما زلت أعيش هنا وكلّ يوم أحاول النجاة ككلمة جيّدة. الجدران التي بيننا ترتفع أكثر والناس في الخارج نهشوا سيرتنا ومضغوها ثم شبعوا وناموا، وأنا أبحث عن الكلمات التي تركوها خلفهم محاولًا أن أصيغ منها رسالةً لكِ.

٩

أحبّكِ حتّى عندما تكبرين وتشيخين، وعندما تحاصرك الترهّلات والتجاعيد، ومهما كتبت عن جمالكِ فلا أمل لي على الإطلاق بالعودة إلى الماضي وإخبارك بحقيقة مشاعري حينها، فقط إن قمت بوصف خوفكِ وألمكِ وتردّدك وتفسير ابتسامتكِ الغامضة وعلاقتها بخسوف الأحزان من حولك. ستكون فرصتي حينها عظيمة للعودة هناك ولكن لفعل شيءٍ آخر: إرغامي على الكتابة عنكِ. أنا أحبّك أنت ولا شأن لي بالجسد الذي تسكنينه.

يربكني جمالك العادي تبهرني قدرته الهائلة على جعلك أجمل امرأة في الوجود . لستِ هالزي أو تايلر سويفت، ولا تمتلكين صوت سيّا ولا أديل، أنت بعيدة للغاية عن فتاة أحلامي، ولكن صدّقي إنّه إذا ما حدث واجتمعت كلّ الجميلات عند عتبة قلبي ومددن مفاتنهنّ وقلوبهنّ لي سأخبرهنّ بأسى أنّني أريدكِ وأحبّكِ أنتِ وحدكِ.

(لم أقع في حبك بل تعرضت لإصابةٍ مميتة به، إصابةٌ مباشرة بعثرت حصون القلب و أضرمت القصائد في أحشائي . أنا طَريحُ عِشقك يا هذه .. أنا مريضٌ بك وأكثر ما أخشاه في مرضي .. شِفائي).

١٠

آمنة تصاحب النجوم، إنّها أمّا أنجم ساقطة أو نذر ترعد في وجوهنا بالنبوءات، هناك من يُعبّئ الأجواء بالخوف، بالجنون، والريبة. والليل من العمق بحيث لا تصل الصرخات إلى السماء. الفرق الممزّقة تطفو في الداخل على شكل بقايا: صاحب المقتلة يبدو كأنّه الضحية؛ الصوت الذي لا يعرف صداه. يبدو أنّنا دومًا نأتي إلى هذا المكان. نعدّ خطانا كأنّ الغد يدعونا بجمع كفّه في الأفق، وإذا بنا نأتي بهذه الفسحة من الصمت، هذه التي لا تؤدّي إلى مكان، أريد أن أخبرها فيها وأخبر العالم بأنّني بخير ولكنّني لا أملك أيّة أدلة.

(أحتاج إلى إشارة منك،

إشارة تخبرني بأن كلّ هذا السواد سينجلي ولو بعد حين..

أحتاج أن تضع لي نقطة ضوء في نهاية هذا النفق الضيق والمظلم..

أن تدلني إلى زهرة غافية في هذا الحقل المحروق،

أن تُسمعني صوت قرقعة مفاتيح خلف هذه الأبواب الكئيبة الموصدة..

أحتاج يا الله لحافز صغير

كي أصمد).

كلّ ما أفعله هو الانشغال والابتعاد عنكِ ونسيانكِ، سلكت طرقًا متطرفًة من أجل ذلك، وآذيت كثيرًا من الناس، مرّة صرخت في أطفال الحي ووبّختهم بعد أن قالوا (نحبّك) تذكّرت أنّني أسرفت في قولها لكِ من دون أن أحصل على الجواب، كل الأدوية التي تعاطيتها، كل الكتب والأفلام التي حاولت أن أنساكِ وانا أتسلّى بها، وكل ما كان يحدث هو تكاثركِ وتعاظمكِ في قلبي. لكِ أسلوبكِ في الرفض ولي طريقتي في الندم لا ينقصنا الآن سوى التهوّر، واستجلاب إيقاع مكسور يليق بهذا الحب، هناك في مداراتك شاهدتُ كواكبًا صغيرة وأقمارًا ملوّنة ونجومًا مشتعلة، صادفت منها نجمة ناعسة تسرّح خصلة من خيط ضوءها، رأيت مذنبًا صغيرًا يلوّح لي، أتذكّر أنّني كنت عجوزًا عندما رأيتكِ في المرّة الأولى، في المرّة القادمة التي سأكتب فيها عنكِ، لن أنبّش عن طفولتك، ولن افتّش بقائمة أصدقائك ولن أستجوب صديقاتك عمّا تفعلينه وتقولينه وأنت بعيدة عنّي، سأواجهك بالأمر مباشرة وأقول: أثمّة كونٌ تخفينه عنّي؟

(أنظر إلى النجوم التي ترصّع الكون فيخيل لي أنني أحدق في عينيك..

لأن الحال كانت هكذا دائمًا بالنسبة لي :

أيّ ما يضمر الضوء لا بدّ و أن له علاقة بك،

و كل ما لا نهاية له

محاصر بك).

١١

بسم الله

حين تلتقط الشوارع خطواتي المتعثّرة، وتتبدّل عليّ الفصول، وحين تنعقد ألسنة الليل ويأفل نجمه وتلبسه المدينة، وعندما تنالني أفواه الغياب، وأصبح فريسة للوقت، ويأتي الفجر حاملًا اسمي نبوءةً خطرة، أكون فيها إشراقة المأساة على جبين العالم.

حين تمسي البيوت أقفاصًا رحبة، وتكون الشوارع أفاعيًا تلدغ الخطوات، وعندما يموت مغدورٌ واسم قاتله ينمو على لافتات الشوارع ونشرات الأخبار.

باسمكِ

حين أسير على الأرض حائرًا وعلى جبيني نجمة عشق، وفوق رأسي أدلّة على أنّنا الكائن نفسه.

باسمكِ وهو يمنح الليل خطورته، فتتفتّح فيه أبواب إيابٍ لأرواح مخطوفة، فينضجُ فيّ خوف الزوال، كما ينضج ورد الصباح في الحدائق، وتجيئ الساحرات حاملة كتابكِ، ليتوقّف على يديكِ الزمن.

باسم وجهك الجارح وعينيك السوداوين، وسمرة بشرتك وشمسها الساطعة حين يتثنّى منها الضوء ويهزّ قرارة الظلام وترتعد أشباحه، باسم الفراشات التي تحلّق حولك عندما تؤدين صلاتكِ وتقرأين الحمد والإخلاص.

باسمي وارث الجزع والمرض والوحدة، أحمل نهايتنا التي تحيّر الناس وأسألكِ . كم ميتة أحتاج يا آمنة حتّى أولدَ منكِ؟

***

أمين صباح كُبّة

 

حين دخلت الصافية الى بيتنا لم تكن غير طفلة عمرها لا يتجاوز الثماني سنوات، فقدت أمها ثم حرمها ابوها من المدرسة وأتى بها الى المدينة ليشغلها كخادمة في أحد الأحياء المشهور بغنى أهله، وتشغليهم لخادمات بثمن مرتفع؛ تلقفتها والدتي بالصدفة، فأبوها قد طرق باب بيتنا بالخطأ، باحثا عن رجل مقاول في البناء، كان قد أوصاه بخادمة صغيرة لزوجته الثانية التي ماتزوجها الا بعد أن هددته بفضيحة، فقد وثقت به حين توسلت مرافقته في سيارته الى المدينة، عائدة الى عملها كخادمة في احدى البيوتات..فتنه قدها وطولها بطمع في جسدها، فتعمد ان يتوقف أكثر من مرة في الطريق الى أن داهمه الليل فاغراها بالمبيت معه في احدى منازله الاقتصادية التي يتاجر في بنائها للطبقات الفقيرة، وقد اعد منزلا منها لخلواته ونزواته الخاصة.. وقع المقاول في البنت فاغتصبها، ومارس عليها شذوذا فظيعا بعد أن لعبت الخمرة برأسه وغيبته عن وعيه، فما كان منه بعد أن أمتنعت عن كل اغراء مادي كتعويض الا أن يجبر ضررها بالزواج بها شرط ان تتكتم على ماوقع ويظل زواجهما في السر، ومن شهرها الأول حملت منه...

استطاعت والدتي أن تقنع أبا الصافية أنه يعرض ابنته للظلم والعذاب وهي لازالت طفلة لا تميز بين خير وشر، فالبيت الذي يبحث عنه يقع على هامش المدينة، صاحبته هي نفسها كانت خادمة في العشرين من عمرها وقد تزوجها الرجل الماما لفضيحة قد تأتي على مستقبله وسمعته، ومن تسقطت نفسه طمعا في امرأة التقطها من الطريق قادر أن يطمع في غيرها خصوصا اذا كانت بجمال الصافية، كما أن معاملة خادمة لخادمة لن تكون محمودة، غيرة وحقد، ثم خوف على رجل موسر قد يضيع منها وقد صادته بنصب، فكيف أذا كبرت الصافية أمامه وازدادت تفتحا وجمالا فلن يلبث أن يميل اليها..

لم يكن ابو الصافية في حاجة الى أكثر من قدر مالي للتخلي عن بنته ، فكما قالت والدتي: "هو نفسه كان يتصرف بنوع من قلة الاهتمام فكأنه يريد التخلص من البنت، لكن ما أثارني ان الصافية بسرعة وقفت بجانبي وتمسكت بيدي وكأنها تتوسلني ان أبقيها عندي، وامام عيونها الفاتنة غامرت..بسرعة اخرجت له تسبيقا ما ان تسلمه حتى غادر دون ان يسلم على البنت وكأنها ليست من صلبه..

لم تكن الصافية تكبرني الا ببضعة أشهر لكن عيونها التي تخترق الصدر باستغراب جعلتني اتعلق بها تعلق صبي بثدي أمه، كنت أجلس قبالتها وأظل سابحا في عيونها الكحيلة بأشفار ليلية ، أعماق بزرقة البحر، وخضرة كضفاف النهر؛ ألوان لم يسبق لي أن رأيت تمازجها في عيون غير عيون الصافية..

كنت مأخوذا بعيينها الى درجة الهوس، حتى أني صرت كثيرا ما اتملى عيون صديقاتي في المدرسة ثم اتملى عيون الصافية بعد العودة الى البيت. لامقارنة!!.. فعيون الصافية بحر لامع، هادر، يتماوج فيه الأزق بالأخضر، أكاد أسمع هدير موجه من بين أشفارها الليلية الطويلة..وهي تلعب معي كنت أكره أن اغلبها في لعبة بل افضل ان اتركها تغلبني، خصوصا اذا كانت المخاطرة بيننا قبلا على الخدين، فقد كنت أجد متعة وشفتاها على خدي تهتزان بقبلة، لا أحاول بزها الا اذا كانت المخاطرة قبلا على اليدين، فكم كان يلد لي أن اقبل يديها الرطبتين بأناملهما الطويلة الجميلة، وكأن الصافية أنثى مكتملة النضج والأنوثة، وكما سمعت أمي تسر لأبي يوما : طفلة مكمولة القد والنضج، فسبحان من خلق وصور..حرام أن تضيع بنت مثلها بين البيوتات !!..

لم تشعر الصافية بيننا ابدا أنها خادمة، فقد أحلتها أمي موضع بنتها التي كم تمنت أن يرزقها الله بها بعدي أو قبلي، و قد مكنها ذكاؤها من أن تلتقط طقوس بيتنا وعاداته، تتصرف في البيت كأنها صاحبته، أتقنت الطبخ، وتعلمت بسرعة من أمي تطريز المناديل والازر والوسائد.. وأصبحت اختي التي لم تلدها أمي، فكل مايقع بيننا ونحن نلعب هو من باب براءة الاخوة والأخوات، فالصافية قد صارت هي من يعتني بكي قمصاني، واعداد طعامي ومراقبتي بدقة قبل الخروج الى مدرستي، كانت كلماتها ورائي كنشيد يومي، تردده على مسامعي :

ـ "عندك توسخ حوائجك، عندك تخلي شي واحد يسبقك في الأجوبة والنقط ، اعرف نفسك من انت..؟"

وكان اول سؤال تطرحه علي عند العودة :

ـ "شحال جبتي اليوم !!"

كانت الصافية اختي الكبيرة الحريصة على تربيتي ومستواي التعلمي؛ تصير اكثر حرصا حين اخبرها ان عندنا امتحانا في مادة من المواد، فالصافية لن تنام ولا تتركني انام، تسال عن الصغيرة والكبيرة، وتطرح عشرات الأسئلة التي تحتم ان أرد عليها والتي لا يمكن ان تخطر على بال المعلم نفسه، والحق يقال انها كانت موسوعة أسئلة ومن تلك الأسئلة كونت معارفي وصرت الاول الذي لا يمكن ان يبزه احد..

ومن كثرة حرصها على ما استظهره عليها من دروس وتستمعه من قراءاتي وَمِمَّا تولده من أسئلة كلما اسمعتها قصة من مطالعاتي تعلمت الصافية أن تقرأ وتكتب وأن تصحح لي اخطائي عند استظهار او مراقبة واجباتي المدرسية..

كل من يرى الصافية وهي تنمو وقد زادتها المراهقة فتنة، يكبر ويهلل لما وهبها الله من قد ممشوق وجمال أخاذ، وما تعيشه من عناية وتشب عليه من تنشئة اصيلة.. حتى أن أمي كثيرا ما كانت تتخلف عن أكثر من دعوة او تلبيها بلا مصاحبة الصافية خوفا عليها من عين حاسدة لا تراقب الله في غيرها..

كل ذلك قد أثمر في الصافية حبا لنا، وفاء وثقة وتفان في العمل وحرص على تحقيق سعاتنا..فقد أدركت ما نكنه لها فآلت على نفسها أن تجازي بالحب حبا..وقد سمعت مرة ابي يقول لعمتي :

ـ والله لو ان الحاجة انزلت الصافية من بطنها لما احبتنا وعاملتنا كما تحبنا الصافية وتعاملنا..

كانت الصافية تكره أن تتكلم عن أبيها، اواليه تشير ولو عابرا، أما أمها فقد كانت تتشنج وتضغط على أسنانها ثم تشرع في البكاء كلما تواردت على خاطرها أو سألناها عنها.. وقد كانت امي تظن كل ذلك من تربية اليتم وتشدد الأب وغلظته، وقد اكتشفت ذلك فيه من أول يوم مما لاحظته من محاولة تخلصه من الصافية ومن تهرب الصافية من العودة معه..

جلست الصافية مرة بين يدي أمي لتمشط شعرها وتلف لها ظفيرتها كعادتها، وقد كان من طبيعتها أن تقبل يدي أمي عند الختام وتقول : شكرا خالتي العزيزة،..تعانق الصافية أمي ، ثم تقول :

ـ أنت لست خالتي، أنت أكثر وأحن من خالة، أنت أمي، هل تسمحين ان أناديك أمي وأنادي الحاج أبي ؟

تضمها أمي بين احضانها، تمسح دمعات تتسربل على خدها ثم تقول لها :

طبعا أنا أمك فانت هنا بنتنا ويشهد الله أني لا اميز بينك وبين ابني، ولاتوجد قوة قد تبعدك عنا..

لازلت اذكر فرحة الصافية بذلك من يومها لم تعد تناديني باسمي وانما بخيي العزيز، وصارت لا تتحرج من أبي في طلب أي شيء يمكن ان تطلبه بنت من أبيها..

اقبلت أمي ذات مساء بعد زيارة لخالتي المريضة، ظلت تطرق الباب لكن بلا رد..عدت من المدرسة لأجد أمي في قلق كبير على الصافية، أين هي ؟ هل نامت ؟ ليس من عادتها أن تنام مساء، هل خرجت ؟ لايمكن ؟فما تعودت أن تخرج بلا إذن..

دخلت من دار الجيران، ونفدت الى بيتنا عبر السطوح..ما أن نزلت الادراج حتى وجدت رأس الصافية على عتبة احدى الغرف ودمها قد صار سيولا وسط البيت.. ارتعبت، وشرعت اصيح وأبكي، بصعوبة استطعت الوصول الى الباب لأفتحه..

كان المشهد بشعا حقا، كيف ماتت الصافية، وماذا كانت تفعل حتى سقطت بتلك الطريقة على عتبة الغرفة؟

حين اقبل أبي أصر على استدعاء الشرطة بعد ان وجدنا خزانة امي مفتوحة وكل ما فيها من ذهب قد تم نهبه.. فالعملية اذن عملية نهب وسرقة نتج عنها قتل..

بعد تدقيق من الشرطة عرفنا ان أحدا قد طرق الباب ولما فتحت له الصافية هجم عليها فقتلها بعد لي عنقها ثم أسقطها عمدا بتلك الطريقة للتوهيم..

لم يخطر ببالنا ان يكون ابوها هو الزائر القاتل، فكلنا يعلم أن الصافية صارت لديه نسيا منسيا اذ يكتفي بزيارة متجر ابي ليتسلم شهرية الصافية وما يجود به ابي عليه من عطايا وهبات ثم يعود ادراجه من حيث اتى، وحدها والدتي قالت : ـ ان الصافية لن تفتح الباب لاي كان الا اذا كانت تعرفه، وقد تمسكت الشرطة بهذا الدليل لتكتشف في الأخير قاتل الصافية.

كانت الصافية تفكيرا مهيمنا يشغل اباها بخوف ليل نهار، فهو لن ينسى ان البنت قد شاهدت أمها وهي تسلم الروح بقبضة اختناق على عنقها، ثم وهي تهوي على الأرض فيتم شج راسها على عتبة البيت..

 اقبل والد الصافية يطرق بابنا بعد ترصده لعدة ايام للداخل والخارج من بيتنا، استغل خروج أمي فسار خلفها مقتفيا أثرها الى ان ابتعدت بمسافة ليست قصيرة، عاد مسرعا الى البيت الذي لم تكن فيه غير الصافية، طرق الباب عدة مرات ولم تفتح له الصافية الا بعد أن تأكدت منه، لكنها منعته من الدخول الى البيت بحجة ان اهله غائبون، وأمام إصراره ، دفعها بقوة الى الداخل ثم لحق بها وصفق الباب وراءه..

لقد كان هو قاتل الصافيه كما قتل أمها بنفس الطريقة التي قتل بها ابنته. التي كانت عليه شاهدة.

احد ضباط الشرطة اخبر ابي ان الصافية كان لابد ان تموت فقد كانت تهديدا يؤرق أباها بالليل والنهار، فهي قد رأت الأب وهو يقتل أمها، التي كان يشك فيها ويغار من كل عين تنظر اليها فالمرأة كانت صنما للفتنة تتحين أية غفلة من زوجها الذي كان لا يتركها تغيب لحظة عن عينيه لتفر مع احد شباب الدوار الذي كانت له بها علاقة حب قبل ان تتزوج كرها من والد الصافية؛ غادر الشاب القرية للدراسة في الخارج، وصار مخرجا سينيمائيا ما ان رآها بعد عودته حتى ازداد هياما بها، أرسل اليها أخته لتقترح عليها الفرار معه الى كندا، لكن الأب استطاع ان يكتشف اللعبة فقتل ام الصافية بلي عنقها وكانت الصافية طفلة صغيرة شاهدة على فعلته..

هكذا غابت الصافية عن بيتنا الذي تحول الى معزوفة صمت حزينة، آهات حرى ودمع سيال، وتبدى اثره كبيرا على تعلمي، فقد مرضت أمي حزنا على الصافية و ضعف حرصي على واجباتي المدرسية ونتائج امتحاناتي..لمدة تزيد عن السنة الى ان رأيتها مرة في أحلامي وهي تقبلني وتقول :" ان كنت اخي حقا وتحبني فلا تتأخر كما صرت بعدي"..

الى اليوم وبعد أزيد من عشرين عاما مازلت أذكر ان اختا لي رائعة الجمال، فاتنة، ماتت بعد أن وشمت اعماقي بعيون ليلية بعمق البحر..أتلوى حزنا لطريقة موتها، واني لأواصل ذكرها حتى آخر رمق من وجودي.. صارموت الصافية حدادا مؤثرا لا يغيب عن بيتنا، تبكيها والدتي بالليل والنهار، فأمي لم تفقد في الصافية بنتا سهرت على تربيتها وإنما فقدت فلذة كبد وبضعة منها وتمزيقة من حياتها..

مرة وبعد ثلاث سنوات من موت الصافية قال لها ابي مازحا :لو بقيت لتزوجتها

تبسمت والدتي من وراء دموعها وقالت:

للي فاتك خليه لأولادك، لا يهم، المهم ان تبقى.. نار فراق الصافية لن تنطفئ الا بموتي..

حقا عيون الصافية عيون لايمكن أن تنسى.. فلانراها الا في اشهار ات المجلات، او بعض ملكات الجمال الأفريقيات، عيون الصافية الخالق وحده قادر على ان يجعل البحر بصفاء زرقته يهدر من وراء رموشها الليلية، فجمال الصافية كان ادق من ريشة رسّام وجراحة إزميل نحات.

***

محمد الدرقاوي - المغرب

تلك الاغاني

من أيقظها

هذا الصباح

ومن بعث اسمي

من مرقده

كنت قد بدات في ترميم

الجسر المقطوع

مع الزمن القديم

رممت معبدي  ايضا

و قلت من يمنحني جناحين لاطير

بهما

سيكون

ربي

تصالحت مع عيوني

الحزينة

ووجهي الشاحب

ووضعت اعلانا بالخط  العريض

في جريدة

يومية

ومعه صورة لوجه

بلا ملامح

"انني  ابحث عن اب "

من فتح الباب الخلفي

للغرفة المنسية

و عبث بخزائني

و ادراجي

لم اتواطأ مع الرياح كما زعموا

و لم اخلط مياه المطر

الشفافة النقية

بالنفط  الاسود

القذر

رايت التاريخ يكتب

اسمي على موجة

و اغمضت عيني

و قلت لا بأس

رايت الموج يكسر اسمي

على الصخور

و اغمضت عيني

و قلت لا بأس

رايت النوارس تهجم

علي ما تبقى من اسمي

و تاخذه الى صغارها

و اغمضت عيني

و قلت لا باس

غدا سيمنحي الموت

اسما

اكثر فخامة

من بعث اسمي من مرقده

و كم نمت

داخل الصدفة

لم اتواطأ مع الرياح

كما زعموا لتذيع

اسراري

للمراكب البعيدة

و لم اقطع شجرة واحدة

لاصنع من اغصانها نايا

انفث فيه

اوجاعي

لطالما اخذت الملح

تعويذة

ابدية

للاغاني التي تجرحها

الكمنجات الحزينة

تقول الصحراء

انت ابنة

الرمل اخذت من ملامحه

شحوبك الاصفر

و صبرك الجميل

انام زمنا على رمل

دفئه يشبه

حضن ابي

انام على عطش.. واصحو

على عطش..

***

بقلم وفاء كريم

قطرات من النّدى تنزلق على حافة النّافذة، كعادته كلّ صباح، يختلس النظرالى العمارة العالية مقابل شقته .

يرمقها وهي تمشّط شعرها الليلي الطويل، تسترخي على الكنبة بقميص نومها الشّفاف الذي يكشف عن جسد بضّ ومشاغب .

يحبس أنفاسه يتكىء على جانب السّرير محدّقا بسقف غرفته، يمتصّ بتلذّذ ريقه الأول المائع على معدة خاوية، يمسح عرقه ...

-يا لها من ليلة قاسية، أشعر بدوار " دوّختني هذه الأنثى"..!

دخل الحمام بخطوات مترنّحة، رشّ جسده بالماء البارد مستعيدا نشاطه، تأبّط حقيبته الجلديّة وخرج الى الشارع الطويل الذي خذله وصفعه الآف المرات، وهو يعود خائبا باحثا في غربة الليالي عن وطن انطفأت مصابيحه، عرّش على جنحه الخوف وباعه المنحرفون والأنذال، كان يعود بقلبه المصفّر ليريق دموعه على وسادة خالية يحتضنها منتحبا على مناديل الذاكرة .

رائحة القهوة تناديه، عرّج على المقهى القريب ارتشف قهوته السادة، عطر امرأة يفوح بالمكان ...وكأنّه ظلّ يسير على الماء، تتراشق اللحظات، يحدّق.

- هي بجسدها الرشيق، صاحبة قميص النّوم الشّفاف.. أميرة أحلامي ...

خفقات قلبه تزداد، سار وراءها، كلّما ابتعدت نقرات كعبها العالي ينفكّ رباط حذائه، يتحلحل، يتطاير، وأصوات الباعة والحافلات المكتظة بعمّال الصباح تحتفي بقدومها راقصة على ايقاع وتر مشحون بهمس مجنون.

أقراص الزعتر الساخنة من مخبز الحي تتدحرج ككرات ملتهبة تعبق بنار مقدّسة تحرق جسده تغويه بطقس من طقوس العبادة .

- لو يتوقّف الزّمن، يصمت الكون لأتنفّس ليلها، ألامس شعرها، أغرق بعينيها ....!

تذكّر بنت الجيران في حيّهم القديم وهو يلاحقها بين البيوت المتراصّة.

فجأة تتوقّف أمام كشك لبيع الصحف والمجلات، تبتسم للبائع، يحاصر مساحتها ومن خلفها تسقط من يده علبة سجائره، تلتفت، يلتقي اللّحظ باللحظ..

ينحني ليلتقط العلبة، فتسبقه يدها، وقلبه يسبقه اليها.

-شكرا سيدتي ...

وهو يتأمّل وجهها الذي طالما صاحبه في مساءاته حتى مطلع الفجر، احتوى جمالها، ارتبك كطفل بتول يتلعثم أمام قامتها.

تهمّ بالمغادرة وهي تشقّ طريقها بثقة وكبرياء

-لو سمحت يا أستاذ ينتظرني عمل

تبتعد ونقرات كعبها العالي كطنين نحل في قفير، عطرها يعلق مثل فراشة على علبة سجائره وأصابعه التي لامست أثر لمساتها تتخدّر.

في قريته التي ولد فيها لا يستسلم الرّجل من المرة الأولى، ولا تعصاه امرأة، كسحابة مشوشة تمرّ بباله زوجته " زهرة" بجلبابها الذي يكنس مصطبة البيت.

"زهرة" الزّوجة المطيعة، الخدوم الصامتة، حتى حين رمى عليها يمين الطلاق وتركها، لم ترفع نظرها، خنقته رائحة الرّطوبة التي تفوح من تحت جلبابها، وقدميها المتشققتين وهي تهرول حافية على الطريق الترابي المؤدي للحقل.

ذات الكعب العالي تتمايل، شعرها ينهمر سيولة مع نسمات الصبح الباردة، يتراقص خصرها كغزالة بريّة، تنهمر من تحت ثوبها زهرة رمان يلعقها بريقه الناشف المتعطّش للون ورائحة ومذاق.

في زاوية الشارع يستقبلها رجل بسيارته السوداء الفاخرة، تصعد وتنطلق في الفضاء ضحكات مزغردة، يتشظّى فؤاده تجحظ عيناه، يدسّ علبة سجائره في جيبه ويراقب طرف السيارة التي تقلّها، لحظات ويختفي ظلّها، خطوتان يمتلىء المكان بدويّ وضجيج، وأصوات جمهرة المارين الذين أحاطوا بسيارة الاسعاف بأضوائها اللولبية اللامعة، يركض لاهثا للجهة الأخرى يتعثّر بثقل رجليه، كعبها العالي السابح بدمها على الاسفلت تخترق نقراته أذنيه فينزف احتراقا.

تنفلت من علبة سجائره فراشة بلونها الأحمر، شفافة كلزوجة اللمسة البكر..يبكي بين راحتيه، يهوي حلمه المدنّس من ثقوب السراب .

***

هيام مصطفى قبلان

الآنَ أَيَّتُها الذاكرة

الآنَ سأَفْتحُ صندوقَكِ الأبيضَ

المُحْتشدَ بكلِّ ماهو خفي

وعجيب ونائم فيكِ

ياذاكرتي الصاخبة

التي لاتتوقفينَ أَو تصمتينَ

أَو تنامينَ حتى لو نام جسمي

وتعطَّلَ رأسي بالكحولِ والأَوجاعِ

أَو غفتْ حواسّيَ الستُّ

في ليلِ السباتِ والنومِ

الذي يشبه الموت المؤقت

عندما كانَ يذكّرُني بهِ

السيدُ " وليم شكسبير "

حينَ كانَ يفاجئني متسللاً

مثل (ياجو) الخبيث

الى قيلولتي {الهاملتية}

ويصرخ في اذنيَّ الصغيرتين

(الموت نوم ثم لا شيء)

فانهضْ صاحبي ولا تمتْ

قبل أن ننتهي من عرض المسرحية

وإياك أن تنسى

(أن الدنيا مسرح كبير

يُمثّلُ عليهِ الرجالُ والنساء)

*

والآنَ تنفتحُ  ذاكرتي المُثقلةُ بالتواريخِ

والوقائعِ والناسِ والخساراتِ

والدموعِ والاسرارِ والتفاصيلِ الصغيرة

والذكرياتِ المريرة

والحكاياتِ الشعبيةِ الجميلة

في مدينتي الأولى

(الديوانيةِ) الطيِّبةِ الخجولْ

التي حدثَ أَنْ ولدتُ

على واحدٍ من شواطيءِ

فراتِها العذبِ الحنونْ

و (الديوانيةُ) التي أُحبُّ

كلَّ شيءٍ فيها

وخاصةً عندما كانتْ صبيَّةً

ترفلُ بالوداعةِ والعذوبةِ والحياءِ

الذي يجعلُها أَحياناً

تتعثَّرُ بثوبِها (الديولين)

أَو (الجرْسيه) الطويــــل

من تخومِ بابلَ الغامضة

وحتى فرات سواقيها وشطوطِها

وبطّاتِها العراقياتِ المُكتنزاتْ

وأَعْني : اناثَها ونسوانَها

وصباياها الحلوات والطيّبات

والعذبات والشَبقات العيون

والاصابع والاثداء والمؤخرات

المكتنزات حدّ الرغبةِ

واللذَّةِ الآسرة .

*

وأَتذكر الآنَ (الديوانية)

عندما كبرتْ ثم مرضتْ

وشاختْ وداختْ وحارتْ

ومن ثم هرمتْ

وأَصبحتْ الآن

" يابعد روحي "

وحيدةً وحزينةً وخائفةً

من الغامضِ والمجهول

وصارتْ تنامُ طويلا

وتسمعُ في كلِّ الأوقاتِ

بكاءً ونحيباً وعويلا

في كلِّ شارعٍ وبيتٍ

وليسَ فيها

لا كهرباء ولا ماء

ولاهواءً نظيفاً وعليلا

*

وناسُها الطيبون

(بِطَلْ حيلي عليهم)

قد أصبحوا أَيتاماً

وفقراءَ ومساكينْ

حيثُ لا فوانيس ولا قناديل

تُضيءُ لَيْلَهم الحزينْ

وقدْ شاعَ فيها الخرابُ

فأصبحتْ حبيبتي

ومدينتي وجميلتي

خاويةً و"عاويةً " وذاويةً

وليسَ لي فيها

اذا ماعدت يوماً من منفاي

إليها والى بيتِ أَهلي

حيثُ لمْ يبقَ لي والدٌ

ولا أُمٌّ ولا عَمٌّ

ولا خِلٌّ ولا خالٌ

ولا خليلٌ طيَّبٌ وأَصيلْ

وليسَ عندي أَخٌ حقيقيٌّ

قَدْ أَنجبتْهُ روحُ أُمي

حتى يكونَ لي ملاذاً

بعدَ غربتي المُوحشةِ

ومنفايَ الثقيـــــــــــلْ

***

سعد جاسم

كندا - 2022

يَهِلُّ الشَّيْبُ فِي سِرْبِ الْعَذَابِ

وَيَبْكِي الْعَنْدَلِيبُ صَدَى الشَّبَابِ

*

وَتَزْدَحِمُ الْمَوَاجِعُ فِي فِنَاهُ

وَمَا عَادَ الْمُحِبّ سِوَى اكْتِئابِ

*

تُوَدِّعُهُ الْغَوَانِي آسِفَاتٍ

ويَصْحَبُهُ الدَّوَاءُ بِالِانْتِحَابِ

**

فَيَا رَجُلَ الْمَشِيبِ احْذَرْ شَقَاهُ

وَدَارِ جِرَاحَ هَمِّكَ فِي الجِرَابِ

*

وَصَطِّبْ أُغْنِيَاتٍ خَالِدَاتٍ

لِذِكْرَى الْحُبِّ مَا بَيْنَ الصِّحَابِ

**

فَيَا أَسَفَاهُ يَا عَهْداً تَوَلَّى

هَجَرْتُ زَمَانَهُ بَعْدَ اغْتِرَابِ !!!

*

وَلَمْ أَذُقِ الْفَوَاكِهَ مِنْ جَفَاهُ

وَلَا اللَّحْمَ الشَّهِيَّ فَمَنْ دَرَى بِي ؟!!!

***

شعر: د. محسن عبد المعطي - مصر

 

 

النهر يكتم أسراره / المشهد الثاني (1)

كان اعتقادي أن واحدة من خزعبلات البشر التي يمكن إدراجها، أو أنا من يفضل تصنيفها في خانة الترهات الغبية ليس إلا. هو ذلك الحديث الطويل العريض عن القدر المفروض على وقائع حياة الإنسان وتصرفاته اليومية. فقناعتي كانت تامة بأن ليس هناك قدر مفروض، وإنما هناك وبشكل قاطع فعل متعمد. هذه القناعة التي حملتها لفترة طويلة، ودافعت عنها أمام آراء مختلفة لأصدقاء ومعارف، لا بل حتى أمام غرباء كانت تتهدل شفاههم دهشة واستغراباً ،حين يسمعون ما أفصح عنه في هذه المسألة الشائكة، وكنت دائماً مبشراً بوجود مادي للروح والجسد معاً، وليس هناك من انفصال بينهما، ولم أسمح لأحد أن يثلم ما كنت مقتنعاً به أشد الاقتناع، وأصبحت قضيتي أو فكرتي هذه أشعر معها وكأني أتفرد بها دون سواي.

اليوم أسجل في دفتري تأريخ التاسع عشر من حزيران 2005 . هذا التأريخ سوف يكون شاهداً على التغيير، أو هو الحد الفاصل بين فكرتين لم تكونا تنازعانني سابقاً، ولم أسمح لوجودهما مع بعض ولو لمجرد تفكير بسيط، وأن ينافس قناعتي حول تناقضهما. كنت حاسماً ومنحازاً في تفسير كليهما. ولكن مع هذا التاريخ أجد أن عنادي قد صرع بالقاضية، وتهشمت قلاعه وهوت مثل قصور رمل، لا بل مات وشبع موتاً، بعد أن وجهت له ضربة قاصمة ووضح معها خطل ما كنت اعتقده وصدقته كمسلمة لا تتزحزح .

  دون مقدمات تغيّر كل شيء، دون سابق إنذار ودون أي جهد. لم أستمع لنصائح أو ينتابني كابوس مفزع. فجأة دون مقدمات، وجدتني ألوك خاطراً ملحاحاً يدفعني عنوة للاعتقاد بأن هناك روحاً شريرة جاءت من خارج جسدي، وبغفلة مني تلبستني، سيطرت عليَّ بالكامل، وأن سقم جسدي بات ناتجاً طبيعياً لعذاب روحي وأشجانها. أعترف أن هذا الخاطر غلّ عميقاً في داخلي، وأنا أنسحب منزوياً مبتعداً حابساً تلك الروح الرجراجة الهشة الممزقة في غرفة صغيرة بأثاث معدم. سرير واحد يصر عند إرخاء جسدي أو شده، ومنضدة  تتكدس فوقها بعض الأغطية وتحتها صندوق حديدي يحوي مدخرات أمي التي أعتبرها مخلفات لملابس توحي رائحتها لزمن اندثر. فراش أمي فوق سجادة بالية يجاور باب الغرفة. مساحة الدار كانت الغرفة الوحيدة هذه، وفسحة إسمنتية تمتد أمامها نحو الباب الحديدي الخارجي. و كان هناك في زاوية من تلك الفسحة مستطيل  ترابي صغير يجاور السياج الكونكريتي الخارجي، تصر أمي على تسميته بحديقة وتتلذذ  بزراعته، ومعها كل الحق في تلك التسمية لو نظرنا للمحصول عند موعد القطاف، وبالذات حبات الطماطم القانية الحمرة المعلقة بغصون وأوراق خضراء، وما يضفيه المنظر من طراوة عند طرف المساحة الأسمنتية المغبرة.

في ذلك الوقت، كنت أشعر ببعض راحة وليس الوحشة بالمطلق. لقد سجلت كل حيثيات وشذرات ودقائق الأيام بقصاصات ورق أحتفظ بها تحت وسادتي. تحت ضوء الفانوس الكابي كنت أدون كل شيء ولم يفتني مشهد ما. لقد ركزت جهدي على توصيف التغيرات الجوهرية التي طرأت على فكري، وأيضاً ظنوني وتحفظاتي وكرهي للوقائع، وكيف واجهت الصدود والعدوانية من أناس كنت أستمع لوعودهم وتصريحاتهم فتسبغ على أمالي الكثير من الغبطة والفرح.

أعرف أن تدوين الأحداث نوع جيد من الخداع، يساعد على تزجية الوقت والسيطرة على الروح، والأكثر من هذا يبعد ولو لقليل من الوقت، القلق والضجر عن النفس بنوع من المماحكة الصعبة. ولكن لحظات الكتابة، في أغلبها، لم تكن لتعينني على إفلات روحي من قيد خيبتها ويأسها المحكم والتفكير بما يخبئه أو يكون عليه مستقبلي.

*****

كان ذلك يوماً مختلفاً. فجأة سمعت طرقاً على الباب الخارجي، ثم صرير الباب الحديدي الثقيل وهو يوارب. بعدها صوت خطوات ثقال على أرضية الفسحة المقابلة للباب الداخلي. رفعت رأسي عن الوسادة وطالعت صورة القادم، وأخيراً كان صوته الأجش بفخامته المزعجة الثقيلة، التي تطرق الأذن وكأنها صوت مزمار صدئ  لحافلة نقل ركاب قديمة متهالكة، قادمة من خلفك،  أو نهيق حمار يغافلك ليضع شفتيه الغليظتين قرب راسك ثم ينهق بأعلى صوته.

ـ خالد ....لك داد خالد ...خلودي أني ابن عمك وهاب.

أجبته بتثاقل دون أن أحرك جسدي.

ـ شتريد ؟

ـ أخوية أبو الخلود .. جا وين حجيك ذاك ...وين زماطك ؟

ـ شتريد ..لتداهرني تره اسبك واسب الكون كله .. خليني بقهري وروح شوف غيري تسولف وياه.

ـ عيوني أبو الخلود ...حجاية  زغيره  وأروح ..والله أريد أفيدك.

حركت جسدي فشعرت ببعض الغثيان، ثم استقامت قامتي فتوجهت نحو باب الغرفة وفتحته.احتضنني وهاب بقوة شعرت معها بأن سلسلة من عظامي بدأت بالصرير والنواح فدفعته جانباً.

ذاك اليوم زرعها هذا الملعون في رأسي مثل علة شيطانية، بدأت تتسلل بين أوردة جسدي وشراييني. ماضية في رواحها ومجيئها، هازة كياني مقلقة وضعي، مربكة تفكيري الذي كان في قمة عجزه وهشاشته. شطرت روحي لا بل شظتها إلى بقع متنافرة متباعدة.

 من أين له هذه الأفكار هذا الوهاب الخبيث ؟ ليتني لم ادعه يدخل الغرفة تلك الساعة. لو أني أخبرت أمي سلفا، وطلبت منها منعه من الدخول. هذا الوحش الكاسر دفع  بي وحشرني وسط متاهات لا قرار فيها.لا بل كان مبيتاً لنية أن يراني بعدها مضرجاً بدمي أو مقيداً بالسلاسل. كانت نواياه الشريرة محسوبة بدقة وعرف مسبقاً ما يريد أن يصل إليه.

يا ترى أتكون صفات البغض والخبث متوارثة مع الجينات! إنه يحمل الكثير من طباع أبيه. ذلك الوحش الكاسر الذي سام أبي مر العذاب قبل أن يُقتل. أتذكر ميتته البشعة حين وجدوه ممزق الجسد مضرجاً بدمائه دون أن تتعرف الشرطة على قاتليه، وكثر الهمس حول الأسباب ولكن دوافع القتل ظلت تلوكها الألسن متذكرة معها مساوئ  كثيرة  كان يتمتع بها عمي.

سهمت وأنا أستمع لحديث وهاب، بكلماته المتسارعة  الضاجة، وهو يمازج الجد بالهزل، ولكن نبرة الإقناع والاقتناع جعلتني أصغي إليه بوجل.

ـ خالد حبيبي..يمته خلصت جامعة ؟

أجبته بتململ وضجر..

ـ شنو متعرف.

ـ أعرف .. بس جم سنة صار وانته أدور على شغل؟

 ـ وأنته شنو..صاير حنين.

ـ مو  خمس سنين كافية تلف بيه بين شغل يوم وعشرة بطال.

ـ ليش أني لكَيت شغل ثابت وتبطرت عليه ..حته شرطي ردت أصير ..رادو مني دفتر...كَلي مخلص الحجي شتريد..

ـ أنته مو جنت مدرب للسلاح بخدمتك العسكرية؟

ـ أي جنت.

ـ تعرف كل شي عن قطع السلاح ..كل أنواع السلاح ..مو؟

ـ أعرف، بس شنو دخل هذا بالموضوع..شنو تريد تكول ؟

ـ أوكي حبي..أريدك تشتغل ويانا.

-ـ شنو أشتغل أوين وأنتم منو ..؟

ـ دون لف ودوران...أحنه نشتري ونبيع الأسلحة...شغلتك سهلة.. بس فحصها واستلامها وتسليمها..

ـ هيه هذه شغلة ...هاي مغامرة خطرة وجبيرة وكسران ركَبة..

ـ صحيح ابن عمي.. مغامرة ولكن فلوسها تستحق المخاطرة موشلون ماجان..فكر زين، مسؤوليتك مو صعبة سلم واستلم وأبوك الله يرحمه..بعدين راح تشوف شلون حالك يتغير وتلعب لعب بالفلوس..فكر زين وباجر أمر عليك..مزمز وراح تدعيلي طول عمرك.

انسل مثل الزئبق عبر باب الغرفة وتركني مصعوقاً حائراً يلف رأسي دوار غريب. لم يكن هناك من منفذ، فكلماته واضحة اندفعت نحو رأسي مباشرة.رأسي الذي حشي بالضجيج واعتمر باليأس.عقلي الذي بدا هشاً مشتتاً، ولكني وبعد أقل من يومين حسمت الأمر.

مضت على تلك الواقعة بضعة أسابيع كنت فيها مثل المهووس المجنون. فقدت فيها الشحيح مما في قلبي من ود ومحبة لعالمي وما يحيط بي. ما عاد يعنيني ما يأتي به اليوم  القادم  بقدر ما كنت أشغل نفسي وأغلها في لهو يومي لا يهمني فيه  إن كان مناسباً  أو غير مناسب لشخصي. أتنقل من مكان إلى أخر، أحمل قطعة السلاح أفحصها ثم أسلمها لشار أو أتسلمها من بائع. ولم أكن في كل تلك المقابلات للتسليم أو الاستلام أهتم بشخصية من أقابلهم، رغم ما كنت أحمله من مشاعر تهيب وتوجس وخوف وحذر. كان وهاب بدوره يهيئ ليَ ما تحتاجه العملية ويعطيني النقود بعد انتهاء المهمة.ويردد دائماً:

ـ ها أبو الخلود..شلون الأجواء؟

فأجيبه بنفرة وضجر:

ـ الكالة أخت المداس ..وضاع الداس  ياعباس..سلم الفلوس أو ولي عني ..

***

فرات المحسن

عبد الامير العباديامرأةٌ في اقصى الجهاتِ

قالوا جُرِحَ قلبها

استوطنتْ ادغالَ الدنيا

تبحثُ عن ضماداتٍ لِقلبها

قلتُ اني انهيتُ إعدادَ حقيبةِ اسفاري

حملتُ شرايين قلبي كي اقطبَ جراحاتها

 

امرأةٌ تهزُ مهدَ الالهةِ

تداوي ساعاتِ السحرِ

أنى لكِ تلكَ الشموعُ

اخبرتني ثمةَ عيونٍ لا تعرفُ الحسدَ

ايقضتْ صحوي ارجوحةُ مصيرٍ

عفيفةٌ من احببتها

فتحتُ لها اسرارَ صمتي

انتصبتُ الهاً نذرتُ له العمرَ قرباناً

 

تسألني النساءُ عن اصولِ العشقِ

أتهافتُ ابحثُ عن فكِ طوقِ عذاباتي

اقولُ لعلني اخطأتُ يا امرأة

يأتي الصدى اقتربَ

السماءُ تحتضنُ من عشقتْ

تعلقها كوكبٌ سماويٌ يا رجلُ

 

يا أمراه لقد تعاقدتُ مع الالهةِ

اشتري لكِ جبلاً ومنصةَ شعرٍ

القي في حضرةِ الكهنةِ

قصيدةً، قلتُ دونوها

بأحبارِ اوردتي 'انثروها

مع كلِ الصباحاتِ الفيروزيةِ

 

الان خذي ما تبقى

من شذراتِ نزفي 'قولي ما تشائين

قررتُ ان تكون جذوراً

لعمري الذي افنى جذوره

تبركاً باغصانِ حبكِ

 

أنا وانتِ اي حرفٍ يجمعنا

احرفُ الحبِ ما خُلقتْ الا لاجلكِ

كي تكوني مليكةً لحبٍ انتِ تاجه المؤبدِ

 

من الحماقةِ ان لا تعشقي

لا مدوناتٍ ترصعُ سحرَ غورنا

انتِ المخطوطةُ الازليةُ

وانتِ النقوشُ والازاميلُ

وقلبي اللوحُ الذي ينتظرُ لبَ ريشتكِ

لنكتبَ قصةَ حضاراتِ هذا الوله الخالدِ

 

يا خاتمتي المؤبدةِ

لقد مخرتِ كل عبابِ البحورِ

أنا يا سيدتي مولوي في النسكِ

ادعو لاكونَ آخرَ المتصوفةِ

وأشعاري حتفٌ يسوقني قنديلاً

يضيئُ لشهداءِ الحبِ

***

عبد الامير العبادي

 

ناجي ظاهرجمع صخر العدوان في اسمه ما بين اسمين، يكمل احدهما الآخر ويعزّزه ايضًا، وكنا نرى فيه اسمًا على مسمى، فقد قسا علينا، نحن ابناء حارته، واحدًا تلو الآخر، ولم يوفر أيًا منا ليوم كريهة وسداد ثأر. كأنما هو يقتصُ منا.. وينزل فينا عقابًا كان يفترض ان ينزله بقتلة والده قبل ولادته بأشهر، الامر الذي دفع احد ساخرينا إلى القول: " مقدرش على الجمل دق بالبُردعة". أما أنا فقد راقبته منذ بداياته أيام أراد أن يكون شاعرًا مفلّقًا، وأصدر مجموعة من الشعر دلّت على موهبة متدفقة، وعلى قدرة معجزة في الاغتراف من بحر الشعر، وليس النحت من صخره، وقد كنت معجبًا به آنذاك.. كل الاعجاب، فرُحتُ اكيلُ له المديحَ على الطالع والنازل، ما حبّب الكثيرين من أبناء حارتنا به ودفعهم لأن يخطبوا ودّه.. وحتى حينما وقع الحادث الاكبر في حياته، ذلك الحادث الذي بقي متحفظًا عليه.. كما يتحفّظ الموجوع على دُمّله، بقيت واقفًا معه.. وإلى جانبه، أما عندما انقلب من العدوان الركيّض، إلى عدوان الاعتداء، فقد كان لا بد لي من توجيه السؤال الخالد إليه: لماذا؟، فبرر عدوانيته المستجدة.. بقوله إنها كانت ملجأه الوحيد للمضي في رحلة الحياة الصعبة، وإنه إنما أراد بها أن يُعلّم الحياة درسًا لا تنساه، مضيفًا ان الحياة هي الناس، الاخصام والاحباب أيضًا.

بعد ذلك الحادث الذي تكتم عليه صخر حتى أيامه الاخيرة في الحياة، لم يعد هو.. هو وإن كنا بقينا نحن، أنا على الاقل، أنا.. أنا، وكان سبب بقائي على ما أنا عليه، هو إيماني المطلق به وبرسالته الشاعرية، غير أن ما حصل فيما  بعد، هو أن طرقنا اختلفت وتصالبت مع بعضها بعضًا، وقد جاءت النتيجة على النحو التالي، هو ترك عبادة ربة الشعر هاجرًا إياها إلى ربة المال، وأنا بقيت على حبي للربّة الاولى، الامر الذي دفعه لأن يُعيد.. وأن يكرر وصفي بـ الابله. وقد تقبلت وصفه ذاك، لمحبة تأصلت في نفسي تجاه ابطالنا المُهجّرين أولًا وتجاه ابنائهم الميامين.. وهو منهم ثانيًا.

للحقيقة أقول إن صخرًا كان عنيدًا وطموحًا أيضًا، في كل ما يقوم به ويمارسه من أفعال، وهو لم يكن يؤمن كثيرًا بالأقوال، وكان يراها بضاعة الخائبين، أمثالي، لذا عندما انتقل من عبادة الشعر إلى عبادة المال، كان دائم السعي والتنقيب عن المصادر المترخنة الغنية بالأموال، فتنقّل من عمل إلى آخر.. ومن منصب حسّاس.. دسم إلى آخر، وكان أن توصل في فترات حياته الأخيرة، بحنكته وتخطيطه المحكم، لتولي ادارة مؤسسة ثقافية ذات قيمة وشيمة، وذلك بعد حكاية تروى، فقد تم تعيينه خلال، وبعد ندوة أقامتها تلك المؤسسة وحضرها مستخدموها جميعهم تقريبًا، ومما نُمّي إلي أقول: إنه ما أن انتهى رئيس المؤسسة من طرح وجهة نظره القائلة بأن على الجميع أن ينصاعوا لأوامره، إذا ما أرادوا وضعًا أفضل لهم وللمؤسسة، موضّحًا أن السفينة إنما تُقاد بهمّة ربانٍ واحد فقط، وأن الطبخة إذا ما كثُر طباخوها شاطت، حتى انطلقت تذمرات مستخدمي المؤسسة الرافضة لمنطق، لا يرى أي منطق سوى منطقه الخاص سليمًا، ويبدو أن صخرًا رآها فرصة سانحة، فراح يكيل المديح للرئيس.. ولما فاض به لسانه من حكم تشبه الدرر، بل إنه تمادى في موقفه ذاك، فراح ينتقد المنتقدين داعمًا رأيه بأهمية نقد النقد.. منطق صخر ذاك أعجب رئيس المؤسسة، فما كان منه إلا أن أشار إليه بهزة من رأسه، طالبًا إليه أن يتبعه بعد انفضاض الاجتماع إلى غرفته في أعماق المؤسسة.

بسرعة التوافق بين الطيور المتجانسة، تمّ الاتفاق على أن يتولّى صخر، ابتداء من اللحظة، بل من الآن، منصب مدير المؤسسة، فالثقافة تحتاج إلى مَن يصونها ويرعاها، وليس إلى مَن يُميّعها.. كما اتفق الاثنان، الرئيس وصخر. في اليوم ذاته تولّى صخر منصبه، حمل حقيبته الديبلومات، وتوقّف في أعلى مرتفع في المؤسسة مُراقبًا كل ما يحدث فيها، وكان أن أجرى لقاءات تعارف أولية بينه وبين موظفيه، بهدف اعطاء كل ذي حق حقه وتوكيل الانسان المناسب بالمهمة المناسبة.

أجرى المقابلات مع موظفيه واحدًا تلو الآخر، وعندما توقف قبالته الموظف الثالث، ادرك انه عثر على بغيته، فطلب منه أن يقترب منه وهمس في أذنه قائلًا له إنه وقع الاختيار عليه ليكون الساعد الأيمن له في مراقبة ما يدور في المؤسسة، من أجل نجاعة أكثر في أدائها. انتهى الاجتماع بين المدير الجديد وبين مستخدميه الجُدد في المؤسسة، ليتفرق كل عائدًا إلى مكتبه وعمله.

في اليوم التالي، وهذا ما عرفته من ذاك الموظف "العَين" ذاته، بعد حكاية سأؤجل سردها قليلًا، جاءه هذا الموظف بخبر مفاده أن هناك تذمرًا جديًا بين الموظفين بسبب تجاوز رئيسهم لهم وجلبَ شخصٍ من خارج المؤسسة ليكون مديرًا عليهم، وأشار إلى موظف مشاكس عُرف بالرفض وعدم القبول للكثير من الاوامر. هزّ صخر رأسه علامة على أن حَبَّ الموظف المقصود وصل لحظة الطحن، فوضعه تحت المجهر طوال أربع وعشرين ساعة ليدعوه فيما بعد، انت قمت بالكثير من التقصيرات في عملك خلال الاشهر الماضية، لذا فإنني أسلمك كتاب الفصل. بإمكانك التوجه إلى محاسب المؤسسة لتقاضي أجرتك واتعابك مع حبّة مسك. وعبثًا حاول الموظف استعطافه، متوسلًا إليه بأنه أب لخمسة اطفال ويحتاجون للكثير من أجل إعالته لهم، فقد اصم اذنيه، فما كان من هذا الموظف إلا أن توجّه إلى رئيس المؤسسة طالبًا منه إعادة النظر في فصله المباغت من العمل، وقد عرفت مما نمي إلي، أن الرئيس فتح ملف الفصل عن العمل، ليتأكد من أنه عثر على المدير المناسب، وليواصل رفضه لإعادة النظر المطلوبة في فصله عن عمله. وعندما دخل صخر غرفة رئيس المؤسسة.. وقع ما كان يتوقعه، لقد قررنا رفع درجتك، لتكون مساعدًا اوليًا لي. لكن كيف سنملأ الفراغ الذي خلفه ذاك الموظف الكبير؟ ابتسم صخر وهو يرسل نحو رئيسه ابتسامة ذات الف معنى ومعنى.. أترك هذا علي.. في اليوم التالي كان صخر قد ملأ الفراغ بأحد اتباعه الراضخين له.. على طول المدى.

وكان صخر كما قال لي جاسوسه ذاك الموظف، قد استبدل معظم موظفي المؤسسة، بأشخاص آخرين هو راضٍ عنهم. بعد هذا، كان عليه ان يُسدّد ضربته الأخيرة إلى ساعده الايمن، ذلك الموظف، ولم يكن صعبًا عليه أن يخيط له ملفًا، يمكن أن يدخله السجن، وليس الاقالة من عمله في المؤسسة وحسب، إلا أنه وُجه هذه المرة بقوة كبيرة، فما كان من هذا الموظف إلا أن فرط كيسه من أسفله إلى أعلاه، وهو ما أدى إلى موافقة رئيس المؤسسة الفصل.. شكليًا.. اولًا، ووضع مديرها، صخر العدوان ثانيًا، تحت المراقبة أربعًا وعشرين ساعة، مستعينًا بالموظف المفصول ذاته، وطالبًا منه أن يكون عونًا له في كشف عورات مدير المؤسسة. لم تمض سوى أيام حتى تبين أن صخر العدوان قد سيطر على المؤسسة الثقافية سيطرة شبه تامة، وعندما توقف رئيسها حائرًا ما بين الشك واليقين، قرّر أن يلعب لعبته الكبرى، .. في أن يمتحن قدرته وأن يكتشف العطل، فاستدعى صخرًا وسلّمه كتاب إقالته من عمله مديرًا لمؤسسته. تقبّل صخرٌ الامرَ ببرود أعصاب عُرف به، منذ ذلك الحادث الذي تكتم عليه حتى يومه الأخير في عالمنا، وما أن خرج من غرفة رئيسه، حتى عقد اجتماعًا لأصدقائه الموظفين، تباحث معهم في كيفية الرد على مديرهم، فاتفق هؤلاء على مقاطعة المدير، وعدم العودة إلى العمل إلا بعد إعادة صخر إلى عمله.

أوصل ذلك الموظف المفصول شكليًا، الانباء إلى رئيسه أولًا بأول، فما كان من الرئيس إلا أن ضرب ضربته القاصمة، وشبه الانتحارية لانقاد سفينة مؤسسته.. وافق على استقالة جميع موظفي مؤسسته غير آسف على أيٍ منهم، وكان آخر من أقالهم ذلك الموظف الجاسوس الملازم للجميع. الامر الذي دفعه لطلب اللقاء بي، على اعتبار انني من اصدقاء صخر العدوان.. وسرد تفاصيل ما جرى له في أيامه الاخيرة. وها انذا اروي لكم ما رواه لي، دون زيادة او نقصان، أما صخر العدوان فقد عاد إلى بيته.. وقد اعتمت الدنيا في عينيه.. واستسلم لنوم عميق... عميق..

 

قصة: ناجي ظاهر

 

 

سوف عبيدفي عامه الخمسين

لجلوسه على العرش

اِنتصب أنو شروان في صدر الإيوان

بين يديه الأمراء والوزراء والأعيان

والجواري والغلمان

*

ظلّ أنو شروان صامتا

لم ينبس ببنت شفة

ولا حتّى اِبن لسان

أطرق زمنا

وجم الحاضرون في أماكنهم

لا أحد يجرؤ على الكلام

طال إطراق أنو شروان

فجأة هزّ رأسه كسرى أنو شروان

وقال ـ أتدرون ما ألذّ شيء

في الدنيا؟

لا أحد عزم أمره أجاب

*

حينذاك قال كسرى أنو شروان

ـ أخذت من الدنيا كلّ شيء

شربت حلو الشّراب

أكلت شهيّ الطعام

لبست فاخر الثياب

أنا الذي سلطانه من هنا

إلى أقاصي البلدان

ونلتُ من كلّ حسن وجمالْ

فلم أجدْ في الدّنيا

ألذَّ

من مُحادثة الرّجالْ !

***

سُوف عبيد

 

عبد اللطيف الصافيلأجلكِ يَا حَبِيبتي

سأجْعلُ منْ رذاذِ الغيْمِ

زاداً للقُلوبِ البائِسةِ

وأَرْوي عطَشَها بدَمِ الرِّيحِ

سأُربِّي الحلْمَ الذِّي يطْفُو فوقَ ملْحِ عَيْنيكِ

أبثُّهُ قواعِدَ العشْقِ الأربَعونَ

وآياتٍ بيِّناتٍ منَ الجُنونِ

سأكرِّسُ كلَّ حَواسي لِرَائحةِ المَطرِ

أجْعلُ منْ ثغْركِ العَذْب

معْزوفةً متْرعةً بالجَمالِ

تداعبُ أوْتارَ قَلبي

سأَهْدِمُ كُلَّ معَابِدِ الْحُبِّ الْقَدِيمةِ

أهْزِمُ الْحَنِينَ الَّذي يُسَيِّجُ رُوحِي

وأمْضِي مِثْل ضوْءِ البرُوقِ

أفضُّ بَكارةَ اللَّيلِ

فترقصُ النُّجومُ بينَ تلالِ نهْديكِ

تُضيءُ وُشُومَ الْفرحِ

البَادِيةَ عَلى جَسَدِكِ الْمُرْتجِفِ

مثلُ بُرْكانٍ

حِينئذٍ

سَيكونُ بوُسْعي يا حَبيبتي

أنْ  أحتضِنَ صوْتَ النُّبوءاتِ

المشْتعلِ في دمكِ

وأنْ أهزَّ عُروشَ خيْلكِ المُسرَّجةِ

خلفَ أبوابِ الصَّمتِ

وأصْرُخَ في العالَمِين

مِلءَ أَشْواقِي

من فَوْقِ الْمآذِنِ

بيْنَ شُقُوقِ الْماءِ الْمُتَوهِّجِ فِي صَلَوَاتِي

فِي سرِّي و عَلانِيَّتي

وعَلَى مَائدة إحْتِضارِي

أحِبُّكِ.

***

عبد اللطيف الصافي/المغرب

 

محسن عبد المعطيقِصَّةُ الْغَزَالِ فِي ضَوْءِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفْ

يَا رَوْعَةَ الْغَزَالِ!!!=فِي قِمَّةِ الْجَمَالِ

رَشَاقَةٌ وَخِفَّةٌ=يَا مَضْــــرِبَ الأَمْثَالِ

إِشْرَاقَةٌ وَسُرْعَةٌ=تَعِيشُ فِـــي خَيَالِي

عِنْدَ الشُّرُوقَ – إِخْوَتِي=يَا فَرْحَــةَ الْأَطْفَالِ!

وَالْمِسْكُ – يَا أَحِـبَّتِي-=بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ

                      ***

عُرْبٌ كِـــــــرَامٌ لَقَّبُوا=الشَّمْسَ بِالْغَزَالةْ

فِي وَقْتِ إِشْرَاقٍ لَهَا=بِفَضْلِ ذِي الْجَلاَلَةْ

                      ***

لَحْمُ الْغَزَالِ طَيِّـبُ=وَالْمِسْـكُ مِنْـهُ أَطْيَبُ

كَمَا أَبَانَ سَــيِّـدِي=خَيْرُ الْأَنَامِ الْمُهْــتَدِي

فَطَيَّبَتْهُ عَائِشَةْ=قَبْلَ الطَّـــــوَافِ الْأَمْجَدِ

فِي يَوْمِ نَحْـرٍ خَالِدٍ=لَدَى الزَّمَانِ الْأَبْعَدِ

               ***

اَلْمُسْلِمُونَ فِي الطَّوَافْ=كَأَنَّهُـــــــــمْ غِزْلاَنْ

فَحِينَمَا جَــــاءَ الرَّسُولْ=اَلْمُصْطَفَى الْإِنْسَانْ

وَقَصْدُهُ أُمُّ الْقُرَى=فِي الْعُمْرَةِ الْمُقَدَّرَةْ

وَمَعَــــهُ أَصْحَابُهُ=كَعُصْبَةٍ مُسْتَبْشِرَةْ

مِنْ بَعْدِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةْ=بِسَنَةٍ يَا صَحْبِيَهْ

يَأْمُرُهُمْ بِالْهَرْوَلَةْ=رَسُولُنَا مَـــــــا أَنْبَلَهْ!

فَالْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْ=رٌ وَالْجُمُوعُ مُكَبِّرَةْ

وَالْمُشْرِكُونَ أَبْصَرُو=هُـــــمْ قُوَّةً مُعَبِّرَةْ

عِنْدَ الطَّوَافِ الْهَرْوَلَةْ=وَالْمَشْيُ بِالرُّكْـنِ الْيَمَانِي

فَشَبَّهُوهُمْ عِـــــنْدَ ذَا=كَ الْحَالِ بِالْغِــــــــــزْلاَنِ

                 ***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

 

فرات المحسنفي الجنوب البعيد، في قرية نائية. هناك حيث يغور الجوع والمرض بعيدا في تلك الشعاب والسواقي وبيوت الطين، ليصطاد ويغل حقده في صدور البشر دون رقيب وحسيب. كان جبار مطشر مهودر، بعامه الذي لم يدون في تأريخ محدد، يشذب سعفاته، استحضارا لطلب جديد. فقد أمتهن منذ طفولته صناعة المقاعد والمناضد من سعف النخيل.  

 يروي جبار مطشر مهودر بفيض من كلمات، إن عمره من عمر ملك العراق فيصل الثاني، الذي قتلته اليد الظالمة في اليوم الأول من جمهورية عبد الكريم وعبد السلام. هذا ما يؤكده جبار مطشر  بتلذذ يخالطه شيء من الحزن، حين يُسأل عن عمره. يدون في ذاكرته هذا التأريخ مع تفاصيل أخرى، يلذ له الحديث حولها، ويردف ذلك بالقول تأكيدا لما يرويه، بأنه سمع ذلك وغيره، من عمته لطيفة، التي ماتت بالتدرن بعد وفاة أمه بعشرة أعوام، لذا أحتاج لمعرفة يوم مولده مدة ليست بالقصيرة، ودائما ما يقول بأنه ما عاد يأسف لضياع أيامه، ولا حتى سنوات طويلة قضاها هاربا من الخدمة العسكرية، يجوب الهور، يعبر الحدود نحو إيران هربا من رجال الأمن العراقيين، ومن ثم يعود هاربا حين يطارد من الشرطة الإيرانية.

 كان يمط شفتيه ويشعر بالنشوة وهو يتحدث عن عمره، الذي يقرنه بولادة ملك العراق، بالرغم من أنه لا يعرف بالضبط في أي عام أو يوم ولد ذاك الملك. ولكن جبار مطشر مهودر يقول إن عمته لطيفة كانت ذكية نبهة وتؤرخ للقرية حوادثها وأبناءها، لذا لا يمكن الشك فيما تقوله أو تعلن عنه.

 دائما ما يبدو جبار مطشر في حديثه عن عمره، وكأن له علاقة قربى بذاك الشاب الجميل الطلة الأنيق الذي اغتالته رصاصات رعناء، لم تأخذ بالاعتبار حتى صلة الرحم التي تربطه بآل بيت النبوة، هكذا يصف جبار الملك فيصل الثاني والواقعة التي أسست للجمهورية الأولى في العراق.

 يسرح في البعيد، ومع دقات فأسه فوق اللوح الخشبي وهي تشذب السعف وتنضده، يتذكر سنوات عمره التي سارت بعجالة، دون أن يتغير حاله كما حال قريته المنسية الراقدة بين الماء والسماء.

فوق حصير جوار باب كوخه الطيني، جلس جبار مطشر مهودر يبسط يده ويرفعها في عمل دؤوب مثابر،تحيطه كومة سعف نخيل، وجواره جلس حفيده ذو التسعة سنين، ينظر لكف جده وهي تعمل بترو ودقة، فيشعر بذات الزهو الذي يعتمر قلب جده.

ـ جدي ، مَن هو بوش؟!

قال الحفيد وهو يتطلع لفأس جده وهي تنقر برتابة غصن السعفة لتشذبه. 

بوجه باش وابتسامة عريضة أجابه الجد

ـ بوش هو رئيس أمريكا.

ـ أهو من عشيرتنا؟!

ـ كلا يا ولدي فهو رئيس أمريكا.

ـ وأين تسكن عشيرة أمريكا؟

ـ أمريكا ليست عشيرة، أمريكا دولة يا ابني.

ـ وأين تقع دولة أمريكا؟

ـ إنها بعيدة جدا عنا.

ـ أبعد من سوق الشيوخ؟

ضحك الجد بصوت مكتوم قبل أن يرد، وراح يمسد شعر حفيده :

ـ أبعد وأبعد.

ـ أبعد من الناصرية ؟.

ـ أبعد وأبعد يا ولدي. قالها وتغضن جلد خديه، حين انفرج فمه عن ابتسامة برزت معها عظام وجهه المكدود الهرم، وبقايا أسنان نخرها دخان التبغ.

ـ أبعد من بغداد؟ 

ـ إنها بعيدة عنا جدا، بعد السماء عن الأرض.

ـ ولكن لماذا تأتي وتضربنا بالقنابل مثلما يقول أبي.

ـ إنها تريد أن تأخذ نفطنا.

ـ ولكن جارنا أبو أرحيم جاء وأخذ منا صفيحة نفط ، برضانا دون أن يؤذينا.

ــ إنه قدر فرض علينا يا ولدي.

***

فرات المحسن 

 

 

 

 

في نصوص اليوم