 دراسات وبحوث

محمد بنيعيش: العبرة والأبعاد من نزول الوحي في حال يقظة النبي

محمد بنيعيشلكل مرحلة وحال عبرته وحكمته ومداه ومقامه.ومهما سما حال النوم وجال في عالم الملكوت فإنه مع هذا يبقى متعرضا للتأويل أو التحويل سواء من طرف الرائي أو المستمع للرؤيا والراوي لها.

فرؤيا الأنبياء هي حق وصدق لديهم وهي قد تتطابق مع حكم اليقظة، وبهذا فقد تبقى ملكا خالصا لهم، وهم أولى بتفسيرها وتأويلها .لكن حينما يتعلق الأمر بالوحي التشريعي وتبليغ الرسالة فذلك ينبغي أن يكون جامعا بين مقتضيات اليقظة والمنام تطابقا وتناسبا، لأن النبي سيخاطب الأنام، وهؤلاء يطلبون الحجة والدليل والبرهان المحسوس قبل المعنى ودقائق العرفان,فلزم إذن أن يتوافق الخبر والخطاب مع حال المتلقين والمنتظرين والمترقبين، وهذا لا يكون إلا بالخطاب من يقظ نحو يقظانين حيث كمال الحجة والإلزام.

أولا: الوحي مناما ويقظة في ميزان الوصال والتشخيص المتناسب

ومن هنا جاء الخبر بأول نقطة وفيض نور للوحي على النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صحوا وحضورا وحدثا ملموسا ومتفاعلا.كما تقول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:"

" فجاءه الملك فقال:اقرأ .قال: ما أنا بقارئ، قال :فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال :اقرأ، قلت :ما أنا بقارئ.فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال :(اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم) ..."1.

وفي رواية ابن إسحق :"فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال:اقرأ .قلت: ما أقرأ...إلى أن قال :فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا ..."2 .

فبين الروايتين فصل ووصل ونوم ويقظة، كلا الحالتين تتجاذبان  الحادثة على معاني متوازية ومتراتبة ومتكاملة .

كما أن رواية النائم إن صحت فإنها ستكون مقدمة غيبية لرواية الصاحي التي هي تحقيق لها في الواقع واليقظة كما كان عليه حال النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي "لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح".وإذن فلا تناقض ولا حذف ورد لإحدى الروايتين.

إذ رواية البخاري وغيره من المحدثين توحي بأن الملك جبريل عليه السلام جاء إلى النبي  (ص) وهو في اليقظة، يقظة حسية ساطعة عند بزوغ أنوار الشمس وضحاها، وهذه غاية المعرفة ومنتهى مقاماتها حيث حق اليقين ولا زيادة، خاصة وأن الحقيقة هنا قد اصطدمت بالذات واحتكت بها أيما احتكاك ولم تترك لصاحبها فرصة لكي يتحرك أو يتململ يمنة أو يسرة أو يعيد التأمل،  حتى بلغ منه الجهد .

إذ التفكير والتمهل والمراجعة قد تكون عند وجود فراغ ونقص في التمثل والاستيعاب.لكن، أما وأن الاندماج قد حصل والحقيقة قد اخترقت الجسد والفؤاد فلم يعد حينئذ سوى مقام الترقي والتلقي،  والترسخ من غير قابلية للتفسخ.

فهذه الرواية - والله أعلم - قد ترسم لنا مقاما، وهو أرفع ثبوتا من الحال الذي هو صورة للتحول والتغير، ولكن في دائرة المقام الأول الرئيسي الثابت.وهذا ما يمكن ربطه بالفقرة التالية من رواية ابن إسحق عند قول الملك للمرة ما بعد الثالثة :"( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5))قال:فقرأتها، ثم انتهى،  فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا" .

بحيث إن حال النبي  (ص) قد كان هنا نوما، وهو حسي أيضا، لكن الفرق بينه وبين اليقظة أن هذه الأخيرة فيها تكامل بين الظاهر والباطن،  وبين عالم الغيب والشهادة التي قد تكون هي المآل في المعرفة والعرفان، إذ حينما ينجلي الصبح فسيكشف ما كان مستورا في الليل والغيب.

ثانيا: يقظة النوم من غير نوم اليقظة مغلب عند الأنبياء (نور على نور)

ونوم الأنبياء هو يقظة، وخاصة لدى سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (ص) الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه ويرى من ورائه كما يرى من أمامه .لأن موضوع الجهة بالنسبة إليه غير وارد،  وكيف لا وهو  ينظر بنور الله تعالى الذي هو " نور السموات والأرض".وهذا المعنى ستفيدنا به عبارة الرواية نفسها، المفصلة عند ابن إسحق،  لما تشخص جبريل  للنبي (ص) فقال: فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، قال:فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي..."3 .

وفي قريب من هذا المعنى الذي نروم ملامسته في هذا المقام يقول المرحوم الشهيد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:"ولقد فوجئ محمد عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له :اقرأ .حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مرده إلى حديث النفس المجرد، وإنما هي استقبال وتلق لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات، وضم الملك إياه  ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة: اقرأ .يعتبر تأكيدا لهذا التلقي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصور من أن الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط"4 .

والأستاذ البوطي هنا يميل بالكلية إلى اعتبار مسألة الوحي أنها كانت في مقام اليقظة الحسية الناصعة وذلك لتلافي كل حالة ذاتية ونفسية في تأويل وقوع بدئه وما جرى فيه من خطاب .

وهذا مبدأ صحيح ولكنه مع ذلك لا يسقط أو يلغي إمكانية وقوعه في المنام، الذي كما قلنا هو بالنسبة إلى النبي (ص) سيان، معرفيا وصدقا وتصديقا، تماما كما هي اليقظة، ولا علاقة للنفس به حينما يكون وحيا ومن مصدر إلهي خالص، خاصة وأنه (ص) قد كان :"لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" كما عبرت بذلك السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في باب بدء الوحي.

وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء في الجمع بين الروايات على اعتبار أن هذه المسألة قد تكون وقعت له  (ص) مناما ثم تحققت يقظة ولا خلاف...

في حين أن رواية  ابن إسحق جمعت في نفس السياق بين النوم واليقظة،  إذ يقول بعد يقظة النبي (ص) حسب سياق الرواية :"فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول:يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل".بمعنى أن ما تم إيحاؤه إليك فهو حق وليس بخيال أو توهم وتهيئات وأحلام وإنما كما يكون حال عالم الغيب يصير حال اليقظة بالنسبة إليك، فليس لديك إذن إلا الثبات وقطعية الثبوت على مقام حق اليقين.

لكن المغلَّب عندنا هو ظاهر الحديث الذي رواه البخاري ومعه باقي الرواة من أن الملك قد جاء إلى النبي (ص) في غار حراء وهو في اليقظة وعلى أتم الاستعداد  الروحي والنفسي والشعور الجسدي الذي بدوره سيتحمل تبعات وثقل الوحي ومسؤوليته، وذلك لكي يكون الكمال ونقطة الوصل التي ما بعدها من فصل بين عالم الغيب والشهادة، والشريعة والحقيقة والظاهر والباطن والحس والمعنى .

وهذا الأمر ستشخصه وتؤكده لنا رواية السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بأن :"الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله (ص) فقال:يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله (ص):"أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال:وأحيانا يتمثل لي  الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" قالت عائشة رضي الله عنها:ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا"5 .

وكملخص للبعد المنوط بنزول الوحي يقظة نرى أن فيه دفعا لكل شبهة تثار حول حقيقة الوحي وواقعيته، كما أنه لا علاقة لنصه بالذاتية أو التصورات النفسية الداخلية للنبي، وفيه أيضا سد الباب أمام كل مدعي يتوهم أنه يوحى إليه في المنام بمعاني قد تخالف ما تضمنه الوحي النبوي من أحكام وتشريع غير قابل للنسخ أو التأويل.بحيث سيبقى النص الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا يتلى هو المصدر والمرجع الرئيسي لكل حقيقة دينية وتشريع وعقيدة وحقيقة...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.................

1- رواه البخاري، كتاب بدء الوحي

2- ابن هشام :سيرة النبي (ص) ج1ص 254

3- ابن هشام:سيرة النبي  (ص)ج1ص255

4- الدكتور محمد سعيد رمضان االبوطي:فقه السيرة دار الفكر ط8ص85

5- رواه البخاري، كتاب بدء الوحي.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5446 المصادف: 2021-08-03 03:48:20


Share on Myspace