 شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: تهاني الجبالي.. أول قاضية مصرية في عصرنا الحديث

محمود محمد عليفي اليومين الماضيين فُجعنا بوفاة المستشارة الجليلة والقاضية الجليلة والوطنية المحترمة تهاني الجبالي (1950-2022م)، والتي تمثل أبرز تجليات الرسوخ التاريخي للمرأة المصرية.. مواقف وإصرارًا وتحديًا.. وأظن أن الراحلة العظيمة تجسد بجلاء مقولة سقراط العبقرية: "المرأة أحلى هدية قدمها الله إلى الإنسان"، كما أثبتت خلال حياتها العملية قوة وصلابة شخصية المرأة المصرية، وبما أهلها لأن تكون أول قاضية مصرية في عصرنا الحديث، وتدرجت لأعلى منصب قضائي تحتله المرأة في مصر، كما كان لها دور عظيم فى ثورة 30 يونيو، وكانت لا تخشى فى الحق لومة لائم.

وتهاني الجبالي أول قاضية مصرية وأول مَن يعتلي منصة المحكمة الدستورية المصرية من النساء في مصر، وواحدة من 17 قاضياً هم قضاة المحكمة المسؤولة عن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، إلى جانب رئيسها، وعُيِّنت الجبالي عام 2003 بهيئة مستشاري المحكمة، التي أُنشئت في عام 1969 تحت اسم «المحكمة العليا» والتي تولت مهمة الرقابة على القوانين حتى تاريخ تشكيل المحكمة الدستورية العليا عام 1979.

وقد أطلق عليها بالبعض اسم ماعت لكى نتذكر "ربّة الحق والعدالة" فى الأدبيات المصرية القديمة، التى كانت تضعُ على رأسها ريشة الضمير، الذى به تزن قلب المتوفى لتعرف حجم ما يحمل من حسنات وآثام. تُنبئُنا الجدارياتُ والبرديات الفرعونية أن أولَ قاضية ووزيرة عدل فى تاريخ البشرية، هى المصرية: "نبت"، التى اعتلت كرسى القضاء المصرى قبل ٧٠٠٠ عام. كانت "نبت" رأسَ المحكمة المصرية. قراراتُها نافذة وفقَ بنود "قانون العدالة" الذى وضعه كبارُ حكماء ومستشارى ملوك مصر القديمة. هكذا كرّست مصرُ أسطورةَ "ماعت" ربة العدل، حاملة الميزان، معصوبة العينين، التى تُزيّن تماثيلُها الآن جدر محاكمنا المصرية ومحاكم العالم. وهكذا كانت الراحلة الجميلة «تهانى الجبالي» امتدادًا مشرقًا لحضارتنا الراقية، لتطوى كلَّ الحقب الظلامية التى أخمدت صوتَ المرأة المثقفة.

ولدت "تهاني الجبالي"، عام 1950، بمدينة طنطا، وتخرجت في كلية الحقوق جامعة المنصورة عام 1973، وحصلت على الدراسات العليا فى الشريعة الإسلامية والقانون الدستوري، كما أنها عملت بالمحاماة لمدة 30 سنة، وهي أول امرأة مصرية تتولى المنصب القضائي الأعلى في تاريخ مصر، كما أنها أول سيدة عربية تم انتخابها في المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، لتتولى بعد ذلك لجنة المرأة في اتحاد المحامين العرب. وانتخبت لدورتين بمجلس نقابة المحامين كأول محامية منذ إنشاء النقابة عام 1912 ، ثم انتخابها كأول عضوة في المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب لتصبح بذلك أول سيدة مصرية وعربية تنتخب في هذا المستوى بالاتحاد منذ تأسيسه عام 1944م. وبعدها، تولت لجنة المرأة في الاتحاد نفسه لتمثل المرأة العربية، وأيضًا رئاسة لجنة (مناهضة العنصرية والصهيونية) بالاتحاد، وفي عام 2009، عينت "الجبالي"، بقرار جمهوري نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية عام 2009، كما حصلت على أكثر من 30 وسام ودرع تكريمي.

والتاريخ تعيينها كأول قاضية مصرية، كما سجل أيضا عزلها من منصبها على يد جماعة ‏الإخوان الإرهابية، التي حاولت بشتى الطرق أن تبعدها عن المشهد لتنفرد بالرأى، ولكن كانت ‏الجبالي على قدر المسئولية، ولم تترك ساحة المعركة.‏ خاضت الجبالي معارك شرسة ضد جماعة الإخوان الإرهابية، خلال فترة حكمها، وبعد استبعادها ‏من منصبها بالمحكمة الدستورية، أسست التحالف الجمهوري للقوى الاجتماعية عام ٢٠١٤، ‏وخاض التحالف الانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٥، وقادت العديد من المعارك السياسية التي دعمت ‏فيها الوطن.‏

لم تكن المستشارة "تهانى الجبالي" قاضيةً وحسب، بل قاضيةٌ فى المحكمة الدستورية العليا. فى بادرة رفيعة تُحسب لمصر. ولم تكتف بما حققت، بل كافحت لتفتح الباب لقاضيات ونيابيات أخريات، بعدما أعلنت حزنها من التوجّه ضد استكمال التجربة النسائية فى القضاء. وتساءلت متى تتواجد المرأةُ فى كل ساحات القضاء بمصر، لكى تغدو تجربة جماعية، لا فردية؟ طالبت بوجود المرأة فى النيابة العامة والقضاء الإدارى وغيرهما من مجالات السلك القضائى، إذ من العبث أن يكون أوائل الخريجين فى كليات الحقوق فتيات، ثم يُستبعدن بسبب جنسهن! فى حين يجب أن تكون الكفاءةُ، لا النوع، المعيارَ الحقيقىّ والعلمىّ للاختيار! وقد تحقق لها ما أرادت فى حياتها. كان وجود نموذج المستشارة "تهانى الجبالي" معادلا موضوعيًّا يُعزّينى عن حال المرأة العربية الذى كان يجنح نحو التبعية والخنوع. فكنتُ أفتخرُ، مثل كل مصرىّ مثقف، بتلك القامة النسائية الرفيعة التى تؤكد لى أن مصرَ لن تسقط بإذن الله، مهما تكاثر الظلاميون.

وكل هذه المواقف القوية وضعتها هي ومنصبها في حالة حرجة، فبسبب الكراهية الشديدة التي كانت تكنها الجماعة الإرهابية، للقاضية تهاني الجبالي، دفعتها لتترك منصبها، حيث تم استبعادها من منصب نائب رئيس المحكمة الدستورية في حكم الرئيس المعزول محمد مرسي من خلال نص دستوري قلص عدد قضاة المحكمة الدستورية من ١٩ إلى ١١ عضوًا، ونص انتقالي يقضي بعودة كل المستبعدين فور إقرار الدستور إلى مناصبهم السابقة على العمل بالدستورية.

ومن أبرز تصريحاتها «القاضي الدستوري لا يجوز أن يصمت حين تهدد أركان الدولة أو تهدد حقوق وحريات المواطنين، وبالتالي عليه أن يتحدث»، وهو ما دعاها إلى الوقوف في وجه الجماعة التي حاولت النيل منها وإبعادها عن المشهد بعد التصدي لهم.

ساهمت بالرأي عبر وسائل الإعلام والصحافة في كل ما يتصل بمسار المرحلة الانتقالية وطالبت مبكرا بأن يوضع الدستور قبل بناء المؤسسات سواء التشريعية أو التنفيذية، كما طالبت بفترة انتقالية توضع فيها بنية أساسية تمكن الثوار من الحريات العامة وتهيئة البيئة الحاضنة للديمقراطية وانتقدت إجراء انتخابات مبكرة في ظل اختلال الموازين بين القوى الاجتماعية وعدم فتح مسام الوطن بالحريات العامة.

تحية لتهاني الجبالي الذي كانت تمثل لنا نموذجا فذا للقاضي العدل الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها سلطة القضاء، ولم يجذبها النفوذ الدستوري ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

المراجع:

1- طارق عبد الحميد : تهاني الجبالي.. وداعًا، مقال منشور بجريدة الوفد المصرية، الأحد, 16 يناير, 2022 - 8:42 م.

2-أحمد السعيد وآخرون: تهاني الجبالي.. وداعًا المرأة الحديدية، البوابة نيوز، الأحد 09/يناير/2022 - 09:40 م

3-فاطمة ناعوت: تهانى الجبالى.. الماعت.. وداعًا!، المصري اليوم ، الإثنين 10-01-2022 02:30.

4- أحمد الساعاتي: وداعًا تهاني الجبالي.. صاحبة المنصب القضائي الأعلى في تاريخ مصر، البوابة نيوز، الأحد 09/يناير/2022 - 04:26 م.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5615 المصادف: 2022-01-19 03:03:56


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5741 المصادف: الاربعاء 25 - 05 - 2022م