المثقف - كتب وإصدارات

رحلة الخروج من الجماعة رفع الحجاب عن العالم الخفي

jamal alatabiالصدفة وحدها قادتني لإقتناء كتاب (جنّة الأخوان، رحلة الخروج من الجماعة) الصادر عن دار التنوير المصرية عام 2013، للكاتب المصري سامح فائز، وأعترف، انني لم أقرأ للكاتب سوى ما أشرت،وشدّني العنوان بما يحمل من إثارة لتساؤلات، تدعوك لتتبع ما قدمه هذا الكاتب من نشاطات معرفية أخرى، فأنار لي ما كنت أجهله في سيرته الشخصية، إذ أطلق أولى خطواته نحو عالم السرد بروايته (جُحر السبع)، وهي ليست الواقعة الأهم في حياته، إنما ذلك الجدل الذي أثاره في كتابه (جنّة الاخوان)، المكتنز بالأحداث والوقائع والرؤى، لتجربة حقيقة عاشها سامح ونقلها بأمانة صدق وشجاعة، تتمثل بإنتمائه لتنظيم الأخوان المصري، وقراره بالتخلي عن هذا الإنتماء .

إن نقطة البداية على عفويتها، ربما، تبدو البذرة الأولى التي شخصت العلل،وهيأت الأسباب للبحث عن اليقين، حين أجهز الشيخ ببصقة لوجه الطفل سامح لاصوت لها ولاريق، لم يشعر بها غيره، لأنه لم يحفظ جيدا، منها بدأت رحلة البكاء، الذي لم يجد له بديلا ليخرجه من العالم الضيق بأفكاره .

أمضى سامح حياته باحثاً عن الحقيقة، تكمن قوته في أنه وهب صوته ونفسه منذ الطفولة لهذه المهمة، ومكننا من إدراك حقيقة هذه التجمعات، بالأسئلة والشكوك التي نمت معه وهو يخوض تجربته، فإنفتح على العقول النّيرة وعطاءاتها الفكرية، ليصل في النهاية الى الحكمة التي تقول : إن الحياة أقوى من أن تتجمد في تقاليد الماضي، السيء منه .حاول أن يتعلم الأسماء كلها، فعرف معنى الحرية، والكرامة والإنسانية والثورة والوسطية والإعتدال، فتنوعت معارفه، وإطلع على ثقافات مختلفة، فكان عصياً على الإستخدام والبرمجة المقيتة .

لم يدرك سامح منذ طفولته آلية تعامل (الجماعة) مع أعضائها، كان من الصعب فهم تلك الأوراد والأذكار والكتيبات التي إمتلأت بها جدران مكتبته المتواضعة جدا، التي ترشده ليكون (إخوانيا) طيعاً . بعد عقد ونصف من الزمن، يتابع بإهتمام محاضرة عن (العسكر والدولة)، كيف تتحكم الآلة العسكرية التي تمتلك القوة، بقتل القدرة على الإبداع والتفكير في المجتمع، أنت مجرد آلة يستخدمها النظام الحاكم وقت الحاجة لحماية الدولة، أما الآلية الثانية فهي (الفاشية)، تقديس وعبادة (القائد)، الإنصياع والطاعة العمياء، يقول سامح : كنت أحيا في وادٍ آخر، بين المئات من الأفراد بل الآلاف، غيرأنك في الحقيقة تعيش في معسكر مغلق، لاتدرك ان هناك عوالم أخرى خارج هذا العالم، بل لاتتخيل ان هناك في الأصل عوالم أخرى .

سامح في قلق تساؤلاته يبحث عمّن يحترم هذه التساؤلات، ويصغي له، فلم يجد من يمتلك الإجابة، فتلك مناطق وعرة، يوصم الداخل فيها بالإرتداد والشيطنة،فقراءة رواية (اولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، رواية كافرة، والرئيس عبد الناصر كافر وزنديق حارب الدين، وحارب من يطالبون تطبيق شرع الله،وإن تجرأت بالسؤال، فأنت معرّض للتحويل لمجلس تأديب، إذ لاطعن أو تظلم، وإن تجرأت بالخروج من دائرة (الجماعة) تصبح عدواً، لفساد في عقيدة العضو، كأنك تترك ديناً وليس فكراً. وبكثير من التفاصيل إستعرض الكاتب ثمار خروجه عن (الجماعة)، متسائلا بحَيرة عن أسرار بقائها بعد كل تلك الصعوبات التي مرّت بها،مبرراً ذلك بعدم إنفصال الإسلام والجماعة، فلو شعر الإخواني للحظة واحدة بخطأ جماعته، فسيكون ذلك الخطأ والقصور في الدين ذاته، هذا الإعتقاد بإحتمالية خطأ الجماعة في حد ذاته، هو خطر يخاف منه الإخواني، يدفع به الى الشعور انه خارج من دائرة الدين إلى عالم الكفار

وما ميّز الكاتب، انه إمتلك لحظة التمرد، فخرق هذا الناموس وقرأ التكليفات من خارج الدائرة، وقبل أن يحين الأول، إذ لم يكن في رحلته الإخوانية سهلاً طيّعاً، وينظرون له انه شاباً مشاغباً، فتسلق الجدار، وسور (الجماعة)، ونظر الى العالم الذي كان يظنه عالما من الأشباح، انه عالم من لحم ودم، حياة إنسانية بكل معانيها، غاب عنها وغابت عنه، فقرأ الرواية، وإستمع الى الموسيقى، وعرف الحب، وذاق طعم القبلة الأولى،كان يريد أن يختلط إسلامه مع وطنيته، مع عالمه الحقيقي، فقرر القفز وولى هاربا .

بدأت أنبش بالعقل وأعدل من مفاهيمي، هكذا يعلن سامح عن نهجه الجديد، ويتابع بالقول: إن تركي للجماعة كان فكرياً وصراعاً مع العقل، بخلاف من تركوا لأسباب عاطفية ونزوات شبابية، أو بفهم مبسّط للإنتماء، أوعجز في الرؤية وإدراك الواقع بمشكلاته المعقدة، فليس كل ما عدا الإخوان ضالين، وليس كل ما عدا المسلمين كفارا، إنما هناك إنسان يحمل قيمة الإنسان، يحترم رموزه، ويرفض كراهية الآخر، ويدين تصوير المختلف فكرياً بأنه مرتد أو خائن، لإن ذلك يعني التعصب والتطرف بعينه،الذي يقود الى الجهالة .

إن مراجعة متأنية لرحلة الخروج، تكشف عن جهد حقيقي مستند الى التجربة العيانية بإسلوب سردي، وبمعطيات الكتابة الفنية، تجاوز فيه الكاتب الإنتقاء والنقول والأخذ من سواه،وتعامل مع الجماعة بوثائقيتها، فقدّم نموذجا حياً لما جرى ويجري من إحباطات إنسانية، وإغتراب داخل الذات، وداخل العالم المحاصر به . فرفع الحجاب عن العالم الخفي والداخل المخبوء، بمعرفة الكاشف لمعالم حياته المستقبلية .

 

جمال العتابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3428 المصادف: 2016-01-24 11:18:23


Share on Myspace