 أقلام فكرية

محمد لمعمر: العروي وجوهر الدولة بين ماركس وهيغل

محمد لمعمرنظرية هيغل حول الدولة تعرضت لانتقادات شرسة من طرف الفلاسفة والمفكرين المهتمين بمجال الفلسفة السياسية، وعلم السياسة، وعلم الاجتماع السياسي، ولا شك في ذلك، لأن مضمونها السياسي، ومحتواها المعرفي، وأسسها المنطقية وعلاقتها بالواقع والفرد والمجتمع المدني فريد من نوعه، وجديد في معناه ومبناه. كيف لا، والحديث هنا عن هيغل، فيلسوف العقل والعقلانية المطلقة، بحيث أن الفلسفة المعاصرة ما هي محاولة للإنفلات من القبضة الصارمة لهيغل على المستويين: الفلسفي المعرفي والتاريخي، تلك هي سمة  النظرية الحقيقية، لا يحصل حولها إجماع واتفاق، وفي مقدمة المنتقدين لنظرية هيغل، فيورباخ وكارل ماركس، فالأول سعى إلى تفنيد التصور المثالي لهيغل، متوسلا بمسلمات الأنوار، معتبرا، أنه لا انفصال بين الفكرة/ العقل/ الروح وبين الكيان، فالكائن هو الفاعل، والفكرة هي الصفة الملازمة له، هذه القاعدة التقطها ماركس، الذي فند هيغل بمنطق هيغل، وبمسلمات الأنوار، عاملا على تطبيقها في قراءته ونقده لنظرية هيغل.([1])

إذا كان هيغل ينطلق من العقل معتبرا الفكرة تجل من تجليات الروح، وهي الأصل والأساس، فإن ماركس سيحافظ على المنهج الجدلي لهيغل، ويمنحه الصفة الواقعية، انطلاقا من الواقع، الذي محل مكان الفكرة المجردة، مؤكدا، أن وعي الناس لا يحدد وجودهم المادي والاجتماعي، وإنما وجودهم المادي هو الذي يحدد وعيهم، إنه قلب لجدل هيغل، ألم يقل ماركس، بأن جدل هيغل يمشي على رأسه وقد وجب قلبه ليمشي على رجليه، بمعنى ضرورة الانطلاق من الواقع، وليس من العقل. فالاختلاف هنا حول مسألة التأسيس والأسبقية.

يؤكد العروي، بأن ماركس في معرض نقده لهيغل اضطر إلى العودة لفلاسفة الأنوار، محتفظا بمفهوم الواقع الذي ظل ماركس وفيا له، بغية النظر إلى الدولة بناء على أسس منطقية، والمبدأ الزمني المتمثل في حركة وتقدم التاريخ، خصوصا، وأنه يعتبر التحليل هيغل للدولة لا يجيب على تناقضاتها، ولا يكشف عن عللها، والضرورات المتحكمة فيها، وعن أسباب نشأتها، لأنه تحليل غير فلسفي، لأن التحليل الفلسفي يقف عند الجذور والأصول والبدايات الأولى، فتعريف هيغل للدولة مجرد، وتجسيد للإرادة العامة المتمثلة في العقل ذاته، ثم يلجأ هيغل إلى الحوامل المادية لإضفائها على دولته العقلية كموضوع، وفي ذلك سعي لتجسيد العام في الخاص، وانتقال من المجرد العقلي إلى الواقع الملموس، دون تقديم التبريرات والتفسيرات المعقولة، حيث الاستغراق في النظري.([2])

فماركس حسب العروي يستند لفيورباخ، معتبرا هيغل يركب مفهوم الدولة المطلقة عقليا وتجريديا، ويستنتج أليا النظام البروسي، وفي ذلك مصادرة على المطلوب، بلغة المناطقة، بغية إضفاء الواقعية على دولته المطلقة، فجميع خصائص الدولة البروسية تبرر فلسفيا، وذلك، بالاعتماد على المفهوم المجرد، مثال ذلك، أن هيغل يقسم الدولة في ذاتها إلى قسمين: الأسرة والمجتمع المدني، ولكل دائرة خصوصيتها ووظيفتها، يقبل ماركس من حيث المبدأ هذا التقسيم، لأن الدولة ترتكز على علاقات القرابة، وعلاقات الإنتاج، لكن؛ المشكل أن هيغل لم ينطلق من المعطى الواقعي المادي، الذي هو علة التناقض والصراع والتغيير، بل، استغرق في التعليلات المنطقية المجردة، وفي ذلك تحصيل حاصل، و ابتعاد عن  مملكة الواقع.([3])

هيغل من وجهة نظر ماركس يلجأ إلى التعليل المنطقي، لأنه يبدأ بالتحديدات المجردة التي تضطره إلى تبرير الواقع، فيشخص العام في الخاص، وتلك قاعدة يمكن أن تبرر كل تشخيص مهما كان نوعه، فلا يمكن استخراج واستنباط مفهوم الدولة من مفهومي الأسرة والاقتصاد، وهو الأمر الذي جعل هيغل حسب ماركس يقدم استنتاجات جدلية فارغة من المعنى، وجعلها ترتدي ثياب الواقعية، فلو انطلق هيغل من الواقع المادي الذي هو مناط الفعل والحركة والتقدم، لما احتاج إلى افتراضات صوفية تذهب مثلا الى إحلال الدولة ( الشأن العام)  في الفرد ( الشأن الخاص).([4])

يقدم فيورباخ من وجهة نظر العروي، طريقة للإنفلات من منطق هيغل المثالي، بإحلال الموصوف أو الواقع محل الصفة أو الفكرة لدى هيغل، لأن هيغل يتمركز في نظريته حول الفكرة/ الصفة التي هي الفاعل، فمنها يحصل التطور، فرغم تشبت هيغل بالواقع وتبريره، إلا أنه ليس هو أساس التقدم، بمعنى أن هيغل من وجهة نظر ماركس يقدم تحليلا مقلوبا بناء على المقولات الجدلية المجردة، فيبقى الواقع غير مبرر بشكل واضح، إنها التجريبية التامة والواقعية الفجة التي تجعل هيغل سفسطائيا.

لتبرير الواقع يلجأ هيغل إلى حيلة الوسط، لصياغة رؤية حول علاقة الفرد بالدولة، ودليل ذلك، أن هيغل يبرر وجود طبقة الموظفين، بكون الدولة تجسيد للعقل، فهي تمثل إرادة الملك العامة، ولا تهتم بالجزئيات، لذا؛ لا بد من وسيط بينهما، يخصص القواعد العامة في إطار الوظيفة، إنها طبقة العموم الذين لا يخدمون مصلحتهم الذاتية وإنما العامة.([5]) ولمباشرة أعمالهم لا بد أن تتوفر فيهم شروط الكفاءة التي تتم عن طريق امتحان لولوج الوظيفة، هذا التعليل حسب ماركس ينطبق على الدولة البروسية، نظرا لنفوذ الأرستقراطية العقارية في المجلس النيابي، وخوفا من وجود تعارض بين المجلس النيابي وسلطة الملك، لا بد من وجود وسيط يتبدى في الحكومة، علما أن هيغل حسب ماركس يتساهل ويتلاعب بالتبريرات، حسب الفئة التي يتكلم عنها، وفي ذلك قفز فارغ من المنطق إلى الواقع، ومن العمومي إلى الخصوصي. لكن، لماذا يعود ماركس إلى فلاسفة الأنوار؟

سر عودة ماركس لفلاسفة الأنوار راجع إلى نفي هيغل وعدم اعترافه بنظرية العقد الاجتماعي ([6])، وذلك بنقد أسسها ومقدماتها التي أنبت عليها، أهمها، أن مصلحة الفرد سابقة عن مصلحة الدولة، وأن الأفراد هم أساس وجود الدولة وتطورها. نفي وتقويض هيغل لفكرة العقد، منبعه أن العقد الاجتماعي الذي ينص على أن الدولة حدث اصطناعي ناتج عن إرادات الأفراد، بحيث تصبح الدولة مجرد وسيلة لخدمة أغراض الفرد، وتحقيق حقوقه الطبيعية، في مقابل أطروحة هيغل التي يؤكد فيها على أن الدولة هي الجوهر والغاية، والفرد هو الشبح الخادع، وينتقد هيغل أيضا قول، أن حب الوطن من ركائز الدولة، فحب الوطن، حالة وجدانية بموجبها ينظر الفرد للدولة كغاية لا كوسيلة، لأن الدولة هي أصل النظام والوجدان، ونقد هيغل لنظرية العقد الاجتماعي، نقد لأساس العقد المتمثل في الفرد، إنه نقد النقد حسب عبارة العروي نقد العقد والفرد معا.([7])  ويؤكد العروي؛ أن نقد ماركس لهيغل، انطلق من مفهوم الديموقراطية عند روسو وفخته وفيورباخ، فإذا كان فخته يرى أن الدولة لا يجب عليها أن تتجاوز الحدود التعاقدية، ولا تتحكم في الحق الطبيعي، ولا في وجدان الفرد، فإن فيورباخ يؤكد على أن الدولة تنشأ عندما يتمركز الفرد حول ذاته، وتصبح ذاته هي منطلق فعله، أي أنهما يؤكدان على أولوية الفرد على الدولة، فهو المنطلق والأساس. ([8])

وفي معرض تأكيده على أولوية الدولة، يوضح هيغل أن السيادة كذاتية تتمثل في سلطة الملك، الذي هو صاحب القرار الحاسم، فعنصر التقرير المطلق في الدولة هو الملك، وفي ذلك تعليل للحكم الملكي المطلق. ينتقد ماركس ذلك معتبرا أن السيادة هي مجموع الارادات الفردية، لأن الدولة تجريد، والواقع ملموس، بمعنى أن ماركس يبني تصوره على الأساس الذي قامت عليه نظرية العقد الاجتماعي، الذي هو اتحاد إرادات الأفراد، فالسيادة حسب ماركس للشعب، ولا تتشخص في فرد معين. وكأن ماركس يريد أن يجعل من الدولة وسيلة وراعية للفرد الذي هو أساس الدولة وغايتها، قول يناقض تصور هيغل الذي ينطلق من الدولة، ليجعل من رعاياها تفريعات وتفريدات تابعة لها، ومعبرة عن روحها، فأفق ماركس؛ فلسفة الأنوار، حيث الانطلاق من الفرد والعقد بناء على مفهوم الديموقراطية، وأفق هيغل؛ الدولة كحقيقة جوهرية وروح أخلاقية مطلقة. ([9]) وهنا نتساءل: هل رؤية هيغل للدولة مثالية حقا أم أن ذلك من تأويلات الفلاسفة والمفكرين؟

يجيب العروي، بكون هيغل يصف بدقة واقعا معاشا، رغم التبريرات العقلية، واقع يتمثل في تخارج الدولة والفرد، الذي يعيش في المجتمع المدني، حيث تحقيق حاجيات الفرد الخاصة. فالفرد الذي يعمل وفق التعاقد يكون خارج الدولة، بل؛ ضدها في بعض الأحيان، لأنه يكون متمركزا حول مصلحته الخاصة لا العامة، مثل هذا الفرد يجب أن تحتاط منه الدولة، لأنه غير مهيأ لتجسيد الإرادة العامة، وتحقيق مصلحة الدولة، وأن تحذر منه، وذلك بوضع شروط دقيقة، كالامتحان مثلا لقبوله في وظيفة ما، إنه الفرد المفرط في فردانيته الذي يناقض الدولة، لأنه ينتج لذاته فقط، فهو بمثابة امبراطور داخل امبراطورية، يتصور نفسه البداية المطلقة لكل شيء، عندما ينتج لا يعرف الدولة، وعندما ينتمي لها يتنكر لذاته كمنتج، وتلك مفارقة علاقة الدولة بالفرد. ([10]) لكن؛ (أخشى ما أخشاه لدى العروي أن يكون تأثره بهيغل – أستاذه بلا منازع- قد حمله على أن يضحي بفكرة الفرد ويقدمها قربانا للدولة. إذ ما فتئ العروي يذكر الدولة ويهمل الفرد حتى ظننت أنه سيقدمه لمقصلة الدولة فداء كما فعلت كل الفلسفات التوتاليتارية... فما نكاد نسمع للفردانية المتمردة على كلية الدولة في فلسفة الرجل صوتا. وعبد الله العروي، إسوة بأتباع هيغل من المثقفين الهيجليين لربما تعرض مثلهم لعضة هيجل، فما زال يمجد الدولة حتى جعلها هي والعقل سواء. أليس هو القائل: " هناك اختياران عامان: العقل واللاعقل، الدولة وغير الدولة") ([11]).

إنه فرد محتال ومخادع، غارق في فردانيته، لا يشعر بالمسؤولية العامة اتجاه دولته. فالمشكل هنا، مرده إلى تضخم الفردانية وتعاظم الأنانية، وعلى طبيعة التعاقدات الأولى التي منحت الفرد مكانة معتبرة وجعلت الدولة وسيلة لخدمته، فأثناء التعاقد كانت المصلحة الفردية حاضرة، بطريقة غير مباشرة، بحيث يمكن القول هنا؛ أن التعاقد وسيلة لخدمة الفرد، هي حيلة أراد الأفراد الأوائل إسقاطها على علاقة الفرد بالدولة أيضا، وهنا تظهر أهمية رؤية هيغل. فأين يتجلى خطأ هيغل حسب العروي؟

يرى العروي، أن خطأ هيغل يتمثل في اعتباره؛ أن فلاسفة الأنوار يعتبرون الدولة شركة إنتاجية، وأن تفنيد ذلك يجعلها غاية في ذاتها، دولة هيغل لا تنتج، فهي كيان مجرد ومتعال عن الكل، بينما الإنتاج وتحقيق المنافع والمصالح والرغبات من اختصاص المجتمع المدني، يعلق العروي؛ أن تصورات فلاسفة الأنوار ليست سطحية كما ادعى هيغل، ولكنها تعبير عن واقع قائم وحادث، أي أن نظرية العقد واقعية، ولا يجب التنصل من الواقع الذي هو أساس الفعل. بمعنى أخر أكثر دقة، أن دولة التعاقد والحاجة والإنتاج الأنوارية التي انتقدها هيغل هي واقع معاش، حيث انغماس الفرد في الانتاج والمصلحة، غير مكترث للدولة الجوهرية، تلك نقطة دقيقة وحساسة لم يدركها هيغل، كان عليه أن يحلل دولة واقعية مرتبطة بالمجتمع المدني عوض تحليل دولة شكلية عقلية ومجردة. ([12])

وزيادة في التوضيح، أن العروي يعتبر أن ماركس يميز بين دولة الحاجة (كمضمون) والإنتاج التي يعيش الفرد بداخلها، ودولة السياسة (كشكل) المنفصلة عنها بحيث تسعى الثانية لإخضاع الأولى. والتي سماها هيغل بالعقل المطلق. وفكر هيغل يتمحور حول إخضاع المضمون للشكل، بغاية تحصيل العقلنة أو الشكلنة، أو البيروقراطية بلغة ماكس فيبر، إخضاع دولة الإنتاج لدولة السياسة. ([13]) لذلك؛ يعتبر العروي، أن هيغل يرى الدولة الأنوارية وقد صارت منغمسة في المجتمع، لذلك؛ جعلها هيغل جوهرية ومنطقية، إنها الكل، والحيز الذي يتأطر ضمنه المجتمع والفرد، وهو بهذا لا يأبه للمجال السياسي كمجال مستقل، وإنما تابع للدولة، معترفا بوجود تناقض بين الفرد والدولة، لكنه يتجاوز ذلك، بجعل الفرد ضمن الدولة، وكأن هيغل يسعى إلى الوصول إلى المجتمع عن طريق الصورنة والتجريد، وهي عملية منطقية مجردة جعلت رؤيته سطحية حسب العروي، بحيث تصبح نظرية الأنوار واقعية، وبدون برهان منطقي أو استدلال عقلي، ولو بشكل مؤقت، بينما نظرية هيغل، اندثر مضمونها الواقعي لحظة انفصال المجتمع المدني عن مجال السياسية.([14]) إذا كان هيغل يعتبر أن مشاركة المواطنين في تدبير شؤون الدولة أرقي عمل إنساني، فإن ماركس يعقب على ذلك بكون المشاركة نظرية لا عملية واقعية، فالمشاركة وفق تصور هيغل، تجعل الأفراد مجرد رعايا مضطرين إلى تنفيذ إرادة ذات الملك المتسمة بالسيادة. ([15])

مضمون القول السابق وفق تحليل العروي يوحي، بالهروب من المجال السياسي، الذي تحول إلى مشكلة، ربما جعلت هيغل يتهرب من المقاربة الواقعية، وبقي منتميا لمملكة التجريد. لنا أن نتساءل هنا: هل ماركس استقل في نقده لهيغل؟ الملاحظ، أن ماركس غارق في مفاهيم هيغل، بحيث لم يستطع الانفلات منها، وتأسيس قاموسه الخاص به، خاصة فيما يتعلق بمسألة الدولة، دون إهمال أن ماركس ينطلق من إشكالات هيغل حول الدولة والمجتمع، وكأني بماركس يرفع شعار، التفكير مع هيغل ضد هيغل، بمعنى توظيف منطقه وجدله، في حلة واقعية، والتفكير ضده، بقلب رؤيته المثالية المجردة، وإضفاء البعد الواقعي، لا الانطلاق من الصفة أو الفكرة.

أهمية ماركس بالنسبة للعروي تكمن في أن فصل الدولة السياسية عن دولة مجتمع الإنتاج شيء حادث في تاريخ التقدم البشري، وأن التناقض الذي تحدث عنه هيغل بين الفرد المنتج والدولة السياسية، واقع تاريخي محدد وليس ضرورة منطقية. ([16]) الأمر الذي يجعل  ماركس يؤكد؛ أن التناقض بين الفرد والمجتمع موجود وحادث في الزمن، ولم يكن موجودا في  التاريخ القديم بحيث كان رب الأسرة يشارك في الإنتاج بصفته رب الاسرة لا كفرد حر، فمثلا الثورة الفرنسية، هي التي حولت الهيئات السياسية إلى اجتماعية، وخلقت التفاوتات، خاصة بين هيئات المجتمع المدني والدولة، ، فحدث انفصال بين المجتمع المدني والكيان السياسي المتمثل في الدولة، أي أن الثورة الفرنسية هي التي غيرت العلاقات الاجتماعية والسياسية أفقيا وعموديا، وقبل الثورة الفرنسية كان المجتمع الإنتاجي يكون الدولة بشكل مباشرة، ومثال ذلك، النظام الاقطاعي، فامتلاك الإقطاع، يعني الحق في السياسي وممارسة السياسة، فلم يكن هناك انفصال بين الدولة والمجتمع.([17])

مضمون الكلام السابق، أن الدولة الجوهرية الموضوعية، عبارة مجردة وانعكاس لما كان موجودا قبل الثورة الفرنسية، بمعنى أن هيغل استنبط فكرة أن الدولة هي الكل، من المفهوم السائد للدولة قبل الثورة الفرنسية، حيث كان المجتمع والدولة شيء واحد، ولكن، الثورة الفرنسية فصلت بين الاجتماعي المتمثل في المجتمع المدني، والسياسي المتجلي في الدولة، بحيث صارت الدولة مجرد وسيلة في يد الاجتماعي. ودور هيغل -هنا-، يتمثل في منح الدولة السيادة المطلقة، باعتبارها هي الكل، المتحكمة في وجدان الأفراد، ومؤطرة للمجتمع المدني، وذلك خوفا من استقواء الفرد، وتغوله على حساب الدولة. إن هيغل أدرك الانفصال الذي أحدثته الثورة الفرنسية، فأراد إعادة صياغة الكل، وفق مقولات العقل المطلق، والذي يتعلق به هيغل، وفي ذلك نوع من الحنين إلى تاريخ الدولة والمجتمع قبل الثورة الفرنسية، وهذا، ربما هو ما يفسر نقده للثورة الفرنسية التي فصلت بين المجالين، الاجتماعي والسياسي، محدثة تمايزا كبيرا، الأولوية فيه للفرد على حساب الدولة.

صحيح، ربما أن هيغل لم يفهم حقيقة الأنوار التي عبرت عن الوعي والتحول الحاصل بالفعل، لكن؛ التناقض بيد الدولة والفرد حاصل أيضا، وهو تناقض منطقي، كنتيجة للثورة الفرنسية، إنها وإن كانت حدث جلل وعظيم حسب هيغل، بحيث عصفت بالمؤسسات التقليدية، فإنها في المقابل لم تنجح في إقامة مؤسسات حديثة، لأنها توسلت بالعقل التجزيئي، فرأت أن لا توافق بين الحرية الحقة، والمؤسسات المفروضة، وتلك بداية الفصل والتناقض بين الفرد والدولة، وتمهيدا لخلق شرخ بين المجال الاجتماعي والفردي من جهة، والمجال السياسي من جهة ثانية، بل، أكثر من ذلك، أن الإرادة الكلية لا تتوافق مع نظام التمثيل السياسي، هذا الانفصال أدى إلى تمزيق الحياة عوض التأليف، أي أن عقلانية الأنوار تتضمن في ذاتها التناقض.

حقا، إن هيغل بحديثة عن علاقة التناقض بين الفرد والمجتمع، قد يكون عاد القهقري إلى الماضي حسب العروي، ماضي ما قبل الثورة الفرنسية. ([18]) لكن، رؤيته أيضا مستقبلية، إنه لا يريد أن يخلق الفرد عالمه الخاص به ويتخندق فيه، متجاوزا الدولة، فالخير موجود في الدولة، وفي الانتماء لها، بحيث تصبح الفكرة الأخلاقية متحققة بالفعل وموجودة في عالم المؤسسات الاجتماعية.

 

محمد لمعمر - المغرب

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

.....................

الهوامش:

[1]- عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الطبعة العاشرة، الدار البيضاء، 2014، ص، 47.

[2]- نفس المصدر، ص، 48.

[3]- نفس المصدر، ص،48.

[4]- نفس المصدر، ص،49.

[5] - نفس المصدر، ص،.50

3- هناك عدة انتقادات وجهت إلى نظرية العقد الاجتماعي، بدءا من سبينوزا، مرورا بهيغل ووصولا إلى الفيلسوف الأمريكي جون راولز، الذي يرى بضرورة إعادة ترميم مفهوم السعادة والرفاهية، وبالتالي ترميم جديد للتعاقد، لتأكيد مفهوم التضامن أو التعاون الاجتماعي؛ يقول:" بنية الوضع الأصلي هي الشكل الذي به تنتظم المؤسسات السياسية والاجتماعية في نسق واحد من التضامن الاجتماعي الذي توكل إليه الحقوق والسلط الأساسية والتي تبين توزيع المستحقات التي تسفر عن التضامن الاجتماعي ذاك". John Rawls : la justice comme équité. Ed. La découverte 2003. P 25.

[7]- نفس المصدر، ص،52.

[8]- نفس المصدر، ص،53.

[9]- نفس المصدر، ص،54.

[10]- نفس المصدر، ص،55.

1- محمد الشيخ، مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، منشورات الزمن، العدد 13، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2004، د.ط، ص.24-34.

[12]- نفس المصدر، ص،56. (يقصد هيغل بالمجتمع المدني تجمع الأفراد بغاية تحقيق مصالحهم الخاصة. فشأن المجتمع المدني إذا أن يتحدد بنظام الحاجات من حيث هو ينهض على خلق وسط من الاحتياج المتبادل. فقيامه على أنانيات الأفراد الخاصة أمر متحصل. لكنه يضمن التوازن بين نسق الحاجات المتبادلة بتوسل نظام قضائي الشأن فيه أن يحقق سلامة الأفراد وملكيتهم، وأن يضع حدا للخلافات بينهم، وبتوسل إدارة ترابية تحمي مصالح كل الأشخاص، وبالاستناد إلى تنظيم الهيئات المهنية لأشكال العمل الخاصة). محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2008، الطبعة الأولى، ص. 300-301.

[13]- نفس المصدر، ص،58.

[14] - نفس المصدر، ص58،

[15]- نفس المصدر، ص،59.

[16] - نفس المصدر، ص 59.

[17] - نفس المصدر، ص،60

[18] - نفس المصدر، ص،61.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5377 المصادف: 2021-05-26 01:18:39


Share on Myspace