المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

ثرثرة على ضفاف الكتابة نبذه عن حياة الفيلسوف اوغيست كونت

fatima almomaniاوغست كونت Auguste Comte 1798-1857 يعد تلميذا لـ سان سيمون Saint-Simon وهو فيلسوف فرنسي وعالم اجتماع، بحيث أكد على ضرورة بناء النظريات العلمية المبنية على الملاحظة، إلا أن مؤلفاته كانت على جانب عظيم من التأمل الفلسفي، ويعد هو نفسه الأب الشرعي والمؤسس للفلسفة الوضعية. أسس المذهب الوضعي القائل أن لا سبيل إلى المعرفة إلا بالملاحظة والخبرة. إذ تقوم الفلسفة الوضعية على أن الفكر الإنساني لا يدرك إلا الظواهر المحسوسة في العالم الذي نعيشه. .

فالمذهب الوضعي الذي وضع "أوجست كونت " أسسه مذهب مادي إلحادي يقوم على الإيمان بالمادة وحدها، وينكر كل ما وراء المادة والحس، ويرى أن المعرفة اليقينية هي المعرفة الحسية المادية التي تقوم على الملاحظة والتجربة الحسية. وكل معرفة لا تقوم على الحس أو التجربة فإنها عند هؤلاء وهم وخيال . فهذا المذهب إذن ينكر جميع الأديان، ويرفض الغيب والمغيبات عن الحس، ويطعن في كل معرفة تأتي عن طريق الوحي.

ولقد شكل هدف كونت الأسمى هو إصلاح المجتمع ليعيش الناس في توافق وانسجام، ومذهبه عرض في كتابه: محاضرات في الفلسفة الوضعية، (1830- 1842) وفيه يبين المراحل الثلاث التي اجتازها الفكر في تطوره. يرى كونت Comte أن تاريخ البشرية ينقسم إلى ثلاث مراحل من التقدم الشامل: المرحلة الدينية، والمرحلة الميتافزيقية، ثم المرحلة العلمية. تمثل المرحلة الأولى المرحلة اللاهوتية théologique: حيث يعتقد الناس أن الموضوعات الجامدة التي لا حياة فيها هي موضوعات حية ولقد مرت هذه النظرية العامة نفسها بثلاث مراحل:

Animism or Fetishism -1: والتي تنظر إلى كل موضوع على أن له إرادته الخاصة.

Polytheism -2: والتي تعتقد أن الكثير من الإرادات السماوية تفرض نفسها على الموضوعات.

Monotheism -3: والتي تعتقد بوجود إله واحد يفرض نفسه على الموضوعات وعموما فإن المرحلة اللاهوتية تتميز بسيطرة اللاهوت على النظام ويتسم الأفراد بالبدائية حيث يعتقدون في الخرافات وتعتبر العبودية والعسكرية من السمات الرئيسية لهذه الفترة.

أما المرحلة الثانية وهي المرحلة الميتافيزيقية métaphysique: وهي الفترة التي حدث فيها تفسير للسببية بلغة القوى المجردة، حيث تحل الأسباب والقوى التجريدية محل الإرادات وتسود فكرة وجود كيان عظيم واحد هو الطبيعة.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي المرحلة الوضعية positivisme : وتتميز هذه المرحلة بأنها مرحلة إيجابية يحل فيها العلم محل الخرافات حيث يطور البشر عملية التفسير بمصطلحات العملية الطبيعية والقوانين العلمية وعند هذه النقطة من تطور المجتمع يصبح من الممكن التحكم في الأحداث الإنسانية، ويعتقد كونت Comte أن المدنية الأوروبية قد وصلت بالفعل إلى المرحلة الوضعية من التحكم في الظروف الطبيعية وأصبحت على حافة الوضعية فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية .

وبهكذا شكل لكل مرحلة تطور مادي مماثل، ففي المرحلة اللاهوتية تسود الحياة العسكرية وفي المرحلة الميتافيزيقية تسود الأشكال القانونية أما المرحلة الوضعية فهي مرحلة المجتمع الصناعي، وهكذا يتمسك كونت بأن التطور التاريخي يكشف عن حركة متوافقة للأفكار والمؤسسات.

لقد كرس للدعوة إلى العلم أكثر من اهتمامه بموضوع العلم وبحيث كان ينظر إلى العلوم على أنها أما عمليه تطبيقيه او نظرية او إنها علوم وضعية او أنها علوم وضعيه ملموسة و أخرى مجرده حيث تهتم الأولى بالظواهر الملموسة وتعالجها بينما الثانية تنشغل باكتشاف القوانين الطبيعية التي تحكم هذه الظواهر وتحدد وجودها إذ تحتل الرياضيات قاعدة السلم لأنها تهتم بالجوانب المجردة لجميع الظواهر يليها الترتيب الميكانيكا والتي خلط كونت Comte بينها وبين الفلك ثم الفيزياء و الكيمياء فالبيولوجيا وفوق كل ذلك يكون علم الاجتماع أو الفيزياء الاجتماعية.

في الواقع إن كونت نقل المنهجية التجريبية من ساحة العلوم الفيزيائية لكي يطبقها على المجتمع نفسه ومختلف الظواهر الإنسانية. وهنا تكمن إحدى الميزات الأساسية للفلسفة الوضعية. فهي فلسفة علمية دقيقة لا تؤمن إلا بالحسابات والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية. إنها فلسفة تهتم باكتشاف القوانين، سواء أكانت القوانين التي تتحكم بالظواهر الطبيعية والفيزيائية، أم القوانين التي تتحكم بتصرفات البشر وعقليتهم. وكان كونت Comte يتصور أن البشرية كلها سائرة لا محالة باتجاه المرحلة الوضعية أو العلمية. ولكنها لن تتوصل إليها في نفس اللحظة. فالمجتمعات الأوروبية أو الغربية سوف تسبق غيرها إلى ذلك.

مهما يكن من أمر فإن اوغست كونت تغير نسقه الفلسفي الذي كان يحكمه العقل صار يقوم على منطق الحب والسبب في ذلك قصة الحب التي عاشها والتي لم تغير مجرى حياته فحسب وإنما نسقه الفلسفي الذي كان منخرطا في البحوث الوضعية العلمية الجافة. لقد استفاق كونت Comte من غفلته وعرف أن هناك قيماً أخرى في الحياة غير قيم الصناعة والتكنولوجيا والتقدم المادي. ولكن للأسف فإن الحضارة الغربية لم تتبع كونت الثاني وإنما ظلت متعلقة بكونت الأول. بل واعتبرت أن كونت الثاني خان كونت الأول كما سبق وقلنا…

إجمالا لقد مثلت فلسفة اوغيست كونت على إنها فلسفة العصر الصناعي والتكنولوجي الذي كان في طور انبثاقه أيام أوغست كونت إبان القرن التاسع عشر. وترجع أهمية هذا الفيلسوف بالضبط إلى أنه عرف كيف يستبق على هذا العصر الجديد وينظّر له حتى قبل أن يولد.

 

...............

1- كلود هنري سان سيمون1760) ـ 1825 Claude Henri Saint-Simon(فيلسوف واقتصادي فرنسي، ولد في باريس وتوفي فيها. كان كلود هنري سان سيمون مصلحاً اجتماعياً وأحد مؤسسي الاشتراكية المسيحية. نادى بالأخوة بين البشر وبضرورة التنظيم العلمي للصناعة والمجتمع.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3376 المصادف: 2015-12-03 08:26:17


Share on Myspace