 قضايا

مفهوم التنمية الثقافية في تجسيد الحياة

عبد الخالق الفلاحإن اتجاه التفكير السائد اليوم، في موضوع "التنمية" وقضاياها، يميل بوضوح إلى إعطاء نوع من الأولوية في الكثير من الامور وهي  اصبحت من المفاهيم السائدة الدارجة في عصرنا، خصوصا منذ أن برزت مجموعة البلدان المستقلة حديثا التي وصفت بأنها بلدان "متخلفة" سابقاً، وتوصف الآن - بالبلدان "النامية" وهي تطلق على مجموعة الدول التي  لم تحسن استغلال الثروة البشرية والطبيعية الموجودة فيها إلى أعلى حد ممكن في زمن ما، كما وتعاني البعض منها لحد الان من نقص في خدماتها الأساسية، كالتعليم والصحة، وعددها 130 دولة، ويطلق في بعض الأحيان على هذه الدول مصطلح دول العالم الثالث وهذه البلدان قادرة على الابتكار بصورة أكثر فاعلية من الدول المتقدمة في العديد من المجالات الصحية لو زادة من تعميق ثقافتها في الشّق المعنوي من حصيلة النّتاج الذّهني والرّوحي والفكري والأدبي والقيمي، ويتجسد في الرموز والأفكار والمفاهيم والنّظم وسلم القيم والحس الجمالي. أمّا الشّق الثّاني فيكَوِّن مجمل النّتاج الاقتصادي والتقني والبيوت وأماكن العمل والسّلاح، وتطبيقها مع الثقافات المختلفة، ومن الضروري تحديث التصنيفات التي علقت في الأذهان لفترة طويلة، والتي تضع الدول النامية عادةً في مواقع الدول المتلقية للمساعدات الخارجية ويعيش فيها من السكان ما تقارب نسبته السبعين بالمئة من إجمالي سكان العالم، ويبلغ إنتاجها الزراعي نسبة خمس وثلاثين بالمئة من مجمل إنتاج العالم، في حين أنّ الإنتاج الصناعي يعادل سبعة بالمئة من إنتاج العالم للصناعة.. ولكن الذي نود الحديث عنه ليس هذا انما نود ان نبين جانب يجب ان يكون الركيزة الاساسية والمهمة والشرط الاول من انواع التنمية وهي  التنمية الثقافية، باعتبار أن الاقتصاد نفسه أصبح الآن يعتمد أكثر فأكثر على الفكر والعمل الفكري، ويستغني أكثر فأكثر عن العمل اليدوي، مما يجعل من حصول الشخص على مستوى معين من "النمو الثقافي" شرطا ضروريا ولا يزال السجال دائراً حول مدى ارتباط التنمية الشاملة بالثقافة ولا ليمكن أن تحقق المجتمعات البشرية النمو وتطوير هويتها وثقافتها ورفد حضارتها إلاّ بالتنوع والتعدد، وإدارة هذا التنوع والتعدد بقيم ضرورية وليست اختيارية هي قيم التسامح والتعايش. فالمجتمعات المتنوعة ثقافيا أكثر حيوية ونضوجا وغالبا أقل عرضه للفتنة والفوضى عكس المجتمعات الأحادية الثّقافة والنمطية تكون هشةً وأكثرَ عرضة للتّفتيت والتّشرذم.والثّقافة هي “كل ما مِنْ شأنه أنْ يسهم في كل مجال مِنْ مجالات النّشاط الإنساني في نشر قيم مجتمع المعرفة، وتحديد النظم والوسائل والأدوات الكفيلة باستنفار العقل العربي وتوظيف قواه الحية، والارتقاء بالوجدان المحلي من ناحية أخرى ودور إيجابي في التّبادل المعرفي والتّنمية البشريّة بين الانساني جميعاً ،

لاشك من ان الانعكاس الثقافي في الاساس يحتاج الى تقدم وتنمية المجتمع اولاً ، في عمومه لا في نخبويته ومجموعاته فقط ليسخر كل ظرف من اجل المصالح الخاصة المحدودة او غيرها، الحرية التي تشهدها البعض من الدول هي ضرورية لكل انطلاق، وهي منارة يهتدى به، وتمثل خطوات جادة لتطوير أي عمل سياسي واقتصادي واجتماعي او تنموي، فبدون الحرية الفردية والجمعية على كافة المستويات، لا يمكن حصول قطاف لثمار ابتكارية في اي ميدان من الميادين الا بتوافر الجهود الرامية لايجاد حوار حقيقي من منظور ثقافي لاستشراف الحاضر والمستقبل للوقوف على معيقات العمل موضوعياً، والسعي لازالة هذه الفجوات التي تحول دون انطلاقة هذه الثقافة، في عصر العولمة لما يتمتع به من انفتاح على كل بوابات الحدود المحلية للاشخاص والبضائع بل وسيولة المعرفة عبر وسائط الاتصال والتي يمكن ان تسهم في تفعيل وتطوير الثقافات المختلفة مع الثقافة العالمية الاخرى بشتى الوجود والابعاد.

ان الثقافة عندما ترتبط بالتنمية تصبح لها شجونها الدولية وربّما يصبح من السهل الإساءة إليها من خلال تداخل مصالح الأمم والشعوب. غير التفائل حول مستقبل الثقافة ينبع من كون مواردها في أكثريتها وطنية المصدر. لذلك, فمن خلال تعزيز دور الثقافة الأساسي في التنمية الشاملة تضفي نوعاً من الاستقلالية التي تطمح إليها كلّ الشعوب. أن الثقافة وحدها هي التي تميّز الشعوب بعضها عن بعض في زمن الاعتماد الاقتصادي المتبادل وفي عصر التدخلات ،وهذا بالطبع دليل عافية لأنّ الثقافة بقيت لزمن طويل في الدائرة الأكثر غموضاً في تعريفها وتحديد دورها في كل نواحي الحياة ومجالاتها، كون الثقافة المصدر لكلّ تقدّم والينبوع لكل ازدهار، وليست بالتالي نتاج أو إفرازات هامشيّة للتنمية. ولابد من الاشارة  إلى أنّ الإحاطة بكل جوانب التنمية له امر معقّد بحيث ان مفهومها قد تطوّر عبر الزمن ليخدم سياسات استثمارية عميقة ، يُضاف إلى ذلك ان الحديث عن الثقافة يرتبط سريعاً بالتراث والماضي وما يخلف ذلك من صعوبة في تحديد الزمن التاريخي.

 أصبحت الثقافة عنصراً أصيلاً في تعزيز التنمية بأبعادها المختلفة، 

ولتحقيق هذه الأهداف تبنت العديد من الدول السياسات والتّوجهات التي من شأنها أنْ ترسخ الحراك الثّقافي والفكري في المجتمع من خلال منظومة ترتكز على قواعد واضحة ومحددة، وتنشيط الحياة الثّقافيّة والفكرية والفنية عبر تنظيم جملة مِن الفعاليات المختلفة بما فيها معارض الكتاب من الامور المهمة والناهضة ، واطلقت جوائز ثّقافيّة وفكرية

 يُراعى في منحها للمرشح من جهودٍ فكريّةٍ أو عمليّةٍ تخدم المجتمع مما يُعدُّ مؤهلاً لنيلها وذلك لتنشيط حراكها  الثقافي مدفوعا بزخم التحولات العصرية والانفتاح والتفاعل مع مختلف ثقافات العالم، ليتمكن بعد عملية تراكمية إلى المزيد من الوقت لتنضج-من ترسيخ التّنمية الثّقافيّة في اي مجتمع ليصبح أكثر وعيا وتفهما إلى حد ما لقيم المعرفة والثقافة والفكر والفن لتتماشى مع التّوجهات الرّسمية والمجتمعية الرامية إلى إعلاء شأن الثّقافة والفنون والإبداع والابتكار بما يتوفر لها من مقومات ثقافية وتاريخية وموروث تراثي،وبالفعل فقد  ارتبطت الثقافة بالوجود الانساني ارتباطا متلازما مع تطور الحياة وما قدمه الانسان منذ تواجده عبر التاريخ من إنتاج مادي، وثقافي، وإبداع فكري في شتى المجالات، في المنظومة التي تتضمن اللغات، والمعتقدات، والمعارف والفنون والتعليمات، والقوانين والدساتير،والمعايير الخلقية، والقيم، والاعراف، والعادات والتقاليد الاجتماعية والمهارات المختلفة التي يمتلكها أفراد المجتمع.

 

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5254 المصادف: 2021-01-23 02:14:20


Share on Myspace