 مقاربات فنية وحضارية

الشرق في عيون الرحالة الاوربيين (1)

كاظم شمهودبعد فشل الحروب الصليبية الاوربية على الشرق في القرن الثاني عشر والتي دامت حوالي قرنين اصبحوا يتحسسون تفوق الشرق عليهم حضاريا وعلميا ومدنيا، كما اكتشفوا القيم الانسانية والجمالية التي تحملها شعوب الشرق، ولهذا اخذوا ينظرون الى ثقافة هذه الشعوب و الاسلام تهديدا والغاءا (لحضارتهم)، فابتدعوا طريقة اخرى لا تحتاج الى حروب ودمار وخراب، وهي ارسال الرحالة الى الشرق لدراسة ومعرفة نقاط القوة والضعف في المجتمعات الشرقية، فظهرت الروايات الكاذبة التي ينقلها هؤلاء الرحالة والتي تصور الشرق بابشع الصور الوحشية والتخلف. والهدف من كل ذلك هو منع زحف الاسلام وانتشاره وتشويهه، من جهة وتقوية العقيدة المسيحية في قلوب المؤمنين في اوربا من جهة اخرى. وكذلك تبرير تدخلهم في الشرق وشن الحروب عليه بحجة انقاذ هذه الشعوب وتحررها من التخلف والحكام المتسلطين على رقاب الناس ونشر الحضارة الغربية فيها. ونجد اليوم هذه السيناريوهات الغربية تتكرر في بلداننا العربية بحجج وتبريرات كثيرة، كنشر الديمقراطية والحملة على الارهاب وغيرها، ويبدو ان الانسان مهما تطور حضاريا ومدنيا فانه لا ينفك ولا يكل ولا يمل من الحروب. واتذكر جماعة معروفة تسمى الدادائية ظهرت في بداية القرن العشرين، وقد جاء في ادبياتها بان كل هذه الحضارات السابقة والحاضرة لم تستطع من ايقاف الحروب؟. ولهذا ذهبوا الى العبثية والتطرف ودعوا الى حرق المكتبات والمتاحف؟

الروايات الكاذبة

1222 آسور بانيبال 1وقد انعكس التشويه على الادب والفن الغربي حيث نجد الكثير من الروايات والاعمال الفنية التشكيلية قد تطرقت الى صور العنف والجنس والشذوذ والتخلف. مثلا نجد ان الشاعر الانكليزي بايرون قد كتب مسرحية شعرية عام 1821 سماها -موت ساردانابال – وقد وجد بايرون شخصية ساردانابال في الآداب الاغريقية حيث شوهوا صورة الملك العظيم آشور بانيبال ووصفوه بانه رجل غارق في اللهو والنساء والخنث، كي يسقطوا ويحطموا وينقصوا من عظمة الحضارة الآشورية ، وقد وصلت هذه الصورة المشوهة الى بايرون ولم يلتفت الى حقيقتها. ولكن عندما ذهبت بعثة علمية فرنسية للتنقيب في المدن الآشورية في شمال العراق في القرن التاسع عشر، واطلعوا على مكتبة وحياة آشوربانيبال، وجدوا هناك ملكا عظيما امتدت امبراطوريته الى بلاد الشام ومصر وبلاد فارس، وانه ليس كما ورد في كتب الاغريق ومسرحية بايرون من تشويه.

ومن الفنانين الاوربيين المعروفين الذين رسموا هذه المسرحية ووقعوا في نفس الخطأ والتشويه الذي وقع فيه الآخرين هو الفنان الفرنسي ديلاكروا حيث رسم لوحة عام 1827-1828 اطلق عليها اسم – موت ساردانابال – واللوحة تعكس مشهدا اجراميا بشعا، حيث يذكر ان الملك قد حاصر قصره الاعداء في نينوى، فقرر ان يجمع حاشيته ونساءه في القصر ويغلق الابواب، ثم امر جنوده بقتل واحراق كل مافيه.. هذه اللوحة موجودة اليوم في متحف اللوفر في باريس. وقد ورد ردا على هذه القصة المشوهة للملك آشور بانيبال في بعض الكتب والمصادر العربية منها – الفن والجمال – للناقد والمؤرخ جبرا ابراهيم جبرا، والذي اكد ان القصة والمسرحية مشوهة وغير صحيحة.

1222 آسور بانيبال 3

وقد ورد في كتب بعض الرحالة تصف الرجل الشرقي بولعه في الجنس والمرأة الغاوية، كما ذكرت بان كليوباترا استقبلت انطونيو الروماني في فراشها، ولهذا يعتبرون العرب شهوانيين وفساقا حتى في داخل الاماكن المقدسة.. وكان هؤلاء الرحالة الضعفاء النفوس يتقاضون من حكامهم اموالا طائلة مقابل كتابات الروايات الكاذبة والمشوهه..

1222 آسور بانيبال 2

 الرحالة المنصفون

ولكن هناك من الرحالة الاوربيين من انصفوا في الكتابة عن الرجل الشرقي والحضارة الشرقية، واعتبروه موطن الشعر والحكمة والفلاسفة والادب والموسيقى، وقصص شهريار وشهرزاد والف ليلة وليلة، وانه مهد الحضارات الانسانية ومدنيتها، مثل المفكر الرحالة - هيردر Herder 1744 – حيث درس اللغة العربية والعبرية والف كتبا في ذلك، وبالتالي رسم صورة ناصعة مشرقة للشرق. ومن الذين كتبوا ايضا عن الشرق بدون تحيز هو ادوارد لين Edward 1801 وقد جاء لين الى مصر ليتعرف على هذا البلد وعلى الثقافة والادب العربي، فعاش مع المصريين وشاركهم في تقاليدهم ولبس لباسهم فسموه – منصوربيك – وكتب عن كل ما رآه بدقة وموضوعية، ثم اصدر كتابا سماه – تقاليد المصريين المحدثين وعاداتهم 1831 – كما ترجم كتاب الف ليلة وليلة الى اللغة الانكليزية واضاف اليه هوامش مهمة، وبعد ان اتقن اللغة العربية جيدا الف قاموسا عربيا انكليزيا يقع في 12 مجلدا عام 1863.. لازال يعتمد عليه في الدراسة والبحث عن المعاني. ويعتبر لين من الرحالة المستشرقين المحبوبين عند الغرب ومحترم عند بعض العرب..

 1222 آسور بانيبال 4

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4814 المصادف: 2019-11-10 01:30:03