 أقلام حرة

"صَعَايْدَة" الجزائر في أوراس النمامشة

علجية عيشلفت انتباهي كتاب محمد الميلي الذي أرّخ فيه مسيرة والده امبارك، إذ رحلت مخيلتي إلى أهل الصّعيد بمصر وما يتميزون به عن باقي سكان بلدهم من تشدد في المواقف، والتي ربما ما تزال قائمة إلى اليوم، فأهل الصعيد معروف عنهم بأخذ "الثأر" وهي ظاهرة قديمة كانت قائمة على الجهل، رغم وجود محاكم، فهم لا يعترفون بالقانون، وكثيرة هي المسلسلات التي عالجها التلفزيون المصري حول عادات وتقاليد الصعايدة، أبرزت فيها الشخصية الصعيدية، وتشدد أهلها في جميع القضايا، فأفكارهم وما يتخذونه من قرارات غير قابلة للنقاش، لاسيما التي تتعلق بالشرف ومسائل العقار وكذلك القتل وأخذ الثأر من القاتل، وكيف يختلف أهل الصعيد عن باقي سكان مصر حتى في اللسان أي اللغة.

 ولعل هذه العادات شبيهة إلى حد ما بما أورده محمد الميلي وهو يتحدث عن رحلة الشيخ العربي التبسي إلى منطقة الأوراس حسبما ذكره لتغيير الذهنية الشّاوية في إطار حركة الإصلاح الديني، وسط منطقة من أصعب المناطق الجزائرية، وهي التي سمّاها الجغرافيون الفرنسيون بـ: "أوراس النّمامشة"، فهذه المنطقة تتجاور فيها قبائل شديدة المراس، أو كما يسمونههم في الجزائر بـ: " الرؤوس الخشنة" أي تنفذ ما تراه هي صائبا حتى لو كانت مخطئة، تأخذ بمخانقها عادات وتقاليد عصبية شبه جاهلية، يعتبر فيها أخذ الثأر أيضا واجبا مقدسا، عقليتها تشبه إلى حد ما عقلية أهل الصعيد بمصر، إذ يكفي أن يتقدم رجل أو امرأة بتظلمه مستنفرا عشيرته، حتى يهب الجميع لنصرته بالهجوم على ناس العشيرة التي ينتمي إليها خصمه، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عمّا إذا كان ذلك الشخص مظلوما أو ظالما، وغالبا ما تنتهي المعركة بجرحى أو تسفر عن قتلى، فمثل هذه المناطق في فترة معينة لم تكن تخضع لقوانين ومنطق البلديات الحضرية، فكان على الشيخ العربي التبسي إلى أن يشد الرحال لهذه المنطقة ويخاطب أهلها بلغة يفهمونها، بحتى يغير من شانهم.

 الملاحظ أن الصعايدة يختلفون عن سكان مصر بلباسهم (الجلابة والشاش الطويل)، وهم بذلك يتقاسمون في عاداتهم الشاوية عندنا بهذا الزيّ، فعندما تزور مناطق الشاوية في الجزائر تجد أن كبار المنطقة ما زالوا يضعون الشاش على رؤوسهم ويلبسون القشابية، وهذا لا يعني ان التحضر لم يمسهم وإنما هو تمسك بكل ما له علاقة بالتراث، المؤسف أن هذه الذهنية (أخذ الثأر) ما تزال متتشرة إلى اليوم وفي كثير من المدن حتى الجزائرية وما يتردد من أحاديث عن الثأر، هذه نظرة أنتروبولوجية لشعوب شمال افريقيا تحتاج إلى أن تسلط عليها الأضواء من قبل المختصين في الإنتروبولجيا والباحثين في مجال علم النفس الإجتماعي.

 

علجية عيش

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4792 المصادف: 2019-10-19 00:27:37


Share on Myspace