المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

كاظم شمهود: من اعلام الآثار والتاريخ العراقي (2)

كاظم شمهودلقد قدم علماء الآثار الاجانب والعراقيين في القرن العشرين في الواقع نوع من العدسات المكبرة حيث بدات الحضارات القديمة واضحة للعيان ازاء مهداها الجغرافي والتاريخي الصحيح، كما اصبحت معالمها اليوم اعمالا فنية مشهورة، ولايزال هناك الكثير مما نجهله عن تلك الشعوب القديمة كما ان عددا كبيرا من اعمالها المطمورة تحت التراب والاخرى التي في ايدينا لانزال غير قادرين على قرأتها وقهمها. وفي علم الآثار يعتمد الباحث في تفسيراته على شرح المنقب المتعلق بالظرف الذي عثر فيه على المادة غير ان الاثنان على حد سواء يعانيان من الاحباط بسبب المتاجرة بالاثار مما يدمر قيمتها بوصفها وثائق تاريخية..

2487 سرقة الآثار وتخريبها

وهو ما حدث للآثار العراقية التي تعرضت للمتاجرة والنهب والسلب منذ منتصف القرن التاسع عشر الى عام 2003. وقد تصدى لهذه الاعمل التخريبية بعض العلماء العراقيين الشرفاء منهم:

 دوني جورج

2488 جون دونيولد جورج في الحبانية (محافظة الانبار) عام 1950 وهو من اصل مسيحي، تخرج من جامعة بغداد كلية الآداب قسم الآثار عام 1974 وعين موظفا في المتحف العراقي عام 1976 بعدها حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة بغداد في علم الآثار عام 1995 ثم تقلد منصب رئيس هيئة الآثار العراقية العامة عام 2005. قام بحملة تنقيب في عدد كبير من المناطق مثل نينوى وسامراء وآشور واور والبصرة وغيرها. كما تقلد مناصب عديدة في قسم الآثار ونال شهادات تكريم من قبل مسؤلي الدولة. وله مولفات ومحاضرات علمية في جامعات عربية واجنبية واخرها كان استاذا في جامعة ستوني بروك في امريكا.. وتذكر الدكتورة لمياء الكيلاني وقد عمل معها جورج في المتحف العراقي انه كان اكثر الموظفين حرصا وبحثا عن الآثار العراقية، فعندما ذهب لاعادة الآثار من متحف دهوك ونزل الى السرداب و شاهد صناديق الاثار هدأت اعصابه وجلس ساكتا لا ينطق بشئ ليستريح امامها بعد معانات من البحث والسفر وكأنه اراد يشكر الله على انه وجدها سالمة...

كان دوني شاهدا على ماحدث في المتحف العراقي من نهب وسلب للمخطوطات والرقميات والتماثيل اثناء سقوط النظام عام 2003، ويذكر ان دوني قد حصل على معلومات من الاستخبارات العراقية قبل سنة من الغزو الامريكي للعراق تفيد بان متخصصون في علم الآثار من جامعة كامبردج البريطانية يضعون خططا للاستيلاء على الآثار العراقية الخاصة بالارشيف اليهودي، وكانت السلطات العراقية على علم بذلك علما ان الارشيف وغيره من القطع الاثرية قد نقلت قبل فترة طويلة الى مبنى الاستخبارات العراقية في بغداد، ولكن الامريكان والصهاينة كانوا على علم بذلك فاستولوا على بناية المخابرات ونقلوا الارشيف الى امريكا بحجة ترميمه بعدما تعرض للضرر من جراء الرطوبة والتلف. وكان دوني يتابع موضوع سرقة الآثار في المحافل الدولية وكان نشطا في مطالبة الدول الاجنبية باسترجاع الآثار العراقية،و البحث عنها بالتعاون مع بعض المنظمات الدولية. وفي عام 2006 القى محاضرات في سوريا بين فيها حجم المأساة للآثار العراقية وكيف تمت السرقة بشكل منظم ومدروس وكان شاهدا على ذلك ، وان هناك 400 مسلح هاجموا المتحف ونقلوا القطع الاثرية في صناديق وسيارات معدة لذلك.. وبسبب هذه الانشطة تعرض للتهديد والقتل فهاجر مع عائلته الى سوريا ثم الى امريكا عام 2008. وهناك اصبح محاضرا في جامعة ستوني بروك، وفي عام 2011 دعي الى القاء محاضرة في تورنتو في كندا وان الذي ارسله بروفسور يهودي.. المهم توفي في مطار تورونتو في كندا في سكتة قلبية قادما من امريكا.. ويذكر بعض المحققين ان الحادث مدبرا من الاستخبارات الصهيونية وربما ارادوا اسكات صوته الوطني المحترق، وفعلا بعد موته بسنة اعلنت اسرائيل انها حصلت على الارشيف اليهودي وانها انتصرت على اعدائها بحصولها على تاريخها البابلي..

لمياء الكيلاني

2489 لمياء الكيلانيهي لمياء احمد داود سليمان الكيلاني ولدت عام 1931 في بغداد ومن اسرة علمية محافظة عريقة تمتد جذورها الى شيخ الصوفية عبد القادر الكيلاني . درست في جامعة بغداد في كلية الاداب عام 1957 لكنها تركت الدراسة في سنتها الاولى وذلك لحصولها على منحة دراسية من جامعة كامبردج في لندن حيث حصلت على البكلوريوس في علوم الآثار والعمارة، وعندما عادت الى العراق عام 1961 التحقت بالمتحف العراقي وانيطت لها مهمة الاعتناء بالاختام الاسطوانية واستنساخها والتي تعد بالالاف، ثم حصلت على بعثة لدراسة الدكتوراة من جامعة لندن عام 1966 وكانت اطروحتها عن الاختام الاسطوانية . عملت في المتحف العراقي وكذلك في التنقيبات مع الاستاذ طه باقر وتعتبر اول امرأة عراقية تشترك في عمل التنقيبات والاستكشافات بعد ممانعة كبيرة من اهلها المحافظين حيث استطاع الاستاذ طه باقر من اقناع اهلها بانها في امان وسلام مطلق. درست في كثير من الجامعات والفت عدد من الكتب وشاركت في المؤتمرات الدولية والمحلية في مجال علم الآثار.

 في محاضرة لها عام 2016 شاهدتها في مركز الحوار المدني في لندن كشفت العالمة العراقية عن امور غاية في الاهمية فيما يخص الاثار العراقية والمتحف العراقي خاصة في اثناء الحروب التي مرت في العراق في الثمانينات والتسعينات حتى سقوط النظام عام 2003. كانت لمياء حريصة كل الحرص على اعادة المسروقات الاثرية بالتعاون مع قوات الاحتلال الذين استطاعوا بعد ذلك من اعادت آلاف المسروقات الى المتحف العراقي، وتقول انهم عثروا على تمثال سومري مخبئ في بلوعة الصرف الصحي واستطاعت من احتضانه واعادته رغم تلوثه بروائحها العفنة . كما ذكرت انها كشفت لوح طيني فيه نظرية حسابية اعتبرت برهانا لنظرية فيثاغورس كتبت قبل مولده بنحو 2000 عام.. ويذكر ان فيثاغورس (570- 495 ق م) زار مصر وعمره نحو 22 سنة وفي اثناء ذلك غزى الفرس مصر فحملوه معهم كاسير الى بابل وبقى فيها 12 سنة يتعلم العلوم والرياضيات والمعتقدات الشرقية، ثم اخلي سبيله وكان عمره حوالي 56 وعاد الى بلاده ولكنه اتهم بالتصوف والافكار الفلسفية الغريبة ففضل الاستقرار في جنوب ايطاليا... ولهذا فان نظريات وعلوم وفلسفة فيثاغورس معظمها اصلها بابلي..

 وذكرت الكيلاني عن حوادث سرقة المتحف العراقي بان الاختام كانت مخبئة في صناديق في اعلى الرفوف وانها في مكان امين، لكن كيف عرف هؤلاء اللصوص بها واخذوها ؟، كما ذكرت ان هناك طابق سفلي للمتحف فيه 100 الف مسكوكة و7 الاف ختم اسطواني لم يعرف احد بها، وانها رغم فترة عملها التي امتدت عدة سنوات لم تعرف ان هناك بابا سريا للطابق الاسفل، ولكن اللصوص عندهم علم مسبق بذلك ودخلوا عليه؟، والكيلاني تتهم الموظفين بانهم هم الذين سلموا المفاتيح للصوص؟.. وذكرت انه في عام 1991 وقبل حرب الخليج الثانية والحصار وزعت الحكومة العراقية الاثار العراقية على متاحف ادهوك وكركوك وغيرها بنية الحفاظ عليها من قصف الطائرات الاجنبية، ولكن بفعلها هذا قد تعرضت الاثار للتلف والسرقة . وانه منذ سنة 1920 الى 1990 تعرضت الاُثار العراقية للنهب والسلب والتخريب، واكدت ان اكثر المسروقات مصورة ومنشورة والثلث الباقي غير منشور.

احيانا يلاحظ من خلال حديث الدكتورة لمياء انها لا تريد ان تتهم احد من الدول الاجنبية التي احتلت العراق وتحملها المسؤلية عما جرى وانما تتهم ناس غوغائيين وسرا ق ولصوص ومافيات وموظفي الدولة خاصة موظفي المتحف ؟. بينما الدكتور دوني جورج يؤكد على وجود مخطط اجنبي وصهيوني لسرقة الاثار العراقية خاصة الارشيف اليهودي وكان جورج يعمل وقتها في المتحف العراقي وانه كان شاهدا على ذلك، كما ان هناك افلام وصور توثق السرقة والنهب وامام القوات الاجنبية التي لم تحرك ساكنا.. توفت لمياء الكيلاني عام 2019 في عمان وسط تشييع مهيب ورسمي اشترك فيها العراقيون والاردنيون واصحاب العلم.

عامر سليمان

2490 عامر سليمانيعتبر عامر سليمان من عمالقة علم الآثار في العراق ولد في الموصل عام 1936 وحصل على شهادة البكلوريوس من جامعة الموصل كلية الاداب 1957 ثم حصل على شهادة الدكتوراة في علم الاثار من جامعة هايدلبركفي في المانيا عام 1966 .. اسس قسم الاثار في جامعة الموصل عام 1969 وشغل اول رئيس له. كما اصبح عام 1967 رئيسا لهيئة التنقيبات في الموصل وقام بعدة حملات تنقيبية فيها .. و شغل ايضا عضو في المجمع العلمي العراق عام 1996 ومديرا للبحوث الحضارية والآثرية في الموصل، ثم حصل على جائزة طه باقر من وزارة الثقافة والاعلام عام 2012. ومن اهم كتبه هو قواعد اللغة السومرية عام 1972 واللغة الاكدية عام 1988 وتعتبر هذه من اهم ما كتبه في مجال اختصاصه في اللغات العراقية القديمة. وكذلك من مؤلفاته –القانون في العراق القديم 1977 - وفرائد من التاريخ القديم 1978- وعادات وتقاليد الشعوب القديمة - كما ترجم عدد من الكتب الاجنبية مثل –عظمة بابل 1980 – والشرق الادنى والحضارة المبكرة 1984 - وهكذا كانت حياة هذا العالم والمنقب الاثري كنز من العطاء والتضحية لخدمة بلده ومدينته ام الربيعين.... / وسنكمل حديثنا في الحلقة القادمة.

 

د. كاظم شمهود

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5379 المصادف: 2021-05-28 03:17:45


Share on Myspace