 نصوص أدبية

من دفتر الذكريات

ياسين الخراسانيأَعْرِفُ اليَوْمَ صُورَةَ حُلمِي.

شَهِيٌّ كَتَنُّورَةِ الحُلْوَةِ

مُتَوَرِّدَة الخَدِّ.

يَملَأُ قَلبِي بِالزَّهْرِ والكَرَزِ المُتَسَاقِطِ حَوْلَ الشُّجَيْراتِ.

لَيْسَ بِدَاخِلِ قَلْبِي نَوَافِذُ تُفْتَحُ كُلَّ خَمِيسٍ عَلَى بِنْتِ حَيٍّ وجِيرَانِ،

قَلْبِي يُثَابِرُ فِي العَمَلِ الشَّاقِّ

يَدْفَعُ بالدَمِ نَحْوَ الجِهَاتِ وعُضْوِ التَنَاسُلِ

يَجْرِي إذَا عَبَرَ الوَجْدُ وَادِيَ عَبْقَرَ. يَخْشَى سِهَامَ المَلَاكِ، أَتَعْرِفُهُ:

يُشْبِهُ الطِّفْلَ يَحْمِلُ أَجْنِحَةً يَقْنِصُ العِشْقَ فِي الطُّرُقَاتِ.

وَلَكِنَّ قَلْبِي مِنْ خَشَبِ السَّرْوِ ...

لَا يُخْرَمُ الدِّرْعُ بِالوَتَرِ المُتَرَاخِي ...

 

تَجْلِسُ الأُمْنِيَاتُ عَلَى دَرَجِ البَابِ. يَحْمِلُ دُورِيُّ سَقْفِي

رَسَائِلَ مِنْ بَلْدَةٍ فِي الجَنُوبِ

أَرَى مَا يَرَاهُ المُغَادِرُ إِذْ يَلْمَعُ الدَّمْعُ فِي العَيْنِ:

أُمِّي تُعِدُّ الحَقَائِبَ كَي لَا تَرَى

غُصَّةَ الحَلْقِ تُشْبِهُ لَقْفَ الشَّهَادَةِ.

لَسْتُ أَرَى وَالِدِي،

كَانَ دَوْماً رَهِينَةَ فِعْلِ الحَيَاةِ،

وَغَادَرَ أُمِّي قَبْلَ سُقُوطِ الجِدَارِ.

وأُخْتِي بأمْرَاضِ ذِهْنٍ،

تُدَاعِبُ قِطاً وَتَضْحَكُ للشَّبَحِ المَارِّ بَيْنَ الضَّبَابِ.

أُعَانِقُ الحُضُورَ، وَلَسْتُ أُحِسُّ بِمَا يَلْمِسُ الجِلْدَ غَيْرَ الرُّعَاشِ.

يَطيرُ الفُؤَادُ كَمَا رَفُّ حَمَامٍ يُصَادُ بِطَلْقَةِ نَارِ

يَحُطُّ الفُؤَادُ عَلَى أَرْضِ جَدْبٍ وَعُمْرٍ بَوَارِ...

 

أَمْلَأُ النَّفْسَ بِالغَيْمِ.

مِثْلُ صَبَاحِي يَحْمِل صَدْرِي إِنَاءَ الوَجَعَ المُتَسَرِّبِ.

فَتَاتِي تُحِبُّ الغُرُوبَ وَتَمْلَأ جَرَّتَهَا بِالغِيَابِ.

أَرَى لَوْنَهَا فِي زَوَايَا المَسَاءِ. أَرَى حُلْمَهَا

يَتَمَدَّدُ إلى مَا وَرَاء الطَّبيعَةِ مِثْلَ الأَسَاطِيرِ.

غَابَتْ إِلَى بَلْدَةٍ تَشْتَهِي.

لَنْ تُدَاعِبَ رِيحُ الجَنُوبِ قُصَاصَةَ شَعْرٍ،

وَلَنْ تَخْنُقَ النَّفْسَ سِيرَةُ وَجْدٍ مُكَابِرِ.

تَحْمِلُ أَوْجَاعَهَا مِثْلَ سَلَّةِ وَرْدٍ،

وَتُلْقِي بِهَا فِي الجِهَاتِ وَالدُّرُوبِ.

أَنَا لَسْتُ مِنْ طِينَةِ الفَرَحِ المُتَسَرِّعِ،

يَنْبُضُ قَلْبِي مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ،

لَا أَنْتَمِي لِلفَضَاءِ الفَسِيحِ،

وَلَا بَلْدَةٌ تَفْتَحُ البَابَ فِي وَجْهِ عَازِفِ نَايٍ،

يَسِيرُ الجَمِيعُ عَلَى شَدْوِهِ كَالجَرَادِ وَرَاءَ النَّبَاتِ.

لِذَا فَالفَتَاةُ أَرَادَتْ مُلَاحَقَةَ الضَّوْءِ كَالفَرَاشَةِ.

قُرْبِي تَمُوتُ احْتِرَاقاً،

وَلَكِنَّ ظُلْمَتِي لَا تَخَافُ المَمَاتَ،

إِذَا كَانَتِ العَيْنُ مُشَرَّعَةً

تَبْتَغِي النُورَ فِي الفَجْرِ ...

***

ياسين الخراساني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

جيد جدا ياغزال المجاز .. أنت تتطور مثل الفاكهة تحت حرارة الشمس ..
هذا النص اكثر رصانة وبناء ..واللغة في داخله نسيج عنكبوتي محكم الاتقان .. او قل ان اللغة فيه حناجر ضوء تجري الانغام خلالها في سلاسة ويسر
انه مؤسس على اعمدة الدهش والمفاجأة حيث لا يدري المتلقي ما الذي ستحمله تداعيات الوهج الابداعي من خلال الانساق التعبيرية والتراكيب ..
حذار من التنورة وصاحبتها ... اخاف عليك مادمت غزالا ، واعذرك باعتبارك غزالا والغزال لا ينضبط بسهولة.. هذه دعابة فقط
انت مبدع جيد وشعرك مثير..
مع خاص الود

قدور رحماني
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز على النفس قدور رحماني،
ما أبهى طلتك خفيفة الظل مرحة، رصينة النقد حصيفة القراءة.
أظن الشعر طائر نزق تنصب له الشراك وقد يقع فيها أو يضحك على صاحبها من خيبة الصيد.
بيد أني ألتزم تكريما للكلمة والشعراء الأحقاء مثلك أن أكون صادقا فيما أكتب.
دمت مبدعا، متذوقا فذا، حاملا لواء الكلمة الجميلة الصادقة.
ودمت بكل خير وعافية أخي الكريم.

ياسين الخراساني
This comment was minimized by the moderator on the site

أَمْلَأُ النَّفْسَ بِالغَيْمِ.
مِثْلُ صَبَاحِي يَحْمِل صَدْرِي إِنَاءَ الوَجَعَ المُتَسَرِّبِ.
------
طاب صباحك بالشعر والخير
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

أختي الكريمة ذكرى لعيبي،
مرورك فخر واعتزاز دائمان. شكراً لك ودعائي بالخير كله.

ياسين الخراساني
This comment was minimized by the moderator on the site

أَنَا لَسْتُ مِنْ طِينَةِ الفَرَحِ المُتَسَرِّعِ،
يَنْبُضُ قَلْبِي مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ،
لَا أَنْتَمِي لِلفَضَاءِ الفَسِيحِ،
وَلَا بَلْدَةٌ تَفْتَحُ البَابَ فِي وَجْهِ عَازِفِ نَايٍ، المتألق دائماً ياسين الخراساني أنت طاقة خلاقة من الإبداع دمت ودام حبرك نبعاً ثر القوافي

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

أديبنا القدير د. وليد العرفي،
كفاني فخراً مرورك، أما رضاك فترف فائق البهاء.
شكراً لك سيدي ودمت في خير وعافية.

ياسين الخراساني
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر الماهر ياسين الخراساني ..
تباغتَ القارئ في التفاتاتك ، وتلعب مع اللغة ، وتذهب بعيداً في انتقاء الصوّر ..
في مجال قصيدة النثر أنت شاعر يستحق منّا ان تنابعه ونقرأه ونصغي اليه ونتوقع منه ماهو باهر وجميل وجديد..
تحيات واعجاب من أخيك كريم الأسدي.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم كما اسمك كريم الأسدي، شاعر العنفوان الأبي، وحامل القلم الذي لا يحابي،
إن لقي ما كتبت اهتماما منك، كنت إذن بالغا مقصد الكلمات. مرورك سمو للحرف وأثرك بهاء اللغة.
حفظ الله لك كل عزيز.

ياسين الخراساني
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
هذه الانثيالات الشعرية الشفافة بعذوبتها , تدل وتبرهن على شاعر متمكن في الصياغة الشعرية واللغوية والتعبيرية . يملك خيال شعرياً , فياض طافح في الازهار الشعرية . اجد في هذه من دفتر الذكريات , عنفوان الشباب واندفاعه في دروب الحب في شهية حلوة . اجد في البوح الصدق والصراحة في الكشف , دون تزويق ومكياج , بل اجد فيه يسكنه طفلاً يسير بقلبه في دروب الحب والعشق دون مهابة بل معمق بالحياة والتفاؤل بالامل في الفعل الحياتي . لكنه يملك غصة في القلب والحنجرة , بأنه لم يرَ والده , لذلك يعوض هذا النقص في مطا الحبب الفؤاد الغامر في صيد الحمام . لكن في داخله مليء بالغيوم , لذلك يتريث ويتوانى في نبضات واخفاقات قلبه في الحب خشية التسرع ثم الندم
أَنَا لَسْتُ مِنْ طِينَةِ الفَرَحِ المُتَسَرِّعِ،

يَنْبُضُ قَلْبِي مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ،

لَا أَنْتَمِي لِلفَضَاءِ الفَسِيحِ،

وَلَا بَلْدَةٌ تَفْتَحُ البَابَ فِي وَجْهِ عَازِفِ نَايٍ،

يَسِيرُ الجَمِيعُ عَلَى شَدْوِهِ كَالجَرَادِ وَرَاءَ النَّبَاتِ.

لِذَا فَالفَتَاةُ أَرَادَتْ مُلَاحَقَةَ الضَّوْءِ كَالفَرَاشَةِ.

قُرْبِي تَمُوتُ احْتِرَاقاً،
تحياتي لك ايها المتألق في دروب الشعر ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

أبدأ ردي بتحياتي الخالصة للمتألق والمرجع في سماء النقد والقراءة العميقة.
البعد النفسي هو حقا ما يرشد قراءة النص، الفقدان الطفولي الذي يضل نقصا كالهوة السحيقة، نملأه بشتى الطرق، دون أن يشبع الشبح الذاغل في النفس.
بوصلتك النقدية شديدة الدقة، موجهة بعناية إلى العمق في الدلالة والإستنباط.
أخي الكريم جمعة عبدالله، تعليقك وقراءتك شرف ومفخرة لي.
اشكر مرورك جزيل الشكر، دمت أخي في خير وعافية.

ياسين الخراساني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4975 المصادف: 2020-04-19 02:12:05


Share on Myspace